علي كريمي جهرمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين .
أما بعد، فان كتاب القضاء عن المستند للمحقق النحرير المولى احمد النراقي من اجل الكتب في هذا الفن واعظمها نفعا واجلها تحقيقا واكثرها استيعابا. ولقد قال علم من اعلام الشيعة في عصرنا قدس سره الشريف: انه على حسب السموع قد الف النراقي رحمه الله كتاب القضاء والشهادات عندما كان الشيخ الاعظم الشيخ مرتضى الانصاري قدس سره يحضر عليه ويتتلمذ لديه، فاشتركا في تأليفه، وبعبارة اخرى كان هذا التأليف بنظرهما وتحت اشرافهما وهما معا قد ألفا هذا التأليف المنيف. (1)
وبمناسبة ذكرى الفاضلين النراقيين رضوان الله عليهما فنحن نتعرض لاهم تحقيقاته ونذكر ما يمكن ان يبدو حولها أيضا والمرجو من الله تعالى ان يوفقنا ويسددنا لذلك انه عليم حكيم وعلى كل شيء قدير.
بسم الله الرحمن الرحيم
قد عرف المحقق النراقي قدس سره القضاء بقوله : «هو ولاية حاكم خاص أو حكم خاص في واقعة مخصوصة وعلى شخص مخصوص باثبات ما يوجب عقوبة دنيوية شرعا أو حق من حقوق الناس بعد التنازع فيه أو بنفي واحد منهما.» اقول: قوله رضوان الله عليه : أو حكم خاص الخ اشارة الى الترديد في تفسير القضاء بانه هو الولاية على الحكم فيكون القضاء نفس ولايته على ذلك أو ان القضاء هو نفس الحكم وما يصدر من القاضي عند رجوع المتنازعين اليه مثلا.
ولعل الظاهر هو الثاني كما يظهر ذلك من قوله تعالى: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق» (2) وكذا قوله عليه السلام في مرفوعة البرقي: «القضاة اربعة... رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم انه قضى بجور فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة» (3) ، الى غير ذلك من الاخبار، بل كل خبر عبر بفعل من مشتقات القضاء أو الحكم مثل: قضى أو يقضي أو لا تقض أو احكم وامثال ذلك، فهو ظاهر في نفس الفعل والعمل الذي يأتي به القاضي وان كان اسم الفاعل من المادتين كالحاكم والقاضي يحتمل الولاية والمنصب الذي يكون لشخص خاص ولاجله يحكم بين الناس، والظاهر انه أيضا يحمل على معنى الفعل بقرينة المشتقات الفعلية .
ثم انه يرد عليه أيضا في تعريفه عدم كونه جامعا وذلك لعدم شموله للحكم بالهلال مثلا، اللهم الا ان يقال بان ظاهر التعريف خروج مثل الحكم بثبوت الهلال كما ذكر ذلك علم العلم والتقى الشيخ المرتضى رحمه الله بالنسبة للتعريف المذكور في المسالك والكشف معللا بقوله : «فانه وان كان منصبا للقاضي الا ان صدق المبدأ ليس باعتبار فهو نظير ولايته على اشخاص خاصة واعيان خاصة انتهى.» ولكن مع ذلك فقد عرفه بعض بنحو يكون جامعا ومنهم الشهيد في الدروس حيث قال: «ولاية شرعية على الحكم وعلى المصالح العامة من قبل الامام عليه السلام ...» فراجع ج 2 ص .65
ثم انه رضوان الله عليه قد جعل هنا مقدمة واربعة مطالب أما المقدمة ففي بيان فضله وشرفه وعظم خطره ووجوبه. وقرر هنا اربعة مسائل:
الاولى: القضاء منصب عال عظيم وشرفه جسيم ولعلو مرتبته وسمو شأنه خص الله سبحانه تولية ذلك الى الانبياء والاوصياء من بعدهم صلوات الله عليهم، ثم الى من يحذو حذوهم ويقتدي بهديهم ويسير بسيرهم من العلماء الآخذين علومهم منهم المأذونين من قبلهم بالحكم بين الناس بقضاءهم، وكفى بجلالة قدره تولية النبي صلى الله عليه و آله اياه بنفسه الشريفة الزكية لامته ثم تفويضه الى سيد الاوصياء بعده ثماوصيائه القائمين مقامه وخصصهم بذلك دون ساير الناس وكذلك من قبله من الانبياء وخلفائهم.
ولعظم شأنه جعل الله يده فوق رأسه واهبط الله اليه الملك يسدده.
قال ابو عبد الله عليه السلام في خبر السكوني: «يد الله فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة فاذا حاف وكله الله الى نفسه» (4) .
و في خبر آخر: «اذا جلس القاضي أو اجلس في مجلسه هبط اليه ملكان يسددانه ويرشدانه فاذا جار عرجا وتركاه» (5) .
الثانية: خطر القضاء عظيم واجره جسيم. فان القاضي على شفا جرف هار فان جار في الحكم أو حكم بغير علم انهار به في نار جهنم وان عدل وحكم بما انزل الله عالما به متبعا لسنته فقد فاز فوزا عظيما ونال نيلا جسيما ولذا قال النبي صلى الله عليه و آله: «من جعل قاضيا ذبح بغير سكين» (6) .
قال اميرالمؤمنين عليه السلام في رواية اسحاق بن عمار: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصي نبي أو شقي» (7) .
وقال ابوعبدالله عليه السلام في مرفوعة البرقي: القضاة اربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة رجل قضى بجور الخ... ـ وقد ذكرناها آنفا ـ .
ومرسلة الفقيه: من حكم في درهمين بغير ما انزل الله فقد كفر بالله (8) .
وفي اخرى: «من حكم في درهمين فأخطأ كفر» (9) .
وفي ثالثة: «اذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه ولمن عن يساره ما ترى ما يقول؟ فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس اجمعين» . (10)
وفي صحيحة ابي بصير: «من حكم في درهمين بغير ما انزل الله فهو كافر بالله العظيم» .
وفي رواية انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و آله: «لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس فأما في الجنة وأما الى النار» (11) .
و في رواية سعيد بن ابي الخضيب انه، قال ابو عبد الله عليه السلام لابن ابي ليلى القاضي : «ما تقول اذا جي بارض من فضة وسماء من فضة ثم اخذ رسول الله بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال: يا رب ان هذا قضى بغير ما قضيت» . (12)
الحديث الى غير ذلك.
اقول: بعض هذه الروايات لابد فيها من نحو توجيه وذلك مثل كلام مولانا الامير عليه السلام لشريح: «قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصي نبي أو شقى. فانه بظاهره لايلائم قضاء العلماء الاكابر والمجتهدين العدول فلابد أما من ان يكون الحصر اضافيا وأما من القول بان قضاءهم وحكمهم يرجع الى قضاء وصي النبي صلوات الله وسلامه عليه فانهم (قدس الله اسرار الماضين منهم ورفع الله اعلام احيائهم) منصوبون من ناحية الائمة عليهم السلام .
وكذا مرفوعة البرقي في القسم الثاني منها: «وهو رجل قضى بجور و هو لا يعلم انه قضى بجور فهو في النار» فان هذا لا يتم في جميع موارده، مثل ما اذا كان القاضي يقضي بحسب الموازين والمعايير الشرعية، الا انه قد اخطأ في مورد أو موارد وحكم بخلاف الحق وهو لا يعلم ذلك بل قاطع بانه حكم بالحق، فهل يمكن ان يقال: انه من اهل النار؟ فلابد من القول بالتخصيص في هذا المورد أو القول بكون الحصر اضافيا.
و في مرسلة الفقيه الدالة على كفر من حكم في درهمين بغير ما انزل الله لابد من الحمل على ما اذا تعمد في ذلك وإلا ففي صورة الخطأ، لا يترتب عليه إثم اذا كان من اهل القضاء وقضى على مقتضى الموازين المقررة الشرعية، ومع ذلك فلابد من حمل الكفر على غير معناه المصطلح، وإلا فالقضاء بغير ما انزل الله، يوجب الفسق ولا يوجب الكفر، الا اذا كان يعتنق ذلك ويراه عدلا في قبال ما انزل الله سبحانه، ويمكن ان يكون المراد انه مشرف بذلك على الكفر وربما يقع فيه اذا تكرر ذلك منه او انه في لون من الكفر وشأن ومرتبة منه.
كما يرد على المرسلة الثانية الدالة على كفر من حكم في درهمين فاخطأ فان هذا بظاهره لا يفتى به ولا يساعده القواعد الشرعية فانه كم من قاض عادل يخطىء في الحكم ولا يحكم بكفره ابدا فلابد من حمل ذلك على الخطأ بمعنى العدول عن الحق والتجاوز عنه والاقبال على خلاف حكم الله ومع ذلك فهو ليس بكافر مصطلح حتى يترتب عليه احكامه.
كما انه يرد على المرسلة الثالثة انها متعلقة بما اذا لم يكن القاضي صالحا للقضاء بل كان جاهلا باحكام الدين وضوابط الشرع القويم فلذا يسئل عمن حوله كي يحكم على حسب آرائهم، وذلك لانه من المستحب في باب القضاء ان يكون حول القاضي عدة من العلماء والفقهاء كي يواظبون عليه وهو يشاورهم ويباحثهم فيما يقضي فيه.
ويجري في صحيحة ابي بصير ما ذكرناه آنفا وهو ان الحكم بغير ما انزل الله في درهمين لا يوجب الكفر الاصطلاحي مطلقا بل لو كان يتم هذا فانما يتم في صورة التعمد لا مطلقا مع انه مع التعمد أيضا لا يصير كافرا الا اذا كان معتنقا بذلك في قبال حكم الله سبحانه .
ولقد كان يكفيه ان يقتصر في مقام الاستدلال على بعض هذه الاخبار والروايات.
قال قدس سره الشريف الثالثة: القضاء واجب على اهله بحق النيابة للامام في زمن الغيبة في الجملة باجماع الامة بل الضرورة الدينية لتوقف نظام نوع الانسان عليه ولأن الظلم من طبايع هذه الاشخاص واختلاف نفوسهم المجبولة على محبة الترفع والتقلب وارادة العلو والفساد في الارض قال الله تعالى: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» (13) و «وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض» (14) فلابد من حاكم بينهم ينتصف من الظالم للمظلوم ويردعه عن ظلمه، ولما يترتب عليه من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وللامر به في الكتاب والسنة قال الله سبحانه: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق» (15) وقال الله تعالى شأنه: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله» (16) وفي رواية معلى بن خنيس: «وأمرت الائمة ان يحكموا بالعدل وأمر الناس ان يتبعوهم» . (17)
و في مرسلة ابن ابي عمير «ماتقدست امة لم يؤخذ لضعيفها من قويها بحقه غير متعتع» (18) وغير ذلك من الاخبار.
اقول: قد استدل رضوان الله عليه لوجوب القضاء على اهله نيابة عن الامام في زمان الغيبة بامور:
الاول: توقف نظام نوع الانسان عليه.
ثانيهما: ان الظلم من طبايع هذه الاشخاص... فلابد من حاكم ثالثها: ما يترتب عليه من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر.
و هنا مواضع للنظر، فمنها ما يظهر من كلامه من اختصاص القضاء نيابة عن سادات الناس بزمان الغيبة فان كان المراد اصل ثبوت هذه النيابة عن الامام عليه السلام فليس فيه شيء الا ان الذي يترائى من ظاهر كلامه رضوان الله عليه هو الاختصاص وعليه يرد انه لا يختص القضاء نيابة عنهم عليهم السلام بزمن الغيبة، بل هي شيء يشمل الاعصار المختلفة، اي زمن الغيبة والحضور، كما انه قد كان للنبي والوصي ولبعض أئمة الدين من يتولون القضاء نيابة عنهم ويتصدون لذلك.
بل ان الاخبار الدالة على جعل منصب القضاء من ناحيتهم، ظاهرة في زمن الحضور، فان تلك الاخبار صادرة عن مولانا الصادق عليه السلام و ليس فيها اسم عن زمن الغيبة.
فمن جملتها رواية ابي خديجة سالم بن مكرم عن ابي عبدالله عليه السلام: «... ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه» . (19)
فان المخاطب في انظروا هو المخاطب في صدر الرواية: اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، وهو ابو خديجة ومن يحذو حذوه.
و كذا مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك؟ ... «قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما» (20)
فمع وجود نائبين عن الائمة ولا اقل من رسول الله وعلي اميرالمومنين عليه السلام كابن عباس ومالك الاشتر وغيرهما وكون هذه الاخبار صادرة عن الامام الصادق عليه السلام متوجهة الى الحاضرين المخاطبين كيف نقول باختصاص وجوب القضاء نيابة عن الائمة عليهم السلام ولعمري اثبات وجوب القضاء في خصوص زمن الحضور بمثل هذه الروايات اسهل من اثبات ذلك لخصوص زمن الغيبة.
ثم بعد ذلك يرد عليه انه ما الفرق بين الوجه الاول والثاني من الوجوه الثلاثة التي استدل النراقي قدس سره الشريف بها أوليس قال كل منهما لزوم الهرج والمرج بدون القضاء وغلبة الناس بعضهم على بعض ورواج الفساد والشرارة وان صلاح حال المجتمع وايجاد النظم فيه يقتضي القضاء؟ .
ثم ان من جملة ما استدل به لوجوب القضاء بحق النيابة عن الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين هو رواية معلى بن خنيس: وامرت الائمة ان يحكموا بالعدل الخ ويمكن ان يقال ان لفظ الائمة لعله يكون ظاهرا في الائمة المعصومين وان كان لفظ الامام يستعمل في الامام المعصوم وغيره الا انا قلما وقفنا على مورد استعمل جمعه في غير العترة الطاهرة.
ومن جملتها مرسلة ابن ابي عمير، «ما تقدست امة لم يؤخذ لضعيفها من قويها بحقه غير متعتع .» فيبدو في الذهن ان الظاهر منها، ارادة اخذ الامة حق المظلوم الذي اغتصبه الظالم القوي جهارا، مع وضوح ان الحق لهذا المظلوم، فيقوم فرد أو عدة ويأخذون على يد هذا الظالم المجحف المتعدي وينتصرون للمظلوم ويأخدون حقه من ظالمه ويؤدون اليه من باب (كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا» لا ان يكون هناك حق نوزع عليه وان القاضي لابد له من ان يأخذ حق هذا المظلوم خصوصا اذا لوحظ ما هو الرائج الدائر من ان آخذ الحق غير القاضي وانما على القاضي الحكم والقضاء وفيصل الدعوى وابراز ان الحق لمن، ثم بعد ذلك يتصدى عوامل الحكومة للاخذ منه.
اللهم الا ان يقال بان هذا التفكيك بين القاضي والآخذ من المستحدثات وإلا ففي زمن النبي والولي كانا متحدين فتأمل.
قال قدس سره الشريف: المسألة الرابعة (21) قد يجب القضاء عينا وقد يجب كفائيا ثم ان القابل للحكومة والاهل للقضاء في البلد أو في مكان لم يتعسر الوصول اليه، أما واحد باعتقاد ذلك القابل وساير اهل البلد بعد بذل جهدهم أو متعدد، فعلى الاول يكون القضاء واجبا عينيا على ذلك القابل والوجه ظاهر، وعلى الثاني فاما ان يكون الاهل باعتقاد واحد ممن له الاهلية متعددا دون اعتقاد الرعية بل هم لا يعتقدون الاهلية الا لهذا الشخص، أو يكون بالعكس، اي لا يعتقد ذلك الاهل، اهلية غير نفسه، والرعية يعتقدون اهلية غيره أيضا، فعلى الاول، فان علم ذلك الاهل ان عدم اعتقاد المعتقدين للغير ليس مستندا الى تقصيرهم في الفحص، بل هو أما منبعث عن الفحص، أو هم قاصرون عن الفحص، اي غير متمكنين عن المعرفة، لعدم شياع واستفاضة مفيد للعالم، كنقل احد وعدم دليل آخر لهم، فيكون القضاء عليه واجبا عينيا، للانحصار فيه حقيقة، لانه لا يكفي في الاهل وجوده الواقعي، بل اللازم وجوده بحسب علم المكلف، وان علم ان عدم اعتقادهم في الغير ناش عن التقصير في الفحص مع تمكنهم عنه، لا يجب عليه عينا بل يكون واجبا كفائيا عليه» الخ.
.1 اقول: حاصله ان الاهل للقضاء، أما يكون منحصرا باعتقاده واعتقاد الرعية كلها، فهنا يجب القضاء عينيا، فانه يرى عدم اهل له سوى نفسه والرعية أيضا ترى كذلك فليس الاهل بحسب اعتقاده أو اعتقادهم سواه.
.2 وان كانوا متعددين بنظر هذا الاهل والرعية كليهما، فهنا يكون وجوب قضاء هذا الاهل كفائيا.
.3 وان كان اللايق والاهل متعددا بنظر هذا الاهل والقابل دون غيره، فانهم لايرون الاهل سواه، فهنا لو علم عدم تقصيرهم في هذا الاعتقاد بان كان اعتقادهم عن الفحص أو انه لا يمكنهم الفحص فهنا يجب عليه بالوجوب العيني لانه منحصر، ومجرد الوجود الواقعي غير كاف، بل اللازم وجوده بحسب علم المكلف.
.4 أما لو علم تقصيرهم وان اعتقادهم بهذا فقط دون غيره كان ناشيا عن التقصير في الفحص، مع التمكن من ذلك، فهنا لا يجب عليه عينيا بل انما يجب كفائيا.
وأما صورة العكس، وهو ما اذا كان الاهل لا يرى اهلا غير نفسه، والحال ان الرعية ترى غيره أيضا لايقا واهلا له، فهو على قسمين احدهما ما اذا لم يعلم انبعاث اعتقادهم عن تقصير أو قصور، ثانيهما ما اذا علم ذلك، ففي الاول لا يجب عليه أيضا عينيا، بل انما يجب عليه كفائيا، و في ثانيهما اي اذا علم بذلك فهنا يجب عليه عينا.
و هنا يمكن ان نورد عليه، بانه اذا علم فتارة يكون عالما بقصورهم واخرى يكون عالما بتقصيرهم في ذلك، فعلى الاول يتم القول بوجوب القضاء عليه عينيا، وأما مع التقصير وعدم السعي في تحصيل ذلك، فالظاهر انه لا يكون القضاء عليه عينيا، بل انما هو بنحو الوجوب الكفائي كما انه في الصورة الثالثة والرابعة قد فصل بين تقصيرهم وقصورهم فلماذا قد فصل هناك واطلق في المقام؟
و ان كانت الرعية قد اختلفوا في اهلية الغير وعدمها، فقال بعضهم بان غير هذا أيضا موجود وهو اهل لذلك وقال الاخرون لا اهلية لغير هذا، فهنا يكون وجوب قضائه بالنسبة الى الطائفة الاولى كفائيا و بالنسبة الى الطائفة الاخرى عينيا.
و هنا أيضا يرد عليه انه اطلق ولم يفصل بين ما اذا كان اعتقادهم عن سعي وفحص أو عدم امكان ذلك لهم اصلا وما اذا كان اعتقادهم عن تقصير وعدم فحصهم عن ذلك والحال ان الظاهر جريان هذا التفصيل بالنسبة الى كلتا الطائفتين.
قال: وان كان هناك اهل للقضاء باعتقاد نفسه دون اعتقاد الرعية، كلا او بعضا، فيعتقدون عدم اهليته أما علما أو عدالة، او لا يعتقدون اهليته، فان علم ذلك الاهل ان اعتقادهم العدم أو عدم اعتقادهم منبعث عن الفحص والسعي لا يجب عليه قضائهم اصلا، لان حكمه ليس نافذا عليهم شرعا فلا يترتب عليه اثر، بل ربما يحرم عليه لو علم علمهم بحكمه، لعدم المبالاة في الدين، لكونه اعانة عليهم في تأثيمهم، بل هو ليس اهلا شرعا، اذ عرفت أنه من كان كذلك باعتقاد المكلف، بل وكذلك الحكم اذا لم يعلم ذلك أو علم انبعاثه عن التقصير أو القصور لانهم ما داموا كذلك لا يجب عليهم قبول حكمه بل لا يجوز لهم فتأمل.
و يلاحظ عليه، أنه اذا كانت الرعية كلهم يعتقدون عدم اهليته علما او عدالة، او لا يعتقدون اهليته ـ كما هو احد الفروض التي صرح بها ـ فمن يترافع اليه حتى يقال لا يجب عليه قضاؤهم اصلا؟ لان حكمه عليهم، غير نافذ شرعا، فلايترتب عليه اثر، إلا ان يكون الترافع اليه استهزاءا منه، أو ان يكون المراد من الكل الاكثر، لكنه ينافي ذكر البعض، فانه يوجب ظهور الكل في معناه المتبادر منه، اي المستوعب للافراد، أو ان يكون المراد، ترافعهم اليه مع علمهم بعدم اهليته وعدم نفوذ حكمه، فانه قد يتفق ذلك لدواعي خاصة، مثل ما اذا كان استنقاذ حقهم منوطا بذلك، ولكنه أيضا لا يلائم ذلك ما ذكره بعد ذلك من انهم لا يرتبون الاثر على حكمه.
و هنا كلام اخر، يرد على ما افاده من أنه يحرم عليه الحكم بينهم لكونه اعانة لهم في تأثيمهم الخ، وذلك لانه لا اثم لهم بحسب ما يعتقدونه، خصوصا اذا كان ذلك منبعثا عن الفحص والسعي، وعليه فاي اعانة على الاثم، الا ان يكون مراده قدس الله اسراره الاعانة على تأثيمهم بحسب ما يعتقده، لا بحسب ما يعتقدونه.
هذا، مضافا الى ان الغالب في باب الاعانة، هو انها عنوان قصدي، فليس مجرد المعاونة مع الاثم في عمله، اعانة له على الاثم، كما في بيع العنب فمن يعلم أنه يجعله خمرا، مع عدم قصد البايع ذلك اصلا.
ولعله قدس سره الشريف نظر الى هذه الامور التي ذكرناها كلها بعضها امر في آخر كلامه بالتأمل فتأمل.
وجوب القضاء على من له الاهلية عينا أو كفاية على التفصيل المتقدم، انما هو بعد الترافع اليه، فلا يجب بدونه، للاصل وعدم الدليل، فليس عليه الفحص عن وجود التخالف أو التنازع بين الناس، ولا عليه المحاكمة لو علمه ولم يترافع اليه، نعم لو علم بوجود النزاع والتشاجر، وعلم ظلم احدهما على الاخر عدوانا أو جهلا بالمسألة، يجب عليه رفع النزاع باي نحو كان، من باب النهي عن المنكر، وكذا لو علم ترتب منكر آخر على تنازعهم.
اقول: نعم، لا يجب عليه القضاء بدون الترافع اليه، الا أنه اذا كان عدم الترافع اليه، ناشيا عن جهلهم بوجود الاهل للحكم بين الناس، فان عليه اعلامهم بذلك وارشادهم اليه، كما انهم اذا لم يترافعوا اليه لتخيلهم انه غير فارغ لذلك، فان عليه اعلامهم بانه مستعد لذلك.
و يرد على قوله في استدراكه أنه اذا علم بوجود النزاع وعلم ظلم احدهما على الاخر عدوانا أو جهلا بالمسألة، يجب عليه رفع النزاع من باب النهي عن المنكر بانه اذا كان جاهلا بالمسألة في ظلمه الذي يورده على الاخر، فهنا لا معنى للنهي عن المنكر، فان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر متفرعان على ان يعلم المأمور أو المنهي، وان هذا العمل معروف ومع ذلك فقد تركه، وان هذا العمل منكر وهو يرتكبه، فاذا كان المرتكب للحرام جاهلا بانه حرام، فانه ليس من باب النهي عن المنكر لان المرتكب لا يعلم أنه حرام، وربما لا يرتكبه. اذا كان عالما بانه حرام، فيكون من باب ارشاد الجاهل.
قال قدس سره: واذا ترافعا اليه، أو طلبه المدعي مع اجتماع شرائط الوجوب كما تقدم، يجب عليه عينا مع الانحصار وكفاية مع التعدد، ولا يجب عينا عليه مع التعدد، باختيار المتداعيين أو المدعي اياه، للاصلعدم الدليل، نعم لو لم يعلما أو احدهما التعدد، يجب عليه احد الامرين، أما القضاء أو الارشاد الى التعدد، ولو لم يرضيا أو المدعي منهما بالترافع الى غيره فان كان لادعائه العلم بعدم اهلية الغير، يجب عينا عليه ان لم يمكن ردعه عن اعتقاده، وان جوزه يجب عليه أما اثبات اهليته له، او الحكم، وان كان لعدم علمه بالاهلية، يجب عليه، أما الحكم أو امرهما بالفحص عن حاله مع امكانه، بل يمكن ان يقال بعدم وجوب شيء عليه اذا علم استناد عدم علمهما الى تقصير.و لو لم يرضيا بالفحص أو بالترافع الى الغير مع العلم بالاهلية، ففيه اشكال سواء لم يعلم ذلك الغير بالتنازع بينهما ومطالبة الحق ولم يمكن له اعلامه أو علم به الغير أيضا أو امكن اعلامه ولكن لم يترافع اليه المدعي والاصل يقتضي عدم العينية ولا اثم على احد لتقصير المتداعيين.
اقول: الظاهر أنه يرد على قوله: «و كفاية مع التعدد» ، ان مجرد التعدد لا يوجب ان يكون الوجوب عليه كفائيا على ما هو ظاهر كلامه أو صريحه وانما الملاك في ذلك وجود من به الكفاية فربما يكون متعددا ولا يكفي لحوائج الرعية فالتعدد الموجب لكون الواجب كفائيا تعدد القاضي بحيث يجيب ويفي بحوائجهم ومراجعاتهم ومرافعاتهم. ولعله قدس سره أيضا يريد ذلك.
ويرد عليه في قوله: «ولا يجب عليه عينا مع التعدد باختيار المتداعيين الخ» ، أنه على كليته محل الاشكال وذلك كما لانه يمكن ان يكون مع التعدد يجب عليه عينا، وذلك اذا لم يف هذا المقدار بالمرافعات والمنازعات، أو اذا لم يرضيا بالرجوع الى الغير لجهة يعلمان ولا يظهرانها معذورين في ذلك، كما أنه رضوان الله عليه قد ذكر نظير هذا بعد ذلك بقريب .
قوله قدس سره «بل يمكن ان يقال بعدم وجوب شيء عليه اذا علم استناد عدم علمهما الى تقصير» لا يخلو عن كلام وذلك لانه افرض انهما قد قصرا في ذلك واستند عدم علمهما باهلية الغير الى التقصير، لكن ما الذي اخرج هذا الذي قد راجعا اليه عن وجوب القضاء عليه كفائيا؟ ومن المعلوم انهما اذا لم يقصرا في ذلك، فليس باكثر من علمهما بوجود اهل غير ذلك أيضا، فهل مجرد عدم فحصهما وكونهما مقصرين في ذلك اقتضى عدم الوجوب على هذا حتى بالنحو الكفائي؟ فهذا شيء يشكل تصديقه، وبعبارة اخرى، ان تقصيرهما اوجب وقوفهما على فرد آخر ممن يجب عليه كفاية القضاء، وأما هذا الذي يعلمانه ويعرفانه اهلا للحكم، فلماذا لا يجب عليه القضاء كفائيا، وهو اهل له بزعمهما واعتقادهما وقد راجعا اليه؟
و على الجملة فالمعيار في الوجوب العيني على هذا الذي كان اهلا هو كونه منحصرا متفردا واقعا أو بحسب امكانيات المراجع اي المترافعين، أو اعتقادهم عدم اهل للقضاء غيره مع عدم امكان تنبههم وارشادهم وجوده في غير ذلك فهو واجب عليه كفائيا.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: «ثم على العينية أو الكفائية هل هو على الفور ام يجوز التراخي؟ الظاهر عدم الفورية، للاصل والاجماع وما ورد في بعض قضايا امير المؤمنين عليه السلام من تأخير الحكم والدخول في الصلاة، أو الى الغد، نعم الظاهر عدم جواز التأخير بقدر يوجب تضييع حق لو كان، والاولى أنه لو اراد التاخير بدون عذر يستمهل من المدعي .» اقول: ان من جملة مباحث القضاء، هو أنه سواء كان عينيا أو كفائيا فهل يجب ذلك فورا أو أنه يجوز فيه التراخي؟
وقد استظهر هذا المحقق النحرير عدم الفورية واستدل على ذلك بثلاثة امور:
الاول: الاصل اي اصالة عدم الفورية.
الثاني: الاجماع على عدم الفور.
الثالث: ما ورد في الاخبار الواردة في قضية امير المؤمنين عليه السلام من التأخير الى ما بعد الصلاة أو الى الغد.
و قد وافقه في هذا الاستظهار سيد الاعاظم اليزدي رضوان الله تعالى عليه مستثنيا ما اذا تضرر المتنازعان أو احدهما بالتأخير فراجع صفحة .3
اقول: ولعل الظاهر خلاف ذلك وذلك لانه بعد تنجز التكليفحصول المقتضى وعدم مانع عن مقتضى الامر اي الوجوب وطلب الفعل فالظاهر أنه لاعذر للمكلف في التأخير في الامتثال.
والتحقيق، أنه تارة يكون للمكلف به وقت محدود ومجال معين، فهناك، يمتد وقت الامتثال بامتداد هذا الوقت الى نهايته كما في امتثال امر الصلاة ما بين دلوك الشمس الى غسق الليل، واخرى لا وقت معين للمأمور به وانما امر به، فهناك وان امكن ان يقال بان اصل المأمور به معلوم الوجوب وأما وجوب فوريته فمشكوك فيه، فيجزي البراءة عنه.
ولكن الظاهر خلاف ذلك، فان الغرض من الامر هو بعث المكلف وايجاد الداعي فيه نحو العمل وتحريكه الى جانب المأمور به، ولازم ذلك تحريك العضلات نحو الامتثال، وحينئذ فان اتى المكلف بما هو لازم ذلك اي باعثية الامر نحو المأمور به والامتثال فهو، وإلا فالتأخير يعد عصيانا لهذا الامر.
وأما الاصل، فهو دليل حيث لا دليل، فلا مجال للتمسك به بعد هذا الوجه العقلى والوجداني .
وأما الاجماع، ففيه ان المسألة مسكوت عنها في كلمات كثير من الاصحاب، فاي اجماع والحال هذه؟ نعم لو تحقق الاجماع فلا كلام هناك، وان امكن ان يستشكل فيه من جهة احتمال استناده الى ما ذكر في المقام من الاصل أو بعض أقضية الامام اميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام، فليس هو اجماعا تعبديا يتمسك به.
و أما ما ورد في بعض قضايا الامام من التأخير، فيمكن الجواب عنه بعدم وضوح جهات المطلب لنا، فلعله كان ذلك لمصلحة ونكتة اختفت علينا، هذا مضافا الى ان المراد من الفورية ليست هو الفورية العقلية، وانما هي الفورية العرفية، وربما لا ينافي ذلك، هذا المقدار من التأخير في بعض المواقع، خصوصا بمثل التأخير الى اتيان الصلاة والفراغ منها.
ثم ان قوله: «و الاولى أنه لو اراد التأخير بدون عذر يستمهل المدعى» ، لا يخلو عن شيء، وذلك لانه أما يتعلق بالمستثنى منه أو بالمستثنى، فعلى الاول فهو خلاف الظاهر، وأما على الثاني فهو التناقض المحض، حيث ان عدم الجواز مع تضييع الحق ينافي اولوية الاستمهال الظاهرة في الجواز.
و ما افاده قدس سره: «من الاستمهال من المدعى عند ارادة التأخير، فانه يرد عليه بحسب الظاهر، ان الامر منوط بالمدعى ما دام لم يحضر الشهود ولم يشهدوا أو لم يطالب الحكم، أما اذا طلب ذلك فالظاهر وجوبه، ولا مبرر للتأخير حتى يكون الاولى الاستمهال من المدعى وبعد ذلك كله فالمترجح في النظر هو وجوب الفور ولا اقل من ان الاحوط وجوبيا هو وجوبه فورا.
و القضاء بالفور وبلا تراخ.
قال المحقق النراقي قدس سره: «ثم الوجوب عينا أو كفاية انما هو مع احتمال نفوذ حكمه وعدم مظنة الضرر فيه وإلا لم يجب والوجه ظاهر.» اقول: لعل الاولى والاحسن لو لم يكن هو اللازم التفصيل بين كون الضرر جزئيا قليلا أو كونه عظيما كثيرا، وما افاده رضوان الله عليه يتم في الفرض الثاني وأما الاول فلا.
ثم أنه رضوان الله عليه قد ذكر في اول الكتاب، اشتمال الكتاب على مقدمة واربعة مطالب، وكان الكلام الى هنا في المقدمة. وحينئذ تصل النوبة الى المطالب الاربعة.
فقال: المطلب الاول في تعيين القاضي وما يتعلق به من الشرايط والاداب والاحكام، وفيه ثلاثة ابحاث:
البحث الاول في تعيين القاضي وشرائطه وفيه مسائل:
المسألة الاولى: اعلم ان القاضي يغاير المفتي والمجتهد والفقيه بالاعتبار، فيسمى الشخص قاضيا وحاكما باعتبار الزامه وحكمه على الافراد الشخصية بالاحكام الشخصية، ومفتيا باعتبار مجرد الاخبار عن حكم الله ولو كليا، ومجتهدا باعتبار مجرد الاستدلال ورد الفروع إلى الاصول واستخراج الاحكام عن مآخذها واستفراغ وسعه فيه، وفقيها باعتبار علمه الحاصل بالاحكام من ذلك الاستخراج والاستفراغ، فهذه الالفاظ الاربعة متحدة مصداقا متغايرة حيثية ومفهوما .
اقول: و هذا الذي افاده رضوان الله عليه، يوجد في كلمات غيره من الاعلام أيضا، فترى ان المحقق الكني رضوان الله عليه قال: بان الفرق بين القاضي والمفتي والمجتهد والفقيه بالحيثية والاعتبار في الجميع، فان الاول باعتبار الزامه وحكمه، والثاني باعتبار اخباره عن حكم الواقعة وفتواه به، والثالث باعتبار استفراغ وسعه واستدلاله في فهم الحكم، والرابع باعتبار علمه بالاحكام الشرعية الفرعية، التي هي اعم من الواقعية والظاهرية، و ان لم يكن في الغالب سوى الظن بالواقع للكفاية علمه بالظاهر.
و مع ذلك كله فهو ـ الكني قدس سره ـ يقول بان: الفرق مضافا إلى ذلك ان القاضي له شرائط زائدة على شرائط ما عداه من الثلاثة فالمجتهد الاعمى مجتهد، وليس بقاض، وكذا المجتهد في زمان الحضور الغير المنصوب للقضاء ولو بالنصب العام، بل يتحقق القاضي مع عدم الاجتهاد واخويه في الوكيل على القضاء، والمقلد العارف بجميع احكامه ان جوزناهما أو احدهما وكذا في قاضي التحكيم ان لم نشترط فيه الاجتهاد.
اقول وفي بعض الموارد مما ذكره رضوان الله عليه كلام وخلاف ويأتى انشاء الله تعالى في موضعه.
قال قدس سره: الثانية لما كان وجوب الحكم والقضاء على شخص من الرعية، بل جوازه ووجوب قبول حكمه والتزام الزامه امرا مخالفا للاصل.
أما وجوب الحكم والقبول فظاهر وأما الجواز فللاجماع والمستفيضة كرواية اسحاق بن عمار المتقدمة وصحيحة سليمان بن خالد: اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي، والمروي في مصباح الشريعة المنجبر بعمل الكل: الحكم لا يصح الا باذن الله الى غير ذلك. فلابد في كون شخص قاضيا وجواز القضاء له ووجوب القبول منه، من دليل مخرج له من الاصل، ومثبت لمنصب القضاء له ولهذا اجتمعت كلمتهم قاطبة على ان من شرائطه اذن الامام، ومرادنا من الدليل المخرج هو الدال على ذلك الاذن....
اقول: جواب قوله: «لما كان وجوب الحكم الخ» قوله بعد اسطر «فلابد في كون الشخص قاضيا الخ» .
ومحصل كلامه ان وجوب الحكم بل وجواز الحكم ووجوب قبوله مخالف للاصل، أما الوجوب فواضح ولماذا يجب الحكم؟ ولماذا يجب قبول حكم الغير؟ وأما الجواز فللاجماع على أنه خلاف الاصل للروايات المستفيضة كرواية اسحاق بن عمار التي تقدمت في اوايل البحث، اي قول اميرالمؤمنين : «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصي نبي أو شقي.» فانه يفيد أنه لا يجوز الحكم اولا إلا للنبي او الوصي، وكذا صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد الله عليه السلام : اتقوا الحكومة الخ (24) ، ورواية مصباح الشريعة الحكم لا يصح إلا باذن الله (25) المنجبر وضعها بعمل الاصحاب.
فاذا كان الامر كذلك، فلابد في القضاء ووجوب القبول من القاضي، من دليل يدل على الاذن، حتى نخرج في مورده عن مقتضى الاصل الذي هو عدم الجواز وعلى هذا الاساس فقد اتفقوا على ان من شرائط القضاء اذن الامام.
ثم ان الدليل تارة يختص بواحد شخصي معين ويسمى ذلك الشخص بالنائب الخاص، واخرى بمن اتصف بصفة أو صفات خاصة ويسمى ذالك المتصف بالاوصاف النائب العام. الاول يختص بزمن الحضور فلا يتحقق في غيره فلا فائدة في التعرض لبيان شرائطه والمهم هو التكلم في الثاني.
اقول: فيما ذكره بالنسبة الى النائب الخاص نوع اجمال، وذلك لانه ان كان نظره الشريف الى عدم تحققه علما وعدم وقوع ذلك في الخارج فهو تام، وأما لو كان مراده عدم امكان ذلك فهو امر ممكن، بل ومن الممكن أنه قد تحقق ذلك بالنسبة الى الاوحدي وان كنا لانعرفه، بللم يعرفه احد، سوى شخصه، فهذا نظير الاجماع التشرفي، الذي تصوره المحقق الخراساني رضوان الله عليه، الذي قال قد وقع للاوحدي من العلماء الاعلام والجهابذة الفخام، فاذا امكن تشرف البعض والقاء الحكم من ناحيته الشريفة صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، فيما يرتبط بالفتوى، فاي بعد في ان يأمره صلوات الله عليه عند التشرف، بالحكم بين الناس وفصل دعاويهم وحل مرافعاتهم ومنازعاتهم والبحث هنا قليل الجدوى.
وكيف كان فلابد من تحقيق ان النائب العام من هو وما هو شرائطه وآدابه.
قال قدس سره: ولما عرفت أنه لا يكون واحد من الرعية قاضيا الا بعد اقامة الدليل عل ثبوت هذا المنصب وتحقق الاذن له فاللازم اولا ذكر الادلة المرخصة في القضاء لطائفة من الرعية الامرة بالتزام احكامهم، واذ لا يمكن الاذن للموجودين في زمنالغيبة لشخص معين، بل يكون التعيين بالوصف، فلا محالة يكون في ادلة الاذن اطلاق أو عموم، وتلك العمومات أيضا ليست باقية على حالها من العموم او الاطلاق، بل لاشتراط بعض الشرائط خرج منها بعض افرادها بالادلة المقيدة أو المخصصة لها، فلذا يلزم علينا الفحص ثانيا عن المقيد والمخصص وتخصيص المنصب بمن لم يخرج عن تحت العموم، وبذلك يظهر أنه يشترط في القاضي دخوله تحت ادلة الاذن اولا وعدم خروجه بسبب المخصصات ثانيا.
هذا بيان لوجوب المراجعة الى الادلة، تقريره ان الاذن لما لم يكن لشخص من الموجودين، بل لمن كان متصفا بصفات خاصة فلا محالة لابد من الرجوع الى كلماتهم عليهم السلام لمعرفة من له الاذن عنهم ومن كان لايقا بهذا المقام الشامخ والمنصب الرفيع، وكذا العلم بالاوصاف المعتبرة في القاضي المأذون، ومن المعلوم ان تلك الاخبار عمومات واطلاقات، وهذا يوجب المراجعة الى الاخبار للعلم بانه هل لها مخصصات ومقيدات ام لا حتى يؤخذ بها لو كانت، ويخصص أو يقيد بها العمومات والاطلاقات، وفي آخر الكلام المزبور استنتج أنه يشترط في القاضي دخوله تحت ادلة الاذن اولا وعدم خروجه بسبب المخصصات.
وفي هذا تسامح وذلك لان نتيجة المراجعات الى القسمين من الادلة هو ظهور من هو داخل تحت ادلة الاذن، فوظيفة المجتهد هو الرجوع الى مجموع الادلة، من مطلقاتها ومقيداتها وعامها وخاصها وناسخها ومنسوخها وبعد مراعات المجموع، الحكم بشىء، مثل ان الماذون من قبل الامام عليهالسلام من له صفات كذا وكذا، لا ان يكون يفتي مثلا بمقتضى العمومات مثلا بالاذن، ثم بمقتضى المخصصات بمن خرج او لم يخرج عن العمومات خصوصا وان عمدة تلك الروايات مقيدات فراجع.
قال قدس سره الشريف: «الثالثة اذا عرفت أنه لابد في القاضي من ورود الاذن في شأنه فنقول أنه قد ورد ذلك من سلاطين الانام وولاة الامر من جانب الملك العلام للعلماء باحكام اهل البيت عليهم السلام، بالاجماع القطعي بل الضرورة، والمعتبرة المستفيضة كمرفوعة البرقي المصرحة «بان من قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة» (26)
وكصحيحة ابي خديجة «انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضاينا، فاجعلوه بينكم قاضيا فاني قد جعلته فتحاكموا اليه» (27) والاخرى: «اجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته قاضيا» (28)
و هنا قد تعرض لاشكال في سندهما وصار بصدد الجواب عنه قائلا: «ووصف الروايتين بعدم الصحة، مع أنه غير ضائر عندنا مع وجودهما في الاصول المعتبرة وانجبارهما بالاجماع المحقق والمحكي مستفيضا، وفي المسالك انهما والمقبولة الاتية مشتهران بين الاصحاب متفق على العمل بمضمونهما، غير جيد، لان اوليهما رواها في الفقيه عن احمد بن عائذ عن ابي خديجة وطريق الفقيه الى احمد صحيح كما صرح به في الروضة (29) ، واحمد نفسه موثق امامي، وأما ابو خديجة وهو سالم بن مكرم وان ضعفه الشيخ في موضع، ولكن وثقه في موضع آخر، ووثقه النجاشي وقال الحسن بن علي بن الحسن كان صالحا، وعد في المختلف في باب الخمس روايته من الصحاح، وقال الاسترآبادي في رجال كبيره في حقه: فالتوثيق اقوى، ومقبولة ابن حنظلة: «انظروا من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فانما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله» (30) .
وتضعيف هذه الرواية مع انجبارها بما مر حتى اشتهرت بالمقبولة، غير جيد، اذ ليس في سندها من يتوقف في شأنه سوى داود بن الحصين، ووثقه النجاشي فلو ثبت ما ذكره الشيخ وابن عقدة من وقفه، فالرواية موثقة لا ضعيفة، وعمر بن حنظلة وقد حكى عنه توثيقه، هذا مع ان في السند قبلهما صفوان بن يحيى وهو ممن نقل اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، والتوقيع الرفيع المروي في اكمال الدين للصدوق وكتاب الغيبة للشيخ والاحتجاج للطبرسي: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم» (31) ، ومرسلة الفقيه المروية في معاني الاخبار وغيره أيضا: «اللهم ارحم خلفائي قيل يا رسول الله من خلفاؤك؟ قال الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي» . (32)
والمروي في الفقه الرضوي: «منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بنياسرائيل» (33) وفي كنز الكراجكي عن مولانا الصادق عليه السلام: «الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك» (34) والمروي في تحف العقول للشيخ الجليل محمد بن الحسن بن علي بن شعبة وفيه «مجاري الامور والاحكام على ايدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه» (35) والمروي في غوالي اللئالي: «الناس اربعة رجل يعلم وهو يعلم أنه يعلم فذاك مرشد حاكم فاتبعوه» (36) ويدل عليه أيضا الاخبار الاتية بعضها الامرة بالرجوع الى الاعدل أو الاعلم أو الافقه عند الاختلاف ويدل عليه أيضا قاعدتان متفقتان ذكرناهما في كتاب عوائد الايام ويؤيده الاخبار المتواترة المتضمنة لان العلماء ورثة الانبياء وانهم مثلهم وانهم امناء الاسلام وأمناء الرسل والمتكفلون لرعيتهم ولايتامهم وامثال ذلك من الاوصاف.
وحيث أنه كان هنا مورد توهم اشكال وهو تعارض تلك الاخبار لما مر من الاخبار الحاصرة للحكومة في النبي ووصيه فصار بصدد الجواب عن ذلك وقد اجاب عنه بوجهين:
احدهما: انها لا تعارضها لان الاذن الوارد في تلك الاخبار أيضا توصية لغة ثانيهما: قوله : «ومع فرض التعارض، فتلك الاخبار كلها أو اكثرها اخص مطلقا مما مر، فيجب تخصيصه بها» .
ثم استنتج من ذكر هذه الاخبار بقوله: «ثم أنه قد ظهر من تلك الاخبار ثبوت الاذن للعلماء العارفين باحكام الله في القضاء، وكونهم منصوبين من قبل الامام نوابا لهم في هذا الزمان» وهنا قد تعرض لاشكال والجواب عنه، أما الاشكال فهو ان يقال ان المذكور في الاخبار هو العالم والعارف والفقيه، اللذان هما أيضا يتضمنان العلم، وحصوله في هذه الازمنة غالبا غير ممكن، لان طرق الاحكام ظنية غالبا.
والجواب: ان الظن لا يعمل به ما لم ينته دليل وجوب العمل به او جوازه الى قطعي، فان اثبات الظني بالظني مع اطباق العقلاء العلماء على بطلانه دور، أو تسلسل، واذا انتهى الى القطع والعلم يكون الحاصل منه معلوما فاما لو علمنا أنه يجب علينا العمل بالمظنون فيكون المظنون حكمنا قطعا، فنكون عالمين بحكمنا قطعا، وهذا هو المراد من قولهم ظنية الطريق لاينافي قطعية الحكم، وليس فيه ابتناء على التصويب كما ظن، فالمجتهد، اذا علم حجية الخبر أو الظن الحاصل منه بدليل علمي، ودل خبر أو ظن منه ان حكم الله في الواقعة الفلانية كذا، يعلم قطعا ان حكمه في حقه كذا، فيصدق أنه عالم أو عارف بقضاياهم وحلالهم وحرامهم.
ثم ذكر اشكالا آخر واجاب عنه فقال: لا يقال ان مرادهم من احكامهم وقضاياهم هي الواقعية، لانها احكامهم وأما الحكم الظاهري فهو حكم المضطر بقضيتهم.
لانا نقول : ان الاحكام الظاهرية للمضطرين حال اضطرارهم، أيضا من الاحكام الواقعية لهم، اذ ليس المراد بحكمهم الا ما حكموا به، وهل حكموا للمضطر بغير ذلك الحكم؟ أوليس هذا حكمهم في حقه، وهل ليس ما ظنوا حليته مثلا بالدليل الشرعى حلالا من جانبهم، والحاصل ان المضنون هو ان هذا مطابق لما حكموا به بغير المضطرين، واما انه حكمهم في حق المضطرين فهو مقطوع به، وعلى هذا فيكون هذا الذي عرف الحكم بالدليل الشرعي ولو كان ظنيا عالما بالحكم، فيكون قاضيا متوليا لمنصب القضاء، ويكون من شأنه الحكم ومن شأن الرعية القبول منه، الا ان يكون فاقدا لاحد الشروط المعتبرة فيه الآتية.
قال قدس سره: «ثم أنه هل يختص هذا الاذن العام لذلك العالم بحال الغيبة، أو يشمل حال الحضور أيضا، أما مطلقا أو مع عدم التمكن للامام، فيه وجهان ولا فائدة لنا في التعرض لتحقيقه.
اقول: ليس في هذه الادلة ذكر عن ايام الغيبة، حتى يجعل شمولها لعصر الغيبة مفروغا عنه، وينازع في شمولها لزمن الحضور، بل الظاهر منها هو الاطلاق والشمول للعصرين الغيبة والحضور . ومجرد وجود الامام عليه السلام بنفسه في زمن الحضور، ولا وجود من نصب بالخصوص في بعض البلاد، لايستلزم اختصاص الادلة بزمن الغيبة، كما ان الافتاء كذلك، فمع وجود الامام عليه السلام والمنصوبين من قبله عليه السلام احيانا يقول الامام الصادق عليه السلام لأبان: «اجلس في المسجد وافت للناس فاني احب ان ارى مثلك.» لا يقال: أنه من باب الاذن الخاص.
لانه يقال: اذا كان ذلك تاما فهو بالنسبة الى ابان، وأما بالنسبة الى مثله فهو كالادلة الدالة على الاذن لمن كان واجدا لشرائط خاصة.
قال قدس سره: الرابعة: «المصرح به في كلام اكثر الاصحاب أنه يشترط في هذا العالم المأذون فيه ان يكون مستقلا باهلية الفتوى، اي يكون علمه حاصلا بالاجتهاد، فلا ينفذ قضاء غيره ولو كان مطلعا على فتوى المجتهدين الاحياء ومقلدا لهم، ونفى عنه الشك المحقق الاردبيلي مع وجود المجتهد، وفي الكفاية انه لا اعرف فيه خلافا، بل في المسالك والمعتمد لوالدي قدس سره الاجماع عليه، ويشعر به كلام بعض الاجلة في شرح القواعد حيث قال: ولا يكتفي عندنا بفتوى العلماء وتقليدهم فيها، بل لابد من اجتهاده فيما يقضي به، خلافا لبعض العامة انتهى. وحكى في التنقيح عن المبسوط أنه نقل قولا بجواز قضاء المقلد، قال في المبسوط في هذه المسألة ثلاث مذاهب، الاول: جواز كونه عامياويستفتي العلماء ويقضي بقولهم الى آخر ما قال، ثم قال في التنقيح: ولم يصرح اي الشيخ باختيار شيء من المذاهب» .
ثم ان المحقق النراقي نقل أنه استدل للمشهور بأمور: الاجماع المنقول، والاصل، واشتراط الاذن. ولم يثبت لغيره لظهور اختصاص الاجماع به، وتضمن اخبار الاذن المتقدمة للعلم أو المعرفة المجازين في الظن، مضافا الى المتواترة الناهية عن العمل أو القول به، أو بغير العلم، والمعتبرة للعلم في الفتوى ولا يحصل لغير المجتهد سوى الظن غالبا، قيل بل وكذلك المجتهد الا ان حجية ظنه مقطوع به، فهو ظن مخصوص في حكم القطع كساير الظنون المخصوصة، ولا كذلك غيره.
ثم صار بصدد تحليل هذا الكلام وتشريحه وقال ان كان مرادهم نفى قضاء غير المجتهد الذي لم يقلد حيا أو ميتا بتقليد حي يجوز تقليد الميت، بل رجع الى ظواهر الاخبار وكتب الفقهاء من غير قوة الاجتهاد، كما هو ظاهر كلام بعض متأخري المتأخرين، حيث قال: وغير المجتهد لا دليل على حجية ظنه قاطعا ولا ظنيا، ولو سلم الاخير ففايته اثبات الظن بمثله وهو غير جائز باطباق العلماء انتهى.» فهو كذلك ولا ينبغي الريب فيه.
وان كان مرادهم نفي قضاء غير المجتهد مطلقا، حتى العادل المقلد للحي في جميع جزئيات الواقعة أو للميت بتقليد الحي، فبعدما علمت من عدم حجية الاجماع المنقول أو الظن المنتهي الى العلم، يعلم ضعف تلك الادلة لان المقلد اذا علم فتوى المجتهد في جميع تفاصيل واقعة حادثة بين متنازعين من مقلديه وجزئياتها، يعلم حكم الله في حقهما لان حكمه ولو كان مظنونا ولكنه معلوم الاعتبار والحجية بالنسبة اليهما، فذلك المقلد، عارف عالم بحكم الشارع في حقهما فيكون مأذونا بالاخبار المتقدمة، عالما بالحكم، خارجا عن تحت الاصل، الا ان يتحقق الاجماع على خلافه، وهو غير محقق كيف وكلمات اكثر القدماء خالية عن ذكر المجتهد أو ما يرادفه، وعبر كثير منهم بالفقيه المحتمل صدقه سيما في الصدر الاول على من اخذ برهة من المسائل ولو تقليدا، كما صرح به والدي العلامة قدس سره في تجريد الاصول وانيس المجتهدين، ولذا قوى بعض علماؤنا المعاصرين في اجوبه سؤالاته، جواز المرافعة للعالم العادل المطلع بجميع المسائل الدقيقة المتعلقة بواقعة تقليدا ونسب عدم الجواز الى المشهور.
ونحن نقول ان ما احتمله في كلماتهم من ان يكون مرادهم نفي قضاء غير المجتهد الذي لم يقلد لا الحي ولا الميت بتقليد الحي بل رجع الى ظواهر الاخبار وكتب الفقهاء من غير قوة اجتهاد، ففيه ان الظاهر، خروج هذا عن مصب الدعوى، وكيف ينازع في جواز قضاء من لا يبلغ حد الاجتهاد ولا حصلت فيه قوة ذلك، ولا أنه يقلد المجتهد في ذلك، وانما يعتمد في قضائه على ما في الكتب، وربما يكون لما رآه مخصص أو مقيد او ناسخ، أو يكون المراد غير ما يعلمه، وربما يحكم على خلاف الحق فانه عامي، يتمكن من مطالعة الكتب، وهو لايزال في معرض الغلط والخطأ والاشتباه، فهل يمكن ان يحتمل عالم أنه يجوز له القضاء؟ بل يظهر من عبارة المحقق القمي عدم خلاف ظاهر في عدم جواز القضاء راجع قضائه ص .647
هذا مضافا الى ان من كان لا يقلد وهو غير مجتهد، فكيف يكون عادلا، حتى يؤخذ بحكمه وقضائه؟ . فالظاهر ان العامي المستقل في قضائه، المعتمد على ما يستفيده من ظاهر الكتب بلا استناد اصلا، خارج عن محور الدعوى وان كان قد يحصل الخلط في الكلمات، أو يكون كلام واحد ظاهرا في أنه محل النزاع.
فيبقى النزاع في المقلد الذي يراجع فتوى المجتهد ويقضي على حسبه بين الناس وكان عادلا وكان تقليده على الموازين الصحيحة، فان حكمه وان كان مظنونا الا أنه قد قام الدليل على حجية ظنه فيمكن ان يكون هذا خارجا عن الاصل المذكور الذي كان مقتضاه المنع، بل مال الى ذلك النراقي الا ان يكون هناك اجماع، وهو غير محقق عنده وأيد ذلك بخلو كلمات كثير عن ذكر المجتهد الظاهر في من له قوة تفريع الفروع على الاصول وبتعبير كثير منهم بالفقيه، المحتمل صدقه على من اخذ مقدارا من المسائل ولو تقليدا، وقد نسب ذلك الى تصريح والده والى بعض العلماء المعاصرين له، ومقصوده هو الميرزا المحقق القمي رضوان الله عليه فانه افتى بجواز المرافعة الى العالم المطلع بالمسائل تقليدا، وهو قد نسب القول بعدم الجواز، الى المشهور، فقد افتى هو خلاف المشهور.
وأما كتاب هذا العالم الجليل المعاصر له الذي اشار اليه فهو الاثر الخالد والسفر النفيس للمحقق القمي رضوان الله عليه اعني كتاب جامع الشتات فراجع ج2 ص 647 و .681
ثم أنه رضوان الله عليه قال: وقد يوجه جواز تقليد القاضي أيضا ـ مضافا الى الوجه السابق ـ بحسنة هشام، لما ولى اميرالمومنين عليه السلام شريحا القضاء، اشترط عليه ان لاينفذ القضاء حتى يعرض عليه، وهو انما يحسن لو لم يكن توليه اياه تقية كما هو الظاهر، وبذلك وان ظهر ضعف الادلة المذكورة لهم، الا أنه يمكن ان يقال ان اكثر تلك الاخبار وان كان مطلقا شاملا للمقلد المذكور أيضا، الا ان قوله عليه السلام في المقبولة: «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا» الخ وفي التوقيع: «فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا» مقيد بالمجتهد، اذ الظاهر المتبادر منه، الراوي للحديث، المستنبط المتسخرج منه الاحكام على الطريق الذي ارتضاه الشارع وامر به، لا مطلقا. ويعلم من ذلك، احتمال اختصاص مرسلة الفقيه المتقدمة بالمجتهدين في الاحكام أيضا، بل وكذا الرضوي، لعدم معلومية صدق الفقيه على مطلق العالم ولو تقليدا.
ويدل على التخصيص أيضا المروي في مصباح الشريعة، المنجبر ضعفه بما ذكر، أنه قال اميرالمؤمنين عليه السلام لقاض: «هل تعرف الناسخ من المنسوخ قال: لا، قال: فهل اشرفت على مراد الله عزوجل في امثال القرآن قال: لا، قال اذا هلكت وأهلكت.» والمفتي يحتاج الى معرفة القرآن وحقايق السنن وبواطن الاشارات والآداب والاجماع والاختلاف والاطلاع على اصول ما اجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ثم حسن الاختيار، ثم العمل الصالح، ثم الحكمة ثم التقوى ثم حينئذ ان قلد (37) قال عليه السلام: «لا تخل الفتيا لمن لا يستفتي من الله عزوجل، بصفا سره واخلاص عمله وعلانيته وبرهان من ربه في كل حال، لان من افتى فقد حكم، والحكم لا يصح إلا باذن من الله» (38) ، وبتلك الاخبار يجب تقييد اطلاق بعض آخر وعلم من ذلك صحة ما هو المشهور، من عدم جواز تولي القضاء لغير المجتهد.
اقول، : حسنة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لما ولى الخ رواها في الوسائل 18 ب 3 من ابواب صفات القاضي ح 1
وقد استدل بها على جواز تقليد القاضي، حيث ان الامام عليا عليه السلام امره بان يعرض عليه قضائه بين الناس.
و اجاب عنه هذا المحقق النحرير بانه يحسن التمسك بها لو لم يكن توليه اياه للتقية، واستظهر كونه كذلك، اي ان الامام عليه السلام كان في ظروف واحوال لم يكن له بد من ذلك فلا دلالة للرواية على ما رامه المستدل، ولكن هنا كلام اخر ذكرناه في ابحاثنا الخارج في القضاء التي القيناها على جمع من الفضلاء في اوائل سنة 1413 ه ق وهو قولنا:
ولعل في نفس الرواية دليلا على عدم نفوذ قضائه حيث أنه شرط عليه الامام عليه السلام ان يعرضه عليه، ولو كان القضاء منه نافذا لازما، لم يكن وجه للزوم عرضه على الامام عليه السلام، فليراجع مباحثنا في القضاء ج 1 ص .74
كما أنه قد اجاب عن الاخبار المطلقة بامكان ان يقال اكثر هذه الاخبار وان كانت شاملة للمقلد المذكور اي العارف باحكام القضاء تقليدا الا ان قوله عليه السلام في مقبولة عمر بن حنظلة: «انظروا من كان منكم قد روى حديثنا الخ» وفي التوقيع الرفيع: «فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا» مقيد بالمجتهد، مدعيا تبادر الراوي المجتهد المستنبط لا مطلقا.
والعجب من هذا المحقق العملاق، كيف تمسك بقوله عليه السلام في المقبولة: «قد روى حديثنا» وان المتبادر منه، من يستنبط الاحكام على النهج الدائر والمألوف بين الاعلام والحال ان الجملة الثانية أو الثالثة فلا تدل بالصراحة أو الظهور الكامل على ذلك حيث قال: «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا» فان النظر في الحلال والحرام وعرفان احكام اهل البيت والعترة الطاهرة من شأن المجتهد المستنبط وهاتان الجملتان ادل على المقصود، من الفقرة الاولى التي تمسك بها.
وأما ما ذكره من احتمال اختصاص مرسلة الفقيه المتقدمة بالمجتهدين في الاحكام أيضا بل وكذا الرضوي فالمراد من المرسلة هو ما نقله آنفا وهو قوله صلى الله عليه و آله: «اللهم ارحم خلفائي قيل يا رسول الله من خلفائك؟ قال الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي» .
وأما الرضوي فهو: «منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني اسرائيل» فاحتمل كون المراد من الفقيه، هو المجتهد، لعدم معلومية صدق الفقيه، على مطلق العالم ولو تقليدا .
وهذا في الحقيقة ينافي ما افاده قبل اسطر بقوله: «وعبر كثير منهم بالفقيه المحتمل صدقه سيما في الصدر الاول على من اخذ برهة من المسائل ولو تقليدا وكان قد نسب ذلك الى صريح والده العلامة» .
ويمكن ان يكون قد عدل عن ذلك وانما ذكره تقريرا وتقريبا وبيانا، لا أنه اذعن به فتأمل .
والانصاف ان ما ذكره اولا أقرب الى الصواب وذلك لاستعمال الفقيه في غير معناه المصطلح، المساوق للمجتهد كثيرا، مثل قوله صلى الله عليه و آله في رجل اراد تعلم القرآن حتى بلغ قوله تعالى:
«فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره»
فقال: حسبي وكفاني، وقال رسول الله صلى الله عليه و آله في شأنه: «خرج الرجل وهو فقيه» (39) .
فان من الواضح ان المراد من الفقيه، هو صاحب الفهم النافذ في دين الله، وكذا قول الامام ابي عبد الله الحسين عليه السلام: «اللهم اني احمدك على ان أكرمتنا بالنبوة و علمتنا القرآن و فقهتنا في الدين» (40) فان قصد الاجتهاد غير ملائم بل هو مقطوع العدم كما لا يخفى. فاستعمال الفقه في معناه اللغوي وهو الفهم ليس بعزيز بل هو كثير، نعم، القول بالتخصيص لا اشكال فيه وذلك لكون بعض الروايات كالصريح في ارادة الاجتهاد والاستنباط كما اشرنا اليه آنفا.
ثم أنه رضوان الله عليه بعد اثبات لزوم الاجتهاد واعتباره في القاضي قد تعرض لفرض تولي القضاء لغير المجتهد بنيابة المجتهد اذنه الخاص، فقال: «وهل يجوز له التولي من جانب المجتهد وبأذنه الخاص؟» ربما يحكى عن بعض الفضلاء المعاصرين جوازه ولم اتحققه ولم اره في كتابه ولا ارى له وجها اصلا. ويمكن ان يكون ذلك لفتواه المتقدمة بجواز المرافعة للمقلد العادل العالم بمسائل الواقعة وتوقيفه على الاذن لمعرفة العادل المطلع. وتوهم ان عموم الولاية فيما للامام فيه الولاية ثابت للمجتهد ومنها الاذن الخاص في القضاء، مدفوع بان للامام الاذن للاهل والقابل، فالجواز للمجتهد أيضا يكون مقصورا على من له الاهلية وهي لغير المجتهد غير ثابتة ومن ثبت له لا يحتاح الى النائب لثبوت الاذن له عن المنوب عنه .
اقول: ان تفويض المجتهد امر القضاء الى المقلد وجعل منصب القضاء له، موقوف على امرين :
احدهما: قابلية المحل، اي كون المقلد قابلا لتصدي القضاء بحسب الحكم الالهي وبدون احراز ذلك لا يمكن التفويض اليه والاستنابة فيه.
ثانيهما: ولاية الفقيه وسلطنته على اعطاء ذلك وتفويضه المنصب.
وورود الخدشة في كل واحد منهما يوجب الخدشة والخلل في النتيجة وذلك لانه اذا لم يكن المحل قابلا فالجعل لا يؤثر شيئا بل ولا يصدر من الحكيم كما أنه اذا لم يثبت ولاية المجتهد على مثل هذا الامر فان الجعل لا يتحقق والنصب لا يحصل.
أما الاول، فهو موقوف على اثبات عدم دخل الاجتهاد في اصل موضوع القضاء شرعا، وهو متوقف على قيام دليل على جوازه من كل احد، ومن المعلوم ان اثبات ذلك في غاية الاشكال، فلو لم يكن الدليل ناهضا على دخل الاجتهاد، فلا شك في عدم نهوض دليل على عدمه وهناك يكفي احتمال دخل الاجتهاد فيه وعليه فلا يكون المحل قابلا لتفويض القضاء اليه وان قلنا بعموم ولاية الفقيه واطلاقها، فان عدم القابلية في المحل يخل بالامر، حتى بالنسبة الى من لا شبهة في عموم ولايته ومن له اعلى مراتب الولاية كالائمة عليهم السلام والرسول الاعظم صلى الله عليه و آله وسلم.
وأما الثاني، فهو موقوف على عموم ولاية الفقيه، بان كان لهم كل ما كان للائمة عليهم السلام وهو وان امكن استفادته من بعض العمومات، ان الجزم بذلك مشكل. وذلك لان اصل الولاية لاحد على الاخرين خلاف الاصل، فانه لا ولاية لاحد على احد، والولاية لله تبارك وتعالى شأنه، وانما خرجنا عن الاصل في خصوص النبي والائمة عليهم السلام بالدليل بل بالادلة الاربعة، فلابد في الموارد التي ثبت هناك ذلك اي اصل الولاية من الاقتصار على المتيقن، اذا فاثبات الولاية المطلقة التي كانت للائمة المعصومين عليهم السلام، للفقهاء امر مشكل وعلى هذا فنصب غير المجتهد للقضاء وان كان للامام عليه السلام، لكنه لا نجزم بتحققه للفقيه، ولذا نرى ان المحقق النراقي ممن نسب اليه القول بتعميم ولاية الفقهاء وصرح بولايتهم في الامور، وعد تلك الامور واحدا بعد واحد، ومنها ولاية الفقهاء، قائلا في العوائد ص 195: «ومنها: القضاء فلهم ولاية القضاء والمرافعات، وعلى الرعية الترافع اليهم وقبول احكامهم، ويدل على ثبوتها لهم مع الاجماع القطعي بل الضرروة الخ» .
و مع ذلك فلم نجد في كلامه ولاية جعل القاضي غير المجتهد، بعد العلم بان المجتهد منصوب لا حاجة الى نصبه.
نعم، من قال بولاية الفقيه في نطاق واسع، فهو في يسر من ذلك، وذلك كالسيد القائد الراحل رضوان الله عليه حيث قال: «وليعلم ان كل ما ورد ثبوته للامام أو السلطان أو والي المسلمين أو ولي الامر أو للرسول النبي أو ما يشابهما من العناوين يثبت بادلة ولاية الفقيه للفقيه، نعم لا يثبت للفقيه ما شك في ثبوته للامام عليه السلام أو علم عدم ثبوته له» . (41)
و قد علمت ان المحقق النراقي قدس سره في المستند، قد تردد في المقام الاول صريحا واستشكل في تعميم ولاية الفقيه، اذا فجريان استنابة غير المجتهد لم يتم بنظره الشريف، بل وصرح بانه لم ير له وجها. وهذا هو الحق الذي اظهرناه في مباحثنا في القضاء.
ثم قال قدس سره: «نعم لا يبعد جواز حكم مقلد عادل عالم بجميع احكام الواقعة الخاصة فعلا أو بعد السؤال في تلك الواقعة الخاصة، بعد اذن المجتهد له في خصوص تلك الواقعة، بعد رجوع المدعي او المتخاصمين فيها الى المجتهد، لان التحاكم والترافع والرجوع في الواقعة، انما وقع عند المجتهد كما هو المأمور به في المقبولة والتوقيع، والمجتهد امر بان يفتش مقلده عن حقيقة الواقعة ويحكم، والتحذير الوارد في رواية مصباح الشريعة انما هو لقاض خاص فلعله لم يكن مأذونا من اهله في خصوص الواقعة كما هو الظاهر، وكذا لا يشمله التحذير الوارد في رواية اسحاق بن عمار، وصحيحة سليمان بن خالد المتقدمتين لان الظاهر ورودها في حق من اتخذ ذلك منصبا، لا من يحكم في خصوص واقعة، بل يمكن ان نقول الحكم حقيقة من المجتهد والواسطة كالآلة.
اقول: ما افاده قدس الله نفسه الزكية لا يخلو عن كلام، لان الذي يستفاد من الاخبار هو عدم جواز الحكم الا للمجتهد دون غيره، والارجاع الى المقلد من ناحية المجتهد كان ممنوعا ومجرد أنه في واقعة واحدة او وقايع متعددة لا يرفع الاشكال، ولم نقف على من فصل بين الواقعة الواحدة والوقايع العديدة. كما ان كون هذا المقلد عادلا عالما بجميع احكام الواقعة فعلا أو شأنا لا يرتفع به الاشكال لان مفروض الكلام في بحث عدم تولي المقلد القضاء، هو كونه عالما عادلا يقضي بمقتضى تقليده، وإلا فالجاهل الفاسق لا نزاع في عدم جواز توليه للقضاء، وبالجملة فالمقلد لا يجوز له الحكم وان كان يجوز له تصدي مقدماته بأمر المجتهد، فاذا بلغ الى مرتبة الحكم فالامر موكول الى المجتهد.
وقوله: «بامكان ان يقال ان الحكم حقيقة من المجتهد، والواسطة كالآلة» انتهى، لا يسعنا تصديقه وإلا فيمكن علاج المشكل بامر المجتهد، له بالحكم في كل واقعة واقعة.
والحاصل ان الذي ينكره الشارع هو الحكم وفصل النزاع بمن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، والنهي عن الترافع الى غير المجتهد أو الى الطاغوت، الظاهر أنه لمكان ذلك الحكم.
ثم قال: والحاصل ان هنا امورا اربعة مخالفة للاصل :
الاول: التحاكم والترافع والرجوع من المتخاصمين بنفسهما.
الثاني: جواز حكم هذا المقلد بما يعلم.
الثالث: نفوذ حكمه ووجوب اتباعه.
الرابع : جواز امر المجتهد هذا المقلد بالحكم وبترافع المترافعين اليه. والاول لم يقع بالنسبة الى المقلد، لانهما بنفسهما لم يرجعا اليه وانما ترافعا عند المجتهد، كما هو المأمور به لهما، والثاني، لا نهي فيه بل صرح بجوازه بل ترتب الاجر عليه في مرفوعة البرقي المتقدمة (42) ورواية الغوالي (43) والثالث يثبت بثبوت وجوب اتباع كل ما حكم به المجتهد بعد الترافع اليه فانه قد حكم بقبول حكم هذا المقلد، فهو حقيقة نفوذ لحكم المجتهد واتباع له، ويدل عليه أيضا رواية الغوالي بل هي تدل على نفوذ الحكم وجواز المحاكمة عنده بدون اذن المجتهد أيضا، الا انها لضعفها الخالي عن الجابر المعلوم، مضافا الى أعميتها من المقبولة والتوقيع يمنع من العمل بمضمونها وحدها، والرابع ظاهر، بعد ثبوت جواز حكمه وعدم وجود نهي فيه ويمكن ان يكون بناء الاصحاب في مسألة احضار الخصم وقولهم كما (سيأتي في بعض الصور) ببعث الحاكم من يحكم بين الخصمين على ذلك، ويمكن ان يكون مرداهم بعث مجتهد آخر، حيث أنه لما ترافع الخصمان اليه يكون هو الاصل، ويمكن ان يكون مرداهم القاضي الخاص المنصوب من الامام، المأذون في الاستنابة فتأمل.
اقول: بعض هذه الامور الاربعة محل التأمل والاشكال مثل قوله : «لا نهي فيه فكيف لا نهي في حكم المقلد بما يعلم، مع تلك الادلة الدالة على اعتبار الاجتهاد في الحكم والقضاء، وأما التصريح بالجواز، بل ترتب الاجر عليه في مرفوعة البرقي، ففيه انها من المطلقات التي يقيد بادلة قضاء المجتهدين.
وكذا الامر الثالث، وأما رواية غوالي اللئالي، فهي أيضا كذلك ولا يمكن الاخذ بظاهرها، كما قد صرح بما يترتب على ظاهرها من جواز المحاكمة الى المقلد حتى بدون اذن المجتهد وهكذا الامر الرابع، فهو أيضا غير تام وخلاف ادلة اعتبار الاجتهاد في القاضي الذي يقضي بين الناس، فاذا دل الدليل على عدم تفرد قضاء غير المجتهد، فلا يجوز للمجتهد ان يأمر المقلد بالحكم بين الناس لانه من الترغيب والامر بخلاف ما هو المشروع والمجاز فكيف يجوز ذلك؟ ! .
قال قدس سره: «فرع، قد ظهر مما ذكرنا ان المحرم لغير المجتهد هو الحكم بغير ما انزل الله، أو بما انزل لله، اي بفتوى مجتهده، بدون اذن المجتهد، مع الزامه المترافعين بما حكم، لكونه الزاما من غير لزوم ولكونه اعانة لمعصية المترافعين وأما قوله لهما بدون اذن المجتهد بعد سماع حكايتهما من غير قصدهما الترافع اليه أو قصده جريان الحكم عليه على فلان المدعي البينة مثلا أو على هذا المنكر اليمين، يعني ان القاضي يحكم بذلك اذ ترافعتما اليه من غير حكم لهما بذلك، فلا بأس به، بل وكذا لو قال: عليك البينة، وعليك الحلف، من غير ان يقصد الزمامهما اجراء حكمه أو رفع تخاصمهما بذلك الحكم، أو سماع البينة او الاحلاف، بل لو قيل له: احلف أو استمع البينة، يقول: ليس هذا من شأني ولابد من الرجوع الى الحاكم، بل لو سمع البينة أيضا لا بقصد الحكم بل الاطلاع بالحال، فانه لا دليل على حرمة شيء من ذلك، والاصل عدمها، فان هذا ليس حكومة وجلوسا مجلس القضاء ولا قضاء و لا ترافعا اليه.»
أقول: ما افاده هنا تام لا غبار عليه، فان الحرام لغير المجتهد، هو الحكم وفصل القضاء بعد استماع الدعوى، بغير ما انزل الله، أو بما انزل الله اي بفتوى مجتهده بدون اذن المجتهد ـ على مايراه من كفاية اذن المجتهد في ذلك ـ وأما لو قال لهما ـ بدون اذن المجتهد، بعد سماع حكايتهما، والحال انهما لم يقصدا الترافع اليه، ولم يقصد هو أيضا جريان الحكم: على فلان المدعى البينة مثلا، أو على هذا المنكر اليمين، بمعنى ان القاضي يحكم بذلك عند ترافعكما اليه فهذا ليس به بأس. ومثله ما لو قال: عليك البينة وعليك الحلف، بصورة التخاطب، بدون قصد إلزامهما وإجراء الحكم أو رفع التخاصم بذلك، بحيث لو قيل له: إحلف واستمع البينة يقول: ليس هذا من شأني، ولابد من الرجوع الى الحاكم، ولو سمع لكان من باب الاطلاع بالاحوال، فهذه الامور لا حرمة لها والعلة الاصلية هو كون الحرمة أو العقوبة مترتبة على عنوان الحكومة او الجلوس في مجلس القضاء، أو القضاء أو الترافع الى العامي وغير المجتهد، ومن المعلوم عدم صدق شيء من هذه العناوين في مفروض المقام، وعليه فلا حرمة ولا عقوبة واذا شككنا في حرمة ذلك فالاصل هو الجواز.
بل ويمكن ان يقال: لو تصدى لاستماع طرح الدعوى، واستمع الى المدعي ودعواه بل وحضر اقامته البينة، أو استمع الى حلف المنكر مع عدم بينة للمدعي، ثم اخبر الحاكم بتمام ما وقع، وهو قد حكم على اساس هذه المقدمات، لم يكن بحرام وذلك لان حرمة الترافع بلحاظ الحكم، وقد فرض أنه لم يتعرض للحكم اصلا وانما وكله الى المجتهد، فلا وجه لحرمة ذلك أو بطلانه، كما أنه لم يصدق في حقه ساير العناوين المذكورة الموجبة للحرمة، كالحكومة أو الجلوس في مجلس القضاء او نفس القضاء وهو واضح.
قال رضوان الله عليه ص 518: «الخامسة: هل يشترط في المجتهد الذي ينفذ قضاؤه، أو قضاء مقلده المأذون منه لو قيل بجوازه، كونه مجتهدا مطلقا ام يكفي المتجزي؟ وهذا البحث ساقط على ما اخترناه من عدم امكان التجزي لو اراد التجزي في الملكة، لانهم ان ارادوا التجزي بذلك المعنى، فهو غير ممكن، وان ارادوا التجزي الفعلي، فبطلان اشتراط عدمه بديهي واضح، لعدم امكان الاجتهاد الفعلي المطلق وعدم تحققه، نعم يتأتى هذا الخلاف على القول بتجزي الاجتهاد بمعنى الملكة، وقد وقع الخلاف فيه عليه وصرح بعضهم بكفاية التجزي، وهو الظاهر من الفاضل في التحرير حيث شرط في القاضي الاجتهاد وذكر شرائطه ثم قال:
الاقرب نعم، لما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : اياكم... . اقول حاصل الكلام في المقام، أنه، بعدما ثبت اشتراط الاجتهاد في القاضي فهل يعتبر كونه مجتهدا مطلقا أو أنه يكفي المتجزي؟
هل التجزي ممكن ام لا؟
و هذا البحث مبني على بحث آخر وهو أنه هل يمكن التجزي في الاجتهاد ام لا؟ فذهب جمع الى امتناع ذلك ومنهم المحقق الشهير النراقي رضوان الله عليه في قضاء المستند، وآخرون الى امكانه وجوازه كالخراساني والاصفهاني قدس سرهما، واستدل للاول بان الملكة بسيطة والبسيط لا يتجزأ وإلا لزم الخلف.
و الحق هو الثاني، وذلك لان الملكة قابلة للاشتداد وللزيادة والنقص كما في ساير الصفات النفسانية هذا أولا وثانيا: ان اختلاف الاشخاص في حدة الذهن وجودة الفهم وقصورهم فيه، وفي قدرة بعضهم على العقليات والنقليات والعبادات والمعاملات، وعدم قدرة بعض آخر الا على المباحث النقلية دون العقلية، أو مباحث العبادات دون المعاملات، وكذا اختلاف مدارك الفقه سهولة وصعوبة، يوجب ان لا يحصل لبعض القوة الكاملة، فيتأخر في بعض المسائل.
وكيف كان فمن كان يقول بامتناع التجزية في الاجتهاد، فهو في سعة من الامر لانه لم يبق له مجال للبحث في حجية قضاء المتجزي وعدمها، وذلك لانه على حسب الفرض انكر اصل امكان التجزي، فكيف يبحث في نفوذ قضاء المتجزي وعدمه، وعليه فمثل المحقق المولى النراقي رضوان الله عليه الذي يقول في تلك المسألة بالامتناع، لا حاجة له الى بحثنا هذا وهو قضاء المتجزي، بخلاف من يقول بالامكان فانه لابد له من التعرض لذلك.
ولا يخفى ان العلامة اعلى الله مقامه صرح بامكان التجزي في تحرير الاحكام (ج 2 ص 180) في باب القضاء، واحتج له براوية ابي خديجة عن الصادق عليه السلام: «اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه» (44) .
وجه الاستدلال وان لم يذكره العلامة، هو ان المستفاد منه بمقتضى قوله: «شيئا من قضاءنا» ، كفاية العلم بقسم من الاحكام وقضاء اهل البيت عليهم السلام وغاية ما يقال أنه يلزم علمه بشىء كثير من ذلك.
قال العلامة نعم يشترط ان يكون عارفا بجميع ما وليه ولا يكفيه فتوى العلماء.
قال في المستند بعد نقل ان العلامة قد جوز التجزي واستدل عليه برواية ابي خديجة والحمل على ارادة جواز التجزي في الاجتهاد دون كفايته في القضاء بعيد بل يمنعه احتجاجه وقوله بعد ذكر الراوية: «نعم يشترط ان يكون عارفا بجميع ما ولاه» اقول: وهذا الذي ذكره واضح لا غبار عليه فان كلام العلامة في باب القضاء ومتعلق به، فكيف يحمل على جواز التجزي في الاجتهاد دون كفايته في القضاء.
كما وأنه قدس سره ذكر: ان حمل كلام العلامة في آخر الفرع: «ولابد ان يكون عالما بجميع ما ولاه انتهى،» على الاجتهاد والمطلق كما في المسالك لا وجه له.
اقول: بيان ذلك، ان العلامة يقول: أنه وان لم يشترط في القاضي كونه مجتهدا مطلقا بل يكفي كونه متجزيا، الا أنه لابد من ان يكون مجتهدا في مسائل تصداه من القضاء واين هذا من اشتراط الاجتهاد المطلق.
ثم قال: ونسب في الكفاية الى المشهور، ووالدي الى الاشهر، اشتراط المطلق وعدم كفاية التجزي، وجزم الاول به مع تيسير المطلق، ونفي البعد عن الاكتفاء بالمتجزي مع فقده، وصرح الثاني بالتفصيل فجوز مع فقد المطلق، ومنع مع تيسره، والحق هو الاول، لان المراد بالمتجزي من قدر على استنباط برهة من الاحكام، جامعا لجميع شرائط الاجتهاد فيها، من ردها الى مآخذها المعلومة اعتبارها وحجيتها عنده بالدليل القطعي، العالم بعدم توقفها على غيرها، أو ظانا له ظنا ثبت عنده اعتباره، اذا لو لم يعلم اعتبار المأخذ، واكتفى فيه بالظن أو ظن عدم التوقف ولم يثبت عنده حجية هذا الظن، لا يجوز عمله اتفاقا لامتناع اثبات الظن بالظن، فلابد من كون ظنه منتهيا الى العلم الموجب لقطعه بالحكم كما مر، فيكون الحكم معلوما له، فيشمله صحيحتا ابي خديجة وكذا يشمله التوقيع، ولا مخصص لهما سوى بعض ما استدل له بالقول الآخر مع جوابه. وجعله من باب اثبات الظن بالظن من الغرائب، لان المتجزي لا يثبت حجية ظنه به، بل يجعل ظنه علما بما دل على حجية الظن الفلاني، كالظن الخبري مثلا له، ثم بعد ذلك وبعد اثبات حجية الاخبار، التي منها هذا الخبر له، بالدليل العلمي، يستدل بهاتين الصحيحتين على حصول الاذن له في القضاء ولو فرض عدم ثبوت حجية ظن له علما، فلا يقول احد بحجية ظنه له وكذا لو ثبت ذلك ولكن لم يثبت عنده حجية هاتين الصحيحتين.
اقول قد ذكر قدس سره في المسألة اقوالا على فرض قبول الاجتهاد «للتجزية وجريانها فيه ـ وإلا فهو قائل بعدم قبوله لها وامتناع ذلك ـ «احدها: ما اشار اليه بقوله وصرح بعضهم بكفاية التجزي وهو الظاهر من الفاضل في التحرير الخ.
ثانيها: ما اشار اليه بقوله:
ونسب في الكفاية الى المشهور ووالدي الى الاشهر اشتراط المطلق وعدم كفاية التجزى.
ثالثها: التفصيل بين تيسر المطلق، فيعتبر ذلك وعدم تيسره، فلا يبعد الاكتفاء بالمتجزي، عل ما في الكفاية، أو أنه يجوز الاكتفاء بلا كلام مع فقد المطلق، على ما ذهب اليه المولى مهدي النراقي والد المصنف رضوان الله عليهما. وقد اختار هو بنفسه القول الاول، حيث قال : «و الحق هو الاول» واستدل على ذلك بما حاصله، ان المفروض ان هذا المتجزي قد قدر على استنباط قسم من الاحكام، وهو جامع لجميع شرائط الاجتهاد فيه من ردها الى اصولها، ومآخذها المعلومة حجيتها عنده بالدليل القطعى أو الظن الذي ثبت اعتباره، فاذا ثبت عنده من قبل حجية الظن الناشيء من خبر العادل بالادلة المعهودة فخبر ابي خديجة والتوقيع حجتان عنده قطعا، وهما يفيدان نفوذ قضاء المتجزي، والمستفاد منهما، ظن قد ثبت حجيته بالادلة القاطعة العلمية أو كالعلمية، وليس من باب اثبات الظن بالظن، وجعله من هذا الباب عنده من الغرئب، وذلك لانه يستدل بهما على حصول الاذن له في القضاء بعد ان تحقق لديه حجية الاخبار.
قال قدس سره في ص 518: احتج لاشتراط المطلق بوجوه:
.1 منها، ما ذكره في الكفاية من ان معرفة الاحكام من الاحاديث، يتوقف في بعض الاحيان على العرض على القرآن وعلى مذاهب العامة والخاصة والعلوم المعتبرة في الاجتهاد فيقتضي الاجتهاد المطلق.» وفيه، ان كون هذا اجتهادا مطلقا ممنوع، مع ان المفروض انما هو اذا علم ما يتوقف عليه الحكم جميعا وعلم عدم توقفه على غير ذلك.
.2 ومنها، المقبولة المتضمنة للجمع المضاف، المفيد للعموم، وبه يخصص الصيحيحتان أيضا لكونها اخص مطلقا منهما.
وفيه، ان العلم، حقيقة في المعرفة الفعلية وتحققها بالنسبةجميع الاحكام غير ميسر، واشتراطها خلاف الاجماع، والحمل على قوة المعرفة مجاز، كما ان ارادة البعض من الجمع المضاف أيضا مجاز، ولا مرجح لاحدهما فلا يعلم المخصص.
.3 ومنه، ما قيل من ان الدليل عى حجية ظن المجتهد هو الاجماع والدليل العقلي من بقاء التكليف وانسداد باب العلم وانتفاء التكليف بما لا يطاق، المنتج لوجوب العمل بالظن، وشيء منه لا يجري في المتجزي. أما الاجماع، فلاختصاصه بالمجتهد المطلق وأما الدليل العقلى فلعدم صحة دعواه انسداد باب العلم بالنسبة اليه، لاحتمال ظهور خلاف ظنه وكذا دعواه التكليف بما لا يطاق في حقه، اذ في وسعه تحصيل المعرفة بكل المدارك.
قال: «اقول: دعوى انحصار الدليل فيهما واهية، فان لحجية كل من الادلة الظنية كالخبر والاستصحاب والكتاب وغيرها ادلة منتهية القطع بالواسطة أو بدونها» ، و لا ينحصر دليلها في أنه يفيد الظن والظن حجة بالاجماع، على ان الاجماع لو كان دليلا لم يثبت في حجية ظن المجتهد المطلق ما يفيد شيئا في هذا الباب، لان القدر الثابت من الاجماع هو حجية ظنه في الجملة، وأما أنه اي قدر وعلى اي حال فلا، بل لا يوجد لظنه المجمع على اعتباره مصداق، فان من ظنونه ما يحصل من القياس أو الشهرة أو الاجماع المنقول أو الخبر أو غيرهما، وفي كل منها خلاف، وعدم تخطئته للعامل بها اذا قال بحجيتها لا يجعله اجماعيا كما في ساير المسائل الخلافية.
وأما ما ذكره في عدم جريان الدليل العقلى في ظن المتجزي لما مر، ففيه ان درك انسداد باب العلم في مسألة، لا يتوقف على القدرة على استنباط جميع الاحكام عن مآخذها، لو سلمنا، توقفه على الاحاطة الاجمالية بجميع المدارك وكذا لا مدخلية لتلك القدرة في درك حكم كل مسألة، حتى يمنع امكان تحصيلها عن التكليف بما لا يطاق، نعم يمكن ان يقال ان المقدمات الثلاث لا تنتج للمتجزي وجوب العمل بالظن، لامكان ان يكون حكمه تقليد المجتهد المطلق ولكن مثل هذا ورد في المطلق أيضا، لامكان ان يكون حكمه الاحتياط على ان الثابت منه لو سلم، حجية الظن في الجملة وهو لا يفيد له شيئا انتهى.
ونحن نقول وحاصل الكلام في المقام ان مشترط المطلق، قد استدل بثلاثة وجوه، المحقق النراقي رضوان الله عليه قد اجاب عن كلها وقد نقلنا العبارة استدلالا وجوابا.
ثم قال: «ثم بما ذكرنا يظهر وجه التفصي عن الايراد بجواز قضاء المقلد المأذون لو قيل بمثل ذلك، على ان الاجماع حجية ظن المقلد الخاص من فتوى مجتهده منعقد» ونحن نقول: لعله يرد على هذا المحقق الجليل انه، قيام الاجماع على حجية ظن المقلد الحاصل من فتوى مجتهده لا يقتضي نفوذ قضاء المقلد المأذون اذا كان مقتضى الادلة هو اعتبار الاجتهاد في القاضي كما استظهرنا ذلك فيما تقدم، فكانه قد خصص حجية ظن المقلد الحاصل من فتوى مجتهده بالادلة الدالة على اعتبار الاجتهاد في القاضي.
قال قدس سره احتج من فصل بن وجود المطلق وعدمه، بما دل على تقديم الاعلم، وفيه منع كل من الصغرى والكبرى، كما يظهر وجهه مما يأتى في مسألة وجوب تقديم الاعلم.
وبعد ذلك فقد تعرض قدس سره لنكتة بقوله: «ثم لا يخفى ان مرادنا عن المتجزي الجائز قضاءه، ليس مطلق من يعلم قضية في واقعة، ولو باجماع أو ضرورة، بل من اخذ برهة جمة من الاحكام من مآخذها لما يدل على التخصيص برواة احاديثنا، وبمن نظر في حلالنا وحرامنا، بل قوله في احدى الصحيحتين (حلالنا وحرامنا) دال على ذلك، وبذلك يخصص اطلاق الصحيحة الاخرى.
قال قدس سره:
«السادسة: يشترط فيه أيضا مضافا الى ما ذكر امور:» اقول: قد تقدم ان من شرائط القضاء هو الاجتهاد، وفي هذه المسألة قد ذكر قدس سره ساير ما يعتبر فيه أيضا.
فمنها، التكليف بالبلوغ والعقل.
وقد استدل رضوان الله عليه لذلك بامور:
.1 الاجماع على اعتبار ذلك.
.2 الاعتبار، والظاهر، ان مراده، ان الاعتبار يقتضى كون القاضي بالغا عاقلا، فانه الذي يكون في مقام فصل الدعاوي واحقاق الحقوق، وكيف يكون الطفل أو المجنون متصديين لذلك وهما يحتاجان الى الولي.
.3 التبادر، بيانه، ان المتبادر عن صحيحتي ابي خديجة وكذا المقبولة هو البالغ العاقل .
.4 وهنا وجه، يختص بشرط البلوغ، وهو التصريح بالرجل في الصحيحتين، وهو مخصص لغيرهما مما ظاهره العموم، وهذا نفى عبارة صحيحة ابي خديجة: «ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا الخ» .
و منها، الايمان، وقد استدل على اعتبار ذلك في القاضي بامور:
.1 الاجماع.
.2 قوله عليه السلام في احد الصحيحتين وفي المقبولة: «انظروا الى رجل منكم» فان لفظة (منكم)، تدل على لزوم كونه من المؤمنين لولايتهم صلوات الله عليهم اجمعين.
.3 ما ورد في بعض الاخبار من اخذ معالم الدين من الشيعة.
و نحن نقول: ان هذا الاستدلال ليس بتام عندنا، وذلك لعدم تعلق القضاء والحكم بأخذ معارف الدين.
وقد اوردنا ذلك في مباحثنا في القضاء، التي القيناها قبل سنوات، وهذا عين ما ذكرناه هناك في ص 36: «الظاهر أنه لا دلالة له للمقام بتنقيح المناط، فانه متعلق بتعلم الاحكام والمعارف من الشيعة المتصلين بمخزن الوحي والرسالة، ولا تعلق له بالحكم بين الناس، الذي هو فصل النزاع وحل الدعاوي، بل في نفس تلك الروايات دلالة على ذلك، فعن سويد بن غفلة قال: كتب الى ابوالحسن عليه السلام وهو في السجن: «وأما ما ذكرت يا علي، ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فانك ان تصديتهم اخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، انهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام ولعنتي ولعنة شيعتي الى يوم القيامة» (45) .
و ذلك لانه عليه السلام قال: «اخذت دينك الخ» ومن المعلوم، ان الدين هو مجموع المعارف والاحكام والمقررات الشرعية، واين هذا من فصل الخصومات وحل الدعاوي، الذي هو عمل القاضي وفعل من افعاله.
وعلى الجملة فان كان مراده قدس سره الدلالة بتنقيح المناط فله وجه وان كان غير وجيه .
ثم أنه قدس الله نفسه ذكر من جملة الشروط، العدالة، واستدل على ذلك بامور:
.1 الاجماع.
.2 آية النبأ، والمراد منها هو قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (46)
.3 المروي في الخصال: «فاتقوا الفاسق من العلماء» (47)
.4 المرويتين في مصباح الشريعة المتقدمتين في المسألة الرابعة وفي تفسير الامام عليه السلام في حديث: «وكذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، واهلاك من يتعصبون عليه، وان كان لاصلاح امره مستحقا، وبالترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا له، وان كان للاذلال والاهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه، وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فاما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة» ، الحديث.
والمروي في التحرير عن علي عليه السلام، أنه قال: «لا ينبغى ان يكون القاضي قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الالباب، لا يخاف في الله لومة لائم» (48)
والضعف فيها غير ضائر، كما مر غير مرة.
ويؤيده آية الركون، وصحيحة سليمان المتقدمة في المسألة الثانية، وعدم حصول الا من بدونها في بذل الجهد، وعدم الكذب واشتراطها في الشهادة، التي هي من فروع القضاء، سيما مع وجود العلة الموجبة لاشتراطها فيها بطريق اولى.انتهى.»
ونحن نقول: أما الاجماع الذي تمسك به اولا، فقد ادعاه كثير من الاصحاب، بل الظاهر من عبارة ابن زهرة وابن البراج أنه مجمع عليه بين المسلمين لا الاصحاب خاصة، قال السيد ابو المكارم بن زهرة قدس سره: «ويجب فيه ان يكون عدلا بلا خلاف الا من الاصم، وخلافه غير معتد به انتهى» . (49)
وهو صريح كلام شيخ الطائفة في الخلاف كتاب القضاء المسألة 5، «من شرط القاضي ان يكون عدلا ولا يجوز ان يكون فاسقا، وبه قال جميع الفقهاء، وقال الاصم: «يجوز ان يكون فاسقا، دليلنا، اجماع الفرقة، بل اجماع الامة، لان خلاف الاصم قد انقرض، وأيضا من جوزناه مجمع على جواز توليته وما ذكره ليس عليه دليل. انتهى» وكذا ابن البراج القاضي، فانه قال في المهذب 2 / 598: «وأما كونه عدلا ثقة فلابد منه، لانه ان كان فاسقا لم ينعقد له القضاء بالاجماع، الا خلاف الاصم لانه اجاز ان يكون فاسقا وخلافه غير مؤثر في الاجماع» . انتهى وأما آية النبأ، فقد استدل بها في المناهل والمستند، وتقريب الاستدلال بها أنه، اذا كان خبر الفاسق غير مقبول، لا يجوز المبادرة إلى قبوله، بل لابد من التبيين، فكيف يمكن قبول حكمه ونفوذ قضائه، فلو لم يكن هناك اولوية فلا اقل من التساوي. هذا.
ولكن الانصاف ان التمسك بها للمقام لا يخلو عن كلام وابهام، وذلك لان خبر الفاسق يتبين بصريح الآية، ويؤخذ به بعد تبين صحته، فهل يجري مثل هذا في حكمه وقضائه؟
اللهم إلا ان يقال: «أنه حيث كان التبين في باب الخبر ممكنا، فعدم قبوله بتعقب التبين، وأما القضاء فحيث أنه لا يجري فيه ذلك، لانه شرع لفصل النزاع والجدال، ولابد من ان يتم به الامر، فمعنى عدم قبوله هو رده، وعدم نفوذه اصلا.
وأما رواية الخصال، فهي بظاهرها تدل على المطلوب.
وأما المروي في مصباح الشريعة الذي مر في ص 36، ففيه اشكال قصور السند.
وكذا المروي عن تفسير الامام، إلا أنه يكثر التمسك به جدا، بحيث كانه صار من القطعيات هذا مضافا الى نقله في الا حتجاج كما وانه نقله في الرسائل 18 ص 95 ح .20
وأما المروي عن التحرير، فمضافا الى قصور السند، لا دلالة له على المطلوب، وذلك لمكان لا (ينبغي)، فانه ليس صريحا في الاشتراط.
وأما آية الركون فهو قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون» . (50)
تقريب الا ستدلال أو التأييد بها، هو ان الفاسق ظالم لنفسه أو لغيره، وقد نهي عن الركون الى الظالم، والتحاكم اليه، من الركون اليه.
ولكن قد اورد على الاستدلال بها، بان الرجوع الى حكم غير العادل مع وثاقته ليس بركونا الى الظالم، الا ترى ان الفقهاء رضوان الله عليهم يأخذون بخبر غير العادل مع الوثاقة، ولا يعد هذا عندهم من الركون إلى الظالم، والاب والجد وليان على اولادهما الصغار وان كانا فاسقين. (51)
ونحن نقول: «لابد من بيان معنى الركون، كي يتضح ورود الاشكال وعدمه، قال في المصباح المنير: «ركنت الى زيد اعتمدت عليه الخ» .
وقال في مجمع البحرين: «لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا» اي قاربت ان تميل اليهم ادنى ميل....قوله: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار» اي لا تطمئنوا اليهم وتسكنوا الى قولهم انتهى.
وفي مجمع البيان: «الركون الى الشيء هو السكون اليه بالمحبة له والانصات اليه، ونقيضه النفور عنه الخ» وحينئذ، فهل الرجوع الى الفاسق والمرافعة اليه والتسليم قبال حكمه والجري على مقتضاه ليس اطمينانا اليه، وسكونا الى قوله وانصاتا اليه؟ ! اذا فالظاهر صحة الاستدلال أو التأييد بالاية الكريمة.
وأما صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي» (52) .
وقد جعلها المحقق النراقي من المؤيدات، ولعله لمكان التفسير الذي ذكر في آخرها وهو: «لنبي أو وصي نبي» ، ولكن الظاهر صحة الاستدلال بها وتماميته وذلك لانه أما على ضبط كنبي أو وصي نبي اي بالكاف كما ورد ذلك في الوسائل فالامر واضح، وأما على ما ذكر اولا (فلان من المسلم)، عدم اختصاص الحكم لهما، وبعد انه كان ذلك للفقهاء أيضا، فلابد ان يكونوا عادلين ومشهورين بالوثاقة والامانة.
وكذا غير ذلك مما قد ذكره في مقام التأييد، قابل للاستدلال به، فضلا عن التأييد به.
ثم لا يخفى ان هنا ادلة اخرى لاثبات المطلوب، لم يتعرض لها النراقي قدس سره الشريف، وقد ذكرناها في مباحثنا في القضاء ج1 ص 43، ولا يسع المجال لذكرها والتعرض لها، وعسى ان تطبع فتراجع انشاء الله تعالى.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: «ومنها العلم الفعلي بجميع احكام الواقعة، والوجه فيه ظاهر» .
اقول: لعل اشتراط الا جتهاد خصوصا مطلقه، مغني عن ذلك هذا مضافا الى عدم تسلم لزوم العلم الفعلي بجميع احكام الواقعة، بعد ان من آداب القضاء ـ وان كانت آدابه المسنونة ـ هو ان يكون بجنبه وفي محضره عند القضاء عدة من العلماء والفقهاء والمطلعين على الاحكام . وهل هذا الا لان ينبهوه اذا اخطأ، أو اشتبه عليه الامر، أو لم يكن حكمه في ذهنه.
نعم لابد ان يكون محيطا بالاحكام الكثيرة المبتلى بها بالفعل.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: «ومنها: الذكورة» ، ثم استدل على ذلك بامور:
.1 الاجماع كما في المسالك ونهج الحق ومعتمد الشيعة وغيرها. واستشكل بعضهم في اعتباره وهو ضعيف، لاختصاص الصحيحين بالرجل، فيخصص بهما غيرهما مما يعم.
.2 ويدل عليه مرسلة الفقيه: «يا معاشر الناس لا تطيعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال» .
.3 وروايات ابناء نباتة (53) وابي المقدام وكثير: «لا تملك المرأة من الامر ما يجاوز نفسها» .
.4 ورواية الحسين بن المختار: «اتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، وان امرنكم فخالفوهن كيلا يطمعن منكم في المنكر» (54) ويقربها، مرسلتا المطلب بن زياد وعمرو بن عثمان، ورواية حماد بن عمرو الطويلة وفيها : «يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة (الى ان قال) : ولا تولى القضاء» (55) .
. 5 ورواية جابر عن الباقر ( عليه السلام) : «ولا تولى المرأة القضاء و لا تولى الامارة» . (56)
وفي خبر آخر «لا يصلح قوم ولتهم امرأة» (57) .
اقول: أما بالنسبة للاجماع فلا يخفى ان الخلاف بين العامة محققة كما صرح بذلك في بداية المجتهد 4/ 343، بخلاف الامامية، فان كل من تعرض له، فقد صرح بعدم جواز قضاء المرأة، واعتبر الذكور في القضاء.
وفي المسالك ـ عند تعرض الشرايع ـ : «وهو موضع وفاق، وخالف فيه بعض العامة، وجوز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه» انتهى.
وفي قضاء المولى الكني رضوان الله عليه ص 12 عند ذكر سبعة امور من الشرائط، ومن جملتها الذكورة: «بلا خلاف في اعتبارها في القضاء والاجماع عليه محصل ومنقول» انتهى.
وقد عرفت ان المحقق النراقي مع ادعاءه الاجماع، نقل أنه استشكل بعضهم في اعتباره، ثم رده بقوله: «وهو ضعيف» .
ولا يبعد ان يكون الضمير في «بعضهم» ، راجعا الى ابناء العامة، وقد ذكرنا مخالفة بعضهم في ذلك. ولو كان المراد هو الخاصة، فلم يكن خلافه ذلك فما يعبأ به، ولا قادحا في انعقاد الاجماع.
وأما الاخبار، ففي كثير منها أو كلها قصور السند، مضافا الى ضعف الدلالة في بعض منها، كقوله: «ليس على النساء جمعة ولا جماعة» . ولا تولى القضاء، فانه ربما يفيد بقرينة صدرها، انها لا يلزمن عليها ولا تكليف عليهن ولو مستحبا بالقضاء.
بل تردد بعض في حصول الاتفاق على المسألة، واستظهر ذلك من تقريرات الشيخ الانصاري قدس سره حيث جاء فيها بنقله: «مسألة اجمع العلماء نقلا حد الاستفاضة، وتحصيلا، على أنه يشترط في القاضي ان يكون كاملا بالبلوغ والعقل والاسلام والايمان وطهارة المولد والعدالة والعلم» انتهى. وقد نقله عن القضاء الاسلامي للشيخ مرتضى الانصاري بقلم العلامة الميرزا حسين قلي الهمداني ج1 ص 23 ولم يذكر الذكورة في عداد الشرائط ولم يبحث في اعتبارها اصلا . (58)
وفيه، أنه لا اعتبار نوعا بتقريرات الفقيه في قبال عبارة نفسه وما ابرزه بقلمه، وهذا هو قضاء الشيخ الانصاري بقلمه الشريف، وقد عد الذكورة في جملة شرائط القاضي، واعتبرها وادعى عدم الخلاف في ذلك أيضا، قال: «ويشترط في القاضي أيضا الذكورة، فالمرأة لا تولى القضاء، كما في النبوي المطابق للاصل المنجبر بعدم الخلاف في المسألة» (59) .
وأما التقريرات، فلعله قد سقط هذا عن قلم المقرر، او لم يحضر ذاك البحث أو غفل عنه الشيخ عند ذكر الشروط، الى غير ذلك مما يمكن توجيه عدم ذكرها به.
ثم ان المحقق النراقي، قد اكتفى في مقام الاستدلال على اعتبار هذا الشرط بالاجماع والاخبار، ولم يستدل بالقرآن الكريم، والحال ان لنا آيات كريمة يمكن الاستدلال بها للمقام كما استدل بها سيد مشايخنا الگلبايگاني قدس سره في درسه الشريف ونحن قد قررناها فليراجع هناك وذلك مثل قوله تعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم» (60) وقوله تعالى: «وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى» . (61)
وأما تقريب الاستدلال، فنحيل الى تقريراتنا وأيضا الى ابحاثنا في القضاء، كما وانه قد تمسك سيد مشايخنا في المقام بالسيرة ومذاق الشرع، وجعل ذلك هو العمدة في اثبات عدم جواز القضاء للنساء، وله في ذلك بيان لطيف، وقد ضبطناه في تقريرات ابحاثه الشريفة.
ويرد أيضا على المحقق النراقي أنه يوجد في الاخبار ما هو اولى من هذه الاخبار التي ذكرها، وذلك كخبر ابي خديجة حيث يقول: «ولكن انظروا الى رجل منكم» الخ.
قال المحقق النراقي قدس سره في ص 519: «ومنها العلم بالكتابة قراءة وكتابة، شرطه الشيخ والحلى ونسبه في المسالك والروضة وغيرهما الى الاكثر، وجعله في السرائر من مقتضيات المذهب، وقيل أنه مذهب عامة المتأخرين، وظاهر النافع والقواعد، الخلاف فيه، بل نسبه في التنقيح الى قوم، ونقل في شرح المفاتيح عن الفاضل وجماعة احتمال العدم، صريح المحقق الاردبيلي والكفاية التردد ونفى اشتراطه والدي العلامة في المعتمد، وهو المعتمد للاصل والاطلاق .
ودعوى اختصاص المرخصات في القضاء بحكم التبادر بعارفي الكتابة، ممنوعة.
واستدل المشترطون باعتبارات ضعيفة، عمدتها توقف الضبط عليها غالبا، وفيه المنع. نعم، لا يبعد ادعاء توقف العلم بالاحكام في نحو هذه الازمنة، الى قراءة الكتابة، فلو قيل باشتراطها فيه بالنسبة الى غير المأذون بخصوصه من المجتهد. لو قلنا بجواز قضائه، لم يكن بعيدا، انتهى.
اقول: اختلفوا في أنه يعتبر في القاضي الكتابة ام لا، مذهب الشيخ وابن ادريس الى اشتراطه، ونسبه الشهيد الثاني في المسالك والروضةالاكثر، وكذا بعض آخر، وجعله في السرائر من مقتضيات المذهب، ونقل المحقق النراقي ناسبا الى القيل، أنه مذهب عامة المتأخرين.
لكن ظاهر النافع والقواعد الخلاف فيه، وفي تنقيح الفاضل المقداد نسبته الى قوم، وهو شعر بان المخالف في المسألة كثير، وفي شرح المفاتيح عن الفاضل وجماعة احتمال العدم، كما ان صريح الاردبيلي والسبزواري في الكتابة التردد. وقد صرح بنفى الاشتراط، النراقي الاول قدس سره، على ما نقله ابنه المحقق النحرير، واختار هو أيضا ذلك، ـ وان استدرك في آخر كلامه نحو هذه الازمنة واشترطها فيها ـ وتبعه تلميذه الاكبر، الشيخ المرتضى حيث قال: «الاقوى عدمه وفاقا للمحكي عن بعض واختاره بعض مشايخنا» انتهى.
فان الظاهر ان مراده من ذلك هو المحقق النراقي رضوان الله عليه اشار الى ذلك في هامش طهارة الشيخ ص .44
ومن النافين لاعتبارها، سيد الطائفة الامام البروجردي اعلى الله مقامه، حيث أنه قال على ما في تقريرات ابحاثه في القضاء بعد ذكر صفات من القاضي: «وأما الشرائط الاخر المذكورة في كتب العامة كالكتابة والبصر، فلا دليل على اعتبارها فيرجع الى الاطلاقات» انتهى.
استدل المثبتون بامور :
.1 الاصل، فهم قالوا بان مقتضى الاصل الاشتراط.
.2 الاحتياط، وقد تمسك به فخر الدين وكذا ابن فهد في المهذب البارع.
.3 ان ضبط الامور والوقايع المربوطة لا يتم الا بالضبط.
وقد رماها النراقي قدس سره، بانها اعتبارات ضعيفة، وذكر ان عمدة تلك الوجوه هو توقف الضبط عليها غالبا.
لكنه قدس سره قد منع ذلك أيضا.
وهو كذلك، وذلك لان الضبط، لا ينحصر طريقه في العلم بالكتابة، بل يمكن ويتيسر بضبط العوامل ومن حول القاضي، أو بكتابتهم مثلا ذلك، وان كان هو لا يعلم منها شيئا.
الا أنه رضوان الله عليه، مع هذا كله، فقد نفى البعد عن ادعاء توقف العلم بالاحكام في نحو هذه الازمنة على قرائة الكتابة، وبنى على ذلك عدم البعد في القول باشتراطها في جواز القضاء له.
ولا يخفى ان العلم بالكتابة، ظاهر في العلم بان يكتب، وهذه المسألة، اي أنه هل يشترط في القاضي العلم بالكتابة ام لا، تجري بعد اهليته للقضاء، بالعلم وساير الامور المعتبرة في القضاء وأما اذا اختل علمه، فلا شك في عدم جوازه له، وفي اشتراط ما يتوقف عليه.
وهو قدس سره جعل العلم بالكتابة في صدر بحثه وفي ختامه اعم من ان يقرأ وان يكتب، وفيه ما ذكرناه.
والحق عندنا هو عدم اشتراط العلم بان يكتب، وأما العلم بالاحكام فلابد منه، سواء كان من طريق القراءة أو التعلم عند اهله.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: «ومنها البصر، قال باشتراطه الشيخ والاسكافي وابن سعيد والقاضي والمحقق والفاضل في القواعد، وولده، ونسبه في الروضة والكفاية الى الاكثرين، وان نفاه الثاني واستشكل في السرائر، ونفاه في المعتمد وهو الاصح لما مر.
اقول: والذي يظهر لنا عدم اشتراطه، وفاقا للمحقق النراقي ووالده، وكذا سيد الطائفة البروجردي، وخلافا للكثير ومنهم سيد مشايخنا اعلى الله مقامهم جميعا، وذلك لان عمدة استدلال المثبتين المشترطين، ان الاعمى لا يميز بين الخصوم، وربما اشتبه عليه الاشخاص، وصار مخدوعا لاهل الخدع.
وفيه، أنه يمكن ان يعينه من كان يرى الاشخاص ويعرفهم ويميز بينهم، وبعد حصول اليقين بذلك، فهناك يحكم القاضي الذي هو مكفوف البصر، وقد ذكرنا في ابحاثنا ان ادلة الطرفين مخدوشة، وبعد ذلك يبقى الاطلاقات كقوله عليه السلام: «ولكن انظروا الى رجل روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا» وغير ذلك.
قال المحقق النراقي قدس سره: «ومنها السمع واللسان، شرطها جماعة، والحق العدم لما سبق .» اقول: قد اختلف في اشتراط سلامته عن الخرس والصمم، فاعتبرها جماعة كالعلامة في القواعد والشهيد في الدروس، ونفى اعتبار ذلك، جمع آخر ومنهم النراقي رضوان الله عليه، وقد بينا في ابحاثنا على ذلك، وذلك لانه اذا كان الوجه في عدم قبول قضاء الاخرس والاصم أنه لا يعرف بماذا حكم الاخرس، ففيه، أنه يمكن له افهام الغير بالاشارة المفهمة، فهو ولو كان بمعونة المترجم قادر على ذلك وكذلك الاصم اذا كان غير قادر على استماع الدعاوى، فيمكن جبر ذلك، بالكتابة وقرائته صورة ما كتبوا له.
قال المحقق النراقي قدس سره: «ومنها الحرية، ذهب الى الاشتراط الشيخ والقاضي وابن سعيد والكيدري والفاضل والشهيد، وهو ظاهر ابن حمزة، ونسبه في المسالك والروضة الى الاكثر، واختار المحقق العدم، واستغربه في الكفاية، وهو الاظهر، اذا اذن له المولى» انتهى.
اقول: ان القول باشتراط القضاء بالحرية وعدم جواز كون القاضي عبدا، هو المعروف بين الاصحاب، قال علم العلم والتقى الشيخ المرتضى قدس سره في طهارته: «ويشترط الحرية أيضا على رأي مشهور بين الاصحاب، سيما الشيخ واتباعه، بل جزم في الروضة بندرة القائل بخلافه.
ونقل هو الخلاف الى الشرايع وشرحه اي المسالك وشرح الارشاد للاردبيلي وحاشيته وهو غاية المراد.
واستدل الاولون، بلزوم الاذن في القضاء، لاختصاصه بالنبي والوصي والاذن للعبد غير متيقن، لان ادلة نصب فقهاء الغيبة واردة مورد الغالب.
واستدلوا أيضا، بان الوالى اجل قدرا من ان يكون مملوكا، فان القضاء من المناصب الجليلة، الى غير ذلك من الوجوه.
كما ان الاخرين استدلوا بالاطلاقات الحاكمة على الاصل، واستظهر ذلك اي عدم الاشتراط المولى النراقي قدس سره الشريف، ولكن الشيخ المرتضى اقتصر على نقل القولين، وذكر بعض الاستدلالات لهما، بما ان البحث في ذلك فعلا قليل الجدوى، فنكتفى بهذا المقدار.
والذي يظهر لنا ويقوى في نظرنا القاصر وفاقا للمحقق النراقي، هو عدم اشتراط الحرية، وجواز ان يحكم العبد بين الناس اذا كان ذلك باذن مولاه، وكان هو واجدا للشرائط المعتبرة في القاضي، قال الامام امير المؤمنين عليه السلام: «لا تضعن من رفعته التقوى» راجع مباحثنا في القضاء.
قال النراقي قدس سره: ومنها طهارة المولد والنطق وغلبة الذكر، شرطها جماعة، بل في الروضة والمعتمد الاجماع على الاول، ونفى الخلاف في الثانيين، والاصل ينفى، ما لم يثبت فيه اجماع.
اقول: وقد افتى بذلك في الشرايع صريحا وقال: «لا ينعقد القضاء لولد الزنا، وقد ادعى على ذلك الاجماع في كلام كثيرين» .
ولا يخفى ان في ولد الزنا خلافا في أنه مؤمن أو كافر، فقال بعضهم بانه كافر، وعلى هذا فالامر واضح لا يحتاج الى استدلال آخر، الا أنه لا يمكن لنا تصديقه، ولا يساعد مذهب العدلية، فان ملاك الايمان والكفر، امر راجع الى اختيار شخص الانسان، وحينئذ نقول قد استدل على عدم نفوذ القضاء ولد الزنا بامور:
منها: أنه لا تقبل شهادته، ولا يجوز أمامته، فكيف بولاية القضاء؟ فان هذه الامور، تدل على قصوره عن هذه المرتبة الجليلة، وعن سيد الطائفة البروجردي رحمه الله، أنه يبعد جدا ان يرضى الشارع بجعل السلطنة له على المسلمين.
وان كان سيد مشايخنا كان يورد في الدرس الاولوية، بانه موقوف على تنقيح مناط قطعي، واثبات ذلك مشكل، وكان قدس سره على ما في تقريراتنا يتم الحكم بالاجماع والانصاف ان في بعض الروايات ما يدل على ذلك، أو يمكن استفادته منه، وذلك مثل ما ورد في ولد الزنا، من أنه، لا يطهر الى سبعة آباء (62) وان نوح النبي لم يحمله معه، مع أنه حمل الكلب والخنزير. (63)
وقد يستدل، بان طباع الناس تنفر من قبول مثله (64) واستدل بعض بانصراف قوله عليه السلام: «ولكن انظروا الى رجل منكم» ، عن مثل ولد الزنا .
الى غير ذلك من الوجوه التي لا تخلوا عن كلام. ويظهر من كلام النراقي، أنه لم يعتمد على امثال هذه الوجوه، بل كان يعتمد في ذلك على الاجماع.
ونحن قد قلنا في ابحاثنا في القضاء بالاحتياط الواجب.
وأما النطق، فقد مضى البحث فيه ولا نكرره.
وأما غلبة الذكر، فكما قاله قدس سره مذكور في كلمات جماعة.
وممن تعرض وصرح بالاشتراط، المحقق في الشرايع والنافع، والعلامة في الارشاد والقواعد والتبصرة، والسبزواري في الكفاية، قال العلامة في القواعد: «ولو غلب عليه النسيان أو ساوى ذكره لم يجز توليته.
ووجه اعتبار هذا الشرط واضح فانه لا يزال يحتاج الى الضبط وإلا فانه ينسى الدعاوي والمدعي والمنكر وغير ذلك.» وأما النراقي قدس سره، فقد تمسك بالاجماع.
والحال ان اثبات الاجماع بمعناه المصطلح، في هذا المقام مشكل، وذلك لعدم تعرض جماعة لهذا الشرط اصلا، وذلك كابن سعيد في الجامع، وابن حمزة في الوسيلة، وابي الصلاح الحلبي في الكافي، والشيخ في الخلاف والمبسوط، وابن ادريس في السرائر، والشيخ المفيد في المقنعة، وغير هؤلاء قدس الله اسرارهم، ونور الله مضاجعهم.
ولعل بدء ذكر هذا الشرط، كان من زمن المحقق رضوان الله عليه، فكيف يمكن ادعاء الاجماع مع عدم تعرض كثير له نفيا واثباتا، اللهم الا ان عدم الخلاف والاجماع، أعم من عدم التعرض اصلا، أو التعرض مع الموافقة.
فالعمد هو ما ذكرناه من احتياج القاضي دائما الى الضبط والحفظ، وعدم امكان الحكم بدون ذلك. وتمام الكلام فيما كتبناه في القضاء، كما ان هناك استدلالات كثيرة.
قال المحقق النراقي قدس سره: «اذا فقد الجامع للشرائط، وتعسر الوصول اليه، أو لم ينفذ قضاؤه مطلقا، أو على خصوص المدعى عليه، ! او لم يمكن اثبات الحق عنده، فهل يجوز الترافع الى غيره؟ ظاهر الاكثر العدم، وفي الروضة الاجماع عليه. ونقل الاردبيلي قولا منسوبا الى ابن فهد بجوازه في الصورة الاولى، وقال أنه وجده في حاشية الدروس، منقولا عن الشيخ حسين بن حسام، ووجدت انا أيضا في حاشيته نسخة منه منسوبة الى مسائل ابن طي، نسبة هذا القول الىابن فهد، والى الشهيد في الحواشي، واختاره نفسه واستقر به بعض المعاصرين، وجوزه الشهيد الثاني في المسالك، ووالدي في المعتمد، لو توقف حصول الحق عليه، وظاهرهما الشمول للصور الاربع، ...
اقول: اذا لم يتيسر الترافع الىجامع الشرائط، سواء كان لفقده، تعسر الموصل اليه، أو لمينفذ قضاؤه لظروف خاصة، أو لم يمكن اثبات الحق عنده، ففي جواز الترافع الىغير جامع الشرائط وجهان، المنع وهو ظاهر الاكثر، وفي الروضة الاجماع عليه.
ونقل عن ابن فهد القول بالجواز في الصورة الاولى، اي فقد جامع الشرائط، وهو المنسوب الىالشهيد في الحواشي، وهو مختار ابنطي واستغرب ذلك بعض معاصري النراقي وهو المحقق القمي (رضوان الله عليه) .
وجوزه بعض، كالشهيد الثاني في المسالك، وكذا والد النراقي، قال في معتبره بالجواز اذا توقف حصول الحق عليه، والظاهر انهما لا يفرقان بين الصور الاربع.
وقد استدل على الجواز بامور:
.1 لزوم تعطيل الاحكام لولاه.
.2 نفي العسر والحرج.
.3 في صورة توقف وصول الحق، مفهوم صحيحة ابي بصير عن ابي عبدالله عليه السلام: في رجل كان بينه وبين اخ له مماراة في حق، فدعا الىرجل من اخوانه ليحكم بينه وبينه، فابى الا ان يرافعه الى هولاء، كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل: «ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به» (65) (66) .
فان المفروض فيها، امكان المرافعة الى اهل العدل، ومع ذلك لم يوافقه صاحبه على المراجعة اليه، فهو من الذين يزعمون انهم آمنوا وليس لهم ايمان، والا فكيف يريدون التحاكم الى مثل هذا القاضي، والحال انهم مأمورون بالكفر به، ومفهومه أنه اذا ترافعا اليه، من دون وجود او امكان من هو مستجمع للشرائط، فليس كذلك.
.4 اطلاق نفي الضرر سيما مع اطلاق رواية البرقي المرفوعة المتقدمة ص2: «او رجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة» ، واستشكل فيه بانه اعانة على الاثم، وهي محرمة، ورد بمعارضة ادلة حرمة الاعانة، مع ادلة نفي الضرر، فيتساقطان، فيرجع الى الاصل.
.1 ان الترافع اليه، اعانة على الاثم، وهي محرمة، قال الله تعالى: «تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان» (67) .
.2 منطوق صحيحة ابي بصير.
.3 الروايات الناهية عن الترافع الى القضاة، أو قضاة الجور والظلم، كصحيحة عبدالله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «ايما مؤمن قدم مؤمنا في خصومة الى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم الله، فقد شركه في الاثم» (68) .
وهنا قال المحقق النراقي: «لا يخفى ما في كتب الاصحاب في اصل المسألة واستدلالهم وجوابهم من الاهمال والمسامحة والقصور، بيان ذلك ان الكلام أما في تكليف المرافعين وما يجوز لهم أو لا يجوز، تكليف من يترافعان أو احدهما اليه من غير الاهل، أو تكليف ساير الناس من الحكام الذين يأتون بعدهم، أو اهل الاقتدار على اجراء الحكم، ورده في رد غير الاهل واجرائه حينئذ، أو في حال الحق الذي حكم غير الاهل حينئذ لاحدهما اثباتا أو نفيا.
ثم على التقادير الاربعة، أما يكون مفروض المسألة ما اذا لم يمكن الترافع الى الاهل، لفقده أو عسر الوصول اليه، أو ما اذا لم يكن التوصل الى الحق بالترافع اليه، أما لعدم نفوذ حكمه أو لعدم امكان اثبات الحق عنده، وعلى التقادير أما يكون نزاع المترافعين للجهل بحكم المسألة، كما اذا اجتمع جد واخ في الميراث، وطلب كل منهما الكل، زعما منه أنه كذلك، أو يكون لاختلاف العلماء في المسألة، كما اذا تنازع الولد الاكبر مع غيره في الحبوة مجانا أو غير مجان، أو الزوجة مع الولد في الارث عن الا راضي وعدمه، أو الاب مع البنت البالغة في ولاية العقد ونحوها، يكون لاجل عدم علم المدعى عليه بالحق المدعى، كما اذا ادعى احد حقا على مورث الاخر، واجاب هو بعدم العلم، أو عليه بعينه وقال لا ادري، او شيئا في يده بانه مسروق مني ونحو ذلك، أو يكون لانكار المدعى عليه الحق.
وعلى جميع تلك التقادير أما يكون عدم اهلية غير الاهل الذي يترافعان اليه حينئذ، لكونه جاهلا اي لعدم اجتهاده ولا تقليده في المسألة، أو يكون لعدم كونه مجتهدا، مع علمه بحكم المسألة تقليدا لمجتهد حي يتعسر الوصول اليه، أو لكونه فاسقا، أو لفقد شرط آخر من شرائط القضاء كالبلوغ أو الذكورة أو البصر على القول باشتراطه ونحو ذلك.
وعلى التقادير أما يكون ذلك الذي لا يتأهل للقضاء، جالسا مجلس الحكم تغلبا وجورا، أو لا، بل يكون هناك شخص لا يتولى القضاء، فيريدون ان يترافعوا اليه، وهذه صور كثيرة، تتجاوز عن المأة بل المأتين، والادلة التي ذكروها للجواز على فرض تماميتها، لا يجري الا في اقل قليل من تلك الصور، فلا يفيد الحكم الكلية.
ثم قال: والتحقيق، ان ما يجوز الاستناد اليه في ذلك المقام، ليس الا دليل نفي الضرر، وجواز التوصل الى الحق بكل ما امكن، لانتفاء الضرر أيضا، وهو لا يجري في تلك الصور الا في جواز ترافع من يعلم يقينا حقه ثابتا، ولا يمكنه التوصل الا بذلك، فيجوز له الترافع الى غير الاهل، لنفي الضرر الخالي عن المعارض بالمرة.
اقول: ومحصل كلامه بعد ذكر تلك الفروض الكثيرة، ان ما يمكن التمسك به في ذلك المقام هو دليل نفي الضرر، وما دل على جواز التوصل الى الحق لكل ما امكن لانتفاء الضرر، وهو لا يجري في تلك الصور الكثيرة الا في ترافع من يعلم باليقين ان حقه ثابت، ولا يمكنه التوصل اليه الا بالترافع الى غير الاهل، فيجوز له ذلك، لنفي الضرر الذي لا معارض له بالمرة.
وافاد في المقام امورا يتوهم معارضته لقاعدة الضرر واجاب عنها، .1 صحيحة ابن سنان التي تقدم ذكرها في ص76، الدالة على ان من قدم مؤمنا الى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه لغير حكم الله فهو شريك له في الاثم.
وهذه لا تصلح للمعارضة، لانها مخصوصة بما اذا حكم بغير حكم الله، والمفروض ان المدعي يعلم ثبوت حقه.
.2 مقبولة عمر بن حنظلة، قال: «سألت ابا عبدالله عليه السلام عن رجلين من اصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما الى السلطان والى القضاة، ايحل ذلك، قال: من تحاكم اليهم في حق أو باطل، فانما تحاكم الى الطاغوت، وما يحكم له فانما يأخذ سحتا، وان كان حقا ثابتا له لانه اخذه بحكم الطاغوت وما امر الله ان يكفروا به، ..» . (69) .
فقد نهى عن التحاكم الى السلطان والقضاة، وان ما يحكم به له سحت ولو كان حقا ثابتا له .
وقد اجاب عنه بوجهين حاصلهما، أما الاول فلاختصاصها بمثل السلطان والمتولين لمنصب القضاء بغير حق.
الثاني: ان الرواية ظاهرة في صورة امكان الرجوع الى الاهل، والتوصل به الى الحق، فيبقى في صورة العدم، والرجوع الى غير السلطان والقضاة كما يأتي، بلا معارض.
.3 الصحيحة والمقبولة الامرة بالرجوع الى الاهل.
واجاب عن ذلك بان اختصاصها أيضا بصورة الامكان واضح.
ثم قال: «فلا يكون لادلة نفي الضرر معارض، الا في صورة عدم علم المترافع اليه بالحق للمدعي، وحكم بالظنون التي لم يثبت اعتبارها في حقه، كالبينة الغير المفيدة للعلم، أو الاحلاف أو رد الحلف، او الاستصحاب أو نحوها، فانه يعارضها حينئذ ادلة حرمة المعاونة على الاثم، ولكنهما يتساقطان، فيبقى اصل الجواز خاليا عن المعارض، ولكن الثابت منه ليس الا الجواز للمدعي العالم بالحق.
وأما المترافع اليه، فلا يجوز له قبول المحاكمة اصلا، الا اذا علم هو أيضا ثبوت الحق له علما واقعيا، لا بمثل البينة والاحلاف، لانه عالم يعلم واقعا ثبوت الحق له، لا يعلم ضررا عليه، ولا منكرا من المدعى عليه، حتى يجري في حقه ادلة نفي الضرر، أو وجوب النهي عن المنكر، فلا يجوز له الحكم بالظنون التي يجوز للاهل، كالبينة والاستصحاب واليمين ونحوها، نعم لو علم ذلك يجوز له من باب النهي عن المنكر أيضا، كجواز ترافع المدعي، ويحل للمدعي العالم بالحق اخذ ما اخذ بحكمه، ولكن لا يثبت حينئذ قضاء شرعيا يجب على ساير الحكام بعده انقاذه، ولا على المقتدرين على الاجراء اجرائه، لأنه أيضا لو علموا بالحق كعلمه، لكان واجبا على انفسهم من باب النهي عن المنكر، واذا لم يعلموا، فمن اين يعلمون حقية حكمه، وجريان ادلة نفي الضرر أو النهي عن المنكر في حقه حتى يجب عليهم انقاذه، بل يكون مثل ما اذا كان من مال مورث عند شخص، وسمع ذلك الشخص وحده اقرار المورث بانه مال زيد، فانه يجوز له اعطاؤه اياه، ولكن لو ادعى الوارث عليه يسمع دعواه، ولا يجب على الحكام قبول قوله، وظهر من ذلك ان الجائز من تلك الصور المتكثرة هذه الصورة فقط، فانها جائزة حتى بالرجوع الى السلاطين الجبابرة وقضاة الجور، والمقبولة المتقدمة وان كان جهة التعليل المذكورة فيها عامة لصورة امكان الاهل وعدمه، ولكن تعارضها ادلة نفي الضرر بالعموم من وجه، فيرجع الى اصل الجواز.
اقول: أنه رضوان الله عليه قد ذكر آنفا في الجواب عن معارضة المقبولة لنفي الضرر، ان اختصاصها بصورة الامكان واضح.
وهنا يقول بان جهة التعليل في المقبولة عامة لصورة امكان الاهل وعدمه، الا ان ادلة نفي الضرر تعارضها، وكان التعارض بالعموم من وجه، فيرجع الى اصل الجواز.
وبينهما بحسب الظاهر تهافت، وعدم الملائمة، واذا كان هناك انصراف فلا معارضة، حتى يرجع الى الا صل.
ولذا قال سيد الا عاظم اعلى الله مقامه: «اذا توقف استنقاذ حقه المعلوم واقعا على الترافع الى غير الاهل من قضاة الجور أو غيرهم، أما لعدم رضى الطرف المقابل الا بالترافع اليهم، أو لعدم وجود الحاكم الشرعي، أو لعدم امكان اثبات الحق عنده أو نحو ذلك، فالظاهر جوازه وحلية ما يأخذه» .
ثم قال: «لان الاخبار المانعة منصرفة عن هذه الصورة، بل ظاهرها صورة امكان الرجوع الى الاهل. ودعوى أنه اعانة على الاثم، كما عن الكفاية مرفوعة بمنع صدق الاعانة، وعلى فرضه، يمكن منع حرمتها في الصورة المفروضة، مع انها معارضة بقاعدة الضرر، بل هي حاكمة على قاعدة حرمة الاعانة، ويؤيدها الاخبار الدالة على جواز الحلف كاذبا لحفظ مال نفسه أو غيره» (70) .
ثم أنه قال المحقق النراقي رحمه الله: «ويمكن اخراج صورة اخرى أيضا بادلة وجوب النهي عن المنكر، وهو ما اذا كان المجتهد الحي واحدا، تعذر أو تعسر الوصول اليه أو مجتهدان أو اكثر كذلك تتفاوت في المسألة المتنازع فيها، وكانت المسألة مما يجب بناء الامر على التقليد فيها، فيجوز للمقلد العادل العالم برأي المجتهد الحي، الحكم بمقتضى فتواه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما اذا تحقق عشرة ارضعة بين صبي وصبية، ثم تزوج الصبي بالصبية بعد البلوغ، ثم تنازعا وكان المجتهد أو المتجهدون الاحياء المتعسر الوصول اليهم، متفقين في نشر الحرمة بالعشر وعدمه، وكذلك اذا وقع نكاح البالغة الباكرة باذن الولي، وتنازع الزوجان وامثال ذلك فتأمل» .
اقول: لم يتضح لي كاملا ان المورد من موارد الرجوع الى غير الاهل، وان حكمه نافذ لكنه من باب النهي عن المنكر، وذلك لانه اذا كان المجتهدان مثلا متفقين في ان عشرة رضعات توجب الحرمة، والمفروض ان الزوجين المذكورين قد تنازعا في ذلك، فانه يكفي بيان الحكم الالهي وذكر الحرام والواجب، وكيف يكون من باب النهي عن المنكر والحال ان اختلافهما لا محالة في نشر الحرمة وعدمه، فلابد ان يكون واحد من هذين يقول بنشر الحرمة والآخر بعدم ذلك. فالنزاع بينهما نزاع في الحكم الالهي وكان الموردين الجهل به وهذا ليس مجرى النهي عن المنكر بل هو ارشاد الجاهل وبيان الحكم الالهي.
ولعل امره في آخر الكلام بالتأمل يشير الى ذلك.
قال قدس سره: لو ترافعا الى غير الاهل حيث يحرم، فحكم، فهل يجوز قبول حكمه ام يجب الرد ان امكن، فيه تفصيل، وهو أنه اذا حكم فان كان المحكوم به مما يباح برضى المحكوم عليه فلابأس له في العمل بمقتضى حكمه ان رضي للاصل الا ان العمل ليس حينئذ بالحكم، وان لم يكن كذلك، بل كان منوطا بالشرع كالحلف والنكاح والطلاق وامثالها، فلا يجوز، نعم اذا حكم في مثله وعلم المحكوم عليه مطابقته للواقع فيما هو من باب الفتوى، فيجب عليه العمل بمقتضاه لاجل ذلك، هذا بالنسبة الى المحكوم عليه، وأما المحكوم له، فان كان المحكوم به من الثاني، لم يجز متابعته اصلا، وان كان من الاول، جاز عمله بمقتضاه ان رضي المحكوم عليه، والا فلا، سواء كان حقا ام لم يكن، أما الثاني فظاهر، وأما الاول فللمقبولة وقد ادعى والدي العلامة طاب ثراه في معتمد الشيعة الاجماع عليه ولا ينافيه موثقة ابن فضال وفيها:
«ثم كتب تحته هو ان يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في اخذ ذلك الذي حكم له اذا كان قد علم أنه ظالم حيث دل بالمفهوم أنه معذور اذا لم يعلم أنه ظالم لعموم القاضي فيها فيجب حمله على اهله. ولكن الحكم في المقبولة مختص بما اذا تحاكما الى الطاغوت، ولدلالته على المبالغة يختص بغير الاهل الذي جعل الحكم منصبا له، كالسلاطين والقضاة وامثالهم فالتعدي الى من حكم نادرا ولم يجعل الحكم لنفسه منصبا، غير معلوم مع ان مقتضى الاصل، حليته لكونه حقا له، والتعدي لاشتراك العلة قياس باطل، ولا فرق في ذلك بين طواغيت المخالفين والموافقين للاطلاقات انتهى.
حاصل كلامه رضوان الله عليه، أنه اذا ترافعا الى غير الاهل عندما كان محرما ذلك، لا حيثما كان جائزا، فهل يجوز قبول حكمه، أو أنه يجب رده مع الامكان؟ وقد فصل بين ما اذا كان المحكوم به مما يباح برضى المحكوم عليه، فهنا ان رضي المحكوم عليه فلا بأس له العمل بمقتضى حكمه للاصل، لكن ليس في الواقع من العمل بالحكم، لان المورد على حسب الفرض كان مما يباح بمجرد رضاه وان لم يكن حكم وقد رضي.. وان لم يكن كذلك، بل كان منوطا بالشرع فلا يجوز.
نعم اذا حكم في مثله وعلم المحكوم عليه مطابقته للواقع فيما هو من باب الفتوى، يجب عليه العمل بمقتضاه، لان المفروض مطابقة حكمه للواقع بحسب الفتوى. وهذا كله بالنسبة الى المحكوم عليه.
وأما المحكوم له، فان كان المحكوم به من الثاني، اي ما اذا كان منوطا بالشرع، لم يجز متابعته اصلا، وسره واضح، وذلك لان الحكم منوط بحكم شرعي كالحلف أو الطلاق أو غيرهما، والمفروض ان غير الاهل قد تصدى لذلك.
وان كان من قبيل الاول، جاز له العمل بمقتضاه ان رضي المحكوم عليه، وان لم يرض فلا يجوز له العمل والجري بمقتضاه، سواء كان حقا ام لم يكن، والثاني واضح لا يحتاج الى البيان، لان المفروض أنه ليس بحق له.
وأما الاول حيث ان فيها: «وما يحكم له فانما يأخذ سحتا وان كان حقه ثابتا، لانه اخذ بحكم الطاغوت» الخ.ترى التصريح بالحرمة حتى في صورة كون الحق ثابتا له وهو يعلم بذلك، وقد ادعى العلامة النراقي الاول طاب ثراه في المعتمد الاجماع عليه، وقد يتوهم منافات موثقة ابن فضال للمقبولة والمعارضة بينهما، وهي: «قال: قرأت في كتاب ابي الاسد الى ابي الحسن الثاني عليه السلام وقرأته بخطه سأله ما في تفسير قوله تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام..» . (71) .
قال: «فكتب اليه بخطه، الحكام القضاة، قال: ثم كتب تحته؛ هو ان يعلم الرجل أنه ظالم، فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في اخذه ذلك الذي حكم له اذا كان قد علم أنه ظالم» (72) .
تقريب الاستدلال هو ان التقييد بكونه ظالما، ظاهر في جواز الاخذ عند كونه محقا. وهذا يعارض المقبولة، وبتعبير النراقي، حيث دلت بالمفهوم أنه معذور، اذا لم يعلم أنه ظالم .
ووجه عدم المنافاة، عموم القاضي فيه، فيجب حمله على اهله، ولكن الحكم في المقبولة مختص بما اذا تحاكما الى الطاغوت، ولدلالته على المبالغة يختص بغير الاهل الذي جعل الحكم منصبا له، كالسلاطين والقضاة وامثالهم.
قال: «فالتعدي الى من حكم نادرا ولم يجعل الحكم لنفسه منصبا غير معلوم، مع ان مقتضى الاصل حليته، لكونه حقا له، والتعدي لاشتراك العلة قياس باطل، ولا فرق في ذلك بين طواغيت المخالفين والموافقين للاطلاقات. انتهى» .
اقول: ان ما افاده النراقي قدس سره من عموم القاضي يراد به شموله للعادل أيضا كقوله للجائر. وقد قال بذلك السيد البروجردي اعلى الله مقامه، حيث قال ـ على ما في تقريرات ابحاثه (73) ص79 في رفع اشكال التعارض ـ : «لم يفوض فيها كون القاضي جائرا، بل الحكم المذكور شامل للعادل أيضا، فيكون القيد المذكور فيه تقييد الحكم بالنسبة الى العادل» الخ.
لكن يمكن المناقشة في ذلك، فان كلام الامام عليه السلام قد ورد في تفسير الاية الكريمة وبيان مفادها وهو قوله تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام» وقد ذكر في معناها: «اي ترسلوها رشوة الى الحكام، كمن يدلي دلوا ليستخرج الماء» . وعلى هذا فالظاهر ان المراد من الحكام، القضاة الفسقة، الذين يأخذون من مراجعيهم الرشوة وليس المراد الاعم من الجائر والعادل.
وعلى هذا فيتجه وجود التعارض بينهما، والذي يمكن به حل الاشكال هو ان يقال ان المفهوم وهو جل ما يأخذه اذا كان محقا لا ظالما والظاهر أنه متعلق بما اذا لم يمكنه الترافع الى العادل، ويكون نتيجة ذلك جواز الاخذ.. اذا علم أنه محق، عند عدم تيسر الرجوع الى العادل.
وكانه قد امضينا ان المقبولة أيضا متعرضة لمورد امكن الرجوع الى القاضي العادل، وعليه فلم يبق معارضة في البين.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: «اذا كان مجتهدان متساويان، فالرعية بالخيار فيهما في الترافع اليهما، لبطلان الترجيح بلا مرجح، ولو تفاوتا في العلم فهل يتعين الاعلم ام لا؟ قال في المسالك والتنقيح: فيه قولان مبنيان على وجوب تقليد الاعلم وعدمه. قال في التحرير: يكون الخيار للمدعى مع التعدد مطلقا ثم قال: ولو تراضيا بالفقيهين واختلف الفقيهان، فقد حكم الاعلم الازهد وذهب جماعة الى الاول، بل هو الاشهر، كما في المسالك وبعضهم نفى الخلاف عنه عندنا، ونقل المحقق الاردبيلي أنه قد ادعى الاجماع عليه، ونقل منبع الاجماع أيضا، وقال: يشعر بعدم الاجماع كلام الفاضل في نهاية الاصول، وفي المسالك، اجماع الصحابة على جواز تقليد المفضول مع وجود الافضل، واختار المحقق وظاهر الاردبيلي الميل اليه، كما ان ظاهر المسالك التردد، والحق هو الجواز وخيار الرعية مطلقا، للاصل والاطلاقات ويؤيده افتاء الصحابة مع اشتهارهم بالاختلاف في الافضلية وعدم الانكار عليهم .
اقول: البحث هنا في تعذر القاضي الجامع للشرائط، من المعلوم انهما لو كانا متساويين، فهما بالخيار في المراجعة الى اي واحد منهما، وامآ اذا كان احدهما اعلم من الاخر فهل يتعين الرجوع الى الاعلم والافضل، أو انهما بعد بالخيار في الرجوع الى اي واحد منهما شاء؟ وهنا أيضا لا اشكال في رجحان الاعلم، وانما النزاع في تعينه وعدم تعينه، قال في المسالك ج13 ص342: «فيه قولان مرتبان على ان المقلد هل يجب عليه تقليد اعلم المجتهدين، ام يتخير في تقليد من شاء منهم؟ فيه قولان للاصوليين والفقهاء، احدهما الجواز كما صرح به في الشرايع: «والثاني وهو الاشهر بين الاصحاب المنع الخ» .
وقال العلامة اعلى الله مقامه في التحرير ج2 ص181: «اذا اتفق في البلد فقيهان في حال غيبة الامام عليه السلام وكل منهما له اهلية الفتوى والحكم كان الخيار للمدعي في رفعه الى من شاء منهما، وكذا لو تعددوا واختلف الفقيهان نفذ حكم الاعلم الازهد» ، ثم استدل العلامة بروايتي داود بن الحصين ولكن الاردبيلي في ج12 ص20 قد تردد في تحقق الاجماع، كما وانه قد تردد في صحة سند مقبولة عمر بن حنظلة (ج12 ص10)، ولذا مال الى الجواز .
وقد اختار ذلك أيضا المحقق النراقي، وقد استدل على ذلك بالاصل وبالاطلاقات، وايد ذلك بما هو مذكور في المسالك، بل استدل به هناك، وهو افتاء الصحابة مع اشتهارهم بالاختلاف في الافضلية وعدم الانكار عليهم.
ثم تعرض قدس سره لاحتجاجات المخالفين القائلين بوجوب تقديم الاعلم:
.1 منها: ان الظن بقوله اقوى، والاقوى احرى بالاتباع، لان قول المفتي كالادلة للمقلد ويجب اتباع اقواها.
.2 ومنها: أنه ارجح فاتباعه اولى بل المتعين.
.3 ومنها: ما بني عليه اصول مذهبنا من قبح تقديم المفضول على الافضل.
.4 ومنها: الاخبار كالمقبولة: «قلت: فان كان كل واحد منهما اختار رجلا وكلاهما اختلف في حديثنا قال: الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ولا يلتفت الى ما يحكم به الآخر» (74) .
وكرواية ابن الحصين في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين واختلف العدلان بينهما عن قول ايهما يمضي الحكم فقال: «ينظر الى افقههما واعلمهما باحاديثنا واورعهما فليتخذ حكمه ولا يلتفت الى الاخر» (75) .
ورواية النميري، سئل عن رجل يكون بينه وبين اخ له منازعة في حق، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: وكيف يختلفان؟ قلت: حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان فقال: ينظر الى اعدلهما وافقههما في دين الله فيمضي حكمه» (76) .
ثم صار قدس سره بصدد الجواب عنها، فاجاب عن الاول بوجوه ثلاثة:
فاولا، بان ذلك انما يتم على القول بان متابعة المقلد لمجتهده لاجل أنه محصل للظن بالواقع، وهو ممنوع وذلك لامكان ان يكون هذا حكما آخر نائبا مناب الحكم الواقعي وان لم يحصل الظن به كالتقية وشهادة الشاهدين واليمين، ولو كان بناء القضاء على الظنون، لزم عدم سماع دعوى كناس على مجتهد أنه آجره للكناسة، ودعوى شرير متغلب على مجتهد عادل في دراهم، ولزم ان يقضى بالشاهد الواحد اذا كان مفيدا للظن، سيما اذا كان المدعي معروفا بالصلاح والسداد، والمدعى عليه بخلافه، وحينئذ فلا دليل على اعتبار الاقوى بل لا معنى للاقوى والاقرب والأرجح.
وثانيا، فلمنع اطلاق كون الظن بقوله اقوى، اذ مع موافقة قول غير الاعلم لقول مجتهد آخر حي أو ميت، بزعم الرعية اعلم، بل مع احتمالها كيف يكون الظن من قول الاعلم اقوى، وأيضا قد يتمكن غير الاعلم من الاسباب، ما لا يتمكن منها الاعلم فيكون الظن الحاصل من قوله اقوى.
وأما ثالثا، فلمنع وجوب تقديم الاقوى غاية الامر الرجحان.
وقد ظهر بذلك الجواب عن الوجه الثاني من الاستدلالات.
وعن الثالث، فبانه قياس للقضاء والفتوى الى الامامة، فان قبح تقديم المفضول في اصول مذهبنا في الاخير، والقياس باطل، مع أنه مع الفارق كما صرح به المحقق الاردبيلي قال : لان الامامة كالنبوة فيالاتباع المحض له والتفويض اليه بالكلية، ويحكم بالعلم البديهي، ويحتاج الى علم الهي في جميع الامور، ومنشأ الفتوى والحكم النص المستفاد من بعض القرائن، وقد يفرض وصول المفضول الى الحق دون الفاضل، ولا محذور فيه ولا يمكن ذلك في اصل الامامة والنبوة، فان المدار هنا على العلم الحق، ولهذا جوز أمامة المفضول للفاضل في الصلاة، وجوز للامام نصب القاضي، من غير اشتراط تعذر الوصولاليه.
وأما عن الرابع، اعني الروايات فبان الاخبار مختصة بما اذا اختار كل من المترافعين مجتهدا، أو ترافعا الى مجتهدين، فاختلفا، فلا يمنع من جواز اختيارهما غير الاعلم، أو من امضاء حكمه بعد ترافعهما اليه وحكمه لو رجع احدهما، مع انها تدل على اشتراط الاورعية أو الاعدلية في تقديم الاعلم أيضا، فلا يثبت مطلقا. والقول بان اصل العدالة الحاجزة عن المسامحة والكذب حاصل لهما، فلا اعتبار بزيادة العدالة، اجتهاد في مقابلة النص، ومعارض بان اصل العلم الموجب لفهم الاحكام حاصل لهما، فلا وجه لاعتبار الزيادة الا تقوية الظن، لقوة فهمه، وهي أيضا متحققة في اعتبار الاعدلية من جهة تقوية الظن في بذل غاية جهده واستفراغ وسعه، واخباره برأيه وعدم الميل في الاحكام ولو مع البواعث القوية، مع ان الوارد في المقبولة الاختلاف في الحديث ولا شك ان مدخلية الاعدلية والاصدقية فيالترجيح حينئذ اكثر من الاعلمية.
و نحن نقول: ولقد اجاد فيما افاد في الجواب عن الوجه حيث قد رد عليه صغرويا وكبرويا ببيان شاف وتوضيح واف، وبعضهم اقتصر في مقام الجواب عنه على نفي الكبرى، قال الشهيد الثاني قدس سره في المقام في المسالك: «كثيرا ما يظهر رجحان ظن المفضول على ظن الفاضل في كثير من المسائل الاجتهادية انتهى» .
وفي بعض ابحاثنا في القضاء ج1 في المقام: وأما الثاني، فلان كون الظن الحاصل من قول الاعلم اقوى، ليس امرا كليا، وربما يكون الامر بالعكس، وذلك لاقتران قول غير الاعلم بقرائن وشواهد خارجية وضمائم اورثت مزيد الظن، كما اذا كان شديد الاعتقادية، أو كان فتواه مطابقا لفتوى اكابر الماضين، الذين هم اعلم من الاعلم المعاصر» انتهى.
وعلى الجملة فهذا الدليل اخص من المدعي، حيث ان المقصود اثبات كون الاعلم مقدما مطلقا، لان الظن الحاصل من قوله اقوى، والحال ان الدليل لا يثبت ذلك، وانما يثبت ذلك في الجملة لا مطلقا وفي جميع الاحوال، بل على تعبيرنا ربما يكون الامر بالعكس.
ولقد زاد وجها ثالثا في الجواب وهو أنه، سلمنا كونه اقوى، ولكن نمنع وجوب الاخذ بالاقوى ظنا، وانما الذي يمكن ان يقال، هو كونه الارجح لا المتعين.
اقول: وهو كذلك، والوجه فيه ان تعين الاخذ بظن دون ظن، امر يحتاج الى تعبد شرعي، بعد ان لم يكن الحجية له ذاتية كالقطع، وليس في المقام ما يدل على ذلك.
وأما الوجه الثاني، فهو أيضا راجع الى الوجه الاول في كلامه، ولذا اقتصر في الجواب عنه بما ذكره جوابا عن الوجه الاول.
وأما الدليل الثالث، وهو قبح تقديم المفضول على الافضل، فهذا قضية تجرى في باب الامامة العظمى التي هي من الاصول، وتكون كالنبوة الشريفة في علو شأنها ورفعة موضعها، ولا تجري في المسائل الفرعية كباب القضاء، والقياس باطل، خصوصا وانه كان مع الفارق.
ونحن نضيف اليه: ان المصالح الكثيرة، تقتضي جواز الرجوع الى غير الافضل في باب القضاء .
وأما الرابع وهو الاخبار، فقد اجاب عنها بان موردها ما اذا ترافعا الى اثنين، يعني ترافعا عند هذا وذاك، أو ترافع احدهما عند احد والآخر عند آخر، واذا امر الامام عليه السلام في هذا الفرض بالرجوع الى الاعلم، فهذا لا يساعد المقام الذي هو فرض رجوع كليهما من بداية الامر الى غير الاعلم، واين هذا من ذاك.
اقول: ولم يتعرض قدس سره الشريف لتنقيح المناط ودفعه، وقد اورد بعض هذا الاشكال.
ولكن الظاهر عدم تماميته وذلك لان بالرجوع الى مجتهدين مختلفين في العلمية، واختلافهما في الحكم والفتوى، وانسداد الامر، يمكن ان يرجع الامام عليه السلام الى الاعلم، وهذا لا يوجب ولا يقتضي لزوما الرجوع الى الاعلم، مع عدم اختلاف اصلا، وعندما ترافعا اليه معا بلا اختلاف ونزاع.
وهنا جواب آخر، وهو أنه اذا كان الاستناد في تقديم الاعلم على المقبولة، ورواية داود بن الحصين، فهما لا تدلان على ذلك، بل مفاد الاولى وجوب الرجوع الى الاعدل والافقه والاصدق في الحديث والاورع منهما، كما ان مفاد الثانية الرجوع الى افقههما واعلمهما واورعهما، فاللازم الرجوع الى الاعلم المقرون بالاورع والاصدق، لا الى الاعلم.
اقول: وبذلك يظهر الاشكال فيما افاده الشهيد الثاني في المسالك من ان الرواية نص في المطلوب، لكن الاشكال في طريقها.
والظاهر ان الامر بالعكس، فان الرواية بحالها مقبولة عند العلماء، الا ان الملاك فيها ليس هو الاعلمية المحضة، كما ان موردها غير مورد البحث على ما تقدم.
ثم لا يخفى ان القائلين بوجوب تقديم الاعلم قد ذكروا وجوها اخر أيضا لم يذكرهما المحقق النراقي رضوان الله عليه، ومن جملتها قول الامام علي امير المؤمنين عليه السلام في عهده الى مالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه حيث قال: «ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك الخ» .
بل قد ذكرنا في محاضراتنا في القضاء، احد عشر وجها، فليراجع هناك فقد ذكرنا كلها مع اجوبتها.
قال النراقي قدس سره: «وظهر مما ذكرنا ان الحق اختصاص ترجيح الاعلم بمورد النصوص، وهو ما اذا اختلف المترافعان اولا في الاختيار، كما في المقبولة واتفقا على رجلين، فاختلفا كما في الروايتين، كما هو ظاهر الفاضل في التحرير، وان اللازم ترجيحه حينئذ هو الاعلم والاعدل معا، فلو فضل احدهما في احدهما وتساويا في الاخر، أو رجح الا خر في الاخر، فلا يجب الترجيح» .
اقول: قد تقدم آنفا هذا المطلب في كلامنا فراجع ان شئت.
قال قدس سره: «ثم المراد بالاعلمية والاعدلية الزيادة الظاهرة الكثيرة، ولا اعتبار باليسير منها، لعدم اتفاق التساوي الحقيقي غالبا.
اقول: بناء على وجوب تقديم الاعلم مثلا، فالظاهر عدم الفرق في الزيادة بين كثيرها وقليلها، بعد ان علم الزيادة بالنسبة الى احدهما.
قال المحقق النراقي قدس سره: «والمراد بالاعلمية، الاعلمية في الاحاديث وفي دين الله، كما في الروايتين، فلا اعتبار بالاعلمية في العلوم الاخر كالطبيعي والرياضي والطب، بل الكلام ولو باعتبار بعض مسائلها المعينة في الاحكام، لعدم ايجاب ذلك الاعلمية في الاحاديث في دين الله» .
أقول: لابد ان يكون مراده قدس سره من الروايتين رواية ابن الحصين ورواية النميري، فان في الاولى: «ينظر الى افقههما واعلمهما باحاديثنا الخ» .
وفي الثانية: «ينظر الى اعدلهما وافقههما في دين الله فيمضي حكمه» .
وأما المقبولة، فليست ظاهرة في هذه الجهة وذلك لقوله: «الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما الخ» والظاهر ان الجار والمجرور متعلقين باصدقهما، لا بافقههما، فهي خارجة عن هذا البحث، فالملاك الافقهية والاعلمية في احاديث العترة الطاهرة، والافقه في دين الله.
ثم قال قدس سره: «والاعلمية في الاحاديث، تارة يكون باكثرية الاحاطة بها والاطلاع عليها . واخرى بالافهمية لها وادقية النظر واكثرية الفور فيها، وثالثة بزيادة المهارة في استخراج الفروع منها ورد الجزئيات الى كلياتها، ورابعة بزيادة المعرفة بصحيحها وسقيمها واحوال رجالها وفهم وجوه الخلل فيها، وخامسة باكثرية الاطلاع على ما يتوقف فهم الاخبار عليها، من علم اللغة وقواعد العربية والنحو والصرف والبديع والبيان ونحوها، وسادسة باستقامة السليقة ووقادة الذهن وحسن الفهم فيها كما اشار اليه في بعض الاخبار المتقدمة بقوله : وحسن الاختيار، وسابعة باكثرية الاطلاع على اقوال الفقهاء التي هي كالقرائن في فهم الاخبار، ومواقع الاجماعات، واقوال العامة، التي هي من المرجحات عند التعارض وفي فهم القرآن الذي هو أيضا كذلك.
والاعلم الذي يمكن الحكم الصريح بوجوب تقديمه، فهو الاعلم بجميع تلك المراتب أو في بعضها مع التساوي في البواقي، والا فيشكل الحكم بالتقديم، ومن ذلك يظهر ندرة ما يحكم فيه بوجوب التقديم البتة والله سبحانه هو العالم» .
اقول: ان ما استفاده اولا من الخبرين من ان المعيار هو الاعلمية بالاحاديث وفي دين الله، وان كان مستفادا من الخبرين، الا ان الظاهر ان الملاك الاصلي والمعيار التام الكامل، هو الاعلمية والافقهية في دين الله، والمراد من دين الله لو لم يكن هو الاصول والفروع جميعا، فلا اقل من ان يكون هو الاحكام والفروع، وحيث ان نفس الاحكام والمقررات نتيجة الاجتهاد والفقاهة، فلا محالة يكون المراد مباديها ومصادرها، اذا فالاعلمية، لا تنحصر متعلقها بالاحاديث، بل بالآيات الكريمة الاحكامية والروايات الشريفة كذلك بل وبالاجماعات والمشهورات.
وأما ذكر خصوص الاحاديث والروايات في رواية ابن الحصين، فلعله لاجل بيان مصداق من المصاديق، ومن باب المثال، أو أنه لمكان كثرتها، فان آيات الاحكام معدودة، وكذا موارد الاجماعات التامة والشهرات المحققة، بخلاف الاخبار التي هي لا تعد ولا تحصى بسهولة.
وأما ان الاعلمية تكون على انحاء وشعب، فبعض هذه الوجوه غير ظاهر، ففي الاول مثلا ما المراد من اكثرية الاحاطة بها والاطلاع عليها، فان كان المراد هو حفظه للاحاديث الكثيرة والروايات العديدة ففيه، أنه وان كان يعد ذلك فضيلة للانسان وخصوصا للفقيه، الا أنه يستفاد من الاخبار، ان العناية الكاملة على الدراية، لا على الرواية، وفي بعضها: «ورب حامل فقه وهو ليس بفقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه.» وان كان الاحاطة بمفاداتها ومعانيها وما يشبه ذلك، فهذا يؤل الى بعض الوجوه اللاحقة التالية.
ثم ان الظاهر ان المشهور في ملاك الاعلمية هو الوجه الثالث، اي زيادة المهارة في استخراج الفروع منها، ورد الجزئيات الى كلياتها والفروع الى الاصول، وان شئت فقل؛ في تطبيق الاصول على الفروع. نعم للامور الاخر المذكورة أيضا دخل في باب الاجتهاد والاستنباط.
ثم ان ما ذكره اخيرا من ان الاعلم الذي يمكن الحكم الصريح بوجوب تقديمه، هو الاعلم بجميع تلك المراتب، فهذا وان كان صحيحا في حد ذاته، يعني ان من كان مستجمعا لجميع تلك المراتب والمدارج لاشك في اعلميته ولكن لا يمكن ان يكون ذلك هو المعيار والا لم يبق لنا شيء بل وما ذكره بعده أيضا لا يسمن ولا يغني من جوع وذلك لان العلم باعلميته في بعض هذه الجهات مع العلم بتساويه مع غيره من البواقي، من الصعب المستصعب ومما لا ينال الا نادرا بخلاف ما اذا كان الملاك هو المهارة في استخراج الفروع منها.
قال المحقق النراقي رضوان الله عليه: اذا كان هناك مجتهدان أو اكثر يتخير فيهما الرعية، فالحكم لمن اختاره المدعي، وهو المتبع له اجماعا، ولانه المطالب بالحق ولا حق لغيره اولا، فمن طلب عنه المدعي استنقاذ حقه، يجب عليه الفحص، فيجب اتباعه، ولا وجوب لغيره وهذا مما لا اشكال فيه...» اقول: هذا هو الفرض الاول في المقام، وهو ما اذا كان هناك مجتهدان أو مجتهدون، يراجع الناس الى كل واحد منهما أو منهم، فالحكم لمن اختاره المدعي ولابد من اتباع انتخابه، وذلك لامرين: احدهما، الاجماع على ذلك، ثانيهما، ان المدعي هو المطالب بالحق، ولا حق لغيره اولا، فمن طلب منه المدعي ان يستنقذ حقه، يجب عليه الفحص في الواقعة، فيجب اتباعه ولا وجوب لغيره.
وأما الفرض الثاني الذي هو محل الاشكال والكلام، فهو ما اذا كان كل منهما مدعيا من وجه، كما اذا اختلف رجلان في امرأة باكرة رشيدة زوجت نفسها لاحدهما، وزوجها ابوها للآخر، ولم يكن تحت يد احدهما، وكما اذا اختلف اكبر الذكور مع غيره مما ليس في يد احدهما مما اختلف الفقهاء في إحبائه ام لا، وكما اذا ادعي مدعيان شيئا في يد ثالث معترف بانه من احدهما، ونحو ذلك.
والوجه في تقييد المثال الاول، بعدم كون المرأة تحت يد احدهما، والثاني، بعدم كون الشيء المخصوص في يد احدهما، والثالث: كذلك، هو أنه كما قال رضوان الله عليه ـ لو كان في يد احدهما، لكان الاخر مدعيا، ويقدم من قدمه المدعي.
ففي محل البحث أي الحاكمين يقدم؟ قد تعرض رضوان الله عليه لذلك في مسألة الاختلاف في الحبوة، في كتاب الفرائض، اي الارث فقال: اذا كان هناك مجتهدان مختلفان في مسائل الحبوة من الوجوب والاستحباب، أو المجانية والاحتساب، أو في ما يحبى به من الانواع افراد الانواع أو نحو ذلك، وقلد كل من اكبر الذكور وسائر الورثة واحدا منهما ممن فيه الصرفة له، فان عمل احدهما بمقتضى رأي مجتهده ولم يزاحمه الاخر، أما تبرعا له، أو جهلا بان له المزاحمة، أو لعدم اقتداره على مزاحمته، فلا شيء على الاول، ويحل له ما اخذه تقليدا لمجتهده، فان نازعه أو زاحمه... وتنازعا وكان قبل التصرف في المتنازع فيه واخذه، كأن يكون المتنازع فيه في يد ثالث لا يؤديه الا بعد تعين من يجب الاداء اليه، .. فيقدم مختار من رجحه الامام في مقبولة عمر بن حنظلة وما بمعناها، من الافقه والاصدق والاورع، وان لم يكن هناك راجح بل يساوي المجتهدان، أو لم يمكن تعيين الراجح، فالظاهر حينئذ نفوذ حكم كل من حكم اولا بعد مطالبة احد المتنازعين الحكم منه، لانه حاكم منصوب من الامام حكم بحكمه، فينفذ لكل من حكم له وعلى كل من حكم عليه، انتهى.
وقال رضوان الله عليه في مقامنا: «انا بينا المقدم من الحاكمين في مثل ذلك في مسئلة الاختلاف في الحبوة، وانه هو الاعلم والاعدل مع اختلاف الحاكمين في الوصفين، تبعا للحكم بتقديمه في الروايات المتقدمة، وانه يقدم من سبق اليه احد المدعيين، فحكم لانه حاكم حكم بحكم، لمطالب ذي حق، فيجب اتباعه وامضاؤه، ويحرم الرد عليه، ونقض حكمه، والراد عليه كالراد على الله، والمستخف بحكمه كالمستخف بحكم الامام، كما في المقبولة.
اقول: وعبارته في المقام غير سلس بل ولا واضح المراد فهو يمكن ان يكون ذلك من ناحية النساخ وذلك لان قوله: «وانه هو الاعلم والاعدل مع اختلاف الحاكمين في الوصفين، وان كان هو مفاد الروايات وهو الذي ذكره في مسألة الحبوة، وأما قوله بعد ذلك: «وانه يقدم من سبق اليه احد المدعيين» ، فهذا لا يساعد الاول وليس مقرونا بلفظة (او) حتى يقال بالتخير مثلا.
والظاهر بقرينة كلامه في باب الحبوة ان قوله: «وانه يقدم من سبق الى هو حكم، ما لميكن هناك راجح بل تساوي المجتهدان، أو لم يكن تعيين الراجح.
ثم تعرض لما اذا استبق كل منهما الى حاكم، قال: «فان سبق احدهما بالحكم فيقدم حكمه، وان احضر كل من الحاكمين غريم من ترافع اليه، فان اجاب احد الخصمين دعوة حاكم خصمه، فالحكم حكمه، وان ابى كل الا حكم حاكمه، فان سبق احد الحاكمين على الحكم بالغائب فهو المتبع، وان لم يسبق أما لعدم كون رأيهما الحكم على الغائب أو لاشتباه السابق منهما وعدم امكان التعيين أو لاتفاق التقارن في الحكم فيشكل الامر، والظاهر في غير الاخير، الرجوع الى القرعة، لانها لكل امر مجهول، وفي الاخير عدم نفوذ شيء من الحكمين، لعدم ثبوت نفوذ مثل ذلك.» اقول: ما ذكره في الفرض الاول من استباق كل منهما الى حاكم، وسبق احدهما بالحكم غير محقق في الخارج، وذلك لان لازمه صيرورة المنكر مدعيا، حتى يمكن طرح الدعوى، وهذا لا يمكن الا ان يرجع المدعي الى حاكم، ويطرح الدعوى والمنكر يرجع الى حاكم آخر، ويطرح دعوى خصمه، ثم ينكر هو بنفسه، أو ان يفرض المسألة فيما اذا كان كل منهما مدعيا ومنكرا.
ومع ذلك لا يرتفع الاشكال، وذلك لانه على الاول فهل يكتفي بذلك في المرافعه؟ افرض ان كلا فيهما كان مدعيا، فاين المنكر حتى يتحقق طرفا الدعوى؟
اللهم الا ان يكون نظره قدس سره كما يظهر من ذيل كلامه، جواز الحكم على الغائب.
ومن المفروض في العبارات المتقدمة، هو ما اذا استبق كل منهما الى حاكم، وقد احضر كل من الحاكمين غريم من ترافع اليه، وهو لا يخلو عن حالين، فاما ان يجيب احد الخصمين دعوة حاكم خصمه فالحكم حكمه، وأما ان يأبى كل منهما عن الحضور، ولا يقبل الا حكم حاكمه، فهنا أما ان يسبق احد الحاكمين على الحكم بالغائب، فهو المتبع، وأما ان لا يسبق، سواء كان لعدم كون رأيهما الحكم على الغائب، أو لاشتباه السابق منهما، مع عدم امكان التعيين، أو لاتفاق التقارن في الحكم، فهنا قال باشكال الامر، ثم استظهر في فرض عدم كون رأيهما الحكم على الغائب وفرض الاشتباه، القرعة، وفي الفرض الاخير، عدم نفوذ شيء من الحكمين .
اقول: لا ملائمة كاملة بين صدر هذا الكلام وذيله، وذلك لان لازم ترافع كل منهما الى حاكم في البلد كون كل منهما حاضرا، كما ان قوله قدس سره بانه «قد احضر كل من الحاكمين غريم من ترافع اليه أيضا» ، صريح في ذلك ويزيد صراحة قوله: «أما ان يجيب احد الخصمين دعوة حاكم خصمه» والحال أنه بعد ذلك، تعرض لفرض اباء كل منهما عن الحضور، وامتناع كل الا حكم حاكمه، وهنا قال بانه: «ان سبق احد الحاكمين على الحكم بالغائب فهو المتبع الخ» وقد جعل المقام من باب الحكم على الغائب، فكيف يحكم على من هو في البلد وقد ترافع الى حاكم آخر بحكم الغائب، وكان هذا المترافع حاضر وغائب.
اللهم الا ان يكون امتناعه من الحضور الى مجلس حاكم خصمه في حكم الغائب، وهو لا يخلو عن بعد، لان الظاهر أنه يلزم حينئذ اجباره على الحضور، واحضاره جبرا وقهرا عليه، بعد كونه حاضرا في البلد.
ثم ان ما افاده قدس سره الشريف في الفرض الاخر، وهو فرض تقارن الحكمين من الحاكمين، وانه ليس شيء من الحكمين بنافذ، معللا ذلك، بعدم ثبوت نفوذ مثل ذلك انتهى، لعله لا يخلو عن شيء، وذلك لان عدم الاخذ بشيء من الحكمين ناش عن ان الحكمين في مفروض المقام ـ بعد ان المفروغ عنه صلاحية كل منهما للحكم من دون ترجيح، وقد حكما متقارنين ـ قد تعارضا وتساقطا وصار المقام كأنه لا حكم اصلا، نظير ما يقال في باب صلوة الجمعة: «من أنه لو اقدم اثنان على اقامة الجمعة فيما دون المسافة المعتبرة، فانه يحكم ببطلان صلاتهما، وعلى الجملة فالاولى ان يقال لتساقط الحكمين فصار كان لم يكن، لا ان يقال بعدم ثبوت نفوذ مثل ذلك.
ثم اني بعد ما كتبت كثيرا من مطالب هذا الفصل، رأيت ان سيد الاعاظم الطباطبائي اليزدي قدس الله نفسه قد تعرض للايراد على المحقق الكبير النراقي في هذا المقام يشتمل كلامه على ما ذكرنا والزائد عليه.
قال فيالمسألة العاشرة من ملحقات العروة الوثقى: «ذكروا أنه لو تعدد الحاكم واختار كل من المتنازعين واحدا، يقدم مختار المدعي، وفي المستند دعوى الاجماع عليه، واستدل عليه مضافا اليه، بانه المطالب بالحق ولا حق لغيره، اولا فمن طلب منه المدعي استنقاذ حقه، يجب عليه الفحص فيجب اتباعه ولا وجوب لغيره.
ثم قال: وفيه ان كون الحق له غير معلوم، وان اريد ان حق الدعوى له حيث ان له ان يدعي وله ان يترك، ففيه ان مجرد هذا لا يوجب تقدم مختاره، اذ بعد الدعوى يكون للآخر أيضا حق الجواب، مع أنه يمكن ان يسبق المدعى عليه بعد الدعوى الى حاكم ويطلب منه تخليصه من دعوى المدعي، فمقتضى القاعدة مع عدم اعلمية احد الحاكمين هو القرعة، الا اذا ثبت الاجماع على تقدم مختار المدعي، هذا اذا كان احدهما مدعيا والآخر منكرا، وأما مع تداعيهما، بان يكون كل منهما مدعيا من وجه، واختار كل منهما غير ما اختاره الاخر، مع فرض تساويهما فلا ينبغي الاشكال في القرعة، كما اذا زوجت الباكرة الرشيدة نفسها من رجل، وزوجها ابوها من آخر، فتنازع الرجلان في زوجتيهما، او تنازع الولد الاكبر مع سائر الورثة في كون الحبوة مجانية أو بعوض الارث، أو تنازعا اثنان فيما في يد ثالث أو فيما لا يد لاحد عليه، فمع اختيار كل من المتنازعين حاكما للترافع اليه واصرارهما على ذلك، يكون المرجع هو القرعة .
ثم قال: «لكن ذكر في المستند ما محصله أنه لو سبق احدهما الى مجتهد فحكم له بناء على جواز الحكم على الغائب يقدم، لانه حاكم حكم لذي حق مطالب، فيجب اتباعه ويحرم الرد عليه، ولو استبق كل منهما الى حاكم فحكم له يقدم من حكمه اسبق، وان تقارنا لم ينفذ شيء منهما، وان اشتبه السابق كان المرجع القرعة، وكذا ان لم يحكم واحد منهما لعدم جواز الحكم على الغائب عنده.» وفيه: ان المفروض ان بناء المتنازعين على الترافع، وان اختلافهما انما هو في تعيين من يرجعان اليه، فاذا سبق احدهما الى حاكم من دون رضى الاخر ليس له الحكم له من غير حضور خصمه من باب الحكم على الغائب، فان المفروض حضوره في البلد وللترافع، وان كان المراد أنه يأمر باحضاره، وان امتنع يحكم عليه لسقوط حق حضوره، ففيه، ان اللازم حضوره للمرافعة وهو حاضر لها، وأما وجوب حضوره عند هذا الحكم الذي اختاره خصمه، فلا دليل عليه ولا يوجب امتناعه سقوط حقه، فلا يتصور السابق واللاحق حتى يقدم الاول.
نعم انما يتصور ذلك فيما اذا كان كل من المتداعيين في بلد ورجع الى حاكم ذلك البلد، فحكم له من باب الحكم على الغائب، ففي هذه الصورة يمكن ان يقال: يتقدم اسبق الحكمين، ومع الشك في السابق بالقرعة ومع التقارن أيضا يمكن منعه، فان الحكمين نظير الخبرين المتعارضين، لا السببين المتمانعين، كعقد الاب لواحد والجد لآخر في آن واحد، الا ان يقال: حيث لا يمكن التخيير يحكم بسقوطهما، أو ان الادلة منصرفة عن صورة تعارضهما، مع أنه يمكن ان يقال: للحاكم الثالث ان يختار واحدا منهما.
ثم انت قد علمت ان المحقق النراقي قدس سره قد ذكر من جملة الامثلة لمحل الكلام والاشكال، اختلاف رجلين في امرأة باكرة رشيدة زوجت نفسها من احدهما وزوجها ابوها للآخر، وقيده بقوله ولم تكن تحت يد احدهما ومن جملة الامثلة، ما اذا اختلف اكبر الذكور مع غيره، وقيده بقوله: «مما ليس في يد احدهما» ، وقال: والا كان من باب المدعي والمنكر.
قال السيد قدس سره: وفيه ان المفروض العلم بكون المال من الحبوة، فلا فرق بين كونه في يد الاكبر أو في ساير الورثة، وكذا المفروض كون المرأة مزوجة من شخصين، فلا فرق بين كونها تحت هذا الزوج أو ذاك، فلا وجه للتقييد المذكور انتهى.
وقد ذكر سيد مشايخنا اعلى الله مقامه في الدرس، على ما في تقريرات ابحاثه بقلمنا ج1 ص156 «ان الظاهر كون الحق مع السيد رضوان الله عليه، وذلك لان اليد حجة اذا لم يعلم مدركها وانها كانت من طريق غير شرعي، فاليد كيفما كانت غير نافعة، فاذا علم ان مستند يده هو كونه حبوة، وقد قوى مجتهده ان هذا المال من الحبوة وانها للولد الاكبر، فسائر الورثة ربما يقلدون من يفتي بان تصرفه من باب الغصب، وكذا اذا علم ان مستند من يدعي الزوجية بالنسبة الى المرأة التي كانت تحت يده هو فتوى مجتهده بانها زوجة له، فمجتهد الرجل الاخر يفتي ببطلان الزوجية، وبالجملة فهذا اليد غير نافعة، اصلا، نعم هي حجة اذا احتمل كونها بنحو شرعي، كما اذا كانت المعقودة من ناحية الاب لرجل والجد لرجل آخر تحت يد واحد منها، ولم يكن كونها تحت يده لاجل فتوى مرجعه، فكان مجتهده ومجتهد خصمه يفتيان بصحة نكاح الاب والجد متفقين على ذلك، بل كان لمكان السبق واللحوق واحتمال سبق عقد الاب مثلا، فهنا يمكن ان يقال بكون النزاع من باب المدعي والمنكر، ومن يريد اخراجها عن يد خصمه فهو مدع، وعليه اقامة البينة وكذا الكلام في الاختلاف في استقلال الاب والبنت في نكاحها، فلو كان النزاع لاجل الاسبقية فهناك يكون اليد أمارة، ويكون من باب المدعي والمنكر، أما لو كان الاختلاف في منشأ الحكم فصحة اليد منوطة بصحة فتوى مجتهد صاحب اليد، والحال ان مجتهد الخصم يفتي بالبطلان، انتهى.»
ثم أنه في صورة العلم يتقارن الحكمين فقد قال المحقق النراقي قدس سره: «بعدم نفوذ واحد منهما» .
واورد على سيد الاعاظم اليزدي قدس سره، بامكان منع سقوطهما مع التقارن، وقد احتمل هنا ثلاث احتمالات:
احدها، تخيير المتنازعين في الاخذ بواحد منهما، لان الحكمين نظير الخبرين المتعارضين، لا السببين المتمانعين ـ يعني من حيث أنه يكشف كل منهما عن الواقع ـ والحكم هو التخيير، ففي المقام أيضا لا يبطل الحكمان من رأس، بل الحكم التخيير بينهما والعمل بايهما.
ثانيها، ان يكون الادلة منصرفة عن صورة تعارضهما، فادلة نفوذ الحكم الذي حكم به الحاكم منصرفة عما اذا تحقق على خلاف هذا الحكم حكم آخر، ولا تشملهما، فلا نفوذ للحكم الا اذا كان وحده ولم يقم على خلافه حكم آخر.
ثالثها، ان يكون التخيير للحاكم الثالث، فله ان يختار واحدا منهما والاخذ بحكم هذا أو ذاك.
وقد اورد عليه سيد مشايخنا اعلى الله مقامه أما في الاول، فبان التخيير في الخبرين ممكن وهو هنا غير ممكن لعود النزاع كما كان، فانه يختار كل منهما ما ينفعه وحكم حاكمه وقد اشار قدس سره الى هذا او صرح به بقوله: «الا ان يقال حيث لا يمكن التخيير يحكم بسقوطهما» انتهى.
وأما في الثاني، فبانه على هذا لم يبق مورد لمسألة التعارض اصلا، حيث ان هذا الكلام غير مختص بباب الحكمين المتعارضين، بل هو خاصية التعارض، فمن الممكن جدا ادعاء انصراف ادلة حجية الخبر أيضا عن مورد قام على خلافه خبر آخر، وهل هذا الا سد باب التعارض؟ ! اضف الى ذلك أنه يلزم على هذا كون الموضوع مقيدا بطواري الحكم، والحال ان الحكم متأخر عن الموضوع.
توضيح ذلك: ان مآل هذا الانصراف الى ان حكم الحاكم نافذ اذا لم يقم حكم نافذ واجب الاتباع والاطاعة على خلافه، ومن المعلوم ان قيام المعارض والحكم النافذ على خلاف الحكم من طواري الحكم وعوارضه، ولا يمكن تقييد الموضوع بطواري الحكم لا اثباتا ولا نفيا.
وأما الثالث، ففيه انا لا نعلم ان مقصوده، وجوب الرجوع الى الثالث او ان هذا أيضا اختياري، ولو كان اختياريا وكيف كان فمن الممكن ان يختار كل منهما حاكما غير حاكم خصمه، ويبقى النزاع بحاله ويعود الكلام.
والصحيح هو ان يقال بالتساقط، والرجوع الى حاكم ثالث يحكم بينهما، ويفصل النزاع، ان توافقا على ذلك ورضيا به، والا فبالقرعة يعين الحاكم الثالث الذي يرجعان اليه.
قال المحقق النراقي قدس سره، هنا: «ثبوت الاجتهاد بالعلم الحاصل من الاستفاضة العلمية والقرائن المفيدة للعلم والمخالطة الموجبة له لمن له رتبة فهمه واضح، وبالاستفاضة الظنية بل بمطلق الظن محل الخلاف....» .
اقول: وقد نقل قدس سره هنا قولين:
احدهما، العدم وقد حكي ذلك عن المعارج والذريعة والمعالم والوافية والمعتمد وتجريد الاصول لوالده قدس سره بل الاكثر كما قيل، وهذا هو الاقوى عند نفسه فانه اختار هذا القول.
ثانيهما، كفاية غلبة الظن كما عن العلامة في التهذيب وحكي عن مباديه ونهايته أيضا وعن شرح المبادي لفخر المحققين والمنية للعميدي والذكرى والروضة والجعفرية والمقاصد العلية وبعض معاصري النراقي.
وقد استدل الاولون بامرين:
الف: الاصل، توضيحه ان الاصل عدم ثبوت ذلك بالظن.
ب: الظواهر الناهية عن اتباع الظن.
اقول: وذلك كقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئا» (