دراسة الفاضل النراقي الاول و اساتذته

قاسم المالكي

مر شيخنا العلامة محمد مهدي النراقي في دراسته بثلاث مراحل:

المرحلة الاولى: دراسته في كاشان، و الثانية في اصفهان و الثالثة في العتبات المقدسة .

اولا: في كاشان:

ففي كاشان درس المقدمات من صرف و نحو و بلاغة و منطق و قسم من سطوح الفقه و الاصول.

و لم يعرف من اساتذته في هذه المرحلة سوى المرحوم ملا محمد جعفر بيدگلي (1) و قد وصف بانه رئيس العلماء في كاشان حيث كان المجتمع يكن له عميق الاحترام و التقدير و قد كان احد أساتذة الاخلاق و لعل ذلك له اثر في نشأة شيخنا النراقي الاخلاقية و قد حمل شيخنا محمد مهدي النراقي في نفسه معاني اخلاقية فطرية عالية و في وقت مبكر من حياته المباركة، و شهدت له على ذلك مجموعة حوادث منها عندما كان يتردد على مدرسته في كاشان و من حسن تعامله مع اقرانه من الطلاب فقد نال احترامهم و وثقوا به منذ صغر سنه، و هذا الاساس الاخلاقي المتين كان له اكبر الاثر في طبيعة دراساته و كتاباته و قد انعكست اخلاقه انعكاسا واضحا في كتابه جامع السعادات.

و قد أشار الى ذلك الشيخ محمد رضا المظفر في معرض تقييمه للكتاب فهو يقول: و في نظري ان قيمة جامع السعادات في الروح المؤمنة التي تقرأها في ثناياه اكثر بكثير من قيمته العلمية (2) .

ثانيا: في اصفهان:

تعتبر مرحلة دراسة شيخنا النراقي الاول في اصفهان المرحلة الاهم في سيرته الدراسية، و يعد المولى اسماعيل الخاجوئي اكثر أساتذته تأثيرا على شخصيته و قد كان من اساتذة الفلسفة المنتمين الى مدرسة ملا صدرا الشيرازي حيث تنتهي تلمذته اليه كما كان ملا محراب الشهير و القائل بوحدة الوجود من طلابه و الذي دفع ضريبة المطاردة لقوله بذلك و عندما قدم الى العتبات المقدسة متخفيا وجد في الحرم شيخا ناسكا يسبح بلعن ملا صدرا و ملا محراب و لما سأله عن السبب في لعنهما قال لانهما يقولان بوحدة واجب الوجود فقال انهما يستأهلان منك اللعن حقا؟ ! (3) و هذا يعبر عن طبيعة الصراع العقائدي السائد آنذاك و كيف يكون دخل الجهال فيه.

و من الجدير بالذكر ان الشيخ محمد مهدي النراقي لا يقول بوحدة الوجود.

و من الاساتذة الآخرين الذين حضر النراقي درسهم هو الشيخ محمد بن حكيم محمد زمان الكاشاني و يعتبر محمد حكيم من مشايخ الاجازة بالاضافة الى تبحره في العلوم الاخرى (4) و عن طريق استاذه هذا اتيحت له الفرصة للاطلاع على علوم الحديث و أسناده...

و أما استاذه الآخر فهو مهدي الهرندي الذي وصف بالفضل و العلم و العرفان (5) .

و قد درس في اصفهان جميع فنون العلوم من الفقه و الحديث و التفسير و اصول الفقه و الحكمة و العلوم الرياضية بجميع اقسامها كعلم الحساب و الهندسة، و كان من اساتذته في الرياضيات آقا ميرزا نصير الاصفهاني (6) ، و كان من اكابر علماء الرياضيات و الفلك و علم الطب، و درس كذلك علم الكلام كما تعلم العبرية و اللاتينية كما ذكر ذلك ارباب التراجم.

و كذلك عاش النراقي معركة الدعوة الى التصوف التي كانت مساحتها مدينة اصفهان و يظهر مقدار استفادة شيخنا النراقي من هذه العلوم من خلال كثرة مؤلفاته و كتاباته في مختلف الفنون (7) .

ثالثا: في العتبات المقدسة:

هاجر شيخنا محمد مهدي النراقي الى العتبات المقدسة، النجف و كربلاء لينتهل من منهلها العلمي و الروحي العذب و عندما وصل اليها كانت المعركة بين الاخبارية و الاصولية على أشدها.

حيث جلس الوحيد البهبهاني على كرسي التدريس الاصولي في كربلاء المقدسة و جلس بقربه الشيخ يوسف البحراني إمام الاخبارية في وقتها و كان النقاش بين العلمين حادا و طويلا.

و لم يكن الشيخ محمد مهدي النراقي مبتدأ في العلم و إنما جاء و هو مسلح بمختلف العلوم و فنونها كما يظهر من طبيعة دراسته في مدينة اصفهان فاراد بحضوره و استماعه لدروس العلمين ان يطلع عن كثب على آرائهم و افكارهم و يتزود بما يبدعانه من معارف و أدلة و براهين .

و تتلمذه على هذين العلمين، بالاضافة الى استاذ اخباري آخر هو الشيخ محمد الفتوني (8) منحته الخبرة الكافية بهاتين المدرستين و بذا تكون كتاباته في هذا الباب لها نكهتها و دلالتها الخاصة.

و كان من انتاجه في هذه الفترة عام (1178ه) رسالة في الاجماع، حوت هذه الرسالة استدلالات بالادلة العقلية و النقلية تثبت حجية الاجماع و تعتبره احد الادلة الشرعية الاربعة (الكتاب السنة العقل الاجماع) .

و كان الاخباريون يعارضون الاجماع بشدة و يكتفون في الادلة بالكتاب و السنة و لا يعتبرون العقل و الاجماع من الادلة، و يبدو أن هذه الرسالة كانت مورد قبول من الجميع بحيث لم نشاهد اعتراضا عليها حتى من قبل الاخباريين انفسهم فضلا عن الاصوليين (9) .

و هذه آخر مراحله الدراسية و بعدها استقل في التدريس والتأليف و تقديم الخدمات الاجتماعية والدينية، بعد عودته الى كاشان و تأسيسه مركزا علميا تشد اليه الرحال بعد ان كانت كاشان مقفرة من العلم و العلماء.

الهوامش:

.1 مقدمة قرة العيون صفحة 7، ملا مهدي النراقي لعبد الرحيم أبا ذري ص .24

.2 مقدمة المظفر لكتاب جامع السعادات للنراقي.

.3 مقدمة جامع السعادات.

.4 روضات الجنات 1/ .425

.5 أعيان الشيعة 10/ .167

.6 مقدمة قرة العيون ص .52

.7 مقدمة حسن النراقي للمعة الالهية ص 9، كتاب منادي اخلاق ص .35

.8 مقدمة كتاب قرة العيون ص .10

.9 مقدمة كتاب قرة العيون ص .11