الإسراف على ضوء الشريعة

الشيخ محمد الرحماني

اتسم موقف النظام الاقتصادي في الإسلام بالرفض والشجب لظاهرة الاسراف معتبرا ذلك على حد الكفر ؛ كما اعتبرت حالة الرفاه واليسر المعاشي والمالي أمرا ممدوحا حتى عد المثابرة عليه من العبادات والواجبات .

لقد سعى النظام الاقتصادي الاسلامي إلى مكافحة الفقر لا من خلال التنظير فحسب ، بل من خلال وضع خطوات وبرامج عملية في هذا الاتجاه . ومن جملة تلك البرامج تشديده في رفض ظاهرة الإسراف والتبذير .

وتتجلى أهمية البحث في هذه الظاهرة إذا ما ألقينا بنظرة على العواقب والأضرار الوخيمة التي تتحملها المجتمعات جراء هذا الانحراف الخطير الذي يمكن عن طريق معالجته رفع كثير من المشاكل الاقتصادية في بلادنا .

وكنموذج لما تفرزه هذه الحالة المرضية من أضرار ننقل ما جاء في تقرير رئيس لجنة الميزانية والتخطيط بمجلس الشورى الاسلامي في ايران المنشور سنة (1374 ش) :

«يبلغ حجم المساعدة المالية لدعم رغيف الخبز لهذا العام (300) مليار تومان ، ويخمن أن يتم توفير (30) مليار تومان في حال ما إذا تمت الاستفادة الصحيحة من الخبز بنسبة عشرة بالمئة فقط» .

وجاء في تقرير آخر أيضا لنفس العام :

«يهدر سنويا ثلاثة ملايين طن من الخبز بما معادله (360) مليون دولار في الجمهورية الاسلامية» (1) .

وثمة إحصاءات كثيرة من هذا القبيل ربما تجاوزت ذلك بكثير في السلع الاستهلاكية الاخرى كالبنزين والوقود والورق والماء والدواء والفواكه وغير ذلك ، مما يطول الكلام بالتعرض له ولا مجال لذكره هنا .

ويحاول هذا المقال الذي كتب بمناسبة المؤتمر العلمي للفاضلين النراقيين 0 ، تسليط الضوء على ما حرره يراع فقيه عصره العلامة المحقق أحمد النراقي في موضوع الإسراف . وقبل البدء في تفاصيل البحث نرى من المناسب أن نذكر ببعض النقاط النافعة التالية :

1ـ يعتبر موضوع الإسراف حريا بالبحث بشكل مستوعب من جهات وزوايا عديدة ، إلا أنا سنقتصر في هذا المقال على بحث الجنبة الفقهية فيه حسب .

2ـ بالرغم من كون البحث من البحوث الابتلائية ، إلا انه لم يطرح في كتبنا الفقهية بشكل مستقل ، وإنما تم بحثه بشكل استطرادي ومبعثر كمناسبة البحث في مسألة تزيين المساجد والوضوء والتطيب وغيرها .

3ـ لقد ركز المحقق النراقي في إطار بحثه الفقهي للموضوع على التحقيق اللغوي لمعنى الإسراف ، وتنقيح موضوعه .

4ـ تناول المقال علاوة على نقل آراء المحقق النراقي مناقشة تلك الآراء ودراستها .

التعريف اللغوي:

لا شك أن لتبيين مفهوم الإسراف وتحديده أثرا في بيان الحكم الشرعي ، وذلك باعتبار أن المنشأ في الكثير من الاشكالات هو غموض المفهوم ، مما يؤول إلى الشك والترديد في بعض المصاديق ، ويشهد لذلك استعمال لفظ الاسراف الوارد في الكتاب والسنة في مصاديق عديدة ومختلفة ؛ ولذا سوف يتركز البحث أكثر في هذه النقطة باعتبارها القاعدة والأساس فيه :

عرف الإسراف عند الفراهيدي بما يقابل الاقتصاد ، قال : «الإسراف نقيض الاقتصاد» . كما عرفه بقوله أيضا : «السرف : الجاهل . . . والسرف : الخطأ» (2) .

وعرفه ابن الأثير بمعان مختلفة : «السرف في حديث ابن عمر (فإن بها سرحة لم تعبل ولم تسرف) أي لم تصبها السرفة وهي دويبة صغيرة تثقب الشجر تتخذه بيتا» . وفسره في موضع آخر بالغفلة فقال : «وقيل : أراد بالسرف الغفلة . يقال : رجل سرف الفؤاد أي غافل» . وفسره في موضع آخر بمعنى الإسراف والتبذير فقال : «وقيل هو من الإسراف والتبذير في النفقة لغير حاجة أو في غير طاعة الله» . ثم ذكر أخيرا أن الإسراف قد ورد في الأحاديث كثيرا ، والغالب على ذكره الإكثار من الذنوب والخطايا (3) .

وعرفه ابن فارس بمعان مختلفة أيضا فقال : «سرف : السين والراء والفاء أصل واحد يدل على تعدي الحد والإغفال . . . ويقولون إن السرف أيضا الضراوة» . واعتبر مجيئه بمعنى الدويبة شاذا حيث قال : «وما شذ عن الباب السرفة : دويبة تأكل الخشب» (4) .

وعرفه الراغب بتجاوز الحد : «السرف : تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الانفاق أشهر» (5) .

وذكر صاحب المصباح المنير أن السرف معناه تجاوز القصد والاعتدال فقال : «أسرف إسرافا : جاز القصد . والسرف ـ بفتحتين ـ اسم منه ، وسرف سرفا من باب تعب : جهل أو غفل فهو سرف ، وطلبتهم فسرفتهم بمعنى أخطأت أو جهلت» (6) .

واعتبره ابن منظور ـ كغيره ـ يجي‏ء بمعان عديدة ، منها : التجاوز عن القصد ، قال : «إن السرف والإسراف مجاوزة القصد ، وأسرف في ماله : عجل من غير القصد ، وأسرف في الكلام وفي القتل : أفرط ، والسرف : الخطأ بمعنى وضع الشي‏ء في غير حقه ، والسرف : اللهج بالشي‏ء والسرف : ضد القصد . وأكله سرفا : أي في عجلة» (7) .

وعد الطريحي من معانيه أكل المال حراما ، قال : «قوله تعالى : (ولا تسرفوا)، الإسراف : أكل ما لا يحل ، وقيل : مجاوزة القصد في الأكل مما أحل الله . وقيل : ما انفق في غير طاعة الله تعالى» (8) .

تحقيق الفاضل النراقي قدس سره:

ذكر النراقي قدس سره بعد التعرض لكلمات اللغويين والمفسرين أن المستفاد من كلماتهم هو خمسة عشر معنى ، هي :

1ـ الإغفال . 2ـ الجهل . 3ـ الخطأ . 4ـ الخطل . 5ـ التبذير . 6ـ ضد القصد . 7ـ مجاوزة الحد . 8ـ المجاوزة عن حد الاستواء . 9ـ الانفاق لغير حاجة . 10ـ الانفاق في غير حقه . 11ـ الانفاق في غير طاعة الله . 12ـ الانفاق في المعصية . 13ـ الإكثار من الذنوب . 14ـ ما استقبحه العقلاء . 15ـ الجهل الخاص الذي هو الجهل بمقادير الحقوق .

ثم قال في مقام الاستنتاج : إن المعنى الأول والثاني والخامس عشر تتحد في معنى واحد ، وكذا المعنى الثالث والرابع يتحدان في معنى واحد ، وأيضا يتحد المعنى الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والثالث عشر ، فإن مرجعها إلى معنى واحد .

فيعود مجموع المعاني إلى خمسة : 1ـ الجهل . 2ـ الخطأ . 3ـ تجاوز الحد . 4ـ الانفاق في المعصية . 5ـ ما استقبحه العقلاء .

ولما لم يكن إرادة المعنيين الأولين ـ أي الجهل والخطأ ـ من الإسراف في المال ـ الذي كلامنا فيه وغرضنا بيانه ـ إلا بنوع إرجاع إلى أحد الثلاثة الأخيرة ، فالمعنى الذي يمكن إرادته من الإسراف في المال هو أحد هذه الثلاثة .

بل لما كان كل مجاوزة عن الحد في المال مستقبحا للعقلاء ، وكل مستقبح فيه مجاوزة عن الحد ، تعود المعاني الممكن إرادتها من هذه المعاني إلى أحد معنيين : الانفاق في المعصية ، ومجاوزة الحد ، ويمكن أن يكون المعنى الأول أيضا فردا من الثاني ، فإن الانفاق في المعصية أيضا تجاوز عن الحد ، فالأصل في معنى الإسراف عند النراقي هو «تجاوز الحد» وما عداه مصداق لذلك (9) .

تعريف «الحد» عند النراقي:

اتضح مما سبق أن تجاوز الحد إن لم يكن هو المعنى المتعين للإسراف ، فلا أقل من كونه معنى متفقا عليه عند اللغويين جميعا ، وبذلك ينفتح البحث عن تعريف «الحد» الذي يتحقق الإسراف بتجاوزه .

وقد بحث العلماء في تعريفه ، ولعل أفضل من حقق معناه هو الفاضل النراقي ، فقد ذهب إلى أن الحد الذي بتجاوزه يتحقق معنى الإسراف هو حد الاستواء والحد الوسط ، أي الحد ما بين الإسراف والتقتير ، وقد عزز ذلك بجملة من الآيات والروايات ، قال : «حد الاستواء والوسط أي بين التقتير الذي هو التضييق وبين الإسراف ، وهو الذي يسمى بالقصد والاقتصاد ؛ لأنه بمعنى التوسط والاعتدال في الامور» (10) .

ويستشهد لذلك بقوله سبحانه : (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) (11) وقد فسر «القوام» في بعض الأخبار بالحد الوسط (12) .

وقوله سبحانه : (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط . . .) (13) .

وقول الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل عن تفسير قوله تعالى : (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) (14) قال : «العفو : الوسط» .

وغير ذلك من الآيات والروايات الواردة بهذا المضمون في تفسير الحد بالوسطية والاعتدال .

المعيار في الحد الوسط ومصاديقه:

لابد هنا من تعيين المراد بحد الاعتدال لكي تتكون عندنا رؤية واضحة عن ذلك ، وإلا كان الإبهام باقيا بحاله .

وهنا طرح المحقق النراقي قدس سره تصوره عن المعيار في تشخيص حد الاعتدال ، ولم يكتف بذلك بل زاد المصاديق في الخارج .

وقد رجع هنا إلى العرف في تشخيص ومعرفة المعيار في حد الاعتدال ، ثم ذكر ثلاثة مصاديق كلية لذلك ، قال قدس سره : ثم المراد بالوسط الذي يكون التجاوز عنه إسرافا : هو ما يسمى وسطا عرفا ؛ لأن المرجع في معرفة الحقائق اللغوية هي المصاديق العرفية ، فالمرجع في معرفة الوسط هو العرف ، والوسط في العرف : هو صرف المال في القدر المحتاج إليه ، أو اللائق بحال الشخص ، فكل صرف مال وإنفاق لم يكن كذلك فهو يكون إسرافا ، سواء لم يكن صرفا وإنفاقا بل كان : 1ـ تضييعا وإتلافا ، أو كان : 2ـ صرفا ولم يكن لائقا بحاله ، أو كان : 3ـ مما لا يحتاج إليه (15) .

ثم نقل على كل واحد من هذه المصاديق شواهد من الأخبار .

التعريف الاصطلاحي:

بالرغم من رجوع المعنى الاصطلاحي للإسراف إلى المعنى اللغوي بحيث لا يرى بينهما فرق فارق ، إلا أن ثمة اختلافا بين المصاديق والموارد ، فقد تقدم أن للإسراف لغة معاني عديدة ، وأن الأصل في الجميع هو تجاوز الحد وما عداه مصداق له.

وأما المعنى الاصطلاحي للإسراف فهو أخص من المعنى اللغوي ؛ لأن تجاوز الحد الذي يستقبحه العقلاء يعد إسرافا ، ثم نقل ـ بعد البحث في المعيار الذي يتحقق الإسراف بتجاوزه ـ كلاما عن المحقق الأردبيلي قدس سره ذكر فيه أن الإسراف صرف المال فيما يستقبحه العقلاء ، أو فيما لا ينبغي (16) .

وذكر المحقق السيد الخوئي قدس سره في بيان الإسراف اصطلاحا : «أن أدلة حرمة الاسراف لا تشمل تزيين المساجد ، لتقوم الإسراف بفقد الغرض العقلائي» (17) .

فاذا الإسراف ليس هو مطلق التجاوز عن الحد ، بل التجاوز الذي لا يكون فيه غرض عقلائي ويستقبحه العقلاء .

المقارنات:

ينبغي بعد اتضاح تعريف مفهوم الإسراف أن نشير إلى بعض الألفاظ ذات الصلة بذلك . ومن تلك الألفاظ :

أ ـ التبذير :

ذكر أكثر اللغويين أن التبذير هو بمعنى التفريق ، ويستعمل ذلك في المال الضائع . قال الراغب الأصفهاني : التبذير : التفريق ، وأصله إلقاء البذر وطرحه فاستعير لكل مضيع لماله (18) .

وعليه فإن الفارق بين التبذير والإسراف هو أن صرف المال في غير مورده يعد تبذيرا ؛ لأن معنى التبذير هو تضييع المال ، كما أن معنى الاسراف هو صرفه في مورده ولكن مع تجاوز الحد .

وتنبغي الإشارة إلى أن كثيرا من الموارد يستعمل فيها الإسراف بمعنى التبذير .

ب ـ التقتير :

وهو كما قال ابن الأثير : «التضييق على الانسان في الرزق . يقال : قتر الله رزقه ؛ أي ضيقه وقلله» (19) .

وبذلك فسره الفيومي أيضا ، قال : «وقتر على عياله قترا وقتورا ـ من بابي ضرب وقعد ـ : ضيق في النفقة» (20) فالتقتير ضد الإسراف .

وبعبارة ثانية : الإسراف : إفراط ، والتقتير : تفريط .

ج ـ القوام :

القوام هو بمعنى الاعتدال والحد الوسط ، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى . قال الفيومي : «القوام ـ بالكسر ـ ما يقيم الإنسان من القوت ، والقوام ـ بالفتح ـ العدل والاعتدال . قال الله تعالى : (وكان بين ذلك قواما) (21) : أي عدلا . وهو من القوام أي الاعتدال» (22) .

فالقوام هو الحد الوسط بين التقتير والإسراف .

حكم الاسراف:

لا شك أن المهم في المقام هو البحث عن حكم الإسراف ، وتتأكد أهمية البحث إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار عدم تعرض الفقهاء لبحث المسألة بشكل مستقل ومستوفى ، مقتصرين على بحثه ضمن بعض الموارد ، مثل حرمة تزيين المسجد ، والإسراف في استعمال ماء الوضوء وما شاكل ذلك . وكان من المناسب التعرض لحكمه وأقسامه وحالاته بشكل مستقل . وعلى كل حال فقد بحث المحقق النراقي قدس سره ذلك معتبرا الحكم فيها (وهو الحرمة) أمرا مسلما مستدلا على ذلك بالآيات والروايات والإجماع ، والأهم من ذلك دعوى ضرورة الدين عليه . وسوف نبدأ أولا بطرح آرائه ثم ملاحظة ذلك ودراسته :

أولا ـ ضرورة الدين :

وهي مما تمسك به المحقق النراقي لإثبات حرمة الإسراف فقال فيما يستدل به على الحكم : «ويدل عليه الإجماع القطعي بل الضرورة الدينية والآيات الكثيرة» (23) .

ثانيا ـ الإجماع :

وقد استدل به في عدة مواضع من بحثه ، وخلص بعد الاستدلال بالكتاب والأخبار إلى القول بأن الظاهر أن الاجماع على حرمته ـ بعد الآيات المذكورة ـ كفانا مؤونة الاشتغال ببيان ذلك (24) .

المناقشة:

إن دعوى قيام الضرورة الدينية على حرمة الإسراف غير تامة على إطلاقها ؛ إذ ثمة مصاديق وقعت موردا للنقاش والبحث ، بل صرح بجوازها من بعض المعاصرين ، ودعوى الضرورة إنما تتم فيما لو كانت جميع الأفراد خالية عن الاشكال والترديد .

وأما الإجماع ، فهو إما مدركي أو محتمل المدركية على أقل تقدير ، فلا يكون كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام .

ثالثا ـ العقل :

وذلك بأن يقال : إنه قد تقدم أن الإسراف اصطلاحا هو صرف المال فيما يستقبحه العقلاء أو فيما لا ينبغي ، ويشهد لذلك ما نقلناه عن المحقق الأردبيلي حيث عرفه بذلك أيضا .

ومن الواضح أن ما يستقبحه العقلاء يستقبحه العقل أيضا ، وما يستقبحه العقل غير جائز كما لا يخفى ، والمراد بحكم العقل هو إدراك العقل .

المناقشة :

انه لو سلمنا بقبح الإسراف عقلا وعقلائيا ، فهذا لا يثبت إطلاق الحكم ، لكون العقل دليلا لبيا لا لفظيا ، والدليل اللبي لا إطلاق فيه ليتمسك به في مورد الشك .

رابعا ـ الكتاب العزيز :

وهو أهم الأدلة على التحريم ، وقد وردت آيات عديدة في بيان الحكم ، واستعملت مادة «سرف» في ثلاثة وعشرين موضعا من القرآن . في سبعة منها ورد النهي عنه صريحا ، وفي الباقي ظاهر إن لم يكن صريحا أيضا .

وعلى أي حال فإن دلالة الكتاب على الحرمة أمر مسلم ، ولكن الكلام في دائرة إطلاق الآيات ومدى شمولها .

وفيما يلي نستعرض بعض الآيات التي استدل بها المحقق النراقي قدس سره :

1ـ قوله تعالى : (إن المسرفين هم أصحاب النار) (25) .

وهي لا تقرر حرمة الإسراف فحسب ، بل تدل على انه من الكبائر ، للتوعد عليه ، وقد ذكر العلماء أن التوعد على الذنب في الكتاب يدل على كونه من الكبائر .

قال السيد الطباطبائي اليزدي قدس سره في بيان حد الكبيرة أنها «كل معصية ورد النص بكونها كبيرة أو ورد التوعيد بالنار عليها في الكتاب أو السنة صريحا أو ضمنا» (26) .

وقد وافقه على ذلك المعلقون على العروة ، وعليه فلا كلام في دلالة الآية على الحرمة ، بل ولا على كون الاسراف من الكبائر ، كما انه لا يبعد القول بإطلاقها وشمولها لجميع ما يصدق عليه الإسراف ، مضافا إلى أن كلمة (المسرفين) هي جمع محلى بالألف واللام وهو من ألفاظ العموم كما تقرر في الاصول سيما مع دخول أداة التأكيد (إن)، ووجود ضمير الجمع . فيكون التأكيد سابقا ولاحقا في الآية .

وعليه فالآية دالة على حرمة كل اسراف في المشرب أو المأكل أو الملبس أو المسكن أو الزينة أو غير ذلك من الامور .

2ـ قوله تعالى : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين) (27) . وقد وردت آيات اخرى بهذا المضمون .

ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الآية بتقريبين :

التقريب الأول : إن الآية قد نهت عن الإسراف ، وقد ذكر الفقهاء أن النهي يدل على الحرمة ، وهذا مما لا خلاف فيه . إنما الخلاف في أن دلالتها على الحرمة هل هو من باب الوضع أو حكم العقل ؟ وإذا كانت من باب الوضع فما هو نحو الدلالة وكيف ؟ وقد ذكرت في ذلك أقوال عديدة لا يهمنا التعرض لها ؛ لعدم تأثير ذلك في البحث .

التقريب الثاني : التمسك بقوله : (لا يحب المسرفين) في الدلالة على الحرمة ، فانها صريحة في عدم حبه تعالى للإسراف والمسرفين ، وما لا يحبه الله تعالى لا يكون جائزا .

المناقشة :

ويمكن المناقشة في كلا التقريبين :

أما التقريب الأول : فانه وإن دل على الحرمة ، ولكنه أخص من المدعى ، لأن مدعانا هو حرمة الإسراف مطلقا ، وما ورد في الآية هو الحرمة في المأكل والمشرب ، فتكون الآية دالة على ذلك خاصة .

وقد يجاب عن الاشكال الثاني : بأن صدر الآية وارد في حرمة الإسراف في المساجد، ومن جهة اخرى علل الحكم بعدم المحبة منه سبحانه ، فهاتان قرينتان تدلان على عموم الحرمة ، سيما مع ضعف دلالة السياق ، وعدم مقاومتها مع هاتين القرينتين .

وأما التقريب الثاني فانه يرد عليه : أن عدم الحب أعم من التحريم بما يشمل الكراهة أيضا ، فعدم الحب ليس معناه البغض دائما ؛ إذ ثمة امور لا يحبها الشارع ولكنها مكروهة وليست محرمة .

وقد ناقش الفقهاء والمفسرون هذا الإشكال ، قال أمين الإسلام الطبرسي في تفسيره بعد قوله سبحانه : (انه لا يحب المسرفين) : «أي يبغضهم ؛ لأنه سبحانه قد ذمهم به ، ولو كان بمعنى لا يحبهم ولا يبغضهم لم يكن ذما ولا مدحا» (28) ، هذا أولا .

وثانيا : إن الآية جعلت عدم حبه سبحانه للمسرفين لا للإسراف ، فيكون معنى الآية : أن الله لا يحب المسرفين لإسرافهم ، فتدل بالدلالة الالتزامية على حرمة الاسراف .

وبعبارة أدق : إن تعليق الحكم (عدم الحب) على الوصف مشعر بالعلية .

3ـ الآيات التي اقترن فيها الإسراف بطلب المغفرة والصفح ، مثل قوله تعالى : (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) (29) .

وتقريب الاستدلال فيها هو أن طلب المغفرة دليل على حرمة الإسراف ، وإلا فلا موجب للاستغفار كما هو واضح ، فدل طلب الاستغفار إذا على حرمة العمل المستغفر منه .

ويمكن أن يناقش في ذلك : بأعمية الاستغفار من العمل المحرم ؛ لاجتماعه مع الكراهة أيضا ، إلا أن يقال : بأن منشأ الظهور في الحرمة هو تعلق الغفران بالإسراف بشكل يرتفع الإشكال معه .

التقريب الآخر للآية هو أن لفظ (إسرافنا) قد عطف على (ذنوبنا)، ومقتضى ظهور وحدة المعطوف والمعطوف عليه هو كون الإسراف معصية ، فإذا ثبت كونه معصية كان حراما للملازمة بين المعصية والحرمة كما هو واضح .

هذه بعض الآيات الدالة على الحكم ، وهي شاملة لجميع موارد الإسراف ، إلا أن تكون قرينة على عدم الحرمة ، وهناك آيات اخرى يطول البحث بذكرها والاستدلال بها .

اعتراض ، وجواب للمحقق النراقي قدس سره:

قد يعترض على اطلاق الآيات السابقة بأن ثمة ما يدل من الروايات على نفي حرمة الإسراف في مثل التطيب والوضوء والحج والعمرة ، مما يخدش باطلاق الآيات السابقة .

وقد طرح هذا الاعتراض المحقق النراقي ثم أجاب عليه ، قال قدس سره : «وأما ما ورد في بعض الأخبار من انه لا إسراف في الطيب ، أو الوضوء ، أو في الحج والعمرة ، أو في المأكول والمشروب ، فليس المراد نفي حرمة الإسراف فيها ، حتى انه لو رش أحد فضاء بيته وسطوحه وباب داره بماء الورد أو بطلي أبواب بيته وجدرانه بالمسك والعنبر ولو كان فقيرا جاز ذلك ولم يكن مسرفا ، وكذا إذا أسرج المشاعل في النهار أو نحوه ، وكذا في البواقي . بل المراد أن الإكثار في هذه الامور مطلوب ، والتجاوز عن الحد في الجملة فيها معفو ، مع أنه ورد : أن عدم الإسراف في المأكل لأنه لا يضيع بل يأكله الآكلون ، ولو سلم فانما يكون من باب الاستثناء» (30) .

وسيأتي تفصيل جوابه فيما بعد .

خامسا ـ الروايات :

وهي أكثر الأدلة تفصيلا ، وقد أورد منها المحقق النراقي سبع عشرة رواية ، وقال بعد إيرادها : «وبعض هذه الأخبار وإن لم يفد أزيد من المذمة ، أو المرجوحية ، أو حسن تركه ، إلا أن النهي الصريح الوارد في الآيات العديدة وفي بعض الأخبار ، والتصريح ببغضه سبحانه له في بعض آخر ، وبكونه آلة الهلاك في ثالث ، وعده من الكبائر في رابع ، كما عده بعض علمائنا أيضا [ يدل على الحرمة ]» (31) .

ويفهم من كلامه انه يمكن تقسيم هذه الروايات من جهة المضمون إلى أربع طوائف :

الطائفة الاولى : الروايات الدالة على كون الإسراف مكروها وتركه مستحبا .

الطائفة الثانية : الروايات الدالة على أن الاسراف منهي عنه ومحرم .

الطائفة الثالثة : الروايات الدالة على أن الاسراف سبب للهلاك ومبغوض للشارع .

الطائفة الرابعة : الروايات الدالة على كون الإسراف من الكبائر .

وفيما يلي نورد بعض النماذج من الطوائف الثلاث الأخيرة رعاية للاختصار ، وأما الطائفة الاولى فهي خالية من الدلالة على المطلوب:

نصوص الطائفة الثانية:

عن سعد بن صدقة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ـ في حديث طويل ـ قال : «وفي غير آية من كتاب الله انه لا يحب المسرفين فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير . . . إن أصنافا من امتي لا يستجاب لهم دعاؤهم . . . ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ثم أقبل يدعو : يا رب ارزقني ، فيقول الله عزوجل : ألم أرزقك رزقا واسعا فهلا تصدقت فيه كما أمرتك ولم تسرف ، وقد نهيتك عن الإسراف ؟ ! » (32) .

وفي الرواية فقرات يستدل بها:

الفقرة الاولى : ما ورد في صدرها من الاشارة إلى الآيات الذامة للإسراف ، وأن الله تعالى لا يحب المسرفين ، وتأكيد الامام عليه السلام على أن الله قد نهى عن الإسراف ، ثم بعد ذمه عليه السلام للاسراف قال : ان الله قد نهى عنه .

وواضح ان النهي ظاهر في الحرمة ، إلا أن تقوم قرينة على الخلاف ، وقد وردت روايات بهذا المضمون ، منها رواية عامر بن جذاعة عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : انه قال لرجل : «اتق الله ولا تسرف ولا تقتر ، ولكن كن بين ذلك قواما . إن التبذير من الإسراف» (33) .

وقد وردت روايات كثيرة عن الأئمة عليهم السلام في النهي عن الإسراف لم يوردها المحقق النراقي . منها رواية محمد بن خالد (34) وإسحاق بن عمار (35) .

ولا كلام في دلالة هذه الروايات على أصل الحرمة ؛ وذلك لدلالة النهي على الحرمة كما تقرر في علم الاصول ، سواء كانت دلالته بحكم العقل أو الوضع . إنما الكلام في دائرة إطلاق هذه الروايات ومقدار شمولها .

ولا يبعد القول بشمول الروايات لجميع موارد الإسراف ، ولكن ثمة روايات كثيرة تدل على عدم حرمة الإسراف في مواضع خاصة كالحج والعمرة والتطيب . وقد تقدم الجواب على هذا الكلام عند البحث في الآيات .

وعلى هذا الأساس فإن هذه الروايات تعد مرجعا عند الشك في الإطلاق .

وأما سندها فانه بالرغم من ضعف بعضها إلا انه يمكن القول بتواترها المعنوي ، ولا أقل من استفاضتها . ولكن رواية مسعدة تامة السند ، لأن الكليني رواها عن علي بن ابراهيم ـ صاحب التفسير ـ عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة ، وجميع هؤلاء قد ورد فيهم توثيق خاص ، فروايات الطائفة الثانية إذا ـ بما فيها رواية مسعدة ـ تامة الدلالة على المطلوب .

نصوص الطائفة الثالثة:

ومن روايات هذه الطائفة ما رواه عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : «ما من نفقة أحب إلى الله عزوجل من نفقة قصد ، ويبغض الإسراف إلا في الحج والعمرة» (36) .

وهذه الرواية تدل على كون الإسراف مبغوضا ، ودلالتها تتوقف على إثبات كون كل مبغوض حراما ، وثبوته غير بعيد . والنقض بالمكروهات وكونها مبغوضة أيضا مع عدم كونها محرمة ، غير تام ؛ وذلك لأن المكروهات إذا كانت مبغوضة للشارع فإن الترخيص فيها حينئذ غير معقول .

وعليه فإنه يمكن القول بصحة دلالة الروايات المذكورة .

ولكن يمكن الخدشة في اطلاقها لورودها في الإنفاق ، فلا تشمل إلا موارد الإسراف في الانفاق .

ويقال في الجواب على ذلك :

أولا : ان بعض هذه الروايات وارد في غير الانفاق .

ثانيا : انه يمكن إثبات الحرمة للإسراف في غير الانفاق بتنقيح المناط ؛ إذ لو كان الإسراف في الانفاق محرما مع كثرة ما ورد في الترغيب فيه ، فإن حرمة الإسراف في غيره بطريق أولى .

وأما من جهة السند فإن ابن أبي يعفور ـ وهو عبد الله بن أبي يعفور ـ وإن ورد فيه توثيق خاص إلا أن سند الشيخ الصدوق إليه غير صحيح ؛ لاشتماله على أحمد بن محمد بن يحيى العطار (37) .

نصوص الطائفة الرابعة:

ومن الروايات التي استدل بها المحقق النراقي أيضا ما رواه الشيخ الصدوق في عيون اخبار الرضا عليه السلام في الذنوب الكبيرة ، فقد ذكر عليه السلام للمأمون بعد تعريف الايمان قائلا : «واجتناب الكبائر وهي : قتل النفس التي حرم الله تعالى . . . والإسراف والتبذير . . .» (38) .

والرواية مخدوشة السند ؛ للخدشة في طريق الشيخ الصدوق إلى الفضل بن شاذان ؛ لوجود عبد الواحد بن عبدوس النيشابوري فيه ، وهو مجهول .

وهناك روايات اخرى بنفس المضمون يطول الكلام بذكرها . وما ذكرناه منها في الطوائف الثلاث تام الدلالة لاثبات اصل الحرمة ، وأما من جهة السند فإن رواية مسعدة في الطائفة الاولى تامة سندا ، وروايات الطائفتين الاخريين مخدوشة الاسناد إلا أن من يرى كفاية الوثوق بالصدور في حجية الرواية يمكنه القول بحجيتها من هذا الباب ؛ وذلك لكثرة القرائن المنفصلة والمتصلة مع كثرة النصوص في ذلك البالغ حد التواتر أو الاستفاضة .

وهنا يأتي الاعتراض السابق الذي أثاره النراقي حول دلالة الآيات في خصوص حرمة الإسراف في بعض الموارد . وقد تقدم الجواب على ذلك ، فلا نعيد .

الحكم الوضعي:

بعد إثبات الحكم التكليفي (الحرمة) تصل النوبة إلى إثبات الحكم الوضعي . ولم يتعرض المحقق النراقي للبحث في ذلك ، ولكن تتميما للفائدة نتعرض لذلك بشكل إجمالي :

ونقدم أولا مقدمتين :

الاولى : ان الحكم الوضعي الذي نبحثه هو عبارة عن الضمان ، ويتصور في الموارد التي توجب ضياع حق الغير .

الثانية : ان تحقق الضمان في مورد الاسراف إذا كان الاسراف هو تجاوز الحد ، بمعنى ان تجاوز الحد يقع في كثير من موارد الحكم الوضعي بما فيها الضمان .

وعلى ضوء هاتين المقدمتين فإن كثيرا من موارد الإسراف توجب الضمان ، وهذه الموارد وإن كانت قد تعد قليلة الأهمية ، إلا أن بساطتها تعكس من جهة أهمية بحث الإسراف ، وهذه الموارد هي ما يلي :

1ـ إذا مات المسلم ولم يكن له مال يكفي لكفنه ، اخرج له من مال الزكاة ما يشترى به كفن متعارف ، فإن كان خارجا عن المتعارف فهو إسراف يوجب الضمان على صاحب المال .

قال السيد الخوئي قدس سره : «لا يجوز الإسراف والتبذير فيه ، بل يخرج منه الكفن المتعارف اللائق بشأنه» (39) .

2ـ يتعلق الخمس بالمؤونة الخارجة عن المتعارف ، وصاحب المال ضامن للخمس . قال السيد اليزدي قدس سره : «لو زاد ـ في المؤنة ـ على ما يليق بحاله مما يعد سفها وسرفا بالنسبة إليه لا يحسب منها» (40) .

وقد وافقه المعلقون على ذلك ، كما ذهب إليه المحقق النراقي قدس سره أيضا ، وعليه فالمؤونة السنوية إذا كانت من شأن الشخص فلا خمس فيها ، واما إذا كانت خارجة عن شأنه المتعارف كان ضامنا له (41) .

3ـ ذكر أكثر الفقهاء انه يراعى الاعتدال في كيفية تقسيم سهم بني هاشم (السادة) فلا يكون خارجا عن الحاجة وإلا كان المالك ضامنا . وقال الشهيد الثاني ـ بعد قول المحقق الحلي «يقسم الإمام (42) على الطوائف قدر الكفاية مقتصدا» ـ إن «المراد بالكفاية : مؤنة السنة ، والمراد بالاقتصاد : التوسط في النفقة بحسب عادتهم من غير إسراف ولا إقتار» (43) .

وقد صرح بذلك صاحب الجواهر أيضا (44) .

4ـ ما ورد في بعض الآيات والأخبار من النهي عن الإسراف في العقوبات المالية والبدنية ، وقد وقع الإسراف في أكثرها موضوعا للضمان ، كالإسراف في القتل ، كما لو اقتص أولياء الدم من غير القاتل ، أو مات المحكوم عليه إثر حكم الحاكم ولم يكن حكمه القتل ، فإن من له القصاص أو تنفيذ الحكم ضامن هنا .

وهذا ما نص عليه جملة من الفقهاء وأفتوا به ، منهم المحقق الحلي ، قال قدس سره : «لو أمر الحاكم بضرب المحدود زيادة عن الحد فمات فعليه نصف الدية في ماله إن لم يعلم الحداد ؛ لأنه شبيه العمد . . . ولو أمر بالاقتصار على الحد فزاد الحداد عمدا فالنصف على الحداد في ماله» (45) .

ويتفرع على هذه المسألة فروع اخرى مختلفة ، ففي بعضها يترتب الضمان على العاقلة وفي بعضها على بيت المال . والمهم هو تسليم أصل الضمان في مثل هذه الموارد .

5ـ الضمان عند الاسراف في الحدود والتعزيرات . ويتحمل ذلك المنفذ للحد الشرعي أو التعزير .

6ـ تجاوز حد التأديب فانه موجب للدية ، وقد قدر التأديب الجائز بثلاثة أسواط وأربعة وخمسة حسب اختلاف الأقوال ، وبعض إلى عشرة (46) .

قال السيد الإمام قدس سره : «لو ضرب تأديبا فاتفق القتل فهو ضامن ، زوجا كان أو وليا للطفل أو وصيا أو معلما للصبيان ، والضمان في ذلك في ماله» (47) .

7ـ اسراف الطبيب في العلاج موجب للضمان . قال السيد الإمام قدس سره : «الختان ضامن إذا تجاوز الحد وإن كان ماهرا ، وفي ضمانه إذا لم يتجاوزه ـ كما إذا أضر الختان بالولد فمات ـ إشكال ، والأشبه عدم الضمان» (48) .

8ـ ضمان الأمين إذا أسرف وتجاوز الحد في الأمانة ، كتصرفات الأب أو الجد أو الوصي في أموال اليتيم ، وكذا إسراف العامل في المضاربة ، وغيرهم من الامناء كالمستأجر والمستعير والودعي والملتقط .

9ـ وثمة موارد اخرى لتحقق الضمان في الإسراف يطول المقام بذكرها ، إلا أنا نكتفي بالاشارة إلى مورد واحد مما تتعرض له المجتمعات وتبتلى به وهو الإسراف في استعمال الماء والكهرباء ، وقد استفتي الإمام الخميني قدس سره في ذلك فأجاب : «نظرا لتأكيد الحكومة الاسلامية على الاقتصاد في هذه الموارد فإن الاستعمال الكثير غير المتعارف محرم ، وموجب للضمان إذا تسبب في الاتلاف» (49) .

الاستثناءات:

تقدم خلال البحوث السابقة الاشارة إلى جواز الاسراف في بعض الموارد مثل التطيب وكل ما هو نافع للبدن ، وكذا الحج والعمرة والوضوء وغيرها .

فهل هذا الاستثناء هو في الحكم ؛ بأن تكون هذه الموارد داخلة في الاسراف موضوعا ولكنها غير مشمولة للحكم ، أم أنها خارجة عنه موضوعا فلا ينطبق عليها الإسراف ؟

ظاهر كلام البعض أن الخروج حكمي ولكن بلسان نفي الموضوع مثل : «لا شك لكثير الشك» . فهو ينفي حكم الشك ولكن بلسان نفي الموضوع .

وللمحقق النراقي هنا بيانات تقدمت الاشارة إليها .

الهوامش:

1) صحيفة كيهان «الفارسية» ، العدد : . 10421

2) كتاب العين 7 : . 244 ط ـ منشورات دار الهجرة .

3) النهاية لابن الأثير 2 : . 361

4) معجم مقاييس اللغة 3 : . 151

5) مفردات الراغب : . 230

6) المصباح المنير : . 274

7) لسان العرب 11 : . 48

8) مجمع البحرين 5 : . 69

9) عوائد الأيام : 623ـ . 625

10) المصدر السابق : . 631

11) الإسراء : . 29

12) من لا يحضره الفقيه 2 : 148 ، ح . 35

13) الفرقان : . 67

14) البقرة : . 219

15) عوائد الأيام : . 632

16) المصدر السابق : . 635

17) مستند العروة 2 : . 239

18) معجم مفردات ألفاظ القرآن : مادة (بذر) .

19) النهاية لابن الأثير 4 : . 12

20) المصباح المنير 2 : . 671

21) الفرقان : . 67

22) المصباح المنير 2 : . 714

23) عوائد الأيام : . 615

24) انظر : المصدر السابق : . 619

25) غافر : . 43

26) العروة الوثقى 1 : 800 ، المسألة 13 في شرائط إمام الجماعة .

27) الأعراف : . 31

28) مجمع البيان 4 : . 638 ط ـ دار المعرفة ، ذيل الآية 31 من سورة الأعراف .

29) عوائد الأيام : . 637

30) المصدر السابق .

31) المصدر السابق : . 619

32) وسائل الشيعة 17 : 26 ، ب 5 من مقدمات التجارة ، ح . 6

33) الكافي 3 : 501 ، ح . 14

34) وسائل الشيعة 15 : 187 ، ب 4 من أبواب ملازمة الصفات الحميدة ، ح . 14

35) المصدر السابق 29 : 127 ، ب 62 من أبواب القصاص ، ح . 2

36) المصدر السابق 11 : 149 ، ب 55 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ، ح . 1

37) من لا يحضره الفقيه 4 : . 12

38) وسائل الشيعة 15 : 329 ، ب 46 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، ح . 33

39) التنقيح 8 : . 404

40) العروة الوثقى ، كتاب الخمس ، المسألة . 61

41) مستند الشيعة 10 : . 66

42) المراد من الإمام هو الأعم من المعصوم عليه السلام ، حيث ان تقسيم أسهم خمس السادات زمن الغيبة يعود إلى المجتهد أو إلى صاحب المال .

43) مسالك الافهام 1 : . 471

44) جواهر الكلام 16 : . 109

45) شرائع الإسلام 4 : . 951

46) وقد ورد في ذلك روايات عديدة ، منها ما عن اسحاق بن عمار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ربما ضربت الغلام في بعض ما يجرم ، قال : «وكم تضربه ؟ » قلت ربما ضربته مئة . فقال : «مئة ! مئة ـ فأعاد ذلك مرتين ، ثم قال : ـ حد الزنا ! اتق الله .» فقلت : جعلت فداك ، فكم ينبغي لي أن أضربه ؟ فقال : «واحدا» ، فقلت : والله لو علم أني لا أضربه إلا واحدا ما ترك لي شيئا إلا أفسده ، قال : «فاثنين» ، فقلت هذا هو هلاكي ، قال : فلم أزل اماكسه حتى بلغ خمسة ، ثم غضب فقال : «يا اسحاق إن كنت تدري حد ما أجرم فأقم الحد فيه ، ولا تعد حدود الله» . وسائل الشيعة 28 : 51 ، ب 30 ، ح . 2

47) تحرير الوسيلة 2 : 504 ، المسألة : 3 كتاب الديات ، القول في موجبات الضمان .

48) المصدر السابق : 505 ، المسألة : . 5

49) الاستفتاءات 2 : 261 ، السؤال . 23