المقصد الثاني: في اسباب التحريم

و هي امور: النسب و الرضاع، فهاهنا فصول:

الفصل الاول: في النسب

و يحرم به كل قريب عدا اولاد العمومة و الخؤولة، و تفصيله اصول كل احد و فصوله و فصول اول اصوله و اول فصل من كل اصل آخر.

فالاول: الآباء و الامهات و ان علوا.

و الثاني: البنون و البنات و ان سفلوا.

و الثالث: الاخوة و الاخوات و ان نزلوا.

و الرابع: الاعمام و العمات و الاخوال و الخالات له او لاحد اصوله، لا مطلق اعمام العمومة و اخوال الخؤولة.

و تحريم هؤلاء مجمع عليه بين الامة، بل عليه الضرورة الدينية، و مصرح به في الجملة في الكتاب (1) و السنة (2) .

و هاهنا مسالتان:

المسالة الاولى:

تحريم النكاح بالنسب انما يثبت‏به مطلقا..

سواء كان نسبا شرعيا، و هو اتصال النسب بالوط‏ء الصحيح الشرعي من نكاح او تحليل او ملك او وط‏ء شبهة، و لو عرضه التحريم بحيض او صيام او احرام او نحوها ما لم يخرج به عن اصل الحلية.

و المراد بوط‏ء الشبهة: الوط‏ء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، فيدخل فيه وط‏ء المجنون و النائم و شبههما، و لو اختصت الشبهة باحد الطرفين اختص به الولد، و وط‏ء المنكوحة التي لم يعلم بكونها منكوحة يثبت النسب و ان اثم في الوط‏ء.

او نسبا غير شرعي، و هو اتصاله بالزنى.

اجماعا قطعيا - بل ضرورة دينية - في الاول.

و اجماعا محكيا - حكاه الشيخ في الخلاف و الفاضل في التذكرة و المحقق الثاني في شرح القواعد و الهندي فيه ايضا (3) ، و في الكفاية:

لا اعرف فيه خلافا بين الاصحاب (4) ، و في المفاتيح (5) : نسبه الى ظاهر اصحابنا - في الثاني.

كل ذلك - بعد الاجماع فيما ثبت فيه الاجماع - لصدق النسبة عرفا و لغة، و اصالة عدم النقل فتشمله الآية، و يتعدى الى غير من ذكر فيها - ان لم يشمل الجميع - بالاجماع المركب.

و لا يضر عدم ثبوت سائر احكام النسب بالنسب الحاصل من الزنى - كالتوارث، و اباحة النظر، و الانعتاق، و ارتفاع القصاص، و تحريم حليلة الابن، و الجمع بين الاختين، و نحوها - لانه انما هو بدليل خارجي دال على تعلقها بالنسبة الشرعية خاصة.

و منه يظهر ما في كلام بعض المتاخرين من ان المعتبر في تحقق النسبة ان كان هو الصدق العرفي و اللغوي للزم ثبوت سائر الاحكام النسبية المذكورة، لدخوله بسبب الصدق المعتبر تحت العمومات المفيدة لذلك.

و ان كان هو الصدق الشرعي خاصة للزم انتفاء جميع الاحكام المترتبة على النسبة، فتخصيص الحكم بتحريم النكاح مما لا وجه له، سوى ادعاء بعضهم الاجماع عليه، و هو كما ترى (6) .انتهى.

فانا نجيب: بان المعتبر هو الاول، بل لا حقيقة شرعية للنسبة، و اما انتفاء الاحكام الاخر فانما هو بدليل آخر من اجماع و غيره مذكورة في مظانها.

نعم، لو ثبتت الحقيقة الشرعية في النسب او الفاظ النسبة من الام و الاب و غيرهما لكان اللازم الاقتصار على النسب الحاصل من الوط‏ء الصحيح، و يلزمه عدم ثبوت تحريم النكاح ايضا، لعدم دليل تام آخر عليه سوى الاجماع، و محكيه غير حجة، و محققه غير ثابت، لاستشكال جمع من المتاخرين (7) .

و اما ما ذكره الحلي - بعد ان نقل قول الشيخ بتحريم النسب الحاصلة من الزنى، مستدلا بانه اذا زنى بامراة حرمت عليه بنتها و هذه بنتها، و بعموم قوله تعالى «حرمت عليكم امهاتكم و بناتكم‏» (8) و هي بنته لغة، و رده بان عرف الشرع طار على اللغة - ان وجه التحريم: ان البنت المذكورة كافرة، لان ولد الزنى كافر، و الزاني اذا كان مؤمنا لا يجوز له نكاح الكافرة، فمن هذا الوجه تحرم، لا من الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ (9) .

فضعيف جدا، لمنع كفر ولد الزنى.

ثم على ما ذكرنا يثبت تحريم النكاح بالنسب من الزنى ايضا في جميع الانسباء المذكورين، و ان كان كلام الاكثر مخصوصا بتحريم البنت الحاصلة من الزنى و الابن الحاصل منه، و لكن الظاهر ان مرادهم التعميم، و لذا زاد بعضهم بعد ذكر البنت قيد: مثلا.

المسالة الثانية:

لو اجتمع سببان شرعيان، كالمطلقة التي وطئها غير المطلق بالشبهة او النكاح بعد العدة، فاتت‏بولد، يثبت النسب لمن امكن في حقه دون غيره.

فان اتت‏به لاقل من ستة اشهر من حين الطلاق فهو للاول، و كذا لو اتت‏به لاقل منها من وط‏ء الثاني، و لاقصى الحمل فما دون من الطلاق.

و ان اتت‏به لزيادة من اقصى مدة الحمل من الطلاق، و لستة اشهر فما زاد الى اقصى الحمل من وط‏ء الثاني فهو للثاني.

و ان اتت‏به لاقل من ستة اشهر من وط‏ء الثاني و لاكثر من اقصى الحمل من وط‏ء الاول فهو منتف عنهما.

و الوجه في الكل ظاهر، و في الاخبار الآتية دلالة على بعضها.

و مع الامكان فيهما - كما لو اتت‏به فيما بين الحدين للاول و الثاني، بان كانت الولادة لستة اشهر من وط‏ء الثاني و لاقل من اقصى مدة الحمل من وط‏ء الاول - فعن المبسوط (10) : الرجوع الى القرعة، مشعرا بالاجماع عليه، لان القرعة لكل امر مجهول و هذا منه.

و لصحيحة ابن عمار: «اذا وطئ رجلان او ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا، اقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده‏» (11) ، و قريبة منها اخبار اخر (12) .

و ذهب جماعة - منهم: المحقق و الفاضل في القواعد (13) ، بل الاكثر كما في الكفاية (14) و غيره (15) - الى انه للثاني، لاصالة التاخر، و رجحانه بالفراش الثابت، و للمستفيضة من الاخبار من الصحاح و غيرها:

كصحيحة الحلبي: «اذا كان للرجل منكم الجارية يطاها فيعتقها فاعتدت و نكحت، فان وضعت لخمسة اشهر فانه من مولاها الذي اعتقها، و ان وضعت‏بعد ما تزوجت لستة اشهر فانه لزوجها الاخير» (16) .

و رواية زرارة الصحيحة، عن ابن محبوب - الذي اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - : عن الرجل اذا طلق امراته ثم نكحت و قد اعتدت و وضعت لخمسة اشهر: «فهو للاول، و ان كان ولدا ينقص من ستة فلامه و لابيه الاول، و ان ولدت لستة اشهر فهو للاخير» (17) .

و مرسلة جميل: في المراة تزوج في عدتها، قال: «يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا، فان جاءت بولد لستة اشهر او اكثر فهو للاخير، و ان جاءت بولد لاقل من ستة اشهر فهو للاول‏» (18) .

و هذا هو الاظهر، لما ذكر.

و اما اخبار القرعة فهي اعم مطلقا من تلك الاخبار، لشمولها لما يعلم تقدم بعض او لا يعلم.

تعليقات:

1) النساء: 23.

2) الوسائل 20: 361 ابواب ما يحرم بالنسب ب 1، 2، 3، 4، 5.

3) الخلاف 4: 305، 310، التذكرة 2: 632، جامع المقاصد 12: 190، الهندي في كشف اللثام 2: 26.

4) الكفاية: 158.

5) المفاتيح 2: 234.

6) انظر المسالك 1: 463.

7) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 12: 191، الشهيد الثاني في المسالك 1: 463.

8) النساء: 23.

9) السرائر 2: 526.

10) المبسوط 5: 290.

11) الفقيه 3: 52 - 176، الوسائل 27: 261 ابواب كيفية الحكم ب 13 ح 14.

12) الوسائل 27: 257 ابواب كيفية الحكم ب 13.

13) المحقق في الشرائع 2: 281، القواعد 2: 9.

14) الكفاية: 158.

15) كالمسالك 1: 464.

16) الكافي 5: 491 - 1، الوسائل 21: 173 ابواب نكاح العبيد و الاماء ب 58 ح 1.

17) التهذيب 8: 167 - 581، الوسائل 21: 383 ابواب احكام الاولاد ب 17 ح 11.

18) الفقيه 3: 301 - 1441، التهذيب 8: 168 - 584، الوسائل 21: 383 ابواب احكام الاولاد ب 17 ح 13.