محمد سند
و هذه القاعدة و إن جرى تداولها في المعاملات كضابطة في الشروط الضمنية المعاملية، إلا أن الصحيح عموم هذه القاعدة لأبواب الفقه السياسي و الحكم، كما أنها ذات أهمية كبيرة في البحث المتداول في هذا العصر و هو الثابت و المتغير في الشريعة و الذي يضفي بظلاله على كيفية تغطية الشريعة لكل الحوادث المستجدة و لكل أصعدة الحياة الحديثة، كما سيتبين فيما يأتي.
و لا يخفى أن هذه القاعدة قد نبه عليها كل من خاض فيها من الأساطين على وعورة و صعوبة البحث فيها، و ان ما يذكر من ضوابط في تفسيرها غير مطرد و لا منعكس، مضافا إلى أنها لا تنقح الصغريات العديدة التي وقع الخلاف فيها.
و هذا التحديد في الشرط ورد أيضا في الصلح و النذر و أخويه و طاعة الوالدين و غيرها، و سيتبين الجهة المشتركة بين هذه العناوين في هذا التحديد.
و لأهمية هذه القاعدة خاض فيها المحقق النراقي (قده) في كتابه عوائد الأيام كما تعرض لكلامه تلميذه الشيخ المحقق الأنصاري (قده) في المكاسب كما تعرض لكلامه كل من كتب في هذه القاعدة و من الموارد الفريدة التي يعبر الشيخ الأنصاري (قده) عن أستاذه النراقي (قده) بالمشيخة فقال: بعض مشايخنا المعاصرين، و نقل كلامه في موضعين، و هو الوحيد الذي نوه باسمه من بين من نقل عنهم في هذا المبحث مما يدل على حداثة بلورة هذا البحث عند النراقي (قده)، و هذه الصفة مطردة في تحقيقات النراقي (قده) .
و قد تابع الشيخ الأنصاري (قده) استاذه المحقق في إثارتها في مواطنها المختلفة، مما يدل على تأثر الشيخ بالمحقق النراقي (قده) أكثر من بقية مشايخه الآخرين.
قال في العوائد (1) ـ في العائدة 15ـ التي عقدها لبيان حكم الشرط في ضمن العقد، بعد بيان معنى الشرط و جملة من ضوابط و شرائط صحة الشرط الضمني ـ المبحث الثالث: في بيان ما يجوز من الشرط و ما لا يجوز، و جملة ما ذكروا عدم جوازه، و وقع التعبير ب (غير الجائز) في عباراتهم أربعة :
الشرط المخالف للكتاب و السنة.
و الشرط الذي أحل حراما أو حرم حلالا.
و الشرط المنافي لمقتضى العقد.
و الشرط المؤدي إلى جهالة أحد العوضين.
فعدم الاعتداد به مجمع عليه، و في المستفيضة تصريح به ـ ثم أشار إلى الأخبار الواردة في المقام و قال: ثم المراد بشرط خالف الكتاب أو السنة، : أن يشترط ـ أي يلتزم ـ أمرا مخالفا لما ثبت من الكتاب و السنة عموما أو خصوصا، مناقضا له.
و الحاصل: أن يثبت حكم في الكتاب أو السنة، و هو يشترط ضد ذلك الحكم و خلافه، أي يكون المشروط أمرا مخالفا لما ثبت في أحدهما، سواء كان من الأحكام الطلبية أو الوضعية... . و أما اشتراط أن لا يتصرف المشتري في المبيع مدة معلومة، فهو ليس مخالفا للكتاب أو السنة، إذ لم يثبت فيهما تصرفه... بل إنما ثبت جواز تصرفه، و المخالف له عدم جواز تصرفه ... نعم إيجاب الشارع للعمل بالشرط يستلزم عدم جواز التصرف، و ليس المستثنى في الأخبار شرطا خالف إيجابه أو وجوبه كتاب الله و السنة بل شرط خالف الكتاب و السنة، و الشرط هو عدم التصرف... لا نعلم أن التزام عدم التصرف يخالف جواز التصرف ما لم يثبت وجوب ما يلتزم به.
و أما شرط فعل شيء ثبتت حرمته من الكتاب و السنة أو ترك شيء ثبت وجوبه أو جوازه منهما، فهو ليس شرطا مخالفا للكتاب و السنة، إذ لم يثبت من الكتاب و السنة فعله أو تركه، بل حرمة فعله أو تركه. و لكن يحصل التعارض حينئذ بين ما دل على حرمة الفعل أو الترك و بين أدلة وجوب الوفاء بالشرط فيجب العمل بمقتضى التعارض انتهى.
و قبل التعرض إلى باقي كلمات الأصحاب في هذه القاعدة نستعرض الروايات الواردة ثم نتبعه بتحرير حقيقة موضوع و محمول القاعدة.
فهي و إن كانت على طوائف بحسب ألسنتها إلا أنه سنذكرها بحسب الأبواب و مواردها :
الأولى: صحيح الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الشرط في الإماء لا تباع و لا تورث و لا توهب؟ فقال: «يجوز غير الميراث، فإنها تورث، و كل شرط خالف كتاب الله فهو رد» (2) ، و مثله صحيح ابن سنان (3) إلا أن في ذيلها «فهو باطل» .
الثانية: صحيح عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عز و جل» (4) ، و في صحيحه الآخر عنه (ع) قال: «المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عز و جل فلا يجوز» (5) و مثل الثاني صحيح الحلبي (6) .
الثالثة: موثق إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ( عليهما السلام) : «إن علي بن أبي طالب ( عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» (7) .
الرابعة: معتبرة منصور بن بزرج، عن عبد صالح (ع) قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها و لا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك فكيف يصنع؟ فقال: «بئس ما صنع، و ما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل و النهار قل له: فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله ( صلى الله عليه و آله) قال: و المؤمنون عند شروطهم (8) .
و في رواية العياشي عن: ابن مسلم، عن أبي جعفر ( عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين ( عليه السلام) في امرأة تزوجها رجل و شرط عليها و على أهلها إن تزوج عليها إمرة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فإنها طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفى بشرطه و إن شاء أمسك امرأته و نكح عليها و تسرى عليها و هجرها إن أتت بسبيل ذلك، قال الله تعالى في كتابه: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلث و رباع) (9) و قال: (أحل لكم ما ملكت أيمانكم) (10) و قال: (و اللاتي تخافون نشوزهن) (11) الآية» (12) .
الخامسة: صحيح محمد بن قيس، عن أبي جعفر (ع) أنه قضى في رجل تزوج امرأة و أصدقته هي و اشترطت عليه ان بيدها الجماع و الطلاق قال: «خالفت السنة، و وليت حقا ليست بأهله، نقضي أن عليه الصداق و بيده الجماع و الطلاق و ذلك السنة» (13)
و صحيحه الآخر عن أبي جعفر (ع) في رجل تزوج امرأة و شرط لها إن تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك: «أن شرط الله قبل شرطكم فإن شاء وفى لها (بما اشترط) و إن شاء أمسكها و اتخذ عليها و نكح عليها» (14) .
و مثله صحيح عبد الله بن سنان إلا أن فيه «أن رسول الله ( صلى الله عليه و آله) قال : «من اشترط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له و لا عليه» (15) .
و في رواية ابراهيم بن محرز قال: سأل رجل أبا عبد الله [أبا جعفر] ( عليه السلام) و أنا عنده، فقال: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، قال: «أنى يكون هذا، و الله يقول: (الرجال قوامون على النساء) ليس هذا بشيء» (16) .
السادسة: صحيح أبي العباس، عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يتزوج المرأة و يشترط ان لا يخرجها من بلدها قال: «يفي لها بذلك، أو قال: يلزمه ذلك» (17) .
السابعة: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) أنه ذكر: أن بريرة كانت عند زوج لها و هي مملوكة، فاشترتها عائشة فأعتقتها، فخيرها رسول الله ( صلى الله عليه و آله) إن شاءت تقر عند زوجها، و إن شاءت فارقته و كان مواليها الذين باعوها اشترطوا ولاءها على عائشة فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله) : «الولاء لمن أعتق» الحديث (18) .
الثامنة: و الصحيح إلى ابن أبي عمير، عن عمرو صاحب الكرابيس، عن أبي عبد الله (ع) عن رجل كاتب مملوكه، و اشترط عليه أن ميراثه له فرفع ذلك إلى علي ( عليه السلام) فأبطل شرطه، و قال: «شرط الله قبل شرطك» (19) .
التاسعة: صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل كانت له أم مملوكة فلما حضرته الوفاة انطلق رجل من أصحابنا فاشترى أمه و اشترط عليها أني اشتريك و اعتقك فإذا مات ابنك فلان ابن فلان فورثتيه أعطيتني نصف ما ترثينه على أن تعطيني بذلك عهد الله و عهد رسوله، فرضيت بذلك، و أعطته عهد الله و عهد رسوله لتفين له بذلك، فاشتراها الرجل و أعتقها على ذلك الشرط، و مات ابنها بعد ذلك فورثته، و لم يكن له وارث غيرها قال: فقال أبو جعفر (ع) «لقد أحسن إليها، و أجر فيها، إن هذا لفقيه، و المسلمون عند شروطهم، و عليها أن تفي بما عاهدت الله و رسوله عليه» (20) .
العاشرة: رواية سلمة بن كهيل قال: سمعت عليا ( عليه السلام) يقول لشريح: «...و اعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما» الحديث (21) .
و مثله مرسل الصدوق (22) ، و من هذا الباب ما ورد (23) ، من أن لا نذر و لا يمين في معصية، و أنه لا تجوز يمين في تحليل حرام و لا تحريم حلال (24) و منه أيضا ما ورد، «لا طاعة للوالدين في معصية الخالق و لا لغيرهما فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (25) .
سواء في طرف موضوع القاعدة او محمولها أو متعلقها و لنذكر المحتملات تباعا:
الاول: ان يكون في كل من شرط الفعل و النتيجة، وعلى كلا التقديرين المخالفة تارة بلحاظ الشرط أي التعهد و الالتزام، أو بلحاظ المشروط و هو المتعلق أو المنشأ المتعهد به و هو ملكية الفعل في شرط الفعل أو وجود النتيجة كمعنى وضعي في شرط النتيجة، و سيأتي تعيين أحد هذه المحتملات.
الثاني: أن البحث في حكم الشرط و المشروط و نسبته مع الأحكام الأولية باعتبار كونه عنوانا ثانويا و هكذا قد يقال الحال في الصلح و النذر و اخويه و طاعة الوالدين و طاعة كل ولي و والي من غير المعصومين ( عليهم السلام) أنها عناوين ثانوية تلحظ نسبتهامع الاحكام الاولية.
الثالث: ان البحث في معرفة الاحكام الطبعية الاقتضائية وافتراقها عن الاحكام الفعلية المطلقة الباتة في الاحكام الأولية، و أن الثانية تعارض الاحكام الثانوية بخلاف الأولى .
الرابع: هو بحث عن علم و كيفية معرفة الاصول القانونية في الشريعة و هو حقيقة و واقع البحث في الثابت و المتغير الديني، حيث أن الاصل القانوني هو المواد الأولى الفوقية للتقنين و الاحكام، و منها تنشعب بقية القوانين و الاحكام بنحو هرمي تنزلي نظير المواد الدستورية بالنسبة الى المصوبات القانونية للمجالس النيابية و هي بنوبتها بالنسبة إلى المقررات القانونية الوزارية و ان كانت منظومة الاحكام و القوانين الأديانية لا تنحصر في الاحكام الاجتماعية كالدساتير بل ذلك باب من أبوابها.
الخامس: قيل ان هذا البحث هو في ذكر الضابطة في التزاجم الملاكي ـ لا الامتثالي ـ بين الاحكام و قد صرح الشيخ الانصاري (قده) بوحدة مناط البحث مع موارد صيرورة المحلل مقدمة بنحو العلية للمحرم و من ثم الفرق بينه و بين موارد المصالح المرسلة و سد الذرائع و الفرق بينهما و بين جملة من فتاوى الاعلام في جواز التشريع مع توقف الانقاذ المستقبلي عليه لا الحالي و كذلك تجويز إرتكاب بعض المحظورات لأجل تجنب الضرر المستقبلي البعيد او القريب لا الحالي الفعلي و كذلك الحال في بعض موارد الحرج التقديري المستقبلي.
السادس: ان الجهة المشتركة و السمة المتحدة في بحث الشروط و الصلح و النذر و اخويه و طاعة الوالدين مما قد قيد بان «لايخالف الكتاب و السنة» و لان «شرط الله قبل شرطكم» هو في تحديد ولاية الفرد و سلطنته فلا ثبوت لها مع مخالفتها لولاية الله تعالى و ولاية رسوله التشريعية و غيرهما و بالتالي لا يمكن له ان يلتزم او يتعهد بما هو خارج عن ولايته و سلطنته فمورد قدرة الفرد و ولايته هو في التصرف الذي لم يمنع عنه شرعا، أي في إرادة الله تعالى و رسوله، و هذه الضابطة فلا تختص بولاية الفرد و سلطنته و تحديد إلتزاماته، سواء في لون الشرط او الصلح او النذر و أخويه أو حق طاعته كوالد لا تختص هذه الضابطة بولاية الفرد بل تعم كل والي سواء في الولايات العامة، كالنيابة العامة عن المعصوم في القضاء و الحكم و بيان الاحكام أو الولاية و النيابة الخاصة في الامور الثلاثة او في الولايات المتوسطة كالاوقاف و الحسبيات العامة و الوصايا، فإن الوالي في كل أقسام الولايات محدودة ولايته بعدم مخالفة التشريعات الإلهية من الكتاب و السنة، سواء سنة النبي (ص) و سنة اهل بيته ( عليهم السلام) فإن الطاعة و الولاية أولا لله تعالى ثم لرسوله ثم لأولي الامر من اهل بيته و بالتالي فهذه القاعدة ليست ميزان للحكم في باب الفتيا و فقه الفرد، بل ميزانا للحكم في باب الحكومة السياسية و فقه الدولة و يعضد عموم القاعدة أن عموم «المؤمنون عند شروطهم» لا يختص بالشروط على النطاق الفردي في المعاملات المادية والايقاعات في الاحوال الشخصية، بل يشمل الشروط في باب العهود التي تجريها الحكومة الاسلامية و الوالي مع الاطراف الاخرى الاسلامية أو غيرها في المعاملات المالية أو السياسية أو العسكرية و الامنية و غيرها فان العموم شامل لذلك فيما ثبتت ولايته للوالي و كذلك في عقد الصلح فإنه ليس خاصا بالنطاق الفردي بل شامل لعهود الدولة و الحاكم.
و من هنا تتبلور أهمية هذه القاعدة و عمومها للابواب و لمختلف اقسام الشرط و الصلح في مختلف ضروب الحكم و أن ولاية و سلطنة الفرد أو الولاة هي محدودة بولاية الله و رسوله و الائمة من أهل بيته أي الحكم التشريعي و القضائي و التنفيذي، و سيترتب من هذا التحرير لحقيقة البحث رفع الابهام في كثير من جهات دلالة الروايات المتقدمة.
كما ان البحث في القاعدة يظهر منطقة السعة للحاكم في تخير الاوفق من السياسيات و التدبيرات للوصول الى الاغراض الشرعية مادام ذلك في حدود الموافق للأصول الاولية و لم يخالفها .
السابع: قد ذكر بعض الأعلام أن مفاد البحث في القاعدة هو للتنبيه على أن الشرط و بقية العناوين المستثنى منها المخالفة ليست على حذو العناوين الثانوية الاخرى كالضرر و الحرج، و عناوين الرفع الاخرى مما يتقدم على الأحكام (العناوين الاولية) مطلقا، لجهة أهميتها في التزاحم الملاكي كما هو الضابطة في العناوين الثانوية و لكون عناوين الرفع رافعة للتنجيز و العزيمة دون أصل الحكم، بينما الشرط و الصلح و نحوهما موجب لتبدل الحكم، كما ان عناوين الرفع ناشئة من مصلحة التسهيل الملزمة و ترخيصها، أما عناوين العهد و الالتزام فناشئة من مصلحة الوفاء بالعهد المقترح المبتدأ او ولاية بعض الموالي و قد أشار الى وجود الفرق اجمالا الشيخ الانصاري (قده) في المقام.
الثامن: قد اشار صاحب الكفاية في موضع من مباحث الالفاظ الى ان العناوين الثانوية حاكمة صورة، أي بحسب عالم الدلالة، و مزاحمة لبا، و قد يظهر ذلك من الشيخ كما في تنافي الضررين و غيرهما، و هو ممشى مشهور الفقهاء، نعم مشهور هذا العصر البناء على انها حاكمة صورة و مخصصة لبا و لا يخفى خطورة و أهمية الفرق بين المسلكين في موارد عديدة و المسلك الاول هو المتعين كما حرر في محله، و على ذلك فيكون تقدم العنوان الثانوي على الاولي هو لأهميته ملاكا كما تقدمت الاشارة الى ذلك، و عليه فيكون محصل الاستثناء في المقام هو أن الشرط و الصلح و نحوهما من العهود و الالتزامات (أي الولايات الفردية و غيرها) لا تزاحم الاحكام الاولية الاقتضائية ملاكا بخلاف عناوين الرفع الستة و نحوها، لاسيما و ان عناوين الرفع كما تقدم لا تغير الاحكام الاولية عما هي عليه، كما هو مسلك مشهور طبقات الفقهاء عدا هذه الاعصار، بل غاية الامر هي ترفع تنجيزها كما هو شأن المتزاحمين بخلاف المخصص أو الوارد، كما هو الحال في عنوان الشرط و الصلح والنذر و اخويه و طاعة الوالدين و الموالي، و على ضوء ذلك فلابد في الالتزامات و العهود الداخلة تحت ولاية الفرد و الافراد أن تكون غير منافية للاحكام الأولية و التي هي من ولاية الله تعالى و رسوله بل ملائمة معها من باب جمع الملاكين، فيعود هذا النمط من العناوين الثانوية، كنمط عناوين الرفع غير مخصص و لا وارد على الاحكام الاولية، بل مجتمع معها من دون تنافي لا في الملاك فضلا عن الجعل و الانشاء بل و لا في الاثر و هو التحريك و البعث و التنجيز و الترخيص، و من ثم ارتكز في كلماتهم في القاعدة في المقام، أن مورد الشروط و الصلح و نحوهما هو في تمييز الاحكام الطبعية الاقتضائية عن الفعلية الباتة و غير ذلك مما قيل في ضابطة كيفية التعرف على عدم منافاة الاحكام الاولية مع ولاية الفرد و الافراد و التزاماتهم و عهودهم الداخلة تحت سلطنتهم كما سيأتي البحث في ذلك.
التاسع: قد ذكر المحقق النراقي و جماعة أن المخالفة في المقام تختلف عن المخالفة في باب التعارض فإن العموم و الخصوص المطلق يعد مخالفة في المقام بخلاف باب التعارض، و كذا الحال في الاطلاق و التقييد و كذلك حمل العام و المطلق على الخاص و المقيد، بل و كذلك كل وجوه الجمع العرفي الاخرى من حمل الظهور الاضعف على الاقوى على اختلاف انواع و ضروب القرينية، و بعبارة جامعة لا يرفع التنافي في المقام بما يرفع في باب التعارض بالتصرف في دلالة احد الطرفين ففي المقام لا تغير دلالة أدلة الاحكام عما هي عليه، و لا يلاحظ التوفيق بين دلالتها و دلالة نفوذ الشروط و الصلح و النذر و نحوها من الالتزامات و في الحقيقة أن أدلة الاحكام الثانوية مطلقا سواء كانت رافعة او مثبتة من النمطين اللذين تقدمت الاشارة اليهما ـ لا يتصرف بها في دلالة الاحكام الاولية، بخلاف أدلة الاحكام الاولية فيما بينها بعضها البعض، و على ذلك فالعناوين الثانوية بكلا النمطين حالات و أطوار للحكم الاولي من دون أن تتصرف في جعله فمن ثم يظهر تفسير آخر للموافقة للكتاب و السنة المأخوذ في ألسنة بعض روايات القاعدة المقابل لأخذ عدم المخالفة لها أنه نفي لمطلق المخالفةآ و بالتالي تكون موافقة مع طبيعة الحكم الأولي و لا تنافي شؤونه.
العاشر: أن بطلان الالتزام المخالف للكتاب و السنة سواء بنحو الشرط أو الصلح او النذر و أخويه و غيرها، مطرد حتى للألتزام والعهد لله تعالى، فلا يصح النذر وأخويه مع كونه عهدا و التزما له تعالى، فالأتباع و الطاعة لاحكامه تعالى مقيدة لسلطان عبيده في ما يلتزمونه و يتعهدونه على أنفسهم له تعالى فالشروط مبتدأة منه تعالى عليهم لا منهم له على أنفسهم.
الحادي عشر: أن شأن الحكم الثانوي كالعناوين العذرية الستة، فضلا عن المثبتة و هي الشرط و بقية الالتزامات ليس هو الدوام و الثبات، بل ذلك شأن الاحكام الاولية، بل شأنها هو الطرو الاتفاقي المؤقت، و الزوال من دون استمرار.
و بعبارة اخرى: حيث قد عرفن ان العناوين الثانوية العذرية مزاحمة لبا للاولية و التزاحم لا يكون حالة دائمة بين الاحكام بل الحالة الطبيعية هي الوفاق بينها في التدبير الفردي أو الاجتماعي و من ذلك يكون الحال اجلى في الثانوية المثبتة، نعم لماكان مورد المثبتة هو كما مر الاحكام اللااقتضائية كما في اكثر المباحات كان البقاء فيها الحيثي اطول مدة .
و أما تقريب دلالة الروايات و التي مواردها بمثابة تطبيقات لهذه القاعدة و يظهر من خلالها فوائد:
فالاولى: و هي صحيح الحلبي المتقدم و هي مطابقة في المورد مع صحيحه الآخر و هي الروايةالسابعة المتقدمة و كذا مع الرواية الثامنة.
و قد فرق في الرواية بين اشتراط عدم البيع و عدم الهبة من جانب و بين عدم الارث ـ و الذي عبر عنه بالروايتين الاخريتين بعدم ولاء العتق ـ من جانب آخر، و الفرق بحسب الظاهر أن البيع و الهبة تصرف موكول في الشرع الى سلطنة المالك فله ان لا يقدم عليه، و من ثم له ان يلتزم على نفسه بعدم الاقدام عليه، و ليس مودى الشرط ـ اي ذات ما وقع اشتراطه ـ هو تحريم التصرف على نفسه و هذا بخلاف الإرث فإنه حكم شرعي لا ينطوي تحت تصرف المكلف كي يتشارط على عدمه و مثله جعل الولاء لغير من اعتق.
فقد جمع صحيح عبد الله بن سنان بين التقييد بعدم المخالفة و بلزوم الموافقة بخلاف صحيحه الاخر و صحيح الحلبي ثمة، فانهما اقتصرا على عدم المخالفة و نفوذ و امضاء كل شرط الا المخالف.
و قد تقدم أن الاقرب في معنى الموافقة هو الملائمة مع الاحكام الاولية، و هو يتطابق مع نفي مطلق المخالفة من رأس، فمثلا اشتراط عدم البيع و عدم الهبة يتوافق مع تشريع البيع و الهبة و ايكالهما الى سلطنة المالك، فأن الاشتراط المزبور يتماشى مع طبيعة الجعل الشرعي الاولي في باب البيع و الهبة فيكون وفقا و موافقا له و لا يتنافى معه كي يكون مخالفا له ولو بنحو العموم الخصوص المطلق او غيرهما من انحاء التنافي ولو غير المستقر في الادلة المتعارضة، و لك ان تقول ان التصرف المأذون فيه سواء كان بنحو الفعل او النتيجة الوضعية بالاذن التكليفي او الوضعي هو موافق للكتاب و السنة، فالترخيص في التصرف من الكتاب والسنة يوجب كون الاشتراط لذلك التصرف عمل بالجعل الاولي في الكتاب والسنة.
و هي موثقة اسحاق فموردها يتطابق مع الرابعة و مايتلوها، الا ان اللفظ فيها عام و لان وجه التعرض لما يشترط الزوج على نفسه لزوجته هو دفع توهم منافاة ذلك لقوامية الرجال على النساء و قد تميزت هذه الموثقة بتقييد الشرط بعدم تحريم الحلال او تحليل الحرام و قد ورد هذا التعبير في العاشرة كرواية سلمة في الصلح «الا صلحا حرم حلالا او احل حراما و كذا ما ورد في اليمين من انها لا تجوز في تحليل حرام و لا تحريم حلال» .
و قد وقع الكلام في مفاد هذا اللسان من دليل القاعدة هل انه مغاير لعنوان المخالفة و الموافقة و في تفسير التحليل و التحريم.
و قال المحقق النراقي: «و اما الثاني اي الشرط الذي أحل حراما او حرم حلالا فعدم الاعتداد به أيضا منصوص عليه ... إنما الاشكال في فهم المراد منه حيث ان كل شرط يوجب تحريم حلال او تحليل حرام فان اشتراط عدم الفسخ يوجب تحريم الفسخ الحلال و كذا اشتراط عدم إخراج الزوجة من بلدها و اشتراط خيار الفسخ يوجب تحليل الحرم فإن الفسخ لولا الشرط كان حراما و هكذا. و لذا ترى انه قد وقع كثير من الاصحاب في حيص و بيص من تفسيره فمنهم من حكم بإجماله و منهم من فسر تحريم الحلال و تحليل الحرام بالتحريم الظاهري للحلال الواقعي و التحليل الظاهري للحرام الواقعي و قيل المرد بالحلال و الحرام في المستثنى ما هو كذلك بأصل الشرع من دون توسط العقد... قيل... هو تعلق الحكم بالحل أو الحرمة مثلا بفعل من الافعال على سبيل العموم من دون النظر الى خصوصية فرد، فتحريم الخمر معناه منع المكلف عن شرب جميع ما يصدق عليه هذا الكلي و هكذا حلية البيع، فالتزوج و التسري مثلا امر كلي حلال و التزام تركه مستلزم لتصريحه بل و كذلك جميع أحكام الشرع من الطلبية و الوضعية و غيرها و انما يتعلق الحكم بالجزئيات باعتبار تحقق الكلي فيها، فالمراد من تحليل الحرام و تحريم الحلال المنهي عنه: هو ان تحدث قاعدة كلية، و يبدع حكما جديدا ـ الى ان قال ـ و كل هولاء اخطأوا الطريق في فهم الحديث مع انه ظاهر ـ على فهمي القاصر ـ غاية الظهور كما يظهر مما ذكرنا في بيان مخالف الكتاب و السنة.
و الحاصل ان عبارة الامام (ع) هكذا «ان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا اواحل حراما» و فاعل حرم و احل هو الشرط، فالمستثنى شرط حرم ذلك الشرط الحلال او احل الحرام و هذا انما يتحقق مع اشتراط حرمة حلال او حليةحرام لا مع اشتراط عدم فعل حلال.... و لم يقل الا شرط حرم ايجابه حلالا... و يكون الشرط في ذلك كالنذر و العهد و اليمين فانه اذا نذر احد او عاهد او حلف ان يكون المال المشتبه عليه حراما شرعا او يحرم ذلك على نفسه شرعا لم ينعقد... نعم لو شرط فعل ما ثبتت مرجوحيته بالكتاب او السنة تحريما أو كراهة، او ترك ما ثبت رجحانه بهما وجوبا أو استحبابا يحصل التعارض بين ما دل على ذلك من الكتاب و السنة و بين دليل وجوب الوفاء بالشرط و اللازم فيه الرجوع الى مقتضى التعارض و الترجيح...، ثم لو جعل هذا الشرط أيضا من أقسام المخالف للكتاب و السنة كما يطلق عليه عرفا ايضا لم يكن بعيدا (26) .)
أقول: المحصل من اقوال التي ذكرها في تفسيره:
الاول: الشروط المبنية على اجتهاد أو تقليد سابق ثم تبدل الى خلافه؛ و هو اقرب الوجوه للتحليل و التحريم الظاهري.
الثاني: اشتراط ما يخالف الحرام أو الحلال بحسب التشريع الأولي للاشياء اي ما لم يجعل تحت ولاية و سلطة الفرد و الأفراد كما هو الحال في المعاملات و الايقاعات التي هي تصرفات و أفعال اعتبارية؛ و هو يطابق أحد التفاسير المتقدمة للشرط المخالف للكتاب و السنةآ و قد تقدم قوله.
و هو الذي ذهب اليه المحقق القمي (قده) من أنه المنع عن المحلل على نحو الكلية أو فعل المحرم كذلك؛ و لا يخفى شدة ظهور المخالفة من الشرط على هذا التقدير لا انحصار مورد المخالفة بذلك، لان كلية التصرف تصاعد به الى التقنين العام الذي هو مرتبة الجعل الشرعي، بخلاف المنافاة مع موارد التطبيق و المصاديق، و لك أن تقول إن المنافاة حينئذ بنحو البينونة بخلاف موارد التطبيق فأن المنافاة بنحو التخصيص.
و بعبارة ثالثة: ان المخالفة في الاشتراط الكلي و الالتزام العام و الصلح بذلك تكون على درجة التشريع العام، و من ثم عبر عنها بابداع القاعدة الكلية و قد ورد في باب اليمين و النذر و العهد إبطال هذا النحو من الالتزام نظير ماورد (27) في سبب نزول الاية (لاتحرموا طيبات ما احل الله لكم) (28) في من حلف ان لا ينام ابدا و الآخر حلف أن لا يفطر النهار ابدا و الثالث حلف ان لاينكح أبدا و ان ذلك من تحريم الطيبات و لا عبرة به؛ هذا مضافا الى أن شأن العنوان الثانوي سواء كان رافعا كالعناوين العذرية ـ فضلا عن المثبت كالشروط و الالتزامات الاخرى ـ ليس هو الدوام و الثبات و الذي هو شأن الحكم الاولي بل الطرو الاتفاقي او الحيثي كما مر بيانه.
الرابع: و هو مختاره من كون المراد من الشرط في القاعدة هو نفس الالتزام لا الفعل المشروط .
لكن الاظهر ارادة المحقق النراقي (قده) ما استظهرناه فيما سبق من ارادة المنشأ بالشرط و الالتزام، و هو المعنى الوضعي، سواء في شرط النتيجة أو في شرط الفعل فإن المنشأ ـ كما هو التحقيق ـ في شروط الفعل ليس الالتزام بالفعل، بل الالتزام بتمليك و استحقاق الفعل، فالمشروط في الحقيقة ذلك المعنى الوضعي، غاية الامر الالتزام يتم به كما في العقود، و الفعل متعلق له، لا ان ذات الفعل يتعلق بها الالتزام مباشرة كما هو في التزام الفعل في الاجارة فإن الملتزم به بالذات تمليك الفعل، و الفعل متعلق متعلق الالتزام.
و على أي تقدير فقد جعل النراقي (قده) أن مورد المخالفة هو ما لو كان المنشأ عنوان الحرمة للحلال الشرعي أو عنوان الحلية للحرام الشرعي لا ما اذا جعل متعلق الالتزام و الشرط عدم فعل الحلال أو فعل الحرام.
و ما ذكره و إن كان من موارد المخالفة الجلية جدا، كما هو الحال في مختارالمحقق القمي (ره) الا انه لاتنحصر موارد التحليل و التحريم و المخالفة بذلكآ و قد استعمل التحريم للحلال أو التحليل للحرام في المنع عن فعل الحلال أو التزام فعل الحرام، كما في قوله تعالى: (يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك) (29) ، و كان (ص) قد حلف أن لا يقرب مارية.
و بعبارة اخرى: أن التحريم ليس الا المنع، و التحليل ليس الا الإطلاق و الارسال كما في قوله تعالى: (لا تحرموا طيبات ما أحل لكم) (30) و كان امير المؤمنين (ع) حلف ان لا ينام بالليل ابدا الا ما شاء الله، و بلال حلف ان لا يفطر بالنهار ابدا، و عثمان بن مظعون ان لا ينكح أبدا، نعم ما يشكل عليه من ان التحريم للحلال الشرعي ليس بيد الشارط كي يحرم أو يحلل، فهو من اشتراط غير المقدور الممتنع مخدوش بان المراد اعتبار الشارط و المشروط عليه ذلك في اعتبارهما البنائي لا في إعتبار الشارع .
و من هنا يجدر التنبيه و الإلفات الى ما راج اخيرا في عدة من الكلمات من أن التقييد و العمل بالقوانين الوضعية البشرية العصرية في المجالات العديدة ـ كأنظمة للتدبير في النظام الاجتماعي و السياسي و المالي و الاسري و الفردي و الاحوال الشخصية ـ حيث انه ليس تشريعا في الدين و إبداعا للاحكام الشرعية فلا ضير في التقيد و الالتزام بها وان لم تدل عليها التشريعات الالهية ما دام ان هذا التقنين ليس بعنوان و اسم و لا نسبة فية الى الشرع الحنيف، و ألحق البعض الالزام و الالتزام العرفي الدارج في بعض المعاملات غير المصححة من الشرع، ألحق ذلك بالدعوى المزبورة في الجواز بعد تباني المتعاملين على كون ذلك في اعتبارهما الثنائي لا في الاعتبار الشرعي، و هذا كله مخدوش بان الفساد و المنع و البطلان في اعتبار الشرع لأمور و أشياء أو لمعاملات ليس بمعنى أن يظل ذلك بنحو الوجود النظري الذي لا يجد له طريقا في عمل المكلفين، بل هو لغاية تقيدهم باعتبارات و مقررات الشارع الألهي و تركهم لاعتبارات و مقررات أنفسهم و هو معنى ما مر من ان المراد في هذه القاعدة هو تقدم طاعة الله و ولايته و طاعة رسوله و اولي الأمر و ولايتهم على ولاية الفرد على نفسه، و الافراد على انفسهم سواء ولايته تعالى في صورة التشريع أو القضاء أو الحكم التدبيري الجرئي. فنهي الشارع ناظر الى المنع عن بناء المكلف و المكلفين على فعل معين في اعتبار أنفسهم، لا الردع عن البناء عليه بعنوان انه من اعتبار الشارع، و إلا لآل الحال في جميع النواهي الشرعية الى النهي في خصوص التشريع في الذين، و هو كما ترى.
هذا، فالصحيح أن المنع عن الفعل و الارسال له تحريم و تحليل، و ان لم يكن بلفظ التحريم و التحليل، نعم الظاهر عدم صدقه بمجرد اشتراط ترك فرد من الفعل المحلل او فعل فرد من المحرم و ان صدقت المخالفة على شرط فعل فرد من المحرم، لكنه ليس من تحريم الحلال أو تحليل الحرام، بل من شرط الحرام، بل لا بد من كلية الترك أو الفعل ولو النسبية بنحو يكون كالمقرر و القانون الكلي.
و من ذلك و غيره يتضح ان عنوان المخالفة اعم من عنوان التحريم أو التحليل، و ان كان العنوانان لا يختصان بالتكليف، بل يعمان الحرمة و الحل الوضعيين لعموم مادة الحرمة و الحل لكل من المنع التكليفي و الوضعي سواء بلحاظ ما يضاف اليه من فعل تكويني او اعتباري معاملي و نحوه.
و أما ما أفاده المحقق النراقي (قده) من عدم اسناد التحريم و التحليل الى حكم الشرط و هو الايجاب فهو متين لكنه عند اشتراط ترك الفعل المحلل بنحو كلي او فعل المحرم بنحو كلي ولو اضافي يأخد عنوان استحقاق ذلك و الذي هو المنشأ وضعا، و هو معنى متوسط بين الالتزام الشرطي و الفعل المشروط ـ طابع المنع و الإرسال و هو التحريم و التحليل.
و أما ماذكره (قده) من وقوع التعارض و اعمال الترجيح، فضعيف غايته، بعد ما عرفت من تقييد نفوذ الشرط و نحوه من الالتزامات بعدم المخالفة و صدقها على ذلك للتعارض.
ثم ان في رواية العياشي تعليل بطلان شرط الزوج للزوجة عدم التزوج عليها أو عدم هجرها او عدم التسري عليها، بينما في معتبرة منصور بن بزرج صحة شرط عدم التزويج عليها، و لا يخفى أن ظاهر رواية العياشي بدوا و لفظها و ان كان هو شرط الطلاق المعلق على فعل التزويج و الهجر و الترسي الا ان المتعارف و المتبادر من مثل هذه الشروط هو التزامان، الاول هو ترك المعلق عليه، و الثاني هو المعلق في صورة عدم الوفاء بالاول و ان الثاني هو للردع عن عدم الوفاء بالاول لا مجرد الردع عنه من دون التزام بتركه نظير من يتعاقد و يشترط على الآخر أن يغرم مقدارا من المال ان لم يخط الثوب، و يوضح ذلك موثق زرارة في الباب المزبور (31) و مفادها مطابق الرواية الخامسة ـ الصحيح الاخر لمحمد بن قيس و صحيح عبد الله بن سنان ـ و لروايات اخرى في الباب المزبور (32) ، و من ثم حمل الشيخ معتبرة ابن بزرج على الاستحباب أو التقية، و رجح جمع من الاعلام مفاد المعتبرة على بقية الروايات، ذلك لان مفاد الشرط الالتزام بالفعل أو الترك المجرد، و ليس هو مفادا وضعيا ليتنافى مع الجعل الوضعي الاولي، كماان المشروط ليس المنع بعنوان التحريم كي يتنافى مع الجعل التكليفي الأولي، و من ثم حملوا بقية الروايات على ما لو كان الشرط متعلقا بمفاد وضعي أو بعنوان المنع التحريمي.
و يرد على الحمل المزبور أن مقتضى الاشتراط كما عرفت هو ثبوت استحقاق وضعي للمشروط له على المشروط عليه، مضافا الى اللزوم التكليفي، و بالتالي تستحق عليه عدم الطلاق و عدم التزويج و عدم التسري عليها و عدم هجرها، و هذا المفاد الوضعي ينافي الاحكام الأولية في باب الزوج لانها ليست تكليفية محضة بل مفادها حق الزوج في ولاية الطلاق و الهجر في المضاجع ان اتت المرأة بسبيل ذلك، و في التزويج والتسري ولو بلحاظ التأبيد في المنع المشروط في الاخيرين و ان كان هذا الحق غير قابل للاسقاط و بعبارة اخرى: ان الحكم التكليفي النفعي لطرف ينتزع منه ثبوت حق له، و على هذا ففي مثل هذه الموارد التي لا يكون الحق قابلا للاسقاط و لا للانتقال لا يشرع جعل الاستحقاق للغير بتوسط الشرط.
بل لا يختص ذلك بالشرط بل يعم كل ايقاع أو عقد أو التزام و اعتبار يخالف حكم الكتاب و السنة و اعتبارهما ففي موثق سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقال: «ان رسول الله ( صلى الله عليه و آله) رد على عبد الله بن عمر امرأته، طلقها ثلاثا و هي حائض فأبطل رسول الله ( صلى الله عليه و آله) ذلك الطلاق و قال: كل شيء خالف كتاب الله و السنة رد الى كتاب الله و السنة» (33) و في صحيح الحلبي مثله «كل شيء خالف كتاب الله و السنة فهو رد الى كتاب الله» (34) و في رواية اخرى «ما خالف كتاب الله رد الى كتاب الله» و غيرها في ذلك الباب (35) .
و على أية تقدير فالجدير بالانتباه أن في رواية العياشي و غيرها تعليل فساد الشرط بان شرط الله قبل شرطكم، فأطلق على حكم الله بالشرط و هو كما ذكر السيد اليزدي (قده) في اول مبحث الشروط في تفسير معنى الشرط لغة و استعمالا و بالنظر الى عدة من الروايات الواردة في تفسير الشرط كروايات أخرى واردة في تفسير الاية «أوفوا بالعقود» بأنها العهود التي لله تعالى على خلقه و ان العقد ليس إلا ربط الالتزام من الطرفين، فهو تشارط متقابل، و ان (المؤمنون عند شروطهم) شامل لمثل النذر أو العهد و اليمين، كما هو شامل للالتزام، بين الخلق و المكلفين بعضهم لبعض، فالاقرار بالشهادتين، و الالتزام بالدين، التزام و تعهد بمجمل الاحكام و الاوامر الشرعية، و حق الله تعالى و ولايته متقدمة على كل حق و ولاية لغيره بعد تأخر تلك العهود و الولايات من كل وجه عن عهد الله تعالى و ولايته. فهذا المعنى أصل مفاد القاعدة كما مر و على ذلك فذكر تعليل بطلان تلك الشروط في رواية العياشي بمخالفتها لمفاد الاحكام الثلاثة في الآيات بعد ما مر بيانه أن مفاد ليس الاباحة الصرفة كما مر أو ديمومة المنع في التزويج و التسري بل الاكثر وضوحا في الدلالة على التعليل رواية ابراهيم بن محرز حيث علل فساد شرط كون الطلاق بيدها، بأنه مخالف بجعل قوامية الرجال على النساء، فلم يعلل (ع) بمخالفة للشرط لجعل الطلاق بيد الرجل، بل علل بمخالفة عموم فوقاني كأصل قانوني فوقي قد شرع منه الكثير من التشريعات المتنزلة و هو ليس من العمومات المتعارفة التي تتنزل بطبعها على المصاديق، بل تنزلها و تطبيقها يحتاج الى جعل وتشريع تنزلي، نظير الاصول القانوينة في الدساتير فإنها تتنزل بتوسط التشريعات للمجالس النيابية، و لا يصح التمسك بها مباشرة، بل الحال في التشريعات العامة للمجالس النيابية فانه لاتنفذ ولاتمضى و لا يعمل بها من دون التشريعات الوزارية التي هي تنزل للتشريعات النيابية، فالعمومات الفوقانية التي هي بمثابة أصول قانونية لا تتنزل و لا تنطبق على المصاديق الا بتشريعات أخرى متنزلة و هذا يرسم لنا أن معيار المخالفة و الموافقة هو مآلا ليس يقتصر على التشريعات التفصيلية للاحكام المتنزلة بل التشريعات الاجمالية الأصولية الفوقية هي روح و لب المخالفة و الموافقة.
و اما الرواية السابعة: فهي دالة على ان السلطنة و الملك و الحق و نحوها و ان كان مقتضاها اختيار صاحبها في التصرف، إلا أنه ليس مقتضاها تسلطه على سلطنته و ملكه في نفيه و ازالته مع وجود موضوعه، نعم تمكن الازالة بإزالته للموضوع و للسبب، و هذا نظير ما افاده المحقق الشيخ الانصاري (قده) في مفاد «الناس مسلطون على اموالهم» ان السلطنة مجعولة على التصرف في الاموال لا على نفس السلطنة و لا على احكام الاموال.
أما الرواية الثامنة و التاسعة: فالتقابل بين المشروط ليس في كون مورد الثامنة هو شرط النتيجة و مورد التاسعة هو شرط الفعل، بل الاهم هو كون مورد الاولى مضاد للحكم الشرعي من إرث ذوي الأرحام، بخلاف مورد الثانية فإنه عمل بمقتضى الحكم الشرعي و مترتب عليه كما لايخفى.
ثم انه ينبغي التعرض لكلمات الاعلام في المقام في خلاصة موضوع القاعدة، و موضوع الموضوع :
الاول:
ما ذهب اليه الشيخ الانصاري (قده) من أن ضابطة المخالفة هو مخالفة الحكم المطلق و الفعلي بخلاف مخالفة الحكم الطبعي الاقتضائي ثم خاض (قده) في ضابطة الحكم المطلق و الحكم الطبعي .
فالوضعي في الغالب مطلق فعلي، بخلاف التكليفي لاسيما غير الالزامي، ثم ألحق بالتكليفيات الاحكام الوضعية التي بعنوان الملك و الحق.
و قد يخدش في هذه الضابطة أن مخالفة الوضعيات في الملتزم به و ذات المشروط ماهية، و مخالفة التكليفيات في الالتزام و التعهد يرجع و يؤول الى طبيعة و سنخ الحكم الوضعي و التكليفي، ففي ماهية المشروط بما هي هي كما في الاحكام الوضعية بما انها ماهية مقررة بغض النظر عن فعل المكلف و الذي انيط الحكم التكليفي به كما هو الحال في الالتزام و التعهد، ثم ان الشيخ (قده) نبه على ان بعض الرخص و المباحات اقتضائية لا تتغير، و قد ذكر بعض المحققين أن ضابطة الحل و الرخصة الاقتضائية هو الجواز و الحل المترتبة على الحكم الوضعي، دون الحل و الاباحة المجردة هذا. و قد نبه الشيخ (قده) أن عنوان الضرر و الحرج يختلف عن بقية العناوين الثانوية فيقدمان مطلقا بخلافها، و قد ذكرنا وجه التفرقة في الامور التي ذكرنا في حقيقة موضوع البحث فلاحظ.
الثاني:
ما ذهب اليه جملة من الاعلام من ان الاطلاق اللفظي للحكم الشرعي هو ضابطة مخالفة الشرط، و عدمه يزيل عنوان المخالفة، و بعبارة اخرى الاطلاق أو العموم اللفظي لحكم الشيء ولو بلحاظ الحالات الطارئة المختلفة و تارة لحكم الشيء من حيث هو، إما لانه لا اطلاق له أو لدلالة الدليل على ان الحكم للشيء من حيث هو و في حد نفسه أو مقيد بعدم الطوارىء . فعند الشك في عنوان المخالفة لا يصحح الشرط عند فرض تعارضه مع عموم الوفاء بالشرط و مع عموم الحكم الاولي بل يكون عوم الوفاء مورودا.
الثالث:
ما مال اليه المحقق النراقي (قده) لكنه لم يستقر عليه، و هو اجراء مرجحات التعارض بين اطلاق و عموم الحكم الاولي و عموم الشروط فالراجح يقدم، بخلاف ما اذا كان تنافي الشرط بما هو هو مع الكتاب فان المخالفة صادقة مطلقا حينئذ دون مخالفة الإلتزام للإلزاميات .
الرابع:
ما ذكره بعض من أن الضابطة ورود الحكم في الكتاب و عدمه.
الخامس:
ماذهب اليه السيد اليزدي (قد) أن ضابطة التحريم و التحليل المفسدة للشرط هو مخالفة الكتاب ، لكن لا مطلق المخالفة، نعم المناف الدائم في غير الالزاميات مخالف، و كذلك المنع عن المباح بلفظ النفي أو المنع و التحريم عنوانا، و أما في الاحكام الالزامية فالمنافاة لها ولو في الحكم الجزئي مخالفة فضلا عن الحكم الكلي فيها، كذلك الواجب أو فعل الحرام، و كذلك تصدق المخالفة في الحكم الوضعي اذا جعل في الشرط لغير من جعله الله تعالى له، دون ما لو كان بنحو شرط الفعل المتعلق بالحكم الوضعي.
و الوجه الذي يذكر في هذا التفصيل هو أن الفارق بين الحكم الاطلاقي و الطبعي هو في نكتة التزاحم حيث لا يزاحم المباح اللزوم الطارىء بخلاف اللزوم الاولي فانه لا يدفع باللزوم الطارىء الا اذا كان في غاية القوة كالضرر و الحرج فليس الطارىء و الثانوي على وتيرة واحدة في التكليفيات.
السادس:
نبه بعض الاعلام على ان المخالفة كما قد تكون بالاضافة الى العمومات الاولية كذلك قد تكون بالاضافة الى العمومات الثانوية ولو الظاهرية كالاصول العملية الظاهرية.
السابع:
قد تبين مما مر من المختار أن ضابطة الحكم المطلق الفعلي هو الحكم المتنزل من أصل قانوني فوقي، و أن العبرة بذلك في المخالفة دون سائر الاحكام التي لا تعتضد بذلك كما هو الحال في غير الالزاميات من المباحات غالبا. و بعبارة اخرى ان ما ذكر في كلمات الاعلام من التفاصيل كاللوازم و العلامات الإنية و منشأها هو وجود الاصول القانونية الفوقية و هي تأبى التخصيص بطبعها كما ذكرنا لاختلافه عن العموم المتعارف فإن المخصص لابد ان يكون من رتبة العام كي يقوى على التصرف فيه دون ما اذا اختلفت الرتبة.
الثامن:
في تحرير الاصل العملي بتقرير أصالة العدم في عنوان المخالفة ولو بنحو العدم الازلي اما بلحاظ وجود الشرط حيث لم يكن، فلم تكن صفة المخالفة أو بلحاظ ما قبل الشرع بلحاظ تقرر ماهية نفس المشروط. نعم على تقدير عدم تمامية الاصل الموضوعي تصل النوبة الى الاصل الحكمي، و هي اصالة عدم نفوذ الشرط و عدم وجوب الوفاء به كما ذهب الى ذلك المحقق النائيني (قده) حيث بنى على ان الاصل العدم الازلي لا يجري في موارد الشك في انطباق عنوان المخصص لكون العدم المأخوذ في العموم بسببه هو العدم النعتي، و ان كان الصحيح هو جريان الاصل في العدم الازلي، هذا و لكن جريان الاصل لا يخلو من اشكال مع اطلاق دليل الحكم الاولي و ان شك في كونه طبعيا أو فعليا و حصول التعارض كاف في اسقاط عموم الوفاء بالشرط و نحوه من عمومات الالتزام الاخرى، نعم مع عدم الاطلاق يتم جريانه و اما مع مجرد الشك في طبعيته و نحوها فلا.
الهوامش:
.1 عوائد الايام ص 143ـ ط. قم ـ الحديثة.
.2 ابواب بيع الحيوان ب 15/ح .1
.3 المصدر السابق ح .2
.4 ابواب الخيار ب 6 ح .1
.5 ابواب الخيار ب 6 ح .2
.6 ابواب الخيار ب 6 ح .4
.7 المصدر السابق ح .5
.8 ابواب المهور ب2 ح .4
.9 النساء / .3
.10 النساء / .3
.11 النساء / .34
.12 ابواب المهور ب 2 ح .6
.13 ابواب المهور ب 29 / ح .1
.14 ابواب المهور ب 38 / ح .1
.15 ابواب المهور ب 38 / ح .2
.16 ابواب مقدمات الطلاق ب 41 / ح .6
.17 ابواب المهور ب 40 ح .1
.18 كتاب العتق ب 37 / .2
.19 الوسائل ج 23 ص 158 ابواب المكاتبة ب 15 ح .1
.20 ابواب موانع الارث ب 21 ح .1
.21 ابواب آداب القاضي ب 15 / ح .1
.22 ابواب الصلح ب 3/ ح .2
.23 كتاب النذر ب .17
.24 كتاب الأيمان ب .11
.25 ابواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ب .11
.26 عوائد الايام العائدة 15ـ ص 146ـ 151 ، ط. الحديثة، قم.
.27 ابواب الايمان ب .19
.28 سورة المائدة / .87
.29 سورة التحريم / .2
.30 المائدة / .87
.31 ابواب المهور ب .20
.32 ابواب المهور ب 20 /ح .2
.33 ابواب مقدمات الطلاق ب 29 / .10
.34 ابواب مقدمات الطلاق ب 29 / .9
.35 ابواب مقدمات الطلاق ب .29