الفاضل المولى أحمد النراقي من فقه المقاصد الى فقه القواعد

السيد منذر الحكيم

عصر الفاضل المولى أحمد النراقي:

يعتبر الفاضل النراقي (م . 1245 ه) من الجيل الثاني من أجيال مدرسة الوحيد البهبهاني، ومدرسة الوحيد البهبهاني هي المدرسة الاصولية الحديثة التي سيطرت على الحواضر العلمية الاسلامية الإمامية بعد الهزيمة التي سببتها للمدرسة الاخبارية الحديثة، ومن هنا فقد كانت هذه المدرسة في أوج نشاطها وحيويتها لما كانت قد حققته من انتصارات علمية رائعه ورائدة أدت الى نضح المسلك الاصولي في فهم نصوص الشريعة وأحكامها .

وذلك أن جهود الوحيد البهبهاني الرائدة أسفرت عن منهج يجمع بين العقل والنقل ويعطي لكل منهما دوره في عملية الاستنباط ويحدد له مجالاته التي تتناسب مع طبيعته وخصائصه كمصدر معرفي وكوسيلة للوصول الى مقاصد التشريع وتفاصيلها.

ولم تتطرق هذه المدرسة الاصولية لكل واحدة من هاتين الاداتين على حساب الاداة الاخرى .

ومن هنا استطاعت هذه المدرسة الاصولية أن تؤصل لمنهج الاستبناط فضلا عن تقييمها لأدواته فإنها تستند الى اصول وقواعد معرفية لا يمكن نسفها وابطالها.

إن شبهات الإخباريين كانت تشكل حوافز ونقاط انطلاق للبحث الجاد عن مشروعية علم الاصول الذي يشكل المنهج السليم لفهم الشريعة من مصادرها.

وانعكس هذا التطور الاصولي في المنهج والقواعد على عامة مجالات البحث الفقهي مما أدى الى تطور الدراسات الفقهية أيضا وتعميقها وانضاجها على اسس علمية متينة.

والآثار الفقهية، والاصولية التي صدرت خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر بما تضمنته من مناهج حديثة في التأليف تكشف عن الاتجاهات الفقهية والاصولية لعلماء هذه المرحلة من مراحل التطور الاصولي والفقهي في المدرسة الإمامية الاثني عشرية.

وإحدى الظواهر الملفتة للنظر في هذه الحقبة التاريخية من حركة الفقه الإمامي‏هي ظاهرة الاهتمام بتدوين القواعد الفقهية من قبل جملة من الفقهاء المتميزين بدء بالوحيد البهبهاني (. 1208 ه) نفسه وخيرة تلامذته مثل الميرزا القمي (. 1232 ه) والسيد بحر العلوم (. 1212 ه) وكاشف الغطاء (. 122 ه) وكبار تلامذته وتلامذة تلامذته.

ان هذا الاهتمام الذي تجلى في جملة من الكتب الاصولية والفقهية بشكل ضمني قد تجلى بشكل تيار قوي في تدوين كتب القواعد الفقهية بشكل مستقل أو بشكل رسائل فقهية. وتكفي مراجعة سريعة لتراث هذه المجموعة من الفقهاء، بدء بالوحيد البهبهاني وانتهاء بتلامذته وتلامذة تلامذته الذين عاشوا في النصف الأول من القرن الثالث عشر للوقوف على حجم هذا التوجه الى القواعد الفقهية فضلا عن الاصولية ، ومدى التطور العلمي في مستوى ومحتوى البحوث الفقهية.

فلو أخذنا قاعدة نفي الضرر مثلا وقسنا ما كتبه الميرزا المحقق أبوالقاسم القمي وهو من خيرة تلامذة الوحيد البهبهاني مع ما كتبه مثل الفاضل التوني الذي يعود عصره الى بدايات القرن الحادي عشر، وكذلك ما كتبه الشهيد الأول الذي يعود عصره الى القرن الثامن الذي يعتبر بداية عصر تقعيد القواعد، لوجدنا البون شاسعا في المحتوى والمنهج معا.

عصر القواعد الفقهية إن عصر الفاضل النراقي يعتبر عصر الاهتمام والتوجه الى القواعد الفقهية بشكل خاص. فاساتذته وزملاؤه وتلامذته بشكل عام قد أدلوا بدلوهم في هذا المضمار .

ويشكل كتابه النفيس (عوائد الأيام) نموذجا جيدا لهذا الاهتمام. ولكن ما هو موقع الفاضل النراقي في هذه الحركة الفقهية المتطورة؟

وماهى انجازاته الفقهية بشكل عام؟ وفي مجال القواعد الفقهية بشكل خاص؟

فهذا ما ينبغي البحث عنه وهو يستحق البحث الجاد؛ لأن المرحلة الراهنة تدعو الى مراجعة تراثنا الفقهي من جديد لأن المستجدات بعد عصر الثورة الاسلامية المباركة ودخول الفقه الى ميدان المجتمع كعنصر محوري واساس يتطلب جهودا علمية أصيلة قد نجد الاهتمام بها عند فقهاءنا الذين عاشوا في مرحلة تشبه هذه المرحلة الراهنة من حيث الاهتمام بمحورية الشريعة في الحياة الاجتماعية في العصر القاجاري وتوجه الفقهاء الى تطبيق الشريعة في‏المجتمع وهو يتطلب رؤية اجتماعية للاسلام كما يتطلب فهما اجتماعيا للنصوص، يحتاج الى فهم القواعد العامه والخاصة للشريعة مع عدم اغفال فقه المقاصد وفلسفة الفقه وبالتالي الدخول الى عصر التنظير الفقهي وتدوين الأنظمة الفقهية التي تلبي كل الحاجات الاجتماعية الانسانية على اساس الاسلام الذي‏جاء ليظهر على الدين كله ويغطي كل الساحات الاجتماعية ويمثل خط الهداية الربانية في كل مجالات الحياة.

من هنا كان علينا أن نقف على مجمل النشاط الفقهي لفقهائنا الأبرار في هذا العصر الذي عاشه الفاضل النراقي وهو الفقيه الاجتماعي الذي لم يعتزل الحياة الاجتماعية ولا السياسية من جهة، وقد عاش أوج مرحلة الانتصار الاصولي كما عاصر كبار الفقهاء الاصوليين مثل المحقق القمي وبحر العلوم وكاشف الغطاء الكبير والميرزا مهدي الشهرستاني والسيد علي الكربلائي وأبناء كاشف الغطاء من جهة اخرى ، كما تتلمذ على يد والده المعظم الذي حاول أن يكون فقهيا موسوعيا ذا أبعاد علمية متعددة. وبفضل نبوغه واستعداده واهتمامه الموسوعي قد حاز على موقع ريادي متميز في تطور الحركة الفقهية الامامية. وقد تميز الفاضل النراقي بتربيته لتلامذة أضحوا نجوما ساطعة بل أقمارا منيرة بل شموسا مضيئة في سماء الفقه كالفقيه الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره) .

إذن هناك أكثر من دليل للاهتمام بفقه الفاضل النراقي ودراسته بعمق مع ملاحظة خصائص عصره وما يميزه عن معاصريه من الفقهاء الكبار.

إن (كشف الغطاء) بمثل جهدا رائدا في الخط القواعدي للفقه كما أن كتاب (العناوين) يعتبر ثمرة من ثمار جهود هذه المدرسة، ولكل منهما خصائصه ومميزاته.

غير ان هذا البحث التقويمي والمقارن يتطلب فرصة وزمانا يتسع له ونحن في هذه العجالة نركز على نموذج واحد من هذا الجهد الفقهي الذي حبرته يراعة هذا المحقق الفاضل وندعو المهتمين بتطور الفقه الإمامي لتعميق واشاعة هذه الدراسات المقارنة التي سوف تكشف لنا أبعادا مغمورة من فقه عظمائنا، وسوف تفتح أبوابا جديدة للتطور الفقهي، فضلا عن أنها سوف تؤثر على العقلية الفقهية لطلابنا حينما يتجهون للقواعد الفقهية التي تشكل حلقة وصل بين فقه المقاصد وفلسفة الفقه من جهة، والتنظير الفقهي وفقه الأنظمة من جهة اخرى، ونحن بأمس الحاجة الى هذا الاهتمام الواسع بكل ابعاد الفقه ومجالاته التي طالما تغافل عنها فقهاؤنا لأنها لم تكن محل حاجة قصوى في عصورهم، أو لأن الظروف لم تكن لتسمح لهم ليدلوا بآرائهم في هذه المجالات التي هي اليوم أهم المجالات التي تدعو الفقيه للاهتمام الجاد بها .

الموقع المتميز للنراقي في الحركة الفقهية المتطورة

اذا استعرضنا تطورات حركة التأليف الفقهي الإمامي نجد الشهيد الأول محمد ابن مكي العاملي (سنة . 786 ه) قد أفرد مجموعة من القواعد الفقهية في كتاب مستقل أسماه ب (القواعد والفوائد) وقد وصفه في اجازته المعروفة لابن الخازن: «بانه مختصر يشتمل على ضوابط كلية اصولية وفرعية تستنبط منها الأحكام الشرعية، لم يعمل للأصحاب مثله» .

ووصفه تلميذه المقداد السيوري (م . 826 ه): «بانه يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيسا للطلبة بكيفية استخراج المنقول من المعقول وتدريبا لهم في اقتناص الفروع من الاصول، لكنه غير مرتب ترتيبا يحصله كل طالب وينتهز فرصة كل راغب، فصرفت عنان العزم الى ترتيبه وتهذيبه وتقرير ما اشتمل عليه وتقريبه وسميته ب «نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية» .

فالشهيد الأول حسب نصه هو أول من اقتحم هذا الميدان من اصحابنا الإمامية، وتلميذه المقداد هو أول من رتب هذه القواعد ترتيبا قدم فيه القواعد العامة لكل الأبواب الفقهية على القواعد الخاصة بكل باب فقهي مقدما فيها أبواب العبادات على سائر الأبواب .

وليس معنى ذلك أن هذه القواعد لم يذكرها الفقهاء في‏مصنفاتهم، بل انها قواعد وردت في نصوص الكتاب العزيز والسنة الشريفة، كما وردت في طيات بحوث الفقهاء.

ولكن تطور حركة التدوين الفقهي وتطور اتجاهات الفقهاء في كيفية التأليف لتحقيق مقاصد يبتغيها الفقهاء والتي منها اسعاف المتعلم والمتفقه بالقواعد المحدودة التي تعينه على استنباط ما لا حصر له من الأحكام للوقائع المستجدة في الحياة.. دعت الفقهاء الى أن يشعروا بضرورة الاهتمام بالقواعد بشكل مستقل بعد أن كان الفقهاء يعتمدون على القواعد الاصولية ويجدون فراغا هائلا في ميدان القواعد الفقهية المتناثرة بين كتب الاصول وكتب الفقه معا، فإن الفقيه إذا لم يزود نفسه بالقواعد الفقهية فإنه سوف يجد نفسه عاجزا أمام المستجدات وغير قادر على الاجابة عن الاسئلة المتعلقة بالحكم المقرر لها شرعا.

من هنا نستطيع أن نعتبر عصر الشهيد الأول بداية عصر الاهتمام بالقواعد الفقهية المدونة بشكل مستقل تقريبا. إذ التصنيف في مجال القواعد الفقهية بشكل مستقل قد بدأ في عصر الشهيد وتمثل ذلك في كتابه الذي سماه ب (القواعد والفوائد) وطبع في جزئين بتحقيق فضيلة العلامة السيد عبدالهادي‏الحكيم رحمه الله فالحركة الفقهية الإمامية في مرحلة استقلالها عن التأثر بالفقه السني ومحاكاته قد توجت نشاطها بالاهتمام بالقواعد الفقهية بشكل مستقل واستمرت هذه الاهتمامات منذ عصر الشهيد حتى عصرنا هذا بالرغم من تسلل حالة استثنائية طارئة دامت مدة طويلة نسبيا وكادت أن تعصف باسس المنهج الاصولي لفهم الشريعة الاسلامية وهي ظاهرة الجمود والحرفية في التعامل مع النصوص الفقهية (الدينية) وقد استفحلت هذه الظاهرة حتى ولدت ردود فعل قوية باتجاه عقلنة الفقه وابعاده من سيطرة الاتجاه الاخباري الذي أخذ يتسم بنوع من الجمود والسطحية والوقوف عند ظواهر النصوص.

من الشهيد الأول إلى الوحيد البهبهاني

و بعد محاولات طويلة لزعزعة أركان واسس الفقه الإسلامي الإمامي الذي وقف في وجه المد المتطرف والمتبلور في مدرسة الرأي أو التي اصطلح عليها البعض بمدرسة اجتهاد الرأي في قبال مدرسة اجتهاد النص، لأن مدرسة الرأي كانت قد اتجهت بالفقه الإسلامي الذي اسس على نصوص الوحي الى مهوى سحيق من الانفلات والابتعاد عن اصوله ومبادئه ولد ردة فعل في العالم الإسلامي وقاوم هذا الانفلات العلماء الغيارى على الشريعة، وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام قد تزعم الأئمة هذه المقاومة واستمرت طيلة القرون حتى تطرق البعض ظنا منهم بأن دخول العقل في عملية الاستنباط سوف يجرها الى فخ الرأي والقياس والاستحسان، فكان التيار الاخباري وأخذ يتطرف حتى استبسل مجموعة من الفقهاء الاصوليين وعلى رأسهم الوحيد البهبهاني (م . 1208 ه) وخيرة تلامذته الاصوليين للوقوف امام اتجاهين متطرفين: الاتجاه الافراطي والاتجاه التفريطي أو اتجاه العقلنة واتجاه الجمود، وكرسوا جهودهم لانتشال علم الاصول من الاشكاليات التي كانت تطرحها المدرسة الاخبارية باستمرار وتجعلها مستمسكا لعدم شرعيتها بشكل من الأشكال.

وكانت هذه الجهود تنصب على امهات مسائل علم الاصول وهي كبريات القواعد الاصولية من جهة ومهمات القواعد الفقهيه التي لا يستغني الفقيه عنها، وبهذا أرسى الوحيد وتلامذته قواعد الاستنباط ومباني الأحكام على اسس علمية متينة .

ولئن كان الوحيد البهبهاني (قدس سره) قد أولى اهتمامه الخاص لانتشال علم الاصول بما قدمه في فوائده الحائرية ، فاننا نجد تلامذته الكبار مثل المحقق الميرزا القمي والشيخ جعفر كاشف الغطاء وبحر العلوم والميرزا مهدي الشهرستاني والسيد علي الكربلائي حاولوا بجد لتسليح الفقيه بما يسعفه من القواعد الاصولية والفقهية معا.

ويمثل كتاب كشف الغطاء حركة الفقه الإمامي باتجاه اخضاع الفقه للقواعد حيث قدم القواعد الاصولية على القواعد المشتركة بين المطالب الفقهية جميعا ثم أتبعها بقواعد كل باب ولعل تسمية القوانين المحكمة للمحقق القمي هي تعبير واضح عن هذه النزعة وهذا الاتجاه القواعدي التقنيني.

واستمرت هذه الحركة بعد الشيخ كاشف الغطاء الكبير تلميذ البهبهاني وتلامذته والنراقي الأول (محمد مهدي بن أبي ذر) وهو تلميذ الوحيد البهبهاني وزميل الشيخ جعفر الكبير (كاشف الغطاء) في الدراسة عند الوحيد البهبهاني وهو استاذ ابنه الشيخ أحمد النراقي (. 1245 ه) وقد ترك له ولنا تراثا اصوليا وفقهيا غنيا. وفي هذا الوسط العلمي والتيار الفقهي انطلق الشيخ أحمد النراقي وكتب كتابه الذي اشتهر ب (عوائد الأيام) والذي قال عنه:

«هذا ما استطرفته من عوائد الأيام من مهمات أدلة الأحكام وكليات مسائل الحلال والحرام وما يتعلق بهذا المرام» .

والسيد مير عبدالفتاح الحسيني المراغي (المتوفى سنة . 1250 ه) هو الفقيه الآخر الذي يعد معاصرا للنراقي صاحب المستند والعوائد وقد كتب العناوين في خصوص القواعد الفقهية والتي اعتبرها البعض أنها حصيلة دراسته لدى الشيخ موسى كاشف الغطاء والشيخ علي كاشف الغطاء لاتجاههما هذه الوجهة واعتمادهما هذا المنهج .

ان هذه العقود الخمسة التي بدأت بالوحيد البهبهاني‏وانتهت بالمراغي تعدعصر ازدهار هذا الاتجاه الفقهي الى القواعد لكثرة التصنيف المستقل في مجال قواعد الفقه أولا، ولتنوع المناهج في معالجة هذه القواعد ثانيا تشير الى ذلك فهارس هذه التصنيفات ، بل تفصح عنها طبيعة البحوث المدونة، فلو قارنا مثلا قاعدة نفي الضرر عند النراقي مع قاعدة نفي الضرر في العناوين لوجدنا الفارق بينا والاختلاف كبيرا في منهج معالجة هذه القاعدة كما سوف نقف عندهما فيما بعد.

على أن أهم ما لدينا من تراث فقهي عن القواعد الفقهية يعود الى هذه العقود الخمسة.

نعم استمرت حركة التطوير هذه في مجال القواعد الفقهية فيما بعد ولكن بشكل محدود حتى نجد المتأخرين عن هذه الفترة عالة على من ذكرناهم في هذه العقود الخمسة.

حتى أن بعضهم لم يبدع في تغيير منهج البحث الذى ورثه من النراقي ومعاصره صاحب العناوين، وإن كان هناك توجه خاص الى تعميق الدلالات واستخراج النكات العلمية من بعض هذه القواعد .

وربما نستطيع أن نعتبر هذه الفترة التي ازدهرت فيها حركة البحث والتأليف عن القواعد الفقهية منطلقا الى نشوء وازدهار البحث عن النظريات الفقهية التي مهدت الطريق للبحث عن النظم الفقهية قبل استقرار الدولة الاسلامية الحديثة بعقود.

وهكذا نجد ترابطا وثيقا بين مراحل الحركة الفقهية بدءا ب (فقه النصوص) والمسائل الخاصة الفقهية التي انتظمت في ابواب فقهية معينة ثم تطورت الحركة باتجاه (تقعيد القواعد) وكشفها وتدوينها بشكل مستقل ثم بلغت مرحلة البحث عن (النظريات الفقهية) ثم انتهت الى البحث عن (النظم الفقهية) للمجتمع الاسلامي حتى اصبح كتاب (اقتصادنا) نموذجا بارعا في مجال بلورة النظرية الاقتصادية ثم بلورة النظام الاقتصادي الاسلامي والذي تجلت نتائجه في ما اسماه ب (الاسلام يقود الحياة) بعد عدة عقود حيث تضمن هذا الأخير صورة مصغرة وعامة عن نظام الحكم أو النظام السياسي في عصر الغيبة والنظام الاقتصادي ومعالم عامة عن النظام الاجتماعي الاسلامي في بحثي منابع القدرة في الدولة الاسلامية وبحث خلافة الانسان وشهادة الانبياء.

وهكذا نستطيع أن نتبين موقع الفاضل المولى احمد النراقي في تطور الحركة الفقهية لدى أقطاب المدرسة الإمامية.

من فقه المقاصد إلى فقه القواعد

إن القرآن الكريم ثم نصوص أهل البيت عليهم السلام تبعا للقرآن الكريم هي المصادر الاولى التي اهتمت بطرح وتبيان مقاصد الشريعة ، غير أن الفقه بحسب ظروف خاصة أحاطت به؛ أخذ يبتعد عن الاهتمام بمقاصد الشريعة ويركز على تفاصيل الأحكام الشرعية حتى اغفل الفقهاء في بعض المراحل من هذه الحركة الفقهية عن الاهتمام بالمقاصد التي تشكل الاطار الأول للأحكام والنظريات الفقهية ويكون اغفالها موجبا لخروج الفقه عن الطريق المعد له في الحياة .

ومن هنا حين نتتبع هذا الاهتمام بالمقاصد عند فقهاءنا نجد الشهيد الأول ممن أدلى بدلوه الكبير واهتم بهذا الحقل اهتماما رائعا كما جاء في كتابه النفيس (القواعد والفوائد) .

فالشهيد الأول ركز في قواعده بشكل عام على المقاصد الشرعية كما في القواعد رقم (4 و5 و6) حيث ربط القواعد الشرعية بالمقاصد وجعلها كلها مصاديق وطرقا لتحقيق مقاصد الشريعة التي تتلخص في جلب النفع ودفع الضرر عن الانسان في‏الآخرة والدنيا بشكل أساس ووزعها على مجالات خمسة: النفس والدين والعقل والنسب والمال.

ولعل في عبارة المقداد السيوري السابقة من أنه «يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيسا للطلبة بكيفية استخراج المنقول من المعقول» . اشارة واضحة الى هذ المنحى المقاصدي في هذه القواعد.

من هنا يمكن القول بأن الاتجاه العام في قواعد الشهيد الأول هو الاهتمام بالقواعد الفقهية على اساس الاهتمام المقاصد الشرعية، وهي حقيقة مهمة وأساسية لا يمكن اغفالها حين دراسة القواعد الفقهية من خلال النصوص الدينية التي وردت حول هذه القواعد. ويشهد لذلك قلة اعتماده للنصوص التي تكفلت بيان هذه القواعد إذا ما قسنا ذلك بما جمعه المتأخرون من النصوص حول كل من هذه القواعد.

بينما سار المحقق القمي باتجاه كيفية اقتناص القاعدة الفقهية من النصوص المأثورة فالبحث عن قاعدة نفي الضرر عند المحقق القمي (قدس سره) قد اتجه بهذا الاتجاه بكل وضوح.

وتكفي مقارنة بسيطة بين النصين: نص الشهيد الأول ونص المحقق القمي لفهم هذا الانتقال . وقد جاء بحث الفاضل النراقي لقاعدة نفي الضرر على اعتاب هذا الاتجاه الجديد، فالفاضل النراقي قد اتبع منهج المحقق القمي وطوره متجها الى فقه النصوص المأثورة وكيفية معالجتها لاقتناص قاعدة فقهية ذات مستند منصوص في روايات الفريقين.

والشهيد الأول قد ذكر بشكل عام أن القواعد تستند الى الكتاب والسنة والاجماع والعقل، وذكر منها قاعدة نفي الضرر واشار في مطاوي بحثه عن مصاديق هذه القاعدة الى آية قرآنية واحدة، ولكن القرآن الكريم حافل بآيات تكلمت عن نفي الضرر (1) ولم يشر اليها أي واحد من هؤلاء الفقهاء بدء بالشهيد وانتهاء بالنراقي والميرفتاح والشيخ الأنصاري، فهل في ذلك ما يرد الاستدلال بها، أم انه غفل عنها؟ انسياقا مع الاتجاه الاخباري في التغافل عن كتاب الله والاهتمام بنصوص الحديث فقط ؟ أم أن نصوص الكتاب ذات اجمال ونصوص الحديث ذات بيان وتبيان؟ والله أعلم بحقيقة الحال.

الفاضل النراقي بين القمي و المراغي

إن الموقع المتميز للفاضل المولى أحمد النراقي في مجال تدوين القواعد الفقهية يتجلى بوضوح حينما نقارن بحوثه مع من سبقه من كبار تلامذة الوحيد البهبهاني كالمحقق القمي وحينما نقارنها مع من عاصره كالمير فتاح الحسيني.

ويمكن ان نستشهد بما أنجزه المحقق القمي في مجال قاعدة نفي الضرر كمصداق من مصاديق هذا البحث المقارن من جهة وما انجزه الميرفتاح في نفس هذه القاعدة من جهة اخرى لتبيين موقع المولى أحمد النراقي في هذا المجال باعتباره قد سبق الميرفتاح وتأخر عن الميرزا القمي قدس الله اسرارهم جميعا.

اما المحقق القمي الذي يعد انجازه ثالث انجاز ـ حسبما اطلعنا عليه ـ في مجال قاعدة نفي الضرر بعد الشهيد الأول (. 786 ه) والفاضل التوني (. 1059 ه) بحسب مالدينا من مصادر في هذا المجال. فاننا نجده يحاول تقديم مادة فقهية مستندة ومشروحة حول القاعدة بعد أن كان الشهيد قد اكتفى بطرحها مشيرا الى مصدرها فقط، وبعد أن كان الفاضل التوني قد تعرض لفقه حديث (لا ضرر و لا ضرار) بشكل مقتضب جدا مع محاولة إقحامها في البحث الاصولي في وافيته متكلما عن دلالة الحديث بشكل مختصر جدا، فنرى المحقق القمي يقوم بشرح الحديث ويبين تعدد طرقه ومصادره وفي هذا دعم لمستند القاعدة، ثم يقارن القاعدة المستفادة منه مع الاصول العملية وسائر الأدلة الفقهية ليبين موقع هذه القاعدة في عملية الاستنباط ويجيب على الاشكالات المتصورة أو المطروحة على هذه القاعدة كما يتعرض لتطبيقات هذه القاعدة بشكل اجمالي.. كل هذا في كتابه قوانين الاصول في ذيل البحث الذي طرحه الفاضل التوني في مبحث أصالة البراءة.

فالمحقق القمي يكون قد أدخل البحث عن قاعدة نفي الضرر في مرحلة جديدة وله قصب السبق في هذا المجال.

ولكن هذا التطوير قد حظي بتطور كمي وكيفي في منهج البحث على يد الشيخ المولى أحمد النراقي (قدس سره)، واستمر هذا التطوير الذي أحدثه النراقي بشكل او بآخر بعد أن أرسى دعائمه حتى نجد أن ملامح انجاز النراقي يهيمن على كل ما كتب من بعده، بدء من تلميذه الشيخ الأنصاري وحتى يومنا هذا.

مقارنة سريعة بين منهجي النراقي و المراغي

غير أن الميرفتاح الحسيني الذي تتلمذ على يدي شيخيه العظيمين من آل كاشف الغطاء: موسى وعلي ابني الشيخ جعفر الكبير قد اختلفت معالجته للقاعده المبحوث عنها وهي قاعدة نفي الضرر.

قال الشيخ النراقي: «قاعدة في نفي الضرر والضرار. قد شاع استدلال الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية، بنفي الضرر والضرار وتحقيق المقام يستدعي رسم أبحاث: البحث الأول في نقل الاخبار الواردة في ذلك المضمار» .

بينما قال في العناوين: «عنوان من جملة الاصول المتلقاة من الشريعة «قاعدة الضرر والضرار» ، وهو من القواعد الكثيرة الدوران، العامة النفع، ويبتني عليه كثير من الفروع في الفقه إلا أن الاجمال المخل إنما هو في معناه وفي كيفية دلالته، ولهم في ذلك كلمات كثيرة، والذي ينبغي البحث في ذلك تنقيح المراد منه بحسب ما يستنبط من كلمة الأصحاب ، لأنها المعيار في أمثال الباب ، فلابد أولا من ذكر المقامات التي استندوا فيها الى قاعدة نفي الضرر حتى يتضح من مجموعها ما ينبغي أن يقال في ضبط المعنى والمراد وتحرير الاستدلال ليكون جامعا بين النص والفتوى.» فالنراقي يركز على النص بينما يركز المراغي على النص والفتوى ويبدأ النراقي بالنص بينما يبدأ المراغي بموارد الاستدلال والاعتماد على هذه القاعدة في أبواب الفقه ويقوم بعملية الاستقراء في جولة مفصلة في كل أبواب الفقه ليرى رأي الفقهاء فيها من خلال استعمالهم لها. ويعتبر تداول الفقهاء لها وموارد الاستناد اليها هي الغرض الأهم للفقيه بينما يقف النراقي عند تحليل النص الوارد في هذا المضمار ولا يعير أهمية لفهم الفقهاء او استدلالهم بها في الموارد الكثيرة التي استندوا اليها في عامة أبواب الفقه. وهذا فارق منهجي ملفت للنظر يفرز نتائج خاصة في علمية الاستنباط بشكل عام.

واما سائر النقاط التي تعرض لها النراقي بعد استعراض روايات نفي الضرر التي أنهاها الى احدى عشرة رواية فهي:

1ـ معنى الضرر والضرار لغة وموارد استعمالهما في العرف واللغة.

2ـ معنى نفي الضرر والضرار وبيان المحتملات في معنى الضرر وبيان نتائج كل احتمال.

3ـ ان نفي الضرر اصل وقاعدة ثابتة بالأخبار المستفيضة وغيرها من اصول التشريع.

4ـ معالجة حالات التعارض بين هذه القاعدة وسائر الأدلة.

5ـ مفاد نفي الضرر هو نفي الحكم لا اثبات حكم وتعيينه.

ـ ثم مناقشة ما ارتكبه كل من الفاضل التوني والمحقق القمي في هذا المجال ـ .

6ـ الملاك في تحديد الضرر المنفي.

ـ موارد تعارض نفي الضرر مع دليل آخر.

8ـ التكاليف الشاقة الضررية ظاهرا وعلاقتها بدليل نفي الضرر ومناقشة المحقق القمي في ذلك .

9ـ ما يكون جبرا للضرر، ومدى دخوله في مورد تعارض الضررين.

10ـ حكم الإذن بالضرر.

و أما منهج الميرفتاح المراغي فيتلخص فيما لي:

1ـ استقرأ موارد تعرض الفقهاء لقاعدة نفي الضرر من خلال تطبيقاتها ثم استنتج معنى عاما منها .

2ـ عرج على مستندهم لهذه القاعدة وهي الاخبار المتواترة كما أضاف اليها دليل العقل.

3ـ ثم ذكر المعنى اللغوي من مصادر اللغة.

4ـ ثم تعرض لموارد الضرر من الأعيان والمنافع والحقوق والنفس والبدن والعرض والضرر بالفعل والضرر بالقوة.

5ـ ثم بين المراد من نفي الضرر وناقش المحقق القمي في ذلك كما ناقش صاحب العوائد.

6ـ ثم بحث مدى قبول هذه القاعدة للتخصيص وناقش القمي أيضا من جهة وصاحب العوائد من جهة اخرى.

7ـ ثم ذكر انه: هل يقبل الاذن؟

8ـ وناقش صاحب العوائد في ان قاعدة الضرر لا تثبت حكما ولا تعينه.

9ـ كما ناقشه في مسألة تعارض الضررين أيضا.

10ـ وبحث أيضا تعارض قاعدة نفي الضرر مع مفاد عموم سلطة الناس على أموالهم .

وأما المحقق المدقق الشيخ الأعظم الأنصاري الذي تتلمذ على الفاضل النراقي فقد لخص رسالتي النراقي والمراغي وهذبهما وان كان قد اتبع المنهج العام لاستاذه النراقي وناقش من سبقه ولكن الفضل يعود الذين العلمين للذين تباريا في هذا المضمار وقدما للفقهاء ثمرة جهدهما العلمي من الفكر والابداع.

خاتمة المطاف:

إن ما نستخلصه بعد المقارنة هو ضرورة الاهتمام بالمنهج العلمي المتكامل الذي رسم كل واحد وكل مجموعة من الفقهاء القدامى والمحدثين بعض خطوطه العريضة، ويتلخص في مجال البحث عن القواعد الفقهية ما يلي:

1ـ استقصاء مقاصد الشريعة في الكتاب والسنة، استقصاء تاما مع تمييز المقاصد العامة.

2ـ استقصاء القواعد الفقهية وتنظيمها بشكل هرمي يجمع القواعد العامة لكل مجالات الحياة وأبواب الفقه الى جانب القواعد الخاصة بكل مجال وبكل باب فقهي.

3ـ التوجه الى كتاب الله لاستخراج هذه القواعد من النصوص مباشرة أو من خلال مصاديقها .

4ـ التوجه الى نصوص الحديث ودراستها سندا ودلالة.

5ـ مقارنة ما أفرزته نصوص الكتاب مع ما أفرزته نصوص السنة وملاحظة المقاصد التي تشكل الإطار العام لكل التشريعات لئلا نخرج في فهمنا واستنباطنا عن ذلك الاطار الذي حددته نصوص الكتاب والسنة.

6ـ الاهتمام بالمصاديق والفروع التي جاءت في الكتاب والسنه ثم الفروع التي ذكرها الفقهاء وملاحظتها ضمن الاطار العام الذي حددته نصوص الكتاب والسنة.

7ـ ان الفهم الاجتماعي للنصوص اصل لابد منه، بمعنى ضرورة رؤية هذه النصوص من زاوية ان الاسلام دين أبدي اجتماعي فهو يصلح لكل المجتمعات البشرية على مدى الاجيال ما مضى منها وما سيأتي وأنه جاء لإدارة شؤون الحياة الفردية التي تقع في اطار اجتماعي دائما بالاضافة الى أنه يحمل رسالة شاملة ودقيقة وقوانين حية لتنظيم حياة المجتمعات بل العالم الانساني أجمع. إذن لا ينبغي أن نغفل عن هذه الحقائق التي تدخل كقرائن لبية في فهم النصوص الدينية وتؤثر في كيفية استنباط الأحكام منها.

على أن للقرآن الكريم مميزاته التي تفرض علينا اتباع منهج خاص لفهم نصوصه، منهج يستند الى الاصول التي طرحها هو ككتاب جاء لهداية البشرية وتضمن منهجا خاصا لتبيان الحقائق وهداية الانسانية.

كما أن لدراسة نصوص الحديث منهج يتفق مع طبيعة هذه النصوص وكيفية وصولها الينا فلا ينبغي الغفلة عنه فانها سوف تنأى بنا عن الطريق اللاحب والواضح لفهم الشريعة كماهي ولا سيما ونحن نعيش بعد قرون طويلة من عصر صدور هذه النصوص.

هكذا ينبغي أن نرسم المنهج الصحيح لفهم نصوص الفقهاء ومدى تأثير فهمهم في فهمنا لنصوص الكتاب والسنة وأحكام الشريعة.

إن تعدد جوانب الحياة واتساع دائرة التخصصات تفرض علينا التخصص الى جانب الموسوعية والاحاطة عند دراسة النصوص ، لضرورة اجتناب المنهج التجزيئي الذي قد يؤدي الى مسخ الحقائق أو تحويرها انطلاقا من الفهم الناقص والخاطئ أو الفهم المتأثر بالأهواء والرغبات وما تفرضه المرتكزات الخاطئة والعادات.

ونسأله سبحانه أن يمن على حوزاتنا العلمية لتكون بمستوى المسؤولية الرسالية دائما وأبدا ليتسنى لها أن تقوم بحراسة أهداف الإسلام وقوانينه كما ينبغي. والسلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته.

قم المقدسة 21 ذو القعدة الحرام 1422

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم‏ 
2ـ القواعد والفوائد / محمد بن مكي العاملي الشهيد الأول‏ 
3ـ نضد القواعد الفقهية / المقداد السيوري‏ 
4ـ الوافية / الفاضل التوني‏ 
5ـ الفوائد الحائرية / الوحيد البهبهاني‏ 
6ـ القوانين المحكمة (قوانين الاصول) / الميرزا القمي‏ 
7ـ كشف الغطاء / لكاشف الغطاء الكبير 
8ـ عوائد الأيام / الفاضل المولى أحمد النراقي‏ 
9ـ العناوين / الميرفتاح المراغي‏ 
10ـ قاعدة نفي الضرر / الشيخ مرتضى الأنصاري‏ 
11ـ اقتصادنا / السيد محمد باقر الصدر 
12ـ الاسلام يقود الحياة / السيد محمد باقر الصدر 
13ـ مجلة فقه اهل البيت / دليل الباحث لدراسة تطور الفقه الإمامي‏ 
14ـ مجلة الفكر الاسلامي (قاعدة نفي الضرر تأريخا و تطورا)

الفهرس

عصر الفاضل المولى أحمد النراقي‏ 
عصر القواعد الفقهية 
الموقع المتميز للنراقي في الحركة الفقهية المتطورة 
من الشهيد الأول الى الوحيد البهبهاني‏ 
من فقه المقاصد الى فقه القواعد 
الفاضل النراقي بين القمي والمراغي‏ 
مقارنة سريعة بين منهجي النراقي و المراغي‏ 
خاتمة المطاف‏ 
المنابع

الهامش:

1) راجع الآيات : 282 و 230ـ 234 من سورة البقرة و الطلاق ، و النساء: 12 و 95 و 113 و غيرها من الآيات التي اشتملت على اشتقاقات هذه المادة.