الاقوى اختصاص التحريم بالغليان مطلقا - الناري و غيره - بالعصير العنبي، فلا يحرم الزبيبي او التمري بالغليان مطلقا، وفاقا للفاضلين و الشهيدين و فخر المحققين و السيوري و الصيمري (47) و اكثر المتاخرين (48) .
و كتب السيد (50) ، حيث لم يتعرضوا لبيان تحريم العصير مطلقا.
بل هو الاشهر، كما صرح به جماعة، كالاردبيلي و السبزواري و الصيمري (51) .
و هو ظاهر المسالك (52) ، لنسبته الخلاف في الزبيبي الى بعض علمائنا، و لم ينقل في التمري خلافا اصلا، و لذا نسب اليه و الى الدروس القول بعدم وجود الخلاف في التمري (53) .
و ربما كان ذلك ايضا ظاهرا من اللمعتين (54) ، حيث لم يشيرا الى الحكم في التمري مطلقا، مع تصريحهما بانه لا يحرم العصير من الزبيب على الاقوى.
بل حكي عن بعض الفضلاء التصريح بعدم الخلاف فيه (55) ، بل عن الشهيد الثاني في شرح الرسالة الاجماع على عدم الحاق التمري.
دليلنا: اصل الاباحة، و استصحاب الحل، و العمومات الكتابية و السنية الدالة على حلية الاشياء السليمة عن المعارض و المخصص - الا ما يستدل به للتحريم، و هو غير دال كما ياتي - و ما قيل من تداول تناول الدبس الزبيبي في الاعصار و الامصار بحيث انعقد الاجماع عليه، مع انه لا يكاد يتحقق التثليث في العصير الزبيبي الا بانعقاده و احتراقه و خروجه عن الدبسية و تغير طعمه الى المرارة، و لا يفيد في ذلك ازدياد الماء و تليين النار اذ الماء يحترق..الا ان فيه: انه مبني على عدم حصول الحلية بصيرورته دبسا قبل ذهاب الثلثين و قد عرفت ان الاقوى حصولها.
هذا، مع ما صرح به في رواية الهاشمي و موثقتي الساباطي الآتية بامكان التثليث مع كون الماء ضعف الزبيب او متساويا له.
و تدل على المطلوب في التمري ايضا رواية محمد بن الحسن[و علي ابن محمد بن]بندار جميعا، عن ابراهيم بن اسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن محمد بن جعفر، عن ابيه، و هي طويلة، و فيها: فقالوا: يا رسول الله، ان القوم بعثوا بنا اليك يسالونك عن النبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله:
«و ما النبيذ؟ صفوه لي» فقالوا: يؤخذ من التمر فينبذ في اناء، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلي و يوقد تحته حتى ينطبخ، فاذا انطبخ اخذوه فالقوه في اناء آخر، ثم صبوا عليه ماء، ثم يمرس، ثم صفوه بثوب، ثم يلقى في اناء، ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله، ثم يهدر و يغلي، ثم يسكن على عكرة، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «يا هذا، قد اكثرت، افيسكر؟ » قال: نعم، قال:
«فكل مسكر حرام» الحديث (56) .
وجه الدلالة واضح جدا، فانه لو كان الهدر و الغلي كافيين في التحريم لم يسال عن الاسكار و عدمه لذكرهما في الكلام، بل اهل العرف كلا يفهم من هذا الكلام عدم التحريم بدون الاسكار.
و تؤيد المطلوب ايضا النصوص الواردة في علة تحريم العصير، فانها ظاهرة في ان العلة انما هي شركة ابليس في شجرة الكرم و ثمرته بالثلثين، و انه اذا ذهب نصيبه منها حل الباقي (57) ، و لا ريب ان الزبيب قد ذهب ثلثاه و زيادة بالشمس.
و ما قيل (58) من ان ذهاب الثلثين بالشمس انما يفيد اذا كان قد غلى حتى يحرم ثم يحل بعد ذلك بذهاب الثلثين، و الغليان بالشمس غير معلوم، بل قد يجف الزبيب بغير الشمس ايضا و لا غليان فيه البتة، فلا وجه لتحريمه حتى يحتاج الى التحليل بذهاب الثلثين.
فياتي ما يرده في مطاوي ادلة المحرمين، و ملخصه: انه مبني على دلالة تلك النصوص او غيرها على اعتبار كون ذهاب الثلثين بعد الغليان و حصول التحريم، و انه لو ذهبا قبله لا يعبا به..و هي ممنوعة، اذ لا اثر له فيها، بل ظاهرها اعتبار ذهاب الثلثين مطلقا، بعد الغلي كان ام لا.
و يؤيد المطلوب ايضا بعض الروايات الاخر، كرواية مولى حر بن يزيد الآتية في الدليل الثاني من ادلة المحرمين، فان ترك الاستفصال فيها عن انواع الاشربة و طريق صنعتها يقتضي ثبوت الحلية لكل نوع منه و ان غلى و لم يذهب ثلثاه، خرج العنبي فيبقى الباقي.
و رواية اسحاق بن عمار الآتية في الدليل التاسع منها، فان المستفاد من قوله عليه السلام فيها: «اليس هو حلوا؟ » (59) كون العلة في اباحة الشراب المسؤول عنه كونه حلوا غير متغير بما يوجب الاسكار، فيطرد فيما كان كذلك و ان لم يذهب منه الثلثان، لحجية العلة المنصوصة.
و كصحيحة ابي بصير: قال: كان ابو عبد الله عليه السلام يعجبه الزبيبة (60) .
و روى الراوندي في الخرائج و الجرائح عن صفوان امر ابي عبد الله باطعام امراة غضارة مملوة زبيبا مطبوخا (61) .
و ظاهر ان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب و لا ثلثا ماء طبخ فيه الزبيب و اكتسب منه الحلاوة.
و احتمال كون الزبيبة ما فيه قليل زبيب مخلوط مع اشياء اخر - يستهلك الزبيب و ماؤه فيها - فاسد، كما يستفاد من حديث الراوندي.
و تؤيده بل تدل عليه ايضا المستفيضة الكثيرة الدالة على دوران الحكم في النبيذ - حرمة و حلا - مدار السكر و عدمه، كما تاتي جملة منها، و لو كان مجرد الغليان يوجب التحريم و ان لم يبلغ حد الاسكار لجرى له ذكر او اشارة و لو في بعضها، سيما مع ورودها في مقام الحاجة.
و توهم ان بمجرد الغليان يحصل منه السكران ففاسد، يشهد بفساده العيان.
و لو سلم فيخرج عن المفروض، لانه انما هو فيما لم يسكر.
و توهم حصول الاسكار الخفي او مبادئه ايضا كذلك، لمنعه.
و لو سلم فغير مفيد، لان الاسكار المعلق عليه الحكم في الاخبار هو الظاهر منه، لانه الاسكار العرفي الذي يجب حمل اللفظ عليه.
احتج للقول بالتحريم بادلة بعضها يعم التمري و الزبيبي، و بعضها يختص باحدهما:
فمنها: استصحاب الحالة التي كانت للعنب بعد الزبيبية و للباقي من مائه فيه.
و الجواب: ان الموضوع قد تغير، لانه العنب و عصير العنب، او العصير الذي يختص بمعتصر العنب كما ياتي، و قد تغير و ذهب فلا يمكن ان يستصحب.
و اما بعض المناقشات - الذي ذكره بعض سادة مشايخنا المحققين في ذلك المقام، في رسالته المعمولة لهذا المرام - فهو بطوله ناشىء عن عدم التحقيق في معنى عدم تغير الموضوع، كما يظهر لمن نظر اليه، و الى ما ذكرناه في معناه في كتابي مناهج الاحكام و عوائد الايام (62) .
و منها: العمومات المتقدمة الدالة على تحريم العصير عموما او اطلاقا بالغليان، و العصير هو الماء المستخرج من الشيء عنبا كان او غيره، اصليا كان المستخرج ام عارضيا، ابتدائيا كان الاستخراج ام مسبوقا بعمل، كالنقع و غيره.
و الجواب عنه: بمنع عموم العصير لغة بحيثيشمل المفروض اولا.
و بمنع امكان حمله على ما يعمه في تلك الاخبار ثانيا.
اما الاول: فليس لاجل ما قيل من ان المتبادر من العصير حيثيطلق المتخذ من العنب دون العام (63) .
او ان العصير استعمل في اللغة و العرف و الاخبار في الخاص، و الاصل في الاستعمال الحقيقة (64) .
او ان اطلاق العصير حقيقة على الخاص ثابت و على غيره مشكوك فيه، فينفى بالاصل (65) .
او ان العصير انما يتحقق في العنب، لان العصير انما يطلق على الماخوذ من الاجسام التي فيها مائية لاستخراج الماء منها، كالعنب و الرمان، و اما التمر و الزبيب و السماق - و نحوها من الاجسام الصلبة التي فيها حلاوة او حموضة و يراد استخراج حلاوتها او حموضتها - فالمتحقق فيها هو النبيذ و النقيع، او المرس، او الغلي (66) .
[لرد الاول: بمنع التبادر] (67) .نعم، لو قيل بعدم تبادر التمري و الزبيبي لكان صحيحا، [و لكنه غير مفيد] (68) .
و اما تسليم المخالف تبادر العنبي و رده بتجويز كونه اطلاقيا فلا يكون علامة للحقيقة - كما وقع لبعضهم - فيرد عليه ان ذلك و ان اخدش في اثبات كونه حقيقة في العنبي و لكنه يخدش في عمومه الذي عليه بناء الاستدلال ايضا فيبطل.
و القول - بانه اذا تعارض الاحتمالان يرجع الى الاصل، الذي هو بقاء العموم - انما يصح لو كان مراد الراد: اثبات الحقيقة الطارئة بالتبادر، و لكن له ان يمنع اصالة العموم و اراد الحقيقة الاولية.
و دعوى ان مقتضى الوضع الاشتقاقي العموم - فلو ثبتحقيقة في الخصوص لكانت طارئة - ياتي جوابها.
كما ان تسليم الموافق لنا اطلاقية التبادر الحاصل بسبب الشيوع و جعله كافيا في اثبات المطلوب لان المطلق يحمل على الافراد الشائعة دون الخفية النادرة، يرد عليه: ان الحمل على الشائع انما يكون اذا كان غيره نادرا خفيا، و هو في المقام غير ثابت، فان انصراف المطلق يستدعي الظهور الذي يقابل الندرة، دون الاظهرية و الاشهرية، مع ان من اخبار المقام ما يشتمل على لفظ العموم الاستغراقي، و حمل مثله على الشائع ممنوع.
و رد الثاني: بمنع استعمال العصير في الخاص اولا و ان دلت القرائن على ارادته في بعض المواضع، فان ارادة الخاص لا تستلزم استعمال اللفظ فيه بعينه، لجواز فهم الخصوصية من الخارج دون اللفظ.
و منع كون الاصل في الاستعمال الحقيقة مطلقا، ثانيا، و انما هو اذا اتحد المستعمل فيه، و المورد ليس كذلك، لاستعماله في الاعم في اللغة و العرف و الاخبار ايضا، و على هذا فللخصم قلب الدليل و اثبات الحقيقة في الاعم بالاستعمال فيه.
و رد الثالث: بانه ان اريد بثبوت اطلاق العصير على الخاص حقيقة اطلاقه عليه لكونه موضوعا له بالخصوص فهو اول النزاع، و ان اريد ثبوت اطلاقه عليه حقيقة و لو لوضعه للمعنى العام فهو غير مفيد.
و رد الرابع: بان النبيذ و النقيع و ان تحققا في التمر و الزبيب و لكن يحصل العصير بعدهما ايضا، و لاجل ذلك يطلق على عصيرهما النقيع و النبيذ.
و الحاصل: انه ان اريد اختصاص العصير بالعنب فنمنع، و ان اريد تحقق النبيذ و النقيع في التمر و الزبيب فنسلم، و لكن لا يلزمه انتفاء العصير فيهما، الا ان يخص العصير بما لم يتوقف على نبذ و نفع، و حينئذ يكون الكلام متوجها كما ياتي.
بل لان لفظ العصير: فعيل، و هو اما بمعنى الفاعل، فهو بمعنى العاصر، او بمعنى المفعول، و هو الشيء الذي وقع عليه العصر دون ما خرج من العصر، و انما يسمى ذلك عصارا و عصارة.
صرح بذلك في القاموس، قال: و عصر العنب و نحوه يعصره فهو معصور و عصير، و اعتصره استخرج ما فيه، و عصره ولي ذلك بنفسه، و اعتصره عصر له و قد انعصر و تعصر، و عصارته و عصاره ما يحلب منه (69) . انتهى.
صرح بان العصير هو نفس العنب و ان ماءه عصارة و عصار، و على هذا فاطلاق العصير على الماء المستخرج لا يكون مقتضى وضعه الاشتقاقي حتى يستدعي عموما، بل هو معنى مجازي له، فيمكن ان يكون ذلك المعنى المجازي هو خصوص ماء العنب، او هو و نحوه مما لا يحتاج الى ضم ماء خارجي، فلا يعلم العموم.
سلمنا كون لفظ العصير حقيقة في الماء المستخرج، كما هو ظاهر كلام صاحب المصباح المنير، حيث قال: عصرت العنب و نحوه عصرا - من باب ضرب - استخرجت ماءه فانعصر، و اعتصرته كذلك، و اسم ذلك الماء العصير: فعيل، بمعنى: مفعول، و العصارة بالضم ما سيل عن العصر (70) . انتهى.
و لكنه حقيقة طارئة، اذ حقيقة الاشتقاقية هو ما وقع عليه العصر - اي الجسم الذي استخرج ماؤه - كما صرح به في القاموس، و تلك الحقيقة الطارئة يمكن ان تكون ما لا يصدق على مثل ما يستخرج من التمر و الزبيب، بل يختص بما كان ماء نفسه، و لذا لا يقال لما يخرج من الثوب و نحوه بعد العصر: عصير، و كذا ما يخرج من اليد الرطبة بعد عصرها.
و لا عموم في كلام المصباح، لانه قال: العنب و نحوه، فيمكن ان يكون مراده ب: نحوه: ما كان الماء من نفسه، بل هو الظاهر من قوله:
استخرجت ماءه، حيث اضاف الماء الى الضمير الراجع الى نفس الشيء، و لم يقل: الماء الذي فيه.
و يؤكد ذلك عدم وقوع تصريح في كلام لغوي باستعمال العصير في غير ما كان الماء المستخرج من نفسه، و انما استعملوه في ما كان الماء من نفسه، كالعنب و الرطب و النخيل و الاعناب، او نحو العنب و غير ذلك.
و على هذا، فلا دلالة لتقييد بعض اللغويين و غيرهم العصير بالعنب على استعماله في التمري و الزبيبي ايضا.
نعم، يدل على استعماله على غير ماء العنب ايضا كماء الرطب و الحصرم و الرمان، و لكنه غير مفيد.
و الحاصل: ان مقتضى الوضع الاشتقاقي و المطابق لحقيقته الاصلية كون العصير هو ما وقع عليه العصر، كنفس العنب و الثوب و غيرهما، دون ما خرج من العصر، فيكون استعماله في الخارج كلا او بعضا اما مجازا - كما هو ظاهر القاموس، و حينئذ فيتكثر المجاز و يتسع باب الاحتمال - او حقيقة طارئة، كما هو ظاهر المصباح، و لا يعلم ان حقيقته الطارئة هل هي الماء الذاتي المستخرج، او مطلقا فيبطل معه ايضا الاستدلال.
فان قلت: قول صاحب المصباح: فعيل بمعنى مفعول، يدل على انه وضعه الاشتقاقي، فيكون عاما لكل ما يصدق فيه مبدا اشتقاقه.
قلنا: مع انه لا حجية في قوله فقط انه لو كان حجة لكان في تعيين المعاني، و اما في غير ذلك فلا، و كون ذلك فعيلا بمعنى المفعول مما نعلم انتفاءه، فان المعصور - الذي هو المفعول - هو ما وقع عليه العصر، و ليس هو الا نفس العنب و نحوه دون ما استخرج منه، و اما ارادة المستخرج من شيء آخر فهو حقيقة ليس مفعولا يكون الفعيل بمعناه، فانه ليس مفعولا للعصر اصلا.
سلمنا، و لكن يحتمل ان يكون اطلاق العصير على الماء من باب الفعيل بمعنى المفعول اذا كان ذلك الماء ايضا جزءا من حقيقة المسمى بالاسم حتى يصدق عليه المفعول من تلك الجهة، دون ما اذا ضم الماء مع شيء آخر و ادخل فيه، كما في الثوب و نحوه.
و مما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض سادة مشايخنا المحققين، حيث قال: عموم لفظ العصير باعتبار وضعه اللغوي الاصلي امر بين يجب القطع به، فان العصير فعيل من العصر، فهو كغيره من المشتقات موضوع بالوضع النوعي للذات المبهمة المتصفة بالمبدا على وجه مخصوص، و من المعلوم ان ليس للفظ العصير من بين المشتقات في اصل اللغة وضع يخصصه ببعض الذوات كالعنب، فاذن العصير - بمقتضى وضعه الاصلي - عام صادق على كل شيء معصور مطلقا، عنبا كان او تمرا او زبيبا او غير ذلك. انتهى.
فانا نقول: انا نسلم عمومه باعتبار وضعه الاصلي، و مقتضاه صدق العصير على كل ما وقع عليه العصر من عنب و تمر و زبيب و ثوب و لبد و لحاف و غيرها، و اما صدقه على الماء المستخرج مطلقا فباي وضع؟
نوعي او شخصي او اشتقاقي؟ و دلالته عليه ليس بالوضع الاصلي الاشتقاقي، و انما هو امر طار عارضي، يجب الفحص عن معروضه عموما و خصوصا، و ليس في كلام اهل اللغة و نحوهم من الادباء تصريحا او استعمالا مطلقا ما يدل على التعميم، و انما هو محض استعمال في كلام الفقهاء لبيان المسالة، و لو كان ذلك مقتضى الوضع الاشتقاقي للزم صحة استعماله في الماء المستخرج من عصر الثوب و اللبد و اليد و الشعر، فيقال: عصير الثوب و اليد و الشعر الى غير ذلك، و بطلانه ظاهر جدا.
بل في كلام المصباح اشارة الى انه ليس وضعا اشتقاقيا، حيث قال: و اسم ذلك الماء العصير، ثم قال: و العصارة ما سيل من العصر.
فانه لا يقال للضارب: انه اسم ذلك الشخص، و لذا فرق بين العصير و العصارة، فالاول ليس مقتضى الوضع الوصفي الاشتقاقي، و انما هو علمي عارضي، و هذا ظاهر جدا.
و تؤكد بعض ما ذكرنا صحيحة البجلي: «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المزر من الشعير، و النبيذ من التمر» (71) .
فانها دالة على اختصاص العصير بماء العنب و عصارته ان جعلنا العصير بيانا للخمسة، يعني: ان الخمر يحصل من خمسة اشياء: من العصير و هو من الكرم، و من النقيع الذي هو من الزبيب، الى آخره.او اختصاصه بالخمر العنبية ان جعلناه بيانا لاقسام الخمر.
و اما الثاني: فلان العصير في تلك الاخبار لو كان عاما لزم تخصيص الاكثر، بل الا الاندر، و هو هذه الثلاثة، و خروج سائر افراده التي لا تحصى من الكثرة، و ذلك غير جائز على التحقيق، فيكون العصير اما مخصوصا بالوضع، او مستعملا في بعض الافراد تجوزا لا من باب تخصيص العام، و على التقديرين لا تكون ارادة الزائد عن العنبي عنه معلومة.
و اورد عليه بوجهين:
الوجه الاول: منع عدم جواز تخصيص الاكثر، لوقوعه في الكتاب العزيز، قال سبحانه: «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين» (72) .
مع قوله تعالى: «و لاغوينهم اجمعين#الا عبادك منهم المخلصين» (73) .
فان المخلصين لو كانوا اقل كان الغاوون اكثر و قد استثنوا من الاولى، و ان كانوا اكثر فقد استثنوا من الثانية، و يلزم استثناء الاكثر.
و لان المقتضي له موجود و المانع مفقود.
اما الاول: فللوضع لما يصح منه الاخراج تجوزا، و وجود علاقة مصححة، هي علاقة العموم و الخصوص، دون المشابهة المنتفية في المقام.
و اما الثاني: فاذ ليس الا قبح مثل قول القائل: اكلت كل رمانة في البستان، و فيه آلاف و لم ياكل الا واحدة او ثلاثة.و: كل من جاءك فاكرمه، ثم قال: اردت زيدا او هو مع عمرو.و ذلك القبح ليس كليا حتى يكون مستندا الى اشتراط الواضع بقاء الاكثر من العام، بل لامر عارض يزول اذا روعيت فيه الجهات المحسنة و الاعتبارات اللائقة و تصرف المتكلم فيه تصرفا يخرجه عن الضعة و الابتذال، بل قد يلتحق به الكلام بالبليغ الذي يتنافس به الاعلام، و ذلك كما في: علي واحد و واحد و واحد الى عشرة، فانه يستقبح مع كونه موافقا للغة، و اذا كانت هناك نكتة يرتفع القبح كما في بنتسبع و اربع و ثلاث، و كما ان التكرار مما تستقبحه الطباع، و قد يستحسن بمراعاة بعض النكات كما في سورتي: الرحمن و المرسلات، و كتوجه الخطاب الموضوع للموجود او الحاضر او ذوي العقول الى المعدوم او الغائب او غير ذوي العقول او عكس ذلك بملاحظة بعض اللطائف و الاحوال، و بهذا الاعتبار يحسن استعمال ادوات العموم في قليل من افراد العام، كان ينظر في المثالين المتقدمين الى ان ما عدا المراد بمنزلة المعدوم لنوع امتياز للمراد من بين الافراد فكانه لا فرد لذلك العام سوى المراد..
او الى انه لما اكل احسن الرمانات و اراد افضل الجائين فكانه اكل الكل و اكرم الجميع، فيطلق لفظ العموم نظرا الى ما وقع عليه الفعل من القليل بمنزلة الكثير، كقوله: زيد كل الرجل، يريد بذلك معادلته للجماعة..او الى ان القليل الماكول مثلا لما كان قدر كفايته فكانه اكل الكل، فيقصد المبالغة دون الحقيقة، و بمثل تلك الاعتبارات يزول القبح الثابت له قبل ذلك.
و من ذلك يعلم ان القبح لم يكن مستندا الى مخالفة اللغة او الخروج عن قوانين العربية، و الا لاستمر مع اللفظ و لم يكن يزول ابدا و ان روعيت فيه انواع اللطائف او اختلفت الاحوال و المقامات.
و فيه اولا: ان الاستثناء في الآية الاولى منقطع، لان من اتبعه من الغاوين ليس داخلا في العباد، لان العبد من اقر بالعبودية و تلبس بآداب العبادة، قال الله سبحانه: «فادخلي في عبادي#و ادخلي جنتي» (74) ، فلا تخصيص فيها.و المخرج في الآية الثانية قليل بالنسبة الى الباقين.
و ثانيا: انه لا يعلم ان من اتبع الشيطان من الغاوين - الذي عليه سلطانه - يكون اكثر من غيره من العباد او مساويا له، لانهم بين تابع لله و مستضعف من الدين لم تقرع اسماعهم شريعة او لم يعلموا غير طريقتهم طريقة حقة، و بين تابع للشيطان.
و بتقرير آخر: بين ذوي النفوس المطمئنة و ذوي النفوس اللوامة و ذوي النفوس الامارة و المستضعفين الخالين عن النفوس الثلاث الذين هم اكثر الناس، و من سلط عليه الشيطان هو الثالث، و من اين علم انه اكثر العباد او مساو لغيره؟ ! و من احاط بعباد الله سبحانه من بدو خلقهم الى انقراضهم في شرق الدنيا و غربها و برها و بحرها؟ !
و اما الآية الثانية فمعناها: اني اكون بصدد اغواء الجميع الا العباد المخلصين الذين هم الانبياء و اوصياؤهم - كما ورد في الاخبار - فاني لستبصدد اغوائهم.. و لا يريد اني اغوي غير المخلصين، اذ ليس جميع غيرهم غاويا من جانب الشيطان، فان منهم المؤمنين الابرار، و المتوسطين التابعين للشريعة التائبين بعد المعصية، و المستضعفين، و اما المخلصون فهم الذين جزاؤهم فوق اعمالهم و يصفون الله سبحانه بما يليق بجلاله..
قال الله سبحانه: «و ما تجزون الا ما كنتم تعملون#الا عباد الله المخلصين» (75) .
و قال: «سبحان الله عما يصفون#الا عباد الله المخلصين» (76) .
فليس كل غير المخلصين غاويا من اغواء الشيطان، فاراد: اني اكون بصدد اغواء غير المخلصين.
و على هذا، فلا يفيد ضم الآية الثانية مع الاولى لاثبات مطلوبه، لانا نقول: ان كلا ممن اتبع الشيطان و له عليه السلطان و من المخلصين اقل افراد العباد، و لا ضير، اذ ليس كل من اراد اغواءه ممن اتبعه.
و ثالثا: انا لا نسلم وجود المقتضي، اذ هو - كما اعترف به - العلاقة المصححة، و هي هنا غير موجودة.
قوله: و هي العموم و الخصوص.
قلنا: نعم، و لكن لا كل خصوص، اذ لم تثبت لنا صلاحية كل خصوصية حتى الاكثر للعلاقة، كيف؟ ! و قد منعه اكثر المحققين و لم يدل عليه شاهد من الواضع، و العلاقات ايضا امور توقيفية يجب ثبوتها من الواضع، و هذا هو سبب القبح الذي يلاحظ في العرف و ادعاه المحققون، و هو امر مستمر لا ينفك ابدا، و ليس القبح لاجل امر خارجي يزول بزواله و يعد من الموانع.
و اما ما ذكره - من زوال قبحه احيانا بمراعاة بعض النكات و اللطائف - فهو خطا محض و اشتباه بين يقضى منه العجب سيما من هذا الجليل الشان الذي ذكره، فان الاستعمالات التي ذكرها مراعيا فيها النكات و اللطائف ليس من باب التخصيص و لا علاقة العموم و الخصوص، و انما هو تجوز آخر و علاقة اخرى..و لذا لا يرتفع القبح لو صرح بالتخصيص، فيقول: اكرم كل من جاء دارك الا غير زيد العالم، او: و لا تكرم غير زيد العالم، او:
اكلت كل رمانة الا غير الرمانة الفلانية الحسنة..و لذا لو علم السامع بذلك، و لكن لم يعلم خصوص مراده عددا، لا يحمله على غير ما علم عدم ارادته، كما هو شان التخصيص.
و لو تنزلنا عن الحكم - البات بكون ذلك تجوزا آخر - فلا اقل من احتماله المسقط للاستدلال، لثبوت التوقيف و ارتفاع القبح عن التخصيص.
و رابعا: انا سلمنا ان القبح يرتفع بمراعاة اللطائف و النكات، فما اللطيفة التي رفعته في تلك الاخبار و النكتة التي ازالته فيها؟ !
فان قلت: النكتة هو شيوع هذه الثلاثة و تعارفها و تداولها.
قلنا: مع ان كفاية مجرد ذلك لرفع القبح غير معلوم، انه ان اريد الشيوع وجودا - اي ان هذه العصيرات الثلاثة اكثر وجودا من غيرها - فهو ممنوع جدا، كيف؟ ! مع ان عصارة الزيت و سائر الحبوبات التي يستضاء بعصارتها و عصير الحصرم و الرمان و الاترج و الليمون و غير ذلك ليس باقل من عصارة الزبيب قطعا.
و ان اريد شيوع اغلائها و اكثرية غليانها فكذلك ايضا، فان تحقق الغليان في العصارات التي يستضاء بها و في ماء الحصرم و الرمان و الاترج و السماق و الاجاص في الطبائخ و الربوب ليس اقل وقوعا من تحقق الغليان في عصارة الزبيب و التمر اصلا، و قد وقع السؤال في الاخبار العديدة عن رب الرمان و التفاح و السفرجل و التوت و غيرها (77) .
و ان اريد شيوع جعله دبسا فلا مدخلية له في ذلك، كما ان لشيوع بعض الحالات الاخر لبعض العصارات الاخرى لا مدخلية له في ذلك ايضا.
الوجه الثاني: عدم اقتضاء امتناع تخصيص الاكثر ارادة العصير العنبي من اللفظ و لا وضعه له، لجواز ارادة الثلاثة بتوجه الخطاب الى الافراد دون الانواع، فان افراد هذه الثلاثة اكثر من افراد غيرها.
و فيه: منع اكثرية افراد هذه الانواع الثلاثة جدا و لو سلمت اكثرية مقدارها، مع انها ايضا ممنوعة، مضافا الى ان الارجاع الى الافراد خلاف الظاهر.
قيل: سلمنا وضعه للخاص او استعماله تجوزا فيه، و لكن الخاص الموضوع له او المستعمل فيه لا يجب ان يكون خصوص ماء العنب، بل الظاهر انه ما يتخذ منه الدبس، لقربه من المعنى الاصلي و مطابقته لما يقتضيه ظاهر كلام الفقهاء، حيثيطلقون العصير على العصارات الثلاث دون غيرها.
قلنا: الظهور ممنوع لا وجه له، بل و ليس مطلق الماء المستخرج معناه الاصلي كما عرفت، حتى تكون الثلاثة اقرب اليه من الواحدة، و اطلاق بعض الفقهاء لا يجدي نفعا، و نحن لا نقول، : ان العصير حقيقة في العنبي خاصة وضعا اوليا او ثانويا، و لا انه مستعمل فيه كذلك، بل نقول: انا نعلم انه موضوع او مستعمل في معنى يصدق على العنبي قطعا، و لا نعلم غيره.
و مما ذكرنا يظهر دفع بعض ما قيل في ذلك المقام من ان اختصاصه بالعنبي يحتاج الى هجر غيره و هو غير معلوم، او الى ارتجال و عدمه معلوم، و انه لو سلم احدهما فاصالة تاخر الحادث تقتضي تاخره عن صدور الروايات، و نحو ذلك مما لا يصلح للركون اليه بعد ما ذكرنا، و ان صلح بعضها لتايد بعض المطالب لو تم اصلها و مبناها.
و منها: ما دل على حرمة كل شراب لم يذهب ثلثاه، كصحيحة علي:
عن الرجل يصلي الى القبلة لا يوثق به اتى بشراب زعم انه على الثلث فيحل شربه؟ قال: «لا يصدق الا ان يكون مسلما عارفا» (78) ، و روى مثله في قرب الاسناد (79) .
و موثقة الساباطي: عن الرجل ياتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، فقال: «ان كان مسلما ورعا مامونا فلا باس ان يشرب» (80) .
و الجواب عنه - مضافا الى ما مر من ايجابه تخصيص الاكثر لو جعل من باب العموم و الخصوص - ان الاولى غير دالة على عدم جواز التصديق، لمكان الجملة الخبرية.
و لو سلم فغايته عدم التصديق في الطبخ على الثلث، و هو لا يستلزم التحريم، اذ لعله للحكم بالكراهة - كما حكي عن جماعة - فلا يجوز الحكم بالاباحة بالمعنى الخاص.
و هما معارضتان مع الاخبار الكثيرة الدالة على اعتبار قول ذي اليد، و ائتمان الصانع في عمله، و جواز الاخذ من سوق المسلمين، و عدم وجوب التفتيش و السؤال (81) ، و نفي الحرج في الدين (82) ، بل لاجماع المسلمين، حيثياخذون الدبس في الاسواق خلفا و سلفا، مع ان صناعه غالبا ليسوا ورعين مامونين، و لا يتفحصون عن حال الصانع.
و اما ما حكي عن جماعة من اصحابنا - من عدم جواز اخذ العصير من المتهم باستحلاله قبل التثليث - فهو مخصوص بالمتهم بالاستحلال لا مطلقا، كما هو مورد الروايتين، و سائر الاخبار الواردة في الباب ايضا مخصوص بالمستحل، فالروايتان مطروحتان من هذه الجهة.
و كذا تعارضان بمثل رواية مولى حر بن يزيد: اني اصنع الاشربة من العسل و غيره و انهم يكلفونني صنعتها فاصنعها لهم، فقال: «اصنعها و ادفعها اليهم و هي حلال من قبل ان يصير مسكرا» (83) .
هذا كله مع ان السؤال و الجواب في الروايتين مسوقان لحكم قبول قول مثل ذلك الشخص و عدمه، دون حكم اشتراط ذهاب الثلثين و عدمه، و مثل ذلك لا يفيد في اطلاق حكم الشراب عند جمع من المحققين.
و ايضا انا نعلم قطعا ان علي بن جعفر و عمار الساباطي كانا يعلمان ان الشراب على قسمين: قسم تتوقف حليته على ذهاب الثلثين، و قسم لا تتوقف، فسؤالهما انما هو عن القسم الاول قطعا، يعني: ان الشراب الذي تتوقف حليته على ذهاب الثلثين هل يكفي قول ذي اليد فيه، ام لا؟ فلا عموم في الروايتين.
و منها: عموم مفهوم قوله: «ما طبخ على الثلث فهو حلال» في رواية عقبة بن خالد: في رجل اخذ عشرة ارطال من عصير العنب فصب عليه عشرين رطلا من ماء، ثم طبخها حتى ذهب منه و بقي عشرة ارطال، ايصلح شرب ذلك ام لا؟ فقال: «ما طبخ على الثلث فهو حلال» (84) .
و جوابه: ما مر من لزوم تخصيص الاكثر، بل هنا اشد، لعدم اختصاصه بالشراب و العصير.
هذا، مضافا الى منع العموم في المنطوق، لظهوره في عصير العنب الذي هو مورد السؤال، و منع حجية ذلك المفهوم، الذي هو مفهوم الوصف.
و منها: الاخبار الواردة في بيان ما يحل من النقيع و النبيذ و ما يحرم منهما، و ان الذي يحل هو ما ينقع غدوة و يشرب عشية او بالعكس.
كصحيحة الجمال: اصف لك النبيذ، فقال عليه السلام لي: «بل انا اصفه لك، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: كل مسكر حرام، و ما اسكر كثيره فقليله حرام»
فقلت: هذه نبيذ السقاية بفناء الكعبة، فقال عليه السلام لي: «ليس هكذا كانت السقاية، انما السقاية زمزم، افتدري من اول من غيرها؟ » قال: قلت: لا، قال: «العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، افتدري ما الحبلة؟ » قلت:
لا، قال: «الكرم، كان ينقع الزبيب غدوة و يشربونه بالعشي و ينقعه بالعشي و يشربونه من الغد، يريد ان يكسر غلظ الماء عن الناس، و ان هؤلاء قد تعدوا فلا تشربه و لا تقربه» (85) .
و حسنة حنان: ما تقول في النبيذ؟ فان ابا مريم يشربه و يزعم انك امرته بشربه فقال: «صدق ابو مريم، سالني عن النبيذ فاخبرته انه حلال و لم يسالني عن المسكر» الى ان قال: هذا النبيذ الذي اذنت لابي مريم اي شيء هو؟ فقال: «اما ابي عليه السلام فانه كان يامر الخادم فيجيء بقدح و يجعل فيه زبيبا و يغسله غسلا نقيا ثم يجعله في اناء ثم يصب عليه ثلاثة مثله او اربعة ماء ثم يجعله بالليل و يشربه بالنهار و يجعله بالغداة و يشربه بالعشي، و كان يامر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة ايام لئلا يغتلم، فان كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ» (86) .
و رواية ايوب بن راشد: عن النبيذ، فقال: «لا باس به» فقال: انه يوضع فيه العكر، فقال عليه السلام: «بئس الشراب، و لكن انبذوه غدوة و اشربوه بالعشي» قال: فقال: جعلت فداك هذا يفسد بطوننا، قال: فقال ابو عبد الله عليه السلام:
«افسد لبطنك ان تشرب ما لا يحل لك» (87) .
دلت تلك الروايات على ان الذي يحل من النقيع و الزبيب هو ما ينقع عشية و يشرب غدوة او بالعكس، و ان ما عدا ذلك حرام، و ظاهر ان مضي هذه المدة لا يقتضي تحريما، فهو اما لكونه مظنة للنشيش و الغليان، او لحصول الاسكار، و بمجرد هذا المكث لا يحصل اسكار بين، فوجب كونه للنشيش، فانه كثيرا ما يحصل معه ذلك في البلاد الحارة.
و الجواب عنه:
اولا: ان غاية ما تدل عليه تلك الاخبار ان ما ينقع غدوة و يشرب عشية او بالعكس فهو حلال، و ان ما عدا ذلك حرام مطلقا، فلا تدل عليه بوجه..
فان الاولى تدل على ان ما تعدوا فيه هؤلاء فهو حرام، و اما ان تعديهم في اي شيء و باي قدر فلا.قال في الوافي: ان الجبابرة تعدوا و غيروه باكثار الزبيب و التمر فيه، و اطالة مدة النقع، حتى صار نبيذا مسكرا (88) .
فيمكن ان يكون تعديهم الى حد الاسكار.
و اما ما ذكره بعض مشايخنا في رسالته المعمولة في هذه المسالة، من انه لا يمكن ان يكون ذلك التعدي بالغا حد الاسكار، اذ من المستبعد جدا - بل المستحيل عادة - تظاهر الناس بشراب النبيذ المسكر في زمن الصحابة و التابعين في المسجد الحرام بفناء الكعبة مع فتاوى الفقهاء و احاديث الرسول صلى الله عليه و آله على الحظر، و ان ما يسكر كثيره فقليله حرام.
ففيه - مع انه لم يكن في زمن الصحابة بل و لا التابعين الا ما شذ منهم و ندر، و مع انهم قد تظاهروا على امور كثيرة هي اشد مما ذكر و اشنع و افضح - : انه يظهر من اخبارنا انهم كانوا متظاهرين بشرب النبيذ المسكر، ففي رواية عمرو بن مروان: ان هؤلاء ربما حضرت معهم العشاء فيجيئون بالنبيذ بعد ذلك فان انا لم اشربه خفت ان يقولوا: فلاني، فكيف اصنع؟
قال: «اكسره بالماء» قلت: فاذا انا كسرته بالماء اشربه؟ قال: «لا» (89) .
و لعل معنى جزئه الاخير: اني اذا كسرته اشربه مطلقا و لو من غير ضرورة ايضا.و ظاهر ان المراد بكسره: كسر شدته و اسكاره، كما صرح به في اخبار اخر، كرواية عمر بن حنظلة (90) ، و رواية كليب الآتية.
و يظهر من قوله: خفت ان يقولوا: فلاني، ان فتاوى فقهائهم ايضا كانت على الحلية.
بل يظهر من اخبارنا ان من اصحابنا ايضا من كان يزعم حلية النبيذ المسكر اذا انكسر سكره بالماء، فيمكن ان يكون المتظاهر عليه في المسجد النبيذ المنكسر، ففي رواية كليب: كانوا ابو بصير و اصحابه يشربون النبيذ يكسرونه بالماء، حدثتبذلك ابا عبد الله عليه السلام، فقال لي:
«و كيف صار الماء يحلل المسكر؟ ! مرهم لا يشربوا منه قليلا و لا كثيرا»
قلت: انهم يذكرون ان الرضا من آل محمد صلى الله عليه و آله يحله لهم،
قال: «و كيف كان يحلون آل محمد المسكر؟ ! » الحديث (91) .
و يظهر من بعض اخبارنا الاخر انهم كانوا يقولون بحلية قليل ما يسكر كثيره، فلعلهم كانوا متظاهرين بشرب القدر الذي لا يسكر، كما ورد في رواية يزيد بن خليفة، المتضمنة لحكاية دعوة جماعة كل جمعة و شربهم النبيذ مصليا على محمد و آل محمد، حتى بلغ ذلك ابا عبد الله عليه السلام و نهاهم لاجل ان ما يسكر كثيره فقليله حرام (92) .
و في صحيحة البجلي: انما سالتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي حتى يسكر، فقال ابو عبد الله عليه السلام: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: كل مسكر حرام» فقال الرجل: اصلحك الله، فان من عندنا بالعراق يقولون: ان رسول الله صلى الله عليه و آله انما عنى بذلك القدح الذي يسكر، فقال ابو عبد الله عليه السلام: «ان ما اسكر كثيره فقليله حرام» (93) .
و في رواية مسعدة، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «كان عند ابي قوم فاختلفوا في النبيذ، فقال بعضهم: القدح الذي يسكر فهو حرام، و قال قوم: قليل ما اسكر و كثيره حرام» الحديث (94) .
و اما الثانية، فغاية ما تدل عليه ان ابا جعفر عليه السلام كان يشرب نقيع الليل بالنهار و بالعكس، و لا دلالة لها على انحصار الحلال في ذلك، بل في العدول عن الجواب عما اذن فيه الى بيان فعل ابيه عليهما السلام دلالة واضحة على عدم الانحصار، فانه لو كان يقول: ان الماذون فيه هو ذلك، ربما كان يوهم الانحصار.
و اما قوله: «فان كنتم تريدون النبيذ» فلا يفيد الحصر، بل مثل ذلك الكلام متداول في العرف في مقام التنبيه على فساد النية، فان من يريد ابتياع فرس و يرد ما يعرض عليه فيؤتى له بفرس حسن، و يقال: ان كنت تريد الفرس الحسن فهذا الفرس الحسن، و ان كنت تريد امرا آخر فانت و شانك، و لا دلالة لذلك على انحصار الفرس الحسن، و مقصود الامام: انه ان كنت تريد النبيذ الذي نحن نشربه او ينفع بعد الطعام فهذا هو، و ان كنت تريد امرا آخر من نشاط و اطراب او متابعة الناس في انبذتهم فهو امر آخر.
و اما الثالثة، فغاية ما تدل عليه: ان في الانبذة ما لا يحل شربه، و ظاهرها ان ما يوضع فيه العكر، و سياتي انه مسكر، فلا يفيد.
و ثانيا: انا لو سلمنا النهي عن غير ما ذكر و لكنه لا يعلم كونه لاجل الغليان، فلعله كان لاجل الاسكار، بل هو الظاهر من صدر صحيحة الجمال و حسنة حنان، و اظهر منه قوله في حسنة اخرى لحنان - بعد قوله: و يزعم انك امرته بشربه - فقال: «معاذ الله ان اكون آمر بشرب مسكر» (95) .
قول المستدل: مضي تلك المدة لا يوجب اسكارا.
قلنا: ان اراد انه على سبيل الاطلاق لا يستلزم الاسكار فهو مسلم، و لكن الغليان ايضا كذلك، فان مجرد مضي تلك المدة لا يوجب الغليان، سيما في الخريف و الشتاء، سيما في البلاد الغير الحارة، سيما اذا كان الماء كثيرا و ما نبذه فيه قليلا، كما ذكر في حسنة حنان (96) : ان الماء اربعة امثال الزبيب.
بل في رواية الكلبي النسابة اكثر من ذلك بكثير، و هي: عن النبيذ، فقال: «حلال» قلت: انا ننبذه فنطرح فيه العكر و ما سوى ذلك، فقال:
«شه شه تلك الخمرة المنتنة» قلت: جعلت فداك فاي نبيذ تعني؟ فقال:
«ان اهل المدينة شكوا الى النبي صلى الله عليه و آله تغير الماء و فساد طبائعهم فامرهم ان ينبذوا، فكان الرجل منهم يامر خادمه ان ينبذ له، فيعمد الى كف من تمر، فيلقيه في الشن، فمنه شربه و منه طهوره» فقلت: و كم كان عدد التمرات التي كانت تلقى؟ قال: «ما يحمل الكف» قلت: واحدة و اثنتين؟ فقال:
«ربما كانت واحدة و ربما كانت اثنتين» فقلت: و كم كان يسع الشن ماء؟
قال: «ما بين الاربعين الى الثلاثين الى ما فوق ذلك» فقلت: باي الارطال؟
فقال: «ارطال بمكيال العراق» (97) .
و ان اراد انه يمكن حصول الغليان بمضيها، فلا شك ان مجرد الامكان او الحصول في بعض الاحيان لا يوجب التحريم المطلق، مع ان الاسكار ايضا كذلك، فانه ربما يحصل بذلك الاسكار سيما في الهواء الحار و الاكثار في الزبيب او التمر.
و الظاهر ان التخصيص بما نقع او نبذ غدوة و عشيا لاجل انه مع فتح باب الانباذ و النقيع مطلقا يؤدي الى ما يحصل معه المحرم من الغليان او الاسكار بتكثير المنقوع و المنبوذ و تطويل المدة، فلذا خص ذلك بالذكر، و لا يعلم انه مظنة التعدي حتى يحصل الغليان، بل لعله مظنة التعدي حتى يحصل الاسكار.
بل يظهر من بعض العامة استلزام ذلك الغليان للاسكار، فانه روى مسلم في صحيحه عن عائشة: انا كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه و آله غدوة فيشربه عشيا، و ننبذه عشيا فيشربه غدوة (98) .
و روى فيه ايضا عن ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه و آله كان ينقع له الزبيب، فيشربه اليوم و الغد و بعد الغد الى مساء الثالثة، ثم يامر به فيسقى او يهراق (99) .
قال ابن حجر بعد ذكر الروايتين: الشراب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا، و اما القضية التي ذكرها ابن عباس فقد ينتهي الى الشدة و الغليان، لكن يحمل ما ورد من امر الخدم بشربه على انه لم يبلغ ذلك و لكن قرب منه، لانه لو بلغ ذلك لاسكر، و لو اسكر لحرم تناوله مطلقا، و قد تمسك بهذا الحديث من قال بجواز شرب قليل ما اسكر كثيره (100) .انتهى.
و اما جعل سبب النهي عن شرب ما مضت عنه ازيد من تلك المدة الاسكار الخفي الغير البين، و جعل كاشفه الغليان، فهو مما لا يصلح الاصغاء اليه في الاحكام الشرعية.
و منها: الاخبار المتضمنة لحرمة النبيذ الذي يتحقق فيه الغليان مطلقا.
كمرسلة ابي البلاد: كنت عند ابي جعفر فقلت: يا جارية، اسقيني ماء، فقال لها: «اسقيه من نبيذي» فجائتني بنبيذ مريس (101) في قدح من صفر، قال: فقلت: ان اهل الكوفة لا يرضون بهذا، قال: «فما نبيذهم؟»
قلت: يجعلون فيه القعوة، قال: «ما القعوة؟ » قلت: اللاذي (102) ،
قال: «فما اللاذي؟»
فقلت: ثفل التمر يضرى به في الاناء حتى يهدر النبيذ و يغلي ثم يسكن فيشرب، فقال: «هذا حرام» (103) .
و خبر ابراهيم بن ابي البلاد، و فيه: فقال: «و ما نبيذهم؟ » قال: قلت:
يؤخذ التمر فينقى و تلقى عليه القعوة،
قال: «و ما القعوة؟»
قلت: اللاذي (104) ، قال: «و ما اللاذي؟ » قلت: حب يؤتى به من البصرة فيلقى في هذا النبيذ حتى يغلي و يسكن ثم يشرب، فقال: «هذا حرام» (105) .
و الجواب عنه: ان النسخ في الحديثين مختلفة، ففي طائفة منها: «و يسكر» بدل: «يسكن» فيخرج عن محل النزاع، و مع الاختلاف لا يبقى الاعتماد على النسخة الاخرى، مع ان في بعض الاخبار تصريحا بكون ذلك مسكرا، كرواية عبد الله بن حماد المتقدمة في ادلة الحل (106) ، و كصحيحة البجلي: عن النبيذ، فقال: «حلال» فقال: اصلحك الله انما سالت عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي حتى يسكن، فقال ابو عبد الله عليه السلام: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: كل مسكر حرام» (107) .
و منها: الروايات الدالة على ان ما يحصل من الكرم سواء كان عنبا او زبيبا ثلثاه لابليس - لعنه الله - لمنازعته مع آدم و نوح على نبينا و عليهما السلام، و ان ذلك علة تحريم الثلثين و تحريم الخمر.
، و روايات سعيد بن يسار (109) و ابي الربيع (110) و خالد ابن نافع (111) و ابراهيم (112) المروية جميعا في الكافي، و روايات محمد بن مسلم (113) و وهب بن منبه (114) و ابي الربيع (115) المروية في العلل، و رواية سعيد ابن يسار المروية في تفسير العياشي (116) .
وجه الاستدلال: ان المذكور في تلك الاخبار هو الحبلة و الكرم و ما في معناهما، و المراد منها: ما يحصل منها دون نفس الشجرة، كما يقتضيه تثليث الحاصل، و لا ريب ان الحاصل يعم الزبيب ايضا.
و الجواب عنه: ان الثلثين اللذين هما نصيب الشيطان قد ذهبا في الزبيب بالجفاف فلا يبقى بعده.
و القول - بان ذهاب الثلثين المعتبر في حاصل الكرم انما هو بعد حصول الغليان المحرم - فقد مر جوابه في طي ادلة الحلية.
و الحاصل: انه ان اريد ان ذهاب ثلثي الشيطان يعتبر فيه ذلك فلا دليل عليه و لا تصريح به في تلك الاخبار، بل[مطلقا] (117) .
نعم، في رواية وهب بن منبه: «فما كان فوق الثلث من طبخها فلابليس و هو حظه» و لكن الضمير في: «طبخها» لحبلة العنب او لعصيرها، فانهما المذكوران في الكلام، و ظاهر انه ليس المراد طبخ الحبلة و لا عصير الحبلة، بل طبخ عنبها او طبخ عصير عنبها، فلا يشمل الزبيب..
و جعل المقدر طبخ حاصلها او عصير حاصلها لا دليل عليه، مع ان العصير المطلق ايضا لا يعلم صدقه على المستخرج من الزبيب كما عرفت.
و منه يظهر حال ما تضمن لفظ العصير من تلك الاخبار، كصحيحة زرارة.
و الحاصل: ان تلك الاخبار بين اربعة اقسام:
قسم يصرح بذهاب الثلثين بنار روح القدس، و عدم فائدته للمخالف ظاهر.
و قسم يدل على ان الثلثين مطلقا نصيب الشيطان، و عدم دلالته على حال الزبيب - لكونه انقص من الثلث - ايضا واضح.
و قسم يدل على حرمة عصير الحبلة (او عصير عنب الحبلة) (118) بعد الطبخ قبل ذهاب الثلثين.
و قسم يدل على حرمة مطلق العصير كذلك.
و حالهما ايضا قد ظهر.
و قد عرفت استدلال بعض المحللين على الحلية بتلك الاخبار كما مر.
و منها: الرضوي المتقدم في مسالة العصير العنبي، الدال على انه اذا اصابت النار الكرم - اي حاصله - لا يحل شربه حتى يذهب ثلثاه (119) .
و الجواب عنه - مضافا الى عدم حجيته - انه اذا لم يمكن ارادة نفس الكرم من ضمير اصابته فمن اين علم ارادة مطلق حاصله؟ ! بل لعله عنبه، مع انه يظهر من بعضهم ان الكرم هو نفس العنب (120) ، و هو الظاهر من صحيحة البجلي المتضمنة لخمسة اقسام الخمر (121) .
و منها: رواية علي: عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث، ثم يرفع و يشرب منه السنة؟ قال: «لا باس به» (122) .
قد ذكرها بعض مشايخنا في طي ادلته، و لا ارى لدلالتها وجها، فانها اما لتقييد السؤال بالطبخ على الثلثين، او لاجل نفي الباس في الجواب عن ذلك المقيد فيثبت الباس فيما عداه بالمفهوم، و ضعف الوجهين في غاية الظهور..
اما الاول، فلانه لا يتعين ان يكون تقييد السائل لاعتقاده الحرمة بدونه و انه لرفع الحرمة الحاصلة بالغليان، فلعله لاجل حفظه في السنة ليصلح للمكث في تلك المدة و لا يتسارع اليه الاسكار المستند الى المائية المغيرة، بل الظاهر انه لذلك و ان السؤال باعتبار الشرب منه في السنة.
و لو كان لاجل رفع الحرمة الحاصلة بالغليان لما احتاج الى سؤال، اذ من يعلم ان العصير الزبيبي بالغليان يحرم حتى يذهب ثلثاه فيحل فمن اي شيء يسال؟ ! سيما مثل علي بن جعفر، الذي هو بمكان رفيع من فقه الاحكام، و لو كان سمع الحرمة بالغليان و لم يسمع الحل بذهاب الثلثين فمن اين قيده بذلك؟ ! بل كان عليه ان يسال عن كيفية حله، و ايضا لو كان لذلك لما ذكر شرب السنة.
و التخصيص بذهاب الثلثين في عدم التغير في السنة - مع انه يحصل ذلك المطلوب بذهاب الاقل من الثلثين و الاكثر - فلعله لوقوع الطبخ على الثلثين لاجل كراهته قبل ذلك.
و اتصال هذه الرواية في قرب الاسناد (123) بما مر في صدر الدليل الثاني من ادلة المحرمين و كونه سؤالا عن الحلية لا يدل على ان ذلك ايضا كذلك، لان ذلك الاتصال انما هو من الحميري دون علي، و لو كان منه ايضا لا يفيده، لانه مسالة اخرى.
و القول بان مثل علي بن جعفر العارف بالاحكام لو لم يعلم ان هذا شرط في الحلية لم يقيده في سؤاله.
فيه: انه لو علم ذلك و علم حصوله فمن اي شيء سؤاله؟ ! سلمنا ان تقييد السائل انما هو لذلك، و لكنه لا حجية في اعتقاده، و تقرير الامام له لا يفيد، اذ لا دليل على حجية التقرير على مثل تلك الاعتقادات، كما بينا في الاصول.
و اما الثاني، فظاهر جدا، لان ارجاع الضمير الى المسؤول عنه المقيد لا يدل بوجه على التقييد في الجواب اصلا، و قد وقع مثل ذلك السؤال و الجواب بعينه في ماء السفرجل الذي لا يحرم بالغليان قطعا في رواية خليلان بن هشام، فساله عن ماء السفرجل يمزج بالعصير المثلث فيطبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ايحل شربه؟ فكتب: «لا باس به ما لم يتغير» (124) .
و منها: الاخبار الواردة في بيان ما يحل من المعتصر من الزبيب بالخصوص و ما لا يحل، كموثقة الساباطي: عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ فقال: «تاخذ ربعا من زبيب فتنقيه، ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فاذا كان من الغد نزعتسلافته، ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه بالنار غلية، ثم تنزع ماءه فتصبه على الماء الاول، ثم تطرحه في اناء واحد جميعا، ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث و تحته النار، ثم تاخذ رطلا من عسل فتغليه بالنار غلية و تنزع رغوته، ثم تطرحه على المطبوخ، ثم تضربه حتى يختلط به، و اطرح فيه ان شئت زعفرانا، و طيبه ان شئتبزنجبيل قليل»
قال: «فاذا اردت ان تقسمه اثلاثا لتطبخه فكله بشيء واحد حتى تعلم كم هو، ثم اطرح عليه الاول في الاناء الذي تغليه فيه، ثم تجعل فيه مقدارا و حده حيثيبلغ الماء، ثم اطرح الثلث الآخر، ثم حده حيثيبلغ الماء، ثم تطرح الثلث الاخير، ثم حده حيثيبلغ الآخر، ثم توقد تحته بنار لينة حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (125) .
و قريبة منها الاخرى و صدرها: وصف لي ابو عبد الله عليه السلام المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، و في آخرها: «و ان احببت ان يطول مكثه عندك فروقه» (126) .
و رواية الهاشمي: شكوت الى ابي عبد الله عليه السلام قراقر تصيبني في معدتي و قلة استمرائي الطعام، فقال لي: «لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن و هو يمرا الطعام و يذهب بالقراقر و الرياح من البطن؟ » قال: فقلت له: صفه لي جعلت فداك، فقال: «تاخذ صاعا من زبيب فتنقي حبه و ما فيه، ثم تغسل بالماء غسلا جيدا، ثم تنقعه في مثله من الماء او ما يغمره، ثم تتركه في الشتاء ثلاثة ايام بلياليها و في الصيف يوما و ليلة، فاذا اتى عليه ذلك القدر صفيته و اخذت صفوته و جعلته في اناء و اخذت مقداره بعود، ثم طبخته طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، ثم تجعل عليه نصف رطل عسل و تاخذ مقدار العسل، ثم تطبخه حتى تذهب تلك الزيادة، ثم تاخذ زنجبيلا و خولنجانا و دار صيني و الزعفران و قرنفلا و مصطكي تدقه و تجعله في خرقة رقيقة و تطرحه فيه و تغليه معه غيلة، ثم تنزله، فاذا برد صفيته و اخذت منه على غذائك و عشائك» قال: ففعلت فذهب عني ما كنت اجد و هو شراب طيب لا يتغير اذا بقي ان شاء الله (127) .
و الجواب عنها - مع ما في الثانية من التعقيد و الاجمال في المتن، و في الاخيرة من عدم الدلالة على توقف الحلية على ذهاب الثلثين و التحريم بدونه اصلا - : انه لا يلزم من الامر بطبخه على الثلث ان يكون ذلك لاجل حليته بعد حرمته بالغليان، بل يجوز ان يكون لئلا يصير مسكرا، كما يدل عليه قوله في آخر الرواية الاخيرة: و هو شراب لا يتغير اذا بقي.
و لا ينافيه قوله في آخر الثانية: «و ان احببت ان يطول مكثه» الى آخره، اذ يمكن ان يكون ذلك لعدم فساده بنحو آخر غير الاسكار، او ان يكون المراد بطول المكث: المكث في المدة الطويلة، و بقوله: اذا بقي، في الاخيرة اقل من ذلك.
و يجوز ان يكون لاجل ان الخاصية و النفع المترتب عليه لا يحصل الا بطبخه على الوجه المذكور، كما ورد مثله في رواية خليلان المتقدمة، المتضمنة لطبخ ماء السفرجل على الثلثين، مع انه ليس للحلية قطعا.
و يدل عليه الامر بالطبخ حتى يذهب العسل الزائد في رواية الهاشمي المتقدمة، مع انه غير محتاج اليه في الحلية البتة، بل يدل عليه امر الاطباء بذلك، كما ورد في رواية اسحاق بن عمار: شكوت الى ابي عبد الله عليه السلام بعض الوجع و قلت: ان الطبيب وصف لي شرابا آخذ الزبيب و اصب عليه الماء للواحد اثنين، ثم اصب عليه العسل، ثم اطبخه حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث فقال: «اليس حلوا؟ » قلت: بلى، فقال: «اشربه» و لم اخبره كم العسل (128) .
و كذا يدل عليه ما ورد في النضوح - كما ياتي - مع انه للتطيب لا للاكل.
و القول - بان وظيفة الامام بيان ما له مدخلية في الاحكام دون غيرها - معارض بان وظيفة الطبيب بيان ما له مدخلية في الآثار دون غيرها، مع ان اكثر ما ورد في تلك الاخبار الثلاثة مما ليس له تعلق بالاحكام، بل الاخيرة مسوقة لبيان الفوائد.
فان قيل: ان قوله: كيف يطبخ حتى يصير حلالا، في الثانية، او: حتى يشرب حلالا، في الاولى يدل على التحريم بدونه، و كذا قوله في الثانية: «و اذا كان في ايام الصيف و خشيت ان ينش جعلته في تنور» الى آخره، فان النشيش: هو صوت الغليان، و الظاهر من المحافظة عليه بان لا ينش ليس الا لخوف تحريمه بالغليان.
قلنا: مع ان قوله: حتى يصير، او: يشرب حلالا، من قول الراوي في سؤاله - و لا حجية فيه الا من حيث تقرير المعصوم له على فهمه، و قد بينا في موضعه انه ليس بحجة - اكثر ما ذكر في الكيفية، بل كله - عدا الغلي حتى يذهب الثلثان - لا دخل له في الحلية قطعا، فلا بد في الكلام من ارتكاب تجوز اما في كلام السائل بمثل ارادة انه كيف يطبخ حتى يبقى على الحلية و لا يصير مسكرا، او حتى تحصل فيه فوائد النبيذ و خواصه المطلوبة منه من دون عروض اسكار، او غير ذلك من المعاني، بل الاول هو الظاهر من قوله: حتى يشرب حلالا.
و القول: بان العدول عن الظاهر في غير ذهاب الثلثين لوجود الصارف القطعي لا يقتضي العدول عنه في الذهاب ايضا مع انتفاء الصارف عنه، بل يجب ابقاؤه على ظاهره.
مردود بان هذا ليس من باب تخصيص العام حتى يقتصر فيه على المتيقن، بل من باب ارتكاب احد التاويلين او التجوزين، و عدم وجود مرجح لاحدهما، بل وجوده لما يخالف مطلوب المستدل.
و اما قوله: «حتى لا ينش» فان فيه: ان بعد ذلك امر بغليانه حتى يذهب ثلثاه فهو و ان حرم بالنشيش فلا مانع منه، لتعقبه بالغليان الموجب للتحليل بعد ذلك، و حينئذ فلعل المحافظة عليه من النشيش انما هو لغرض آخر، لا لانه يحرم بعد ذلك، فانه و ان حرم لكن لا منافاة فيه بعد غليه الى ذهاب الثلثين المامور به ثانيا، و حينئذ فلا فرق في حصول التحريم فيه في وقت النشيش و لا وقت الغليان اخيرا.
و منها: ما رواه في البحار، عن كتاب زيد النرسي انه قال: سئل ابو عبد الله عليه السلام عن الزبيب يدق و يلقى في القدر، ثم يصب عليه الماء و يوقد تحته، فقال: «لا تاكله حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث، فان النار قد اصابته» قلت: فالزبيب كما هو يلقى في القدر و يصب عليه، ثم يطبخ و يصفى منه الماء، فقال: «كذلك هو سواء اذا ادت الحلاوة الى الماء و صار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير ان تصيبه النار فقد حرم، و كذلك اذا اصابته النار فاغلاه فقد فسد» (129) .
و الجواب عنه: انها لا تصلح لمقاومة ما ذكرنا من ادلة الحلية، فان الكتاب المنسوب الى زيد النرسي مطعون فيه، حكى الشيخ في الفهرست عن الصدوق انه لم يرو اصل زيد النرسي، و كذا حكى عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، بل كان يقول: انه موضوع وضعه محمد بن موسى الهمداني المعروف بالسمان (130) .
مضافا الى ان كتابه غير معروف بتواتر و نحوه في زمن صاحب البحار، و ليس الا مجرد اسناد اليه من غير اتصال السند في الكتاب المخصوص، فمن اين يعلم انه كتاب النرسي الذي روى عنه المتقدمون على ارباب الكتب الاربعة؟ ! فانه مهجور في تلك الازمنة المتطاولة.
و من ذلك يندفع ما قيل من تضعيف حكاية الصدوق و شيخه و معاضتها بتغليط ابن الغضائري لابن بابويه (131) .
و منها: ما ورد في النضوح، كموثقتي الساباطي،
احداهما: عن النضوح قال: «يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث ثم يتمشطن» (132) .
و الاخرى: عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال: «خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر» (133) .
و الجواب: انه لا تصريح في الروايتين بحرمة الشرب قبل ذهاب الثلثين من الامام عليه السلام اصلا، و انما غايتهما الامر بغليه حتى يذهب ثلثاه، و هو اعم من تحريمه بالغلي قبله، و لعل الوجه فيه ما ذكره بعضهم من ان النضوح - على ما ذكره اللغويون - : ضرب من الطيب تفوح رائحته (134) .
و في مجمع البحرين: ان في كلام بعض الافاضل: انه طيب مائع، ينقعون التمر و السكر و القرنفل و التفاح و الزعفران و اشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من الماء، و يشد راسها، و يصبر به اياما حتى ينش و يتخمر، و هو شائع بين نساء الحرمين الشريفين (135) .
و على هذا فتحمل الروايتان على ان الغرض من طبخه حتى يذهب ثلثاه انما هو لئلا يصير خمرا ببقائه مدة، لان غليه هذا الحد الذي يصير به دبسا يذهب الاجزاء المائية التي يصير بها خمرا لو مكث مدة كذلك، لانه يصير خمرا بسبب ما فيه من تلك الاجزاء المائية، فاذا ذهب امن من صيرورته خمرا.
و يؤيد ذلك قوله: النضوح المعتق، على صيغة اسم المفعول، اي الذي يراد جعله عتيقا بان يحفظ زمانا حتى يصير عتيقا.
و يؤيده ايضا قوله: «يتمشطن» الظاهر في ان الغرض منه التمشط، و هو: الوضع في الراس، فالمراد من السؤال في الروايتين من كيفية عمله هو التحرز عن صيرورته بزيادة المكثخمرا نجسا يمتنع الصلاة فيه و لا يحل اذا تمشطن به، و الا فهو ليس بماكول..و لا الغرض من السؤال عن كيفية عمله حل اكله، حتى يكون الامر بغليه على ذلك الوجه لاجله، بل حل استعماله، فمعنى قوله: حتى يحل، ان يحل استعماله، مع انه في كلام الراوي، و قد عرفت مرارا ما فيه.
و منها: انه يطلق عليه اسم النبيذ، و يشابه العصير العنبي، مع ان الزبيبي مشترك مع العنبي في اصل الحقيقة.
و الجواب: منع صدق النبيذ على مطلق العصير اولا، و منع حرمة مطلق النبيذ ثانيا، بل الاخبار مصرحة بان من النبيذ ما هو حلال (136) .
و منع المشابهة، و بطلان القياس لو سلمت.
و منع الشركة في اصل الحقيقة، و منع اقتضائها الشركة في الحكم لو سلمتبعد اختصاص دليل الحكم، اي الحرمة بالعصير العنبي خاصة، و الله العالم.
اذا انقلبت الخمر خلا، فاما يكون بنفسه، او بالعلاج.
فعلى الاول: يصير حلالا بلا خلاف بين الفقهاء كما عن التنقيح (137) ، و في غيره (138) ، و بين الاصحاب بل المسلمين كما في شرح الارشاد للاردبيلي (139) ، بل بالاجماع المحقق، فهو الحجة فيه، مع القاعدة الثابتة من تبعية الاحكام للاسماء حلا و حرمة و طهارة و نجاسة.
مضافا الى المستفيضة من الصحاح و غيرها، كموثقتي عبيد.
احداهما: في الرجل باع عصيرا، فحبسه السلطان حتى صار خمرا، فجعله صاحبه خلا، فقال: «اذا تحول عن اسم الخمر فلا باس به» (140) .
و الاخرى: عن الرجل ياخذ الخمر فيجعلها خلا، قال: «لا باس» (141) .
و صحيحتي زرارة و جميل، احداهما: عن الخمر العتيقة تجعل خلا، قال: «لا باس» (142) .
و الاخرى: يكون لي على الرجل دراهم فيعطيني بها خمرا، فقال: «خذها ثم افسدها» قال علي: فاجعلها خلا (143) .
و روايتي عبد العزيز و ابي بصير، الاولى: العصير يصير خمرا، فيصب عليه الخل و شيء يغيره حتى يصير خلا، قال: «لا باس به» (144) .
و الاخرى مروية في السرائر عن جامع البزنطي: عن الخمر تعالجبالملح و غيره لتحول خلا، قال: «لا باس بمعالجتها» (145) .
و موثقتي ابي بصير، احداهما: عن الخمر تصنع فيها الشيء حتى تحمض، قال: «اذا كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا باس» (146) و في بعض النسخ: يضع، و وضع من الوضع، و في بعض آخر بترك لفظة: «فيه» .
ثم تقريب الاستدلال: ان يراد بالغلبة: الغلبة في الكيفية، اي الشيء القاهر على كيفيتها، الجاعل لها خلا، كالملح و غيره، دون الغلبة في الكمية الموجبة لترك العمل بالرواية و شذوذها، كما ياتي.
و اما احتمال ارادة الخمر من الغالب كمية - كما جوزه بعض مشايخنا (147) حاكيا عن العلامة المجلسي في بعض حواشيه - فبعيد غايته، بل لا تحتمله العبارة من حيث التركيب اللفظي.
و الاخرى: عن الخمر يجعل خلا، قال: «لا باس اذا لم يجعل فيها ما يغلبها» (148) بالغين المعجمة كما في نسخ الكافي، بل التهذيب على ما يظهر من الوافي (149) ، و ان نقل بعضهم عنه و عن الاستبصار بالقاف (150) .
ثم الاجماع و الاخبار كما يثبتان ارتفاع الحرمة الخمرية و اثبات الحلية الخلية، كذلك يثبتان الحلية المطلقة ايضا، حتى من جهة الطهارة ايضا، فلا ينجس ذلك الخل بنجاسة الآنية المشتملة عليه، اما لتطهر الآنية تبعا ايضا كما ذكره جمع من الاصحاب (151) ، او لعدم سراية نجاستها الى الخل، كما هو الحق عندي، اذ الثابت ليس الا طهارة الخل الحاصلة باحد الامرين، فتستصحب نجاسة الآنية، مضافا الى منع وجود خصوص او عموم دال على تنجس احد المتلاقيين بنجاسة الاخرى مطلقا حيثيشمل مثل المورد ايضا.
و المناقشة في دلالة الروايات - بان غايتها انتفاء العذاب و الاثم في ذلك الجعل و المعالجة، دون حلية الخل و طهارته من جميع الجهات - و ان امكن في بعضها جدلا، الا انه بعيد عن الانصاف، مخالف لفهم الاصحاب، مع انه غير جار في الجميع، كالموثقة الاولى النافية لجميع انواع الباس بما تحول عن اسم الخمر لا عن الجعل و العلاج، و الصحيحة الثانية المجوزة لاخذ الخمر عوض الدراهم و جعلها خلا و لو كان حراما و لو بسبب التنجس الحاصل بملاقاة الآنية الغير المنفك عنه البتة لما تترتب فائدة على جعلها خلا، بل الموثقتين الاخيرتين، فانه لو لا ارادة الحلية للغا الاشتراط، اذ لا اثم حينئذ مع غلبة الخمر ايضا.
و على الثاني: فاما يكون العلاج بشيء لا يدخل في الخمر - بل بنحو تدخين او مجاورة شيء و نحو ذلك - او بجسم يدخل فيها و يلاقيها.
فعلى الاول: فالظاهر ايضا عدم الخلاف في الحلية، فان الشهيد الثاني المتوقف في الحلية بالعلاج خصه بالعلاج بالاجسام (152) ، فيحل ايضا، لصدق الاسم، و عموم اكثر الاخبار المتقدمة.
و على الثاني: فاما يكون العلاج بما يذهب عينه قبل صيرورة الخمر خلا، كقليل خل او ملح يدخل في الخمر فيستهلك و يضمحل، و بالجملة:
يكون بقدر يطلق على المجموع خمرا ايضا و ليس شيء غير الخمر عرفا.
او بما لا يذهب، بل تكون باقية الى ان يصير الخمر خلا، كحديدة محماة يدخل فيها او سفرجلة او تفاحة او نحوها.
فعلى الاول: يحل الخل و يطهر ايضا على الاقوى الاشهر، لعموم بعض ما تقدم من الاخبار، و خصوص بعض آخر، حيث ان الخل و الملح المصبوبين في الخمر ينقلبان الى الخمر اولا غالبا، من جهة اشتراط قلة الخل او الملح - كما ياتي - ثم ينقلب المجموع خلا.
مضافا الى ان بعد انقلاب المصبوب خمرا و انقلاب تلك الخمر ايضا خلا لا يبقى وجه للتشكيك في الحلية لاجل بقاء النجاسة.
و التشكيك بان القدر المعلوم ارتفاع النجاسة الخمرية الذاتية بالانقلاب خلا، و اما ارتفاع النجاسة العارضية و لو كانتخمرية بالانقلاب خلا فغير معلوم كما قاله الاردبيلي (153) ، فالخل و الملح و ان انقلبا خمرا ثم خلا الا انهما تنجسا بنجاسة عارضية بملاقاة الخمر اولا، و لا دليل على ارتفاع تلك النجاسة.
غير جيد، لان الخل و الملح و ان تنجسا بالخمرية قبل الانقلاب خمرا الا ان بعد انقلابهما اليها ليسا بنجسين من جهتين، لان النجاسة الخمرية امر واحد، فتامل.
و على الثاني: فالمشهور - كما في الكفاية (154) و غيرها (155) - الحلية ايضا.
و قد يناقش فيها حينئذ نظرا الى تنجس ما دخل فيه و عدم مطهر له، و بنجاسته ينجس الخل ايضا.
و اجيب عنه: بامكان اغتفار ذلك، نظرا الى عموم الادلة المتقدمة، اي بعضها، لان الكل لا يعم مثل ذلك.
و يمكن المناقشة في تنجس الخل حينئذ مع قطع النظر عن عموم الادلة ايضا، لما اشير اليه من منع ما يدل على تنجس احد المتلاقيين بنجاسة الاخرى مطلقا، حتى فيما اذا كانا نجسين فيتطهر احدهما، فتامل.
و ربما يناقش في الحلية بمطلق العلاج، لرواية ابي بصير: عن الخمر يجعل فيها الخل، فقال: «لا، الا ما جاء من قبل نفسه» (156) .
و فيها: انها - لمقاومة ما يعارضها من الاخبار المتكثرة الموافقة لعمل الطائفة - قاصرة، و مع ذلك لارادة ان مجرد جعل الخل في الخمر لا يكفي في الاستحالة او الحلية - بل لا بد ان يترك حتى ينقلب ذلك خلا بنفسه ردا على ابي حنيفة (157) - محتملة.
و للموثقة الاخيرة على نسخة القاف.
و فيها: ان اختلاف النسخة يمنع عن الاستدلال.
ا: لو القي في الخمر خل كثير حتى استهلكها، او القي قليل خمر في كثير خل كذلك، فلا يحل و لا يطهر و لو مضت مدة انقلب الخمر خلا.
لا للموثقتين الاخيرتين كما قيل (158) ، لاختلاف النسخ في احداهما، و اجمال المعنى في الاخرى.
بل لتنجس الخل بالملاقاة و عدم حصول مطهر له اصلا، فتكون الخمر ايضا منقلبة الى الخل النجس.
و لا ينتقض بصورة عدم استهلاك الخمر، بل استهلاك الخل، لانه و ان تنجس الخل و لكن انقلب خمرا، ثم انقلب المجموع خلا، فيطهر المجموع، بخلاف المفروض.
و لا تفيد الاخبار المتقدمة في ذلك، لان ذلك ليس جعلا للخمر خلا، بل هو استهلاكها و اضمحلالها، مع انه على فرض الجعل تدل على حليتها و انتفاء الباس عنها من حيث هي هي لا مطلقا، حتى اذا عرضت لنجاستها سبب آخر ايضا.
و لو لم يستهلك احدهما في الآخر، بان يدخل مساوي الخمر من الخل او قريب منه فيها، فيحصل حينئذ لا محالة مزاج ثالثشبه السكنجبين بالنسبة الى الخل و الدبس، فاذا انقلب المجموع خلا ففي طهارته و حله و نجاسته و حرمته اشكال، من جهة عموم الاخبار المتقدمة، و من جهة ان ما فيه من الخل متنجس غير الخمر صار خلا و لا دليل على طهارة ذلك، و بملاقاته الاجزاء الخمرية المنقلبة خلا تنجس تلك الاجزاء ايضا، و عموم الاخبار لا يفيد عدم عروض التنجيس لهذه الاجزاء من جهة اصلا.
ب: لو عولجت الخمر بشيء نجس، فان انقلب المعالجبه خمرا ثم انقلب المجموع خلا، فالظاهر الحلية و الطهارة و الا فالنجاسة، و الوجه يظهر مما مر.
و منه يظهر حكم ما اذا وقع نجس في الخمر ثم انقلبتخلا.
ج: لو وقع في الخمر جسم و كان فيها الى ان انقلبتخلا، فلا يطهر ذلك الجسم، للاصل، و الاستصحاب، و مقتضاه تنجس الخل، و لا تنصرف العمومات الى مثل ذلك، الا ان يمنع عموم تنجس كل ملاق للنجاسة، كما اشير اليه.
د: لا شك في تنجس الظرف الذي فيه الخمر قبل انقلابها، و اما بعده فاما طاهر بالتبعية كما قيل (159) ، او نجس لا تسري نجاسته الى الخل، للعمومات، حيث ان الخمر لا ينفك عن ظرف ابدا.
و لو لاقى جزء من الظرف الخمر قبل الانقلاب، و كان حال الانقلاب خاليا عن الخمر، لا يطهر هذا الجزء، و تسري نجاسته الى الخل لو لاقاه، فلو ملات قارورة او دن (160) خمرا، ثم اخذ منها شيء و خلا راس القارورة او الدن، ثم انقلب الباقي خلا، يشترط في اخراج[الخل] (161) عنه ان يكون بحيث لا يلاقي ذلك الجزء، و الا ينجس بملاقاته اياه، و الله العالم.