و فيه مسائل:
اعلم ان الاشتباه على اربعة اقسام:
الاول: ان يعلم ان هذا الجزء من اي حيوان، و يعلم ان هذا الحيوان ماكول او قابل للتذكية، و لكن شك في انه هل ذكي ام لا.
الثاني: ان يعلم ان هذا الحيوان ماكول او قابل، و هذا ليس بماكول و لا قابل، و لكن لم يعلم ان هذا الجزء من اي الحيوانين المعلوم حالهما.
الثالث: ان يعلم ان هذا الجزء من هذا الحيوان المشاهد او المسمى بالاسم الفلاني، و لكن لم يعلم ان هذا الحيوان هل هو ماكول او قابل ام لا.
الرابع: ان يعلم ان هذا الجزء ليس من الحيوانات المعروفة له (1) حكما، و لم يعرف الحيوان الذي هو منه مشاهدة و لا اسما، و لم يعلم ان الذي هو منه هل هو ماكول او قابل ام لا.
و الفرق بين ذلك و سابقه في مجرد تعين الحيوان، الذي هو منه شخصا او اسما و عدمه.
و ان شئت جعلت الاقسام قسمين، لان الجهل اما يتعلق بنفس التذكية و عدمها، و هو القسم الاول، او بالحيوان الذي هذا الجزء منه، و له الاقسام الثلاثة الاخيرة.
ثم على التقادير المذكورة يكون البحث عنها اما للشك في الطهارة و النجاسة - و هذا انما يكون فيما تحله الحياة من اجزاء الحيوان خاصة - او للشك في جواز الصلاة و عدمه، او للشك في حلية الاكل و عدمها.
ثم انه قد تقدم الكلام في البحث في الاول عن القسم الاول في بحث الجلود من كتاب الطهارة، و هو و ان كان مخصوصا بالجلود الا انه يتعدى الى غيرها من الاجزاء الموقوفة طهارتها على التذكية بالاجماع المركب، كما اشير اليه في البحث المذكور، مع ان كثيرا من ادلتها شامل للحم و غيره ايضا.
و مما ذكر هناك يعلم حق الكلام فيما يتعلق بالبحث في الثاني عن القسم الاول، بل يعلم الحكم بما يتعلق بالبحث في الثالث ايضا عن هذا القسم، و انه يحكم فيه بالتذكية و الحلية في كل ما عرفت انه يحكم فيه بالطهارة، و اما فيما عداه فلا.
و الحكم باصالة الحلية هنا في جميع الموارد ما لم تعلم الحرمة، لعمومات اصالة الحلية، مثل قوله: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (2) و نحوه، و مثل ما دل على جواز الصلاة في كل شيء ما لم يعلم انه ميتة، و غير ذلك.
غير مفيد، لان دلالة جميع هذه الادلة من باب الاصل الذي يندفع و يزال البتة باستصحاب عدم التذكية، الموجب للعلم الشرعي بكونه ميتة، فالمناط انما هو الادلة المذكورة المزيلة للاستصحاب في مواردها.
و كذا تقدم الكلام فيما يتعلق بالبحث في الاول و الثاني عن القسم الثاني في بحث اللباس من كتاب الصلاة، و قد عرفت ان الاصل فيه الطهارة و جواز الصلاة، و يلزم الثاني الحلية و جواز الاكل ايضا، و تدل عليه جميع ادلة الحلية من الاصول و العمومات و الاخبار الواردة في الموارد الجزئية.
فلم يبق الا الكلام في القسم الثالث و الرابع، و هو ان يكون الجزء من حيوان معين، او كان هناك حيوان معين و لم يعلم انه هل هو حلال قابل للتذكية او لا، او يكون الجزء من حيوان غير معين الا انه يعلم انه ليس من هذه الحيوانات المعروفة القابلة للتذكية و غير القابلة.
و الحق فيهما ايضا: الحلية و الطهارة بالتذكية الواقعية او الشرعية المحكوم بها شرعا من الموارد التي يحكم بها فيها في القسم الاول، و يلزمهما جواز الصلاة، لجميع الادلة المذكورة من الاصول و العمومات الخالية عن المعارض راسا.
و لا يتوهم معارضة اصالة عدم ورود التذكية عليها، حيث انها امر توقيفي شرعي يقتصر فيه على ما علم، لان عمومات حصول التذكية كافية في اثبات اصالة عموم ورود التذكية، مثل قوله سبحانه: «فكلوا مما امسكن عليكم و اذكروا اسم الله عليه» (3) .
و قوله: «و ما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم الله عليه» (4) .
و ما في الاخبار من قولهم: «ما قتلت من الجوارح مكلبين و ذكر اسم الله عليه فكلوا من صيدهن» (5) .
و قوله في صحيحة البصري: «كل ما قتل الكلب اذا سميت عليه» (6) .
و في صحيحة محمد: «كل من الصيد ما قتل السيف و السهم و الرمح» (7) ، الى غير ذلك.
نعم، ان كان الحيوان المشتبه حاضرا، و امكن الفحص عن حليته و حرمته بالعلامات المتقدمة المحللة او المحرمة، لم يجز الحكم بالاصل و العمومات قبل الفحص الممكن، و الوجه ظاهر.
المشهور انه اذا وجد لحم و لم يعلم هل هو ذكي او ميتيطرح على النار، فان انقبض فهو ذكي و ان انبسط فهو ميت، و عن الدروس يكاد ان يكون اجماعا (8) ، و نفى عن اجماعيته البعد في المسالك، مؤيدا لها بموافقة الحلي - الذي لا يعمل بالآحاد - عليه (9) ، و عن الغنية (10) و بعض آخر من الاصحاب (11) الاجماع عليه.
و تدل عليه رواية شعيب: في رجل دخل قرية فاصاب بها لحما لم يدر ذكي هو ام ميت، قال: «يطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، و كلما انبسط فهو ميت» (12) .
و ضعفها - لو كان - غير مضر، لانجباره بما ذكر، مضافا الى صحتها عمن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه.
ثم لا يخفى ان مقتضى الرواية حصول معرفة المذكى و الميتبذلك، و ذلك يعارض اصالة عدم التذكية المعمول عليها في مواردها، و اصالة الحلية و عموماتها في مظانها.
و العمل في الاولى على الرواية، لكونها للاصل دافعة.
خلافا للمحكي عن الارشاد و القواعد و الايضاح و التنقيح و الصيمري و ابي العباس و الروضة (13) ، للاصل المذكور المندفع بالرواية.
و كان في الثانية كذلك لو كان المناط هو الاصل خاصة، و لكن يحصل التعارض بين الرواية و بين مثل ما دل على حلية ما يؤخذ من سوق المسلمين او يوجد في ارضهم (14) و نحو ذلك بالعموم من وجه، و المرجع اصل الاباحة.
بل يمكن ان يقال: ان موارد الحكم بالحلية مما تعلم فيه التذكية لاجل ادلة الحلية، فلا تكون من مورد الرواية.
الا ان يقال: ان موارد الحلية ايضا من باب الاصل، لان بعض ادلتها و ان كان عاما الا ان بعضها مقيد بمثل قوله: «حتى تعلم انه ميتة» (15) و به تقيد المطلقة ايضا، فيجب تقديم الرواية، بل الفحص بمقتضى الرواية في كل واقعة، لان العمل بالاصل انما هو بعد الفحص.
و لكن يجاب عنه: بان هذا من باب اجراء الاصل في الموضوعات و لا يجب الفحص فيه، مع انه صرح في بعض الاخبار المعتبرة الواردة في موارد الحلية انه: «ليس عليكم المسالة» (16) فالاشكال منتف بالمرة، الا اذا امتحن شخص اتفاقا بمقتضى الرواية و ظهرت المخالفة فيشكل الامر حينئذ، و الاجماع على الحلية ايضا غير معلوم، و لا يبعد الحكم بالحرمة حينئذ.
و لو تعدد قطعات اللحم تختبر كل قطعة على حدة ما لم يعلم اتحاد حكمها من جميع الوجوه، كما اذا امكن ان تكون من حيوانات متعددة، او من حيوان واحد و احتمل قطع بعض اجزائه قبل التذكية، و الا فتكفي الواحدة، اذ بها يعلم حكم الباقي، فلا يصدق عدم الدراية، كما في الرواية.
و هل الاختبار عند الاشتباه في الذبح و عدمه، او يجري فيما اذا شك مثلا في التسمية او الاستقبال او كون الذابح مسلما مثلا، ام لا؟
ظاهر بعضهم: الثاني (17) ، و هو مشكل جدا، اذ الظاهر ان السؤال عن الميتحتف انفه.
اذا اختلط المذكى من اللحم و شبهه بالميتة و لا سبيل الى التمييز، فان كان الخلط خلط مزج - كاللحوم المتعددة المدقوقة مخلوطا - وجب الاجتناب عن الجميع، و الوجه ظاهر.
و ان كان من باب اشتباه الافراد فالمشهور وجوب اجتناب الجميع اذا كانا محصورين.
و لم اعثر على دليل له، سوى ما قيل من ان العلم بالاجتناب عن الميتة لازم، و هو موقوف على اجتناب الجميع، فيجب من باب المقدمة (18) .
و قد مر جوابه و ان الثابت وجوب اجتناب ما علم انه ميتة دون العلم باجتنابها.
و ربما يستانس له بصحيحة الكناسي: عن السمن و الجبن نجده في ارض المشركين بالروم اناكله؟ فقال: «اما ما علمت انه قد خلطه الحرام فلا تاكله، و اما ما لا تعلم فكله حتى تعلم انه حرام» (19) .
و فيه: انها ظاهرة في المزج، و لو شملت غيره ايضا فدالة على خلاف مطلوبهم، لان بعد ابقاء ما يساوي الميتة من الافراد لا يعلم حرمة الباقي، فيجوز اكله.
و قد يستدل له ايضا بصحيحتي الحلبي، احداهما: ان الميتة و المذكى اختلطا فكيف يصنع؟ قال: «يبيعه ممن يستحل الميتة و ياكل ثمنه، فانه لا باس به» (20) ، و قريبة منها الاخرى (21) .
و فيه: انهما غير مفيدتين للوجوب، غايتهما الرجحان، و لا كلام فيه، مع انه لا يمكن ان يكون للوجوب، اذ لا شك في عدم وجوب بيعه، بل تجوز هبته و صلحه للكافر و دفنه و طرحه.
سلمنا الوجوب، و لكن لا يدل وجوب بيعه على حرمة اكله لو لم يبع، فلعله لاجل الانتفاع بقدر ثمن الميتة و عدم تضييعه.
، و غيرهما من المتاخرين (23) - : عدم وجوب اجتناب الجميع، بل يجب الاجتناب عن القدر المعلوم كون الميتة بهذا القدر مخيرا بين الافراد، و يجوز تناول الباقي، كما مر في نظائره كثيرا، و الاصل و العمومات عليه دليل محكم.
ثم ان ما دلت عليه الصحيحتان - من جواز البيع لمستحلي الميتة - مذهب جماعة، منهم الشيخ في النهاية و ابن حمزة (24) ، و هو الاقوى، للصحيحين المذكورين، المخصصين للاخبار المانعة عن الانتفاع بالميتة مطلقا و عن بيعها (25) ، لاخصيتهما المطلقة منها من وجوه.
خلافا للحلي و القاضي (26) و جمع آخر (27) ، فمنعوه، للاخبار المذكورة بجوابها، و لما دل على حرمة الاعانة على الاثم، بناء على كون الكفار مكلفين بالفروع كما هو المذهب.
و فيه: منع كونه اعانة، كما يظهر وجهه مما ذكرناه في بيان الاعانة على الاثم في كتاب العوائد (28) ، مع انها ايضا ليست الا قاعدة كلية للتخصيص صالحة.
و قد يعتذر المانعون للصحة عن الصحيحين ببعض الوجوه الغير التامة، التي لا فائدة في ذكرها بعد العمل بظاهرهما.
تعليقات:
1) كذا، و الظاهر زيادتها.
2) الفقيه 3: 216 - 1002، التهذيب 9: 79 - 337، مستطرفات السرائر:84 - 27، الوسائل 17: 87 ابواب ما يكتسب به ب 4 ح 1، و ج 24: 236 ابواب الاطعمة المحرمة ب 64 ح 2.
3) المائدة: 4.
4) الانعام: 119.
5) الكافي 6: 203 - 5، التهذيب 9: 23 - 90، الوسائل 23: 346 ابواب الصيد ب 7 ح 1.
6) الكافي 6: 205 - 13، التهذيب 9: 24 - 97، الاستبصار 4: 68 - 245، الوسائل 23: 335 ابواب الصيد ب 2 ح 8.
7) الكافي 6: 209 - 1، التهذيب 9: 34 - 137، الوسائل 23: 362 ابواب الصيد ب 16 ح 2.
8) الدروس 3: 14.
9) المسالك 2: 247.
10) الغنية (الجوامع الفقهية) : 619.
11) حكاه في الكفاية: 252، و انظر كشف اللثام 2: 272.
12) الكافي 6: 261 - 1، التهذيب 9: 48 - 200، الوسائل 24: 188 ابواب الاطعمة المحرمة ب 37 ح 1.
13) الارشاد 2: 113، القواعد 2: 159، الايضاح 4: 161، التنقيح 4: 57، حكاه عن الصيمري و ابي العباس في الرياض 2: 296، الروضة 7: 337.
14) الوسائل 3: 490 ابواب النجاسات ب 50.
15) الكافي 3: 403 ح 28، التهذيب 2: 234 - 920، الوسائل 3: 490 ابواب النجاسات ب 50 ح 2.
16) الفقيه 1: 167 - 787، التهذيب 2: 368 - 1529، الوسائل 3: 491 ابواب النجاسات ب 50 ح 3.
17) كصاحب الرياض 2: 296.
18) كما في الرياض 2: 297.
19) التهذيب 9: 79 - 336، مستطرفات السرائر: 78 - 4، الوسائل 24: 235 ابواب الاطعمة المحرمة ب 64 ح 1.
20) الكافي 6: 260 - 1، التهذيب 9: 47 - 198، الوسائل 24: 187 ابواب الاطعمة المحرمة ب 36 ح 2.
21) الكافي 6: 260 - 2، التهذيب 9: 48 - 199، الوسائل 24: 187 ابواب الاطعمة المحرمة ب 36 ح 1.
22) الاردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 271، الكفاية: 251.
23) كالعلامة المجلسي في البحار 62: 144.
24) النهاية: 586، ابن حمزة في الوسيلة: 362.
25) الوسائل 3: 501 ابواب النجاسات ب 61، و ج 17: 92 ابواب ما يكتسب به ب 5، و ص 172 ب 38.
26) الحلي في السرائر 3: 113، القاضي في المهذب 2: 442.
27) منهم الشهيد في المسالك 2: 242 و صاحب الرياض 2: 297.
28) عوائد الايام: 26.