لمحة عن كتاب جامع السعادات

لمؤلفه المحقق محمد مهدي النراقي

قاسم المالكي

في مقدمة الكتاب التي كتبها سماحة العلامة المجدد محمد رضا الظفر و بعد استعراضه لحياة المؤلف من جهات متعددة عقد فصلا أبدي فيه وجهة نظره في الكتاب فقال: (يحب ان لا نغالي في مؤلفات شيخنا النراقي فنضعها في الرف الاعلى و لكن جامع السعادات الذي نقدمه هو بالخصوص من الآثار الخالدة و ان لم يكن موضعه هذا الرف الاعلى كسائر الكتب الاخلاقية في الدورة الاسلامية و لا ندري السر في ذلك الا ان الفترة بعد لم تنته لعلم الاخلاق بخصوصه كما يظهر الاثر الخالد المنتظر الذي سيكون في الرف الاعلى ام لان هذا العلم ليس له تلك الفترات بل كله فترة مستديمة ليأس العلماء الاخلاقيين من التأثير على الناس بمجرد التأليف.

ثم يضيف المظفر «و مع ذلك فان تأثير الدعوة الاخلاقية هذا التأثير المحدود لايأتي من مجرد شحن الكتاب بالنظريات الاخلاقية المجردة بل لروحية المؤلف اعظم الاثر في اجتذاب قلوب الفتيان الكرام الى الخير و من هنا اشترطوا في الواعظ ان يكون متعظما و على هذا الاساس فينبغي ان توضع كتب الاخلاق في رفوفها ثم يتوجه الى كتاب جامع السعادات فيقول : و في نظري ان قيمة جامع السعادات في الروح الم‏ءومنة التي تقرأها في ثناياه اكثر بكثير من قيمته العلمية و اني لاتحدى قارئ هذا الكتاب اذا كان مستعدا للخير ان يخرج منه غير متأثر بدعوته و هذا هو السر في اقبال الناس عليه و في شهرته على انه لا يزيد من ناحية علميته على بعض الكتب المتداولة التي لا نجد فيها هذا الذوق و الروحانية و الكتاب نفسه يكشف لنا عن نفسية المؤلف و ما كان عليه من خلق عالي و ايمان صادق و اني لأؤمن ايمانا لا يقبل الشك ان انتشار هذا الكتاب بين الناس في هذا العصر سيكون له اثره المحسوس في توجيه امتنا نحو الخير.

و عندما يأتي شيخنا المظفر لتقييم الكتاب من الناحية الفنية يبدي بعض الملاحظات الفنية على الكتاب بعضها سلبي و بعضها الآخر ايجابي.

فأما السلبية فيقول عنها «من اهم ما يؤاخذ به كتابنا هذا إعتماده على المراسيل في الاحاديث و تسجيل كل مايرى امامه من المنقولات غثها و سمينها من دون اشارة الى التمييز و لا الى المصادر» .

و يذكر شيخناالمظفر بعض المصادر غير معتمدة في نظره و التي نقل منها شيخنا النراقي في كتابه جامع السعادات فيقول «حتى نقل كثيرا عن احياء العلوم (1) ، و تعمد النقل عن مثل جامع الاخبار (2) ، و مصباح الشريعة (3) اللذين يشهد اسلوبها على وضع اكثر ما فيها» .

ثم يحاول المظفر ان يخفف المشكلة من ان ديدن مؤلفي الاخلاق مبني على هذه الطريقة و كأنه يقول إنهم يتسامحون في سند الروايات الاخلاقية، فيقول: و الذي يهون الخطب في هذه المؤاخدة على ان لها قيمتها الفنية انها لا تختص بهذا الكتاب وحده من بين كتب الاخلاق الاسلامية بل هذا ديدنها و كأن هم أصحابها من الاستشهاد بالمنقولات نفس اداء الفكرة فاذا كانت بحسب نظرهم صحيحة و مقبولة في نفسها فلا يجب عندهم ان يكون الحديث الذي يتضمنها صحيحا مقبولا في عرف اهل الحديث.

فإذا قال المحدث قال النبي و الامام كذا يعني بذلك ان هذا القول ثابتا بالنقل الصحيح الموثوق به و الا فيقول روي عنه كذا او ما يشبه ذلك اما الاخلاقي فلا يعني بذلك القول انه مروي عنه بأي طريق كان و لعل لهذا التسامح عذرا مقبولا في مذهبهم على ما قدمنا لو لم تكن فيه إساءة الى امانة النقل في أهم تراث اسلامي ديني في حين كان من الممكن تحاشيها بقليل من التحقيق و البحث.

هذا و نحن نضيف ان المشكلة تكون اكثر خطورة عندما يتعرض الاخلافي في كتاباته الى مسائل عقائدية و اخرى فقهية و امور لها علاقة بوظيفة المكلف الالزامية و مع ذلك يعتمد على روايات مجهولة او يتعمد في عدم ذكر سندها اعتمادا على التبرير الذي ذكره شيخنا المظفر (كون الرواية موافقة للفكرة) .

و مسألة الحصول على راوية موافقة للفكرة اذا اسقطنا السند و عدم التثبت من صحتها لم يبق فكرة إلا و لها ما يؤيدها من الروايات فالروايات الموضوعة تغطي جميع الافكار السالمة و الشاذة والمنحرفة. و عليه إذا اردنا ان نسير على طريقة علماء الاخلاق (اسناد الفكرة بالرواية من غير تحقيق في السند) .

علينا اولا ان نتأكد من صحة الفكرة إذا امكن التأكد بغير هذه الرواية الخالية من السند . و قد ابتلي المتصوفة بالكثير من الافكار البعيدة عن روح الشريعة و قد استدلوا عليها او استأنسوا لاجلها بهذا النوع من الروايات، فوصلت بالصوفية ما وصلت اليه من الانحراف .

و قد كان اشكال شيخنا المظفر في محله الا انه في خصوص كتاب الاحياء، فإن الشيخ النراقي لم يأخذ منه مباشرة على ما يظر و انما أخذ من كتاب المحجة البيضاء للفيض الكاشاني الذي هو تهذيب لاحياء العلوم كما نعلم..

و اما كتاب مصباح الشريعة فهو مما اختلف فيه بين الاعلام. و للمحقق النوري (في الجزء الاول من تكملة مستدرك الوسائل) تحقيق قيم عنه و بذا أقل ما يقال إنه لا يمكن رفض الكتاب جملة. نعم يبقى اشكال عدم ذكر السند عند نقل الروايات وارد.

و قد ذكر شيخنا المظفر من الميزات الايجابية لهذا الكتاب مجموعة أمور منها منهجية الكتاب فقال: «تقسيمه للكتاب على القوى الثلاث العاقلة و الشهوية و الغضبية، معللا ذلك أن جميع الفضائل و الرذائل لا تخرج عن التعلق بالقوى الثلاث و ذكر لكل قوة ما يتعلق بها من أجناس الفضائل و الرذائل منفردة و منضمة إلى الأخرى. ثم ذكر انواعها و استقصى ذكر الأنواع مطبقاعلى كل نوع نظرية الوسط والاطراف. فجاء في استقصائه و إلحاقه كل فضيلة و رذيلة بالقوة التي تتعلق بها بما لم يجى‏ء به غيره و لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم و هو نفسه ادعى ذلك» (4) حيث قال إن إحصاء الفضائل و ضبطها و إدخال البعض في البعض و الإشارة إلى القوة الموجبة لها على ما فصلناه مما لم يتعرض له علماء الاخلاق. (5)

و اعتبر شيخنا المظفر أن هذه أهم ناحية فنية في الكتاب و هي فتح جديد في تحقيق منشأ حدوث خلق الفضيلة و الرذيلة و أضاف بقوله «لو اتفق لغيره ان يترسم خطاه و يتم ما فتحه من هذا الباب من التحقيق لتقدم على يديه علم الأخلاق تقدما كبيرا» .

و لذا نقول بناء على ما ذكره و لأهمية الكتاب من الناحية العلمية و لسعة انتشاره بين الخاصة و العامة يتطلب من المعنيين تحقيق الكتاب من عدة نواهي أحدها مصادر الروايات و اسنادها و مدى مطابقة هذه المنهجية للواقع الاخلاقي و صحة هذا التقسيم للقيم الاخلاقية على القوى الثلاث.

و النقطة الأخرى التي لفتت نظر شيخنا المظفر تفسيره لفضيلة العدالة على خلاف المتعارف من قبل علماء الاخلاق. بعد ان جعل النراقي أساس تقسيمه للفضائل و الرذائل بإرجاعها إلى القوى الثلاث العاقلة و الشهوية و الغضبية باعتبار جميع الفضائل و الزذائل لا تخرج عن هذه القوى. و بعد ان ذكر كل قوة و ما يتعلق بها من فضائل و رذائل منفردة أو منضمة قال المظفر: «على أساس تحقيقه هذا أسقط فضيلة العدالة من حسابه فلم يجعلها جنسا مقابلا لأجناس الفضائل الثلاث الأخرى، و هي الحكمة و العفة و الشجاعة، باعتبار ان العدالة جامعة لجميع الكمالات بأسرها لا أنها في مقابلها» (6) .

ثم يضيف شيخنا المظفر بقوله «و لا أظن أحدا يقره عليه و لا يثبت أمام النقد» و نحن بدورنا نحاول أن نوجز نظرية العلامة النراقي في هذا الباب فقد اعتمد في بيان نظرينه لتفسير العدالة على بيانين أو طريقين (7) :

البيان الأول:

أن للنفس الناطقة قوتين:

الأولى: قوة الإدراك.

و الثانية: قوة التحريك.

ثم انه (قدس سره) أضاف ان كل واحدة من القوتين تنقسم إلى شعبتين.

فقوة الادراك تنقسم الى:

أولا: العقل النظري و اعتبره مبدأ التأثير على المبادئ العالية بقبول الصور العلية.

ثانيا: العقل العملي: و هو مبدأ تحريك البدن في الأعمال الجزئية بالروية و تكون النتيجة الحاصلة من تأثير هذه القوة تختلف باختلاف تعلقها بالقوى الأخرى.

أ ـ فإذا كان تعلقها بقوتي الشهوة و الغضب كانت عندئذ مبدأ لحدوث بعض الكيفيات النفسية الموجبة لفعل أو انفعال مثل الخجل و الضحك و البكاء و الحزن و غيرها.

ب ـ و من حيث استعمالها لقوتي الواهمة و المتخيلة كانت مبدأ لاستنباط الآراء و الصانع الجزئية ج ـ أما من حيث نسبتها إلى العقل و حصول الازدواج بين العقل العملي و النظري تكون سببا لحصول الآراء الكلية المتعلقة بالأعمال كحسن الصدق و قبح الكذب و نظائرهما .

قوة التحريك: تنقسم كذلك إلى:

أولا: قوة الغضب و هي مبدأ دفع غير الملائم على وجه الغلبة.

ثانيا: قوة الشهوة و هي مبدأ جلب الملائم فإذا كانت القوة المدركة هي الغالبة على سائر القوى و لم تنفصل عنها كانت النتيجة تصرف جميع القوى على وجه الاعتدال و عندها تنتظم أمورالنشأة الانسانية و حصل تسالم القوى الأربع فتتهذب كل واحده من القوى و يحصل لها ما يخصها من الفضيلة.

1ـ فيحصل من تهدي العاقلة (العقل النظري) العلم و تتبعه الحكمة.

2ـ و من تهذيب العاملة (العقل العملي) العدالة.

3ـ و من تهذيب الغضببة الحلم و تتبعه الشجاعة.

4ـ و من تهذيب الشهوية العفة و تتبعه السخاوة.

و بهذا تكون العدالة كمالا للقوة العملية.

و لكن لما كان العقل العملي هو مبدأ التحريك و هو الذي يتصرف بقوة الغضب و الشهوة، فاعتدال العقل المعلي ـ الذي يعني العدالة ـ هو اعتدال لقوة الشهوة و الغضب. و اعتدالهما يعني حصول الشجاعة و العفة و ما يتفرع عليهما و هذا يعني انطواءهما تحت العدالة أو هما العدالة و بما ان العقل العملي خاضع للعقل النظري و النظري هو الحكمة فيكون هو العدالة.

البيان الثاني لتقسيم الفضائل:

في هذا البيان قسم النفس بصورة مباشرة إلى أربع قوى هي العاقلة و العاملة و القوة الشهوية و القوة الغضبية.

فإذا كانت حركاتها على وجه الاعتدال و كانت الثلاثة الأخيرة مطيعة للأولى (العاقلة) حصلت ثلاث فضائل هي الحكمة و العفة و الشجاعة.

و من تسالم هذه القوى الثلاث مع العاقلة تحصل حالة كمال هي العدالة.

العدالةكمالا للقوى بأسرها و ليس كمالا للقوة العاملة كما ظهر من البيان الأول.

فتفسيرها على البيان الأول هوانقياد العقل العملي للقوة العاقلة و تبعيته لها في جميع تصرفاتهاأو ضبطه الغضب و الشهوة تحت إشارة العقل و الشرع الذي يحكم العقل بوجوب إطاعته و العدالة على هذا الطريق أمر بسيط مستلزم للملكات الثلاث (الحكمة و العفة و الشجاعة) و على الثاني تحتمل البساطة و التركيب على الظلهر و ان كانت البساطة أقرب لأنها اعتدال مزاجي و المزاج من الكيفيات البسيطة.

ثم ذكر على الطريقن يتحقق التلازم بين العدالة و الملكات الثلاث إلا أنه على الطريق الأول تكون العدالة علة و الملكات معلولة و على الطريق الثاني فالعدالة معلولة و الملكات علتها لأنها اجزاؤها أو بمنزلتها.

و الحق عنده الطريق الأول. انقياد العقل العملي للقوي العاقلة و يلزم أن تكون العدالة جامعة لجميع الفضائل و تتحقق معناها في كل فضيلة حتى تكون فردا لها.

و خلاصة القول ان حقيقة العدالة على رأي العلامة النراقي هي مجرد انقياد القوة العاملة للقوة العاقلة، و ان أمثال الضبط و الاستعلاء و السياسة من لوازم انقياد القوة العاملة للقوة العاقلة. و الفضائل الصادرة عن القوى الأخرى (الغضبية و الشهوية و المتخيلة) بتوسط العقل العملي انما تندرج تحت لازم العدالة لا عينها. فمن أدرج جميع الفضائل تحت العدالة باعتبار ان هذه الفضائل من لوازمه و لا باس أن نطلق على هذه العدالة بالمعنى الأخص.

و من لم يدرج هذه الفضائل تحت العدالة فانه يرى ان هذه الفضائل ليست من لوزامها، و إنما العدالة لها معنى يختص بها و تكون هذه العدالة العدالة بالمعنى الأعم. فتكون العدالة فضيلة في عرض الفضائل الأخرى فنكون الحكمه، العفه، الشجاعة، و إلى جانبها العدالة. فكما أدرجوا تحت كل من الحكمة و العفة و الشجاعة أنواعا فكذلك أدرجوا تحت العدالة أيضا أنواعا كالوفاء و الصداقة و العبادة و غيرها. إلا أن الشيخ النراقي لا يذهب إلى هذا إذ يرى ان كل فضيلة و رذيلة إما متعلقة بالقوة العقلية أو بقوتي الغضب و الشهوة بتوسط العاملة و ليس لها في نفسها فضيلة و رذيلة على حدة. و لو كان الاستعمال و الضبط منشأ لاستناد ما يحصل من الفضائل إلى العدالة لزم أن تستند إليها جميع الفضائل. فكان لازم إدخال جميع الفضائل تحت العدالة. و كذا الحال على تفسير العدالة بالطريق الثاني (كون العدالة) مجموع (الحكمة و العفة و الشجاعة) و على هذا يلزم من عدهم بعض الفضائل من أنواع العدالة دون البعض تخصيص بلا مخصص.

ثم يقول نحن لا نتابع القوم بأن هناك أنواعا مندرجة تحت العدالة. بل مقتضى نظره أن أنواع الفضائل و الرذائل و أصنافها و نتائجها متعلق بالقوى الثلاث من دون العقل العملي. و إدخال جميعها تحت أجناسها على ما ينبغي من دون إدخال الشي‏ء منها تحت العدالة أو ضدها (8) .

و هذا بخلاف المشهور من علماء الاخلاق.

الهوامش:

.1 إحياء العلوم للغزالي هذبه الفيض الكاشاني و أعطاه اسم المحجة البيضاء و ما ينقله في جامع السعادات من المحجة.

2ـ.3 أختلف العلماء في تقييم هذين الكتابين، راجع بهذا الصدد خاتمة مستدرك الوسائل ج .1

.4 مقدمة كتاب جامع السعادات للمظفر.

.5 جامع السعادات ج‏1 ص .71

.6 مقدمة جامع السعادات.

.7 جامع السعادات ج 1 ص 50ـ .57

.8 جامع السعادات ج‏1 ص .55