بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

كتاب الصيد و الذباحة

و فيه مقدمة و ابواب:

المقدمة

اما المقدمة ففي بيان اصول ثلاثة نذكرها في ثلاث مسائل، و نعقبها بفائدة.

المسالة الاولى:

الاصل في كل حيوان ماكول اللحم: حرمة اكله ما لم يذك تذكية شرعية، للاجماع المحقق، و لانه اما خرج روحه، او لا..

و الاول: ميتة، لانها اما مطلق ما خرج روحه او مقابل المذكى، و كل ميتة حرام، كما مر في كتاب المطاعم.

و الثاني: لا يمكن اكله الا بقطع جزئه، و قد مر في الكتاب المذكور حرمة الاجزاء المبانة عن الحي.

نعم، ما يمكن بلعه حيا - كالسمكة الصغيرة - لا يجري فيه ذلك الدليل، و في حرمته ايضا خلاف كما ياتي.

و يدل على ذلك الاصل ايضا قوله سبحانه: «و لا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه و انه لفسق‏» (1) .

و موثقة سماعة: عن صيد البزاة و الصقور و الطير الذي يصيد، فقال:

«ليس هذا في القرآن الا ان تدركه حيا فتذكيه و ان قتل فلا تاكل حتى تذكيه‏» (2) .

و في موثقته الاخرى في صيد الفهد المعلم: «ان ادركته حيا فذكه و كله‏» (3) .

دل قوله: «الا ان تدركه حيا فتذكيه‏» على عدم كفاية درك الحياة في الحلية مطلقا ما لم يذك و ان قتل.و قوله: «فلا تاكل حتى تذكيه‏» صريح في المطلوب.

و خبر المرادي: عن الصقور و البزاة و عن صيدها، قال: «كل ما لم يقتلن اذا ادركت ذكاته‏» (4) .

و صحيحة الحذاء: ما تقول في البازي و الصقر و العقاب؟ فقال: «ان ادركت ذكاته فكل، و ان لم تدرك ذكاته فلا تاكل‏» (5) ، الى غير ذلك.

المسالة الثانية:

التذكية امر شرعي يتوقف ثبوتها - و كون فعل تذكية موجبة للحلية - على دليل شرعي، فكل عمل شك في انه هل هو تذكية ام لا، يحكم بالعدم حتى يثبت.

و الحاصل: ان الاصل في كل عمل عدم كونه تذكية شرعية، و هذا احد معنيي اصالة عدم التذكية.

و الدليل عليه - بعد الاجماع المعلوم قطعا - استصحاب الحرمة الثابتة للمحل حتى يعلم المزيل، و لا يعلم الا اذا علم كونه تذكية بالدليل، و لكن الله جل اسمه قال: «و ما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم الله عليه و قد فصل لكم ما حرم عليكم‏» (6) يعني: من حيوان ذكر اسم الله عليه، و هو في قوة قوله: كلوا كلما ذكر اسم الله عليه..و علم من الخارج ايضا انه يجب ان يكون الذكر عند ازهاق روحه بمدخلية فيه من المكلف، و لازمه كون ذلك تذكية شرعية.

و لا يتوهم انه لما علم لزوم كون خروج روحه بمدخلية من المكلف، و علم انها ايضا مدخلية خاصة، فيحصل في تخصيص ما ذكر اسم الله عليه اجمال.

لانه قد علم بعض خصوصيات المدخلية بالادلة، كمعلومات شرائط الصيد و الذبح، و الاصل عدم الزائد.

و قد علم بذلك ان الاصل في كل عمل و ان كان عدم كونه موجبا للحلية و عدم كونه تذكية شرعية، الا ان الاصل الثانوي الطارى‏ء عليه كون ذكر اسم الله عليه حين ازهاق روحه - مع نوع مدخلية للمكلف فيه - سببا للحلية و تذكية شرعية، فهذا اصل ثابت من كلام الله سبحانه.

لا يقال: انه قال سبحانه: «و قد فصل لكم ما حرم عليكم‏» و مما فصل: الميتة الشاملة لكل ما خرج روحه.

قلنا: شمول الميتة لكل ما خرج روحه ممنوع، كما مر في بحث المطاعم في المسالة الاولى من الفصل الاول من الباب الثاني (7) .

سلمنا، و لكن المراد مما ذكر اسم الله عليه: عند خروج روحه اجماعا، فهو اخص مطلقا من الميتة، فيجب تخصيصها به.

هذا، و قد روى سماعة في الموثق: سالته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: «اذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و اما الميتة فلا» (8) .

و مقتضاها ايضا كون الرمي مع التسمية في الوحوش ذكاة، لتجويز الانتفاع، و مقابلتها بالميتة.

و يمكن ان تكون التذكية هي مجرد التسمية، و ذكر الرمي لتوقف قتل الصيد عليه.

و تدل عليه ايضا رواية عباد بن صهيب: عن رجل سمى و رمى صيدا فاخطا و اصاب آخر، فقال: «ياكل منه‏» (9) (10) .

المسالة الثالثة:

الاصل عدم وقوع التذكية الثابتة كونها تذكية، فلا يحكم بها الا مع العلم بها، و هذا المعنى الآخر لاصالة عدم التذكية.

و الدليل عليه: انها موقوفة على امور وجودية حادثة بعد عدمها، و الاصل عدم تحقق كل منها، و به تعلم الحرمة، فلا تجري فيه عمومات الحلية، و لا يجدي التعارض، لان الاول - و هو عدم التذكية الثابت‏بالاصل - مزيل للحلية و لا عكس، فان الحلية ليست مزيلة للاعدام الثابتة لكل فعل من افعال التذكية، كما يعلم تحقيقه مما ذكرنا في بيان الاستصحاب المزيل و غير المزيل.

و تدل على ذلك الاصل ايضا اخبار معتبرة مستفيضة.

كصحيحة سليمان: عن الرمية يجدها صاحبها اياكلها؟ قال: «ان كان يعلم ان رميته هي التي قتلته فلياكل‏» (11) .

و صحيحة حريز: عن الرمية يجدها صاحبها في الغد اياكل منه؟

فقال: «ان علم ان رميته هي التي قتلته فلياكل من ذلك ان كان قد سمى‏» (12) .

و موثقة سماعة، و فيها: «ان علم انه اصابه و ان سهمه هو الذي قتله فلياكل منه، و الا فلا ياكل منه‏» (13) .

و تدل عليه ايضا الاخبار الآتية المصرحة بانه: اذا وجد الكلب الغير المعلم مع المعلم عند الصيد لا يؤكل منه (14) .

اعلم انه قد مر في كتاب الطهارة: ان الميتة من كل حيوان له نفس نجس، و في كتاب المطاعم ايضا: ان الميتة من كل حيوان - و لو كان مما يؤكل لحمه - حرام، و الميتة في المقامين مقابل المذكى شرعا، و لكون التذكية امرا شرعيا توقيفيا فلا بد من معرفتها و معرفة احكامها من الشرع.

و مما ذكرنا و ان ثبت كون مطلق ذكر اسم الله عليه تذكية، الا انه قد ثبتت من الشرع لذلك الاطلاق تقييدات في الاسم و الذاكر و حال الذكر و بعض خصوصيات اخر لا بد من معرفة جميعها، فعقد ذلك الكتاب انما هو لمعرفة خصوصيات التذكية الشرعية و ما يتعلق بها.

و لما كانت الخصوصيات المنضمة مع ذكر الله - المعبر عن مجموعها بالتذكية - تحصل في ضمن احد الامور الستة: الصيد، و الذبح، و النحر، و التبعية كما في ذكاة الجنين، و الاخراج من الماء، و القبض باليد، و كان الثالث‏شبيها بالذبح، و الرابع تابعا لاحد الاولين، لم يذكروهما في عقد عنوان الكتاب و ادرجوهما في الاولين، كما ادرجوا الاخيرين في الصيد و عنونوا الكتاب بكتاب الصيد و الذباحة، و لو كانوا عنونوه بكتاب التذكية لكان احسن و اولى.

(هذا على ما هو الظاهر من جعل المذكى مقابل الميتة مطلقا، و قد يخص المذكى بالمذبوح ايضا) (15) .

و اعلم ايضا ان الصيد يطلق على معنيين.

احدهما: اثبات اليد على الحيوان الوحشي بالاصالة و ان كان حيا..

و تقييد الحيوان هنا بالمحلل - كما في المسالك و الكفاية (16) - لا وجه له.

و ثانيهما: ازهاق روحه على الوجه المعتبر شرعا من غير ذبح او نحر، بل بآلة الصيد المعتبرة شرعا.

و المقصود الاصلي ذكره في ذلك الكتاب: الصيد بالمعنى الثاني، و اما المعنى الاول فيناسب ذكره في كتاب المكاسب كما فعله في المفاتيح (17) ، لان الكلام فيه انما هو من حيث التملك و عدمه، و اما تذكيته فانما هي تكون بالذبح، و لكن منهم من يذكره هنا تبعا للصيد بالمعنى الثاني (18) .

و قد علم بذلك ان المقصود من عقد هذا الكتاب بيان التذكية الشرعية بالمعنى الاعم و ما يتعلق بها، و لانها اما بالصيد، او الذبح الشامل للنحر ايضا، او التبعية، او الاخذ حيا، نبين احكامها في اربعة ابواب:

الباب الاول في الصيد

و المراد الصيد بالمعنى الثاني، اي ازهاق روح الحيوان الوحشي من غير ذبح، بل بمجرد الاصطياد، الذي هو احد افراد التذكية.

و اما الصيد بمعنى ادراك المصيد حيا ثم ذبحه فهو و ان كان اصطيادا عرفا ايضا الا انه الصيد بالمعنى الاول مع التذكية الذبحية، فهو مركب من الصيد بالمعنى الاول و الذبح، و الكلام فيه من جهة الصيد انما هو من حيث التملك دون التذكية، و اما من حيث التذكية فبعينها احكام الذبيحة.

ثم الكلام في هذا الباب اما في آلة الصيد - اي فيما تحصل التذكية للحيوان مع ازهاق روحه به من دون ذبح - او في المصيد - اي ما يقبل الاصطياد بهذا المعنى من الحيوانات - او في الصائد، او في شرائط الصيد، او في احكامه، فها هنا خمسة فصول:

تعليقات:

1) الانعام: 121.

2) التهذيب 9: 31 - 124، الاستبصار 4: 71 - 260، الوسائل 23: 353 ابواب الصيد ب 9 ح 14.

3) التهذيب 9: 27 - 110، الاستبصار 4: 69 - 251، الوسائل 23: 344 ابواب الصيد ب 6 ح 3.

4) الكافي 6: 208 - 10، التهذيب 9: 33 - 131، الاستبصار 4: 73 - 267، الوسائل 23: 350 ابواب الصيد ب 9 ح 4.

5) الكافي 6: 208 - 7، التهذيب 9: 32 - 128، الاستبصار 4: 72 - 264، الوسائل 23: 352 ابواب الصيد ب 9 ح 11.

6) الانعام: 119.

7) في ص: 59.

8) التهذيب 9: 79 - 339، الوسائل 24: 185 ابواب الاطعمة المحرمة ب 34 ح 4.

9) الكافي 6: 215 - 1، التهذيب 9: 38 - 160، الوسائل 23: 380 ابواب الصيد ب 27 ح 1.

10) ما بين القوسين ليس في «ح‏» .

11) الكافي 6: 210 - 7، الوسائل 23: 365 ابواب الصيد ب 18 ح 1.

12) الكافي 6: 210 - 3، الفقيه 3: 202 - 917، التهذيب 9: 34 - 135، الوسائل‏23: 365 ابواب الصيد ب 18 ح 2.

13) الكافي 6: 210 - 4، التهذيب 9: 34 - 136، الوسائل 23: 366 ابواب الصيد ب 18 ح 3.

14) الوسائل 23: 342 ابواب الصيد ب 5.

15) ما بين القوسين ساقط عن «ق‏» و «س‏» .

16) المسالك 2: 217، الكفاية: 244.

17) المفاتيح 3: 35.

18) كصاحب الرياض 2: 264.