الفصل الخامس: في مسائل متفرقة مما يتعلق بالحيوانات و اجزائها

و فيه مسائل:

المسالة الاولى:

الميتات من الحيوانات - اي الخارج روحه بغير التذكية المعتبرة شرعا، سواء كان مما لا تقع عليه التذكية و لا يقبلها شرعا كالكلب و الخنزير، او كان يقبلها و تقع عليه في الشرع، و لكن لم تقع عليه و مات قبلها - محرمة اجماعا، و الآيات (1) و السنة المتواترة (2) ناطقتان بحرمتها، و في تفسير الامام عليه السلام: قال الله تعالى: «انما حرم عليكم الميتة‏» (3) «التي ماتت‏حتف انفها بلا ذباحة من حيث اذن الله فيها» (4) .

و في حكم الميتة في الحرمة اجزاؤها المقطوعة منها او من الحي ان كانت الاجزاء مما تحله الحياة بلا خلاف، كما صرح به غير واحد (5) ، لصدق الاسم عليها، و لنجاستها كما مر في كتاب الطهارة، و لخصوص رواية ابي بصير (6) و صحيحة الوشاء (7) المتقدمتين في حكم الميتة من كتاب المكاسب.

و تدل عليه اخبار الحبالة، كرواية محمد بن قيس: «ما اخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا او رجلا فذروه فانه ميت، و كلوا ما ادركتم حياته و ذكرتم اسم الله عليه‏» (8) .

و رواية البصري: «ما اخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، و ما ادركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه‏» (9) .

و اخبار القطع بالسيف، كمرسلة النضر بن سويد: في الظبي و حمار الوحش يعترضان بالسيف فيقدان، فقال: «لا باس باكلهما ما لم يتحرك احد النصفين، فان تحرك احدهما فلا يؤكل الآخر، لانه ميتة‏» (10) ، و غير ذلك.

و كما يحرم اكل الميتة تحرم جميع وجوه الانتفاعات منها - كما مر في المكاسب - حتى الانتفاع بجلدها للاستقاء في غير مشروط الطهارة.

خلافا فيه لجماعة (11) ، و هم محجوجون بما مر.

المسالة الثانية:

قد مر في بحث الطهارة: طهارة ما لا تحله الحياة من اجزاء الميتة و عددها، و هو و ان كان اكثر مما ذكر - لكون البول و الروث و الدم و البصاق و القيح ايضا مما لا تحله الحياة - الا ان الدم منها قد عدوه في النجاسات اذا كان مما له نفس، و البواقي مائعات تنجس بملاقاة الميتة، فلا وجه لذكر طهارتها، و لم يدل دليل خارجي على (12) عدم تنجسها كما في اللبن و الانفحة، فلذا لم يذكروها.

نعم، كان عليهم ذكر مثل البعرة (13) القابلة للتطهير ايضا كما ذكروا العظم و السن و نحوهما (14) .و يمكن ان يكون الوجه في عدم ذكرها: ان الكلام في الميتة مطلقا سواء كان مما يؤكل او لا يؤكل، و البعرة انما تطهر مما يؤكل خاصة و قد ذكروها، بل ذكر طهارتها حال الحياة مع انفصالها يدل عليها بعد الموت ايضا و ان احتاجت الى الغسل بالملاقاة.

ثم ما ذكر في البحث المذكور انما هو طهارة تلك الامور المعدودة، و اما حليتها فالظاهر - المقتضي للاصل المصرح به في بعض العبارات، كالشرائع و النافع (15) و غيرهما (16) - الحلية، و على هذا فهي حلال ايضا اذا لم تحرم من جهة اخرى، من ايجاب ضرر او خباثة معلومة او نص، كبيض ما لا يؤكل لحمه، و قد مر في البحث المذكور ما يدل على حل بعضها.

و تدل عليه ايضا روايتا ابن ابي يعفور و داود المتقدمتين في المسالة الثامنة من الفصل الاول (17) ، مضافا الى الاصل و العمومات السليمة عن المعارض، لعدم صدق الميتة عليها، اذ لا روح لها حتى تصير بخروجه ميتة.

و منها: اللبن، و حليته هي الاشهر، كما يظهر من صريح اللمعة (18) ، و ظاهر الدروس، حيث نسب رواية الحرمة الى الندرة (19) ، و عن الخلاف الاجماع عليه (20) ، و حكي عن الغنية ايضا (21) ، و تدل عليه طائفة من الاخبار المشار اليها (22) المعتضدة بالشهرة العظيمة.

خلافا للحلي و الديلمي و الصيمري و الشرائع و النافع و التنقيح و جملة من كتب الفاضل، فحرموه (23) ، لنجاسته بملاقاته للنجس بالرطوبة، و لرواية وهب بن وهب (24) المتقدمة في بحث الطهارة.

و الاول مدفوع بمنع النجاسة كما مر.و الثاني بمعارضته مع الاخبار المتكثرة و موافقته للعامة (25) .

و منها: البيض قبل اكتسائها القشر الاعلى الصلب، و لا يضر فيها رواية غياث (26) المتقدمة في ذلك البحث المثبتة لباس فيها قبله، لعدم معلومية الباس، و اجماله و ان كان مضرا للعمومات و لكن لا يضر الاصل.

فرع:

البول و ان كان مما لا تحله الحياة و لكنه ان كان مما يحل اكله يحرم من ميتته، لتنجسه بالملاقاة، لكونه مائعا لاقى نجسا.و اما اللبن فالحكم بطهارته من الميتة و عدم تنجسه بالملاقاة لادلة خاصة به.

المسالة الثالثة:

تحرم من اجزاء الحيوان المحلل - و ان ذكي - اشياء بعضها متفق على حرمته، و بعضها مختلف فيها.

فالاول خمسة: الدم، و الطحال - و هو الذي يقال له بالفارسية: سپرز - و القضيب و هو الذكر، و الانثيان و هما البيضتان، و الروث.و دعوى الاجماع و نفي الخلاف فيها مستفيضة، و جعل بعضهم حرمة الطرفين من الضروريات الدينية (27) .

و تدل عليه في الجميع مرسلة ابن ابي عمير: «لا يؤكل من الشاة عشرة اشياء: الفرث، و الدم، و الطحال، و النخاع، و العلباء، و الغدد، و القضيب، و الانثيان، و الحياء، و المرارة‏» (28) .

و مرسلة الفقيه (29) ، و هي كالاولى الا ان فيها بدل «العلباء و المرارة‏» : «الاوداج و الرحم‏» .

و رواية الخصال (30) ، و هي كالثانية الا ان الراوي قال بعد «الاوداج‏» : او قال: العروق.

و المروي في محاسن البرقي: «حرم من الذبيحة سبعة (31) اشياء» الى ان قال: «فاما ما يحرم من الذبيحة: فالدم، و الفرث، و الغدد، و الطحال، و القضيب، و الانثيان، و الرحم‏» الحديث (32) .

مضافة في الاربعة الاولى الى مرفوعة الواسطي: مر امير المؤمنين عليه السلام بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة اشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم، و الغدد، و آذان الفؤاد، و الطحال، و النخاع، و الخصى، و القضيب.الحديث (33) .

و رواية ابن مرار: «لا يؤكل مما يكون في الابل و البقر و الغنم و غير ذلك مما لحمه حلال الفرج بما فيه ظاهره و باطنه، و القضيب، و البيضتان، و المشيمة و هو موضع الولد، و الطحال لانه دم، و الغدد مع العروق، و المخ الذي يكون في الصلب، و المرارة، و الحدق و الخرزة التي تكون في الدماغ، و الدم‏» (34) .

و رواية ابراهيم بن عبد الحميد: «حرم من الشاة سبعة اشياء: الدم، و الخصيتان، و القضيب، و المثانة، و الغدد، و الطحال، و المرارة‏» (35) .

و في الثلاثة الاولى الى المروي في الخصال: ان رسول الله صلى الله عليه و آله كان يكره اكل خمسة: الطحال، و القضيب، و الانثيين، و الحياء و آذان القلب (36) .

و في الاولين موثقة سماعة: «لا تاكل الجريث و[لا]المارماهي، و لا طافيا، و لا طحالا لانه بيت الدم‏» (37) .

و عمار: عن الطحال ايحل اكله؟ قال: «لا تاكله فهو دم‏» (38) .

و المروي في العيون: «و حرم الطحال لما فيه من الدم‏» (39) ، دلت‏بالتعليل على حرمة الدم ايضا.

و في الدم خاصة الى الآيات (40) و الاخبار الغير العديدة (41) .

و في الطحال خاصة الى صحيحة محمد: «انهاكم عن الجري و الزمير و المارماهي و الطافي و الطحال‏» (42) .

و قصور بعض الاخبار عن افادة الحرمة غير ضائر بعد تصريح بعض آخر بالتحريم، فهو قرينة على ارادة الحرمة من البواقي ايضا.

ثم قول الاسكافي بكراهة الطحال (43) ليس صريحا في المخالفة، لانها في عرف القدماء اعم من الحرمة.

و اما المختلف فيه فكثيرة:

منها: النخاع - مثلثة النون - و هو: الخيط الابيض الذي في وسط فقار الظهر، منظم خرزه، و هو الوتين الذي لا قوام للحيوان بدونه.

و المثانة، و هو: مجمع البول.

و الغدد، و هي: كل عقدة في الجسم يطاف بها شحم، و كل قطعة صلبة بين القضيب، و هي تكون في اللحم مدورة تشبه البندق في الاغلب.

و المرارة - بفتح الميم - و هي: التي تجمع المرة الصفراء معلقة مع الكبد كالكيس.

و المشيمة، و هي: موضع الولد يخرج معه.

و هي حرام على الاقوى الاشهر، كما صرح به في المختلف و التحرير (44) ، و بعض من تاخر (45) .

لمرفوعة الواسطي المتقدمة، و المروي في العلل: قال: قلت له: كيف حرم الله النخاع؟ قال: «لانه موضع الماء الدافق من كل ذكر و انثى، و هو المخ الطويل الذي يكون في فقار الظهر» (46) في الاول.

و ضعفهما - لو كان - ينجبر بما ذكر، و بضميمتهما يتم الاستدلال بالروايات الثلاث الاولى ايضا.

و لرواية ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في الثانية و الرابعة.

و للمرفوعة و رواية المحاسن المتقدمتين و رواية مسمع: «اذا اشترى احدكم لحما فليخرج منه الغدد» (47) في الثالث.

و لرواية المحاسن المنجبرة في الخامسة، فان المراد بالرحم فيها كما ذكروا المشيمة.

خلافا للمحكي عن جماعة، فبين غير متعرض لها، و بين مصرح بالكراهة (48) ، لاصالتي البراءة و الاباحة، و عمومات الكتاب و السنة، اللازم رفع اليد عن الاوليين و تخصيص الثاني بما مر.

و منها: الفرج، و العلباء، بكسر العين المهملة، ثم اللام الساكنة، ثم الباء الموحدة، عصبتان عريضتان ممدودتان من الرقبة الى عجب الذنب.

و ذات الاشاجع، و هي: اصول الاصابع التي تتصل بعصب ظهر الكف.

و خرزة الدماغ، و هي في المشهور: المخ الكائن في وسط الدماغ، شبه الدودة بقدر الحمصة تقريبا، يخالف لونها لونه، و هي تميل الى الغبرة.

و حبة الحدق، و هو: الناظر من العين لا جسم العين كله.

حرم هذه الخمسة جماعة (49) ، بل نسب الى الشهرة (50) ، و كرهها آخرون (51) ، و هو الاقوى فيها، لخلو الروايات الصريحة في التحريم عنها بالمرة، و قصور ما يتضمنها عن افادة الحرمة جدا.

و قد ظهر مما ذكر ان الاقوى: ان المحرم من اجزاء المذكى عشرة: الدم، و الفرث، و الطحال، و القضيب، و الانثيان، و النخاع، و المثانة، و الغدد، و المرارة، و المشيمة.

و المكروه خمسة: الفرج، و العلباء، و ذات الاشاجع، و خرزة الدماغ، و حبة الحدقة.

و تكره ايضا الكليتان - و تسمى الكلوتين ايضا - لما في مقطوعة سهل: انه كره الكليتين، و قال: «لانهما مجمع البول‏» (52) .

و في الصحيحة الرضوية عن آبائه عليهم السلام، قال: «كان النبي صلى الله عليه و آله لا ياكل الكليتين من غير ان يحرمهما، لقربهما من البول‏» (53) .

و كذا تكره اذنا القلب، و العروق، لبعض الروايات المتقدمة.و تعلق النهي ببيع آذان الفؤاد في بعضها غير مفيد لاثبات الحرمة، لعدم قول بها فيها.

و بضميمة هذه الثلاثة مع الخمسة المختلف في وجوبها (54) تصير المكروهات ثمانية.

فروع:

ا: اعلم ان ما ذكر من تحريم الاشياء المذكورة فانما هو اذا كانت من الذبيحة و المنحورة، و اما ما لا يذبح و لا ينحر - كالسمك و الجراد - فلا يحرم منه غير الرجيع و الدم البتة، للاصل، و عمومات الحل، سيما مما ذكر اسم الله عليه، و اختصاص ما يثبت منه التحريم من الاخبار المتقدمة بغيرهما..و اما رجيعهما، فالاصل يقتضي الحلية، و الخباثة غير معلومة، و ما يتراءى من التنفر ففي الاكثر لمظنة الحرمة او كون اكله خلاف العادة، و اما دم السمك فياتي حكمه.

ب: اطلاق تحريم المذكورات في كثير من العبارات يشمل كبير الحيوان المذبوح كالجزور و البقر و الشاة، و صغيره كالعصفور و فرخه، بل عن جماعة التصريح بالتعميم، و منهم الشهيد الثاني في الروضة، الا انه قال: و يشكل الحكم بتحريم جميع ما ذكر مع عدم تميزه لاستلزامه تحريم جميعه او اكثره للاشتباه، و الاجود اختصاص الحكم بالنعم من الحيوان و الوحشي دون مثل العصفور (55) .

قيل بعد نقله: و هو جيد فيما كان مستند تحريمه الاجماع، لعدم معلومية تحققه في العصفور و شبهه، مع اختصاص عبارات جماعة - كالصدوق و غيره، و جملة من النصوص - بالشاة و النعم، و عدم انصراف باقي الاطلاقات اليهما (56) .

اقول: لا شك ان الدال على الحرمة من الاخبار الحجة بنفسها او بالانجبار لا يشمل مورد النزاع الا في الدم و الطحال، او مع الرجيع على تسليم استخباثه، فالتعدي الى الغير مشكل، و تحليل الجميع من مورد النزاع اشكل، و الاجماع المركب غير معلوم، فتخصيص المحرم من هذه الحيوانات الصغار بالدم و الطحال او مع الرجيع حسن، و الاحتياط احسن.

ج: الاصل في الدم كله الحرمة، كما صرح به في المسالك (57) ، لاطلاقات الكتاب و السنة.

قال الله سبحانه في سورة المائدة: «حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير» الآية (58) .

و قال في سورة البقرة: «انما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير» (59) .

و في مرسلة محمد بن عبد الله، و روايتي المفضل و عذافر - الواردة في علل تحريم الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير - : «و اما الدم فانه يورث اكله الماء الاصفر» (60) .

و في المروي في العيون: «حرم الله الدم كتحريم الميتة‏» الحديث (61) .

و قد مر مطلقات تعليل حرمة الطحال بان فيه الدم..الى غير ذلك.

و لكنه خرج من تحت الاصل ما يتخلف في لحم الحيوان الماكول مما لا يقذفه المذبوح، فانه حلال بالاجماع المحقق، و المحكي في كلمات جماعة (62) ، المعاضد بالاعتبار، لاستلزام تحريمه العسر و الحرج المنفيين شرعا و عقلا، لعدم خلو اللحم عنه و ان غسل مرات.

و لانحصار دليله بالاجماع يجب الاقتصار في استثنائه على ما ثبت فيه الاجماع، و هو المتخلف عن الذبيحة الماكول من غير الخلط بالمسفوح بجذب نفس او علو راس، كما مر في بحث الطهارة، فلا يحل المخلوط به، و لا دم غير الذبيحة و ان كان مما لا نفس له و لو من السمك.

فيحرم ما عدا ما ذكر مطلقا، للاصل، لا للاستخباث، لمنعه جدا، فان الدم لو كان خبيثا لكان كله كذلك، مع انه لا يستخبث المتخلف من الذبيحة.

نعم، تثبت‏حرمة بعض افراد الغير المتخلف بواسطة النجاسة ايضا.

و من الاصحاب من توقف في حرمة الدم المتخلف في غير الماكول، و منهم من حكم بحلية ما عدا المسفوح من الدماء، كدم الضفادع و القراد و السمك مما لا نفس له (63) ، و ظاهر المعتبر و الغنية و السرائر و المختلف و المنتهى و النهاية: حلية دم السمك (64) ، بل ظاهر الاول دعوى الاجماع عليها.

و لا اعرف لهم دليلا سوى الاصل، و العمومات، و قوله سبحانه في سورة الانعام: «قل لا اجد في ما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دما مسفوحا» (65) حيث قيد الدم المحرم بالمسفوح.

و الاولان بما ذكر مندفعان.و الثالث لا يدل الا على عدم الوجدان فيما اوحي اليه، او فيما اوحي اليه حين نزول الآية، فلا ينافي تحريم المطلق بعد ذلك، فان آية الحل مكية و آيتا الحرمة مدنيتان، فهما نازلتان بعد الاولى، فلا تنافي بينهما اصلا، و حمل حرف التعريف في الآيتين على المعهود خلاف الاصل.

مع انه لو لم تحمل الآية الاولى على ما ذكرنا و حملت على نفي التحريم المطلق لزم الحكم اما بنسخها، فلا تكون حجة، او تخصيصها الى ان لا يبقى ما يقرب مدلول العام، و هو يخرج عن الحجية.

ثم مما ذكرنا ظهر حرمة العلقة و دم البيضة، لصدق الدم، مضافا الى ما مر من نجاستهما في بحث الطهارة.

المسالة الرابعة:

لا شك في حرمة ابوال ما لا يؤكل لحمه مما له نفس، لنجاستها.

و اما ما يؤكل لحمه ففي حلية بوله و حرمته قولان:

الاول: للسيد و الاسكافي و الحلي و النافع و المعتبر و الشرائع و الاردبيلي و الكفاية و اليه يميل كلام المسالك (66) ، و عن الاول الاجماع عليه.

للاصل، و العمومات، و حصر المحرمات، و رواية الجعفري: «ابوال الابل خير من البانها» (67) .

و الثاني: لظاهر الشيخ في النهاية و صريح ابن حمزة و مطاعم الشرائع و الارشاد و التحرير و القواعد و المختلف و الدروس و ظاهر الروضة (68) ، و اختاره بعض مشايخنا المعاصرين عطر الله مرقده (69) . للقطع بالاستخباث.

او احتماله الموجب للتنزه عنه من باب المقدمة، فان التكليف باجتناب الخبيث ليس تكليفا مشروطا بالعلم بخباثته، بل هو مطلق.

و الاولوية المستفادة من ادلة حرمة الفرث و المثانة التي هي مجمع البول.

و لمفهوم موثقة عمار: عن بول البقر يشربه الرجل، قال: «ان كان محتاجا اليه يتداوى به شربه، و كذلك بول الابل و الغنم‏» (70) .

و في الكل نظر، اما الاول فلمنع الخباثة جدا، و تنفر بعض الطباع او جلها غير الخباثة المحرمة، فان تنفرها عما تغسل فيه اليد الدنسة - او يوطا بالرجل الدنسة، او تمرس فيه اللحية الكثة، او تدخل فيه الذباب او القمل الكثيرة ثم تخرج - اكثر بكثير من ذلك، مع انه ليس بحرام قطعا و لا يعد من الخبائث‏شرعا، مع انه لو كان[لكان] (71) لعدم الاعتياد او مظنة الحرمة، و لولاهما لم ار فرقا بين لبنها و بولها بالمرة، كيف؟ ! و صرح الامام بكون بول الابل خيرا من لبنها كما عرفت، و ما اظن فيها تنفرا الا من احدى الجهتين المذكورتين.

و اما الثاني، فلمنع عدم كون التكليف باجتناب الخبيث مشروطا بالعلم، و لولاه لزم التكليف بما لا يعلم، فانه يصير المفاد حينئذ: حرمت عليكم الخبائث، سواء علمتم خباثتها او علمتم عدم خباثتها او لم يعلم شي‏ء منهما، و هذا باطل قطعا، و يلزم الاثم باكل ما ظن طيبا و كان خبيثا واقعا و هو خلاف الاجماع.

سلمنا انه ليس مشروطا بالعلم، و لكن لا يجب تحصيل العلم بالاجتناب عنه، اذ لا دليل على ذلك الوجوب و اجتناب المحتمل مقدمة لذلك.

و اما الثالث، فلمنع الاولوية، و كون المثانة مجمعا للبول لا يوجبها، و الا لزم حرمة الكليتين المصرح في الرواية بانهما مجمع البول (72) .

و اما الرابع، فلان المفهوم لا يثبت ازيد من المرجوحية، مع ان الاحتياج للتداوي اعم من الضرورة المبيحة للاشياء المحرمة.

و قد يستدل بوجوه اخر ضعيفة.

المسالة الخامسة:

المشهور بين الاصحاب تبعية لبن الحيوان للحمه حلا و كراهة و حرمة، و عليه الاجماع في الثالث عن الغنية (73) ، و نفي الخلاف فيه و في الثاني في كلام بعض الاجلة (74) ، و الاجماع في الجميع في شرح المفاتيح.

و الاجماع في الاول محقق، و مرسلة داود - المتقدمة في المسالة الثامنة من الفصل الاول (75) المنجبرة بالعمل - عليه دالة.

و الشهرة و الاجماع المنقول كافيان لاثبات الثاني، لتحمله المسامحة.

و لا ينافيها ورود الرخصة في اكل شيراز الاتن (76) في بعض المعتبرة (77) ، لانها تجتمع مع الكراهة.

و اما الثالث، فان ثبت الاجماع عليه - كما هو المحتمل - فهو، و الا فلا دليل عليه، و الاصل يقتضي الحلية.

و غاية ما استدل بعضهم (78) عليه الاجماع المنقول.

و مفهوم المرسلة المشار اليها.

و استصحاب الحرمة، حيث ان اللبن كان قبل الاستحالة دما محرما.

و الجزئية لما يحرم كله، فبحرمة الكل يحرم هو ايضا، اذ لا وجود للكل الا بوجود اجزائه، فتحريمه في الحقيقة تحريم لها.

و الكل مردود جدا:

اما الاول: فبعدم الحجية.

و اما الثاني: فلانه مفهوم وصف و ليس بحجة.

و اما الثالث: فلتغير الموضوع، مع ان حرمة ذلك الدم المستحيل لبنا غير معلومة اولا، فان المعلوم حرمته هو الدم المسفوح.

و اما الرابع: فبمنع حرمة الكل، بل المحرم لحمه و سائر اجزائه الثابتة حرمته.

نعم، لو ثبتت اولا حرمة الكل - الذي من اجزائه اللبن - يمكن استصحاب حرمته، و اين ذلك و انى؟ ! فالتامل في التبعية في الحرمة - كالمقدس الاردبيلي، و صاحب الكفاية (79) - في موقعه جدا، و لو لا مظنة الاجماع لحكمنا بالحلية قطعا، و لكنها تخوفنا من الحكم الصريح.

المسالة السادسة:

قد علم حكم الاجزاء التي عدوها مما لا تحله الحياة مما يؤكل و مما لا يؤكل، و كذا حكم البول و الفرث و الدم و اللبن و البيض، و بقيت اشياء اخر، كالقيح، و الوسخ، و البلغم، و النخامة، و البصاق، و العرق، و الرجيع مما لا يسمى فرثا (80) وروثا.

اما الاربعة الاولى فالظاهر ظهور حرمتها مطلقا، لظهور خباثتها جدا، بحيث لا يستراب فيها ابدا.

و اما الخامس و السادس، فنسب الى المشهور حرمتهما ايضا (81) ، و استدل بعضهم (82) لهما بالخباثة.

و فيه نظر، سيما في البصاق، بل قد يستطاب بصاق المحبوب، و يمص فمه و لسانه، و يبلع بصاقه بميل و رغبة.

و التنفر عن بصاق بعض الاشخاص - لتنفره بنفسه - لا يوجب الحرمة، كيف؟ ! و ليس البصاق اظهر خباثة من اللقمة المزدردة (83) ، و هي محللة قطعا، و قد ورد في الاخبار: ان النبي صلى الله عليه و آله اعطى لقمته من فيه الى من طلبها (84) ، مع انها ممزوجة بالبصاق قطعا.

و قد وردت النصوص بمص الحسين عليه السلام لسان النبي صلى الله عليه و آله و انه نشا من لعاب فمه (85) ، و ان الحسين عليه السلام مص لسان علي بن الحسين عند غلبة العطش يوم الطف (86) .

و وردت نصوص ظاهرة في حل بصاق المراة و البنت (87) ، فالحكم بحليته - كما هو ظاهر الاردبيلي (88) ، و صاحب الكفاية - قوي جدا، و كذا العرق.

و اما السابع - فيما كان مما لا يؤكل مما له نفس - فنجس محرم قطعا، و اما في غيره فلا دليل فيه على الحرمة سوى الخباثة، و اثباتها بالكلية مشكل غايته، سيما في مثل فضلات الديدان الملصقة باجواف الفواكه و البطائخ و نحوها، و لكن لا يبعد ظهورها في البعض، كذرق الدجاجة و السلحفاة و الضفادع، فالوجه الاناطة بها فيها، و الحكم بالحلية فيما لم تعلم خباثته منها.

تعليقات:

1) البقرة: 173، المائدة: 3، النحل: 115.

2) انظر الوسائل 24: 99 ابواب الاطعمة المحرمة ب 1.

3) البقرة: 173.

4) تفسير العسكري عليه السلام: 585.

5) منهم الفيض في المفاتيح 2: 191، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 86، صاحب الرياض 2: 287.

6) الكافي 6: 255 - 2، الوسائل 24: 72 ابواب الذبائح ب 30 ح 3.

7) الكافي 6: 255 - 3، الوسائل 24: 178 ابواب الاطعمة المحرمة ب 32 ح 1.

8) الكافي 6: 214 - 1، التهذيب 9: 37 - 154، الوسائل 23: 376 ابواب الصيد ب 24 ح 1.

9) الكافي 6: 214 - 2 و 3، الفقيه 3: 202 - 918، التهذيب 9: 37 - 155 و 156، الوسائل 23: 376 ابواب الصيد ب 24 ح 2.

10) الكافي 6: 255 - 6، التهذيب 9: 77 - 326، الوسائل 23: 387 ابواب الصيد ب 35 ح 3.

11) منهم المحقق في المختصر النافع 2: 254 و المحقق السبزواري في الكفاية:252.

12) هنا زيادة لفظ: طهارة، في جميع النسخ، و لم نعرف له وجها.

13) البعرة: و هي من البعير و الغنم بمنزلة العذرة من الانسان - مجمع البحرين 3: 227.

14) انظر الروضة 7: 301، المسالك 2: 243، كشف اللثام 2: 85.

15) الشرائع 3: 222، المختصر النافع: 253.

16) انظر المسالك 2: 242، الكفاية: 250.

17) في ص: 70.

18) اللمعة (الروضة البهية 7) : 306.

19) الدروس 3: 15.

20) الخلاف 2: 533.

21) الغنية (الجوامع الفقهية) : 619.

22) انظر الوسائل 3: 513 ابواب النجاسات ب 68.

23) الحلي في السرائر 3: 112، الديلمي في المراسم: 211، حكاه الصيمري في الرياض 2: 288، الشرائع 3: 223، المختصر النافع 2: 253، التنقيح 4: 44، الفاضل في التحرير 2: 161 و القواعد 2: 157.

24) التهذيب 9: 76 - 325، الاستبصار 4: 89 - 340، قرب الاسناد: 135 - 474، الوسائل 24: 183 ابواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 11.

25) المغني و الشرح الكبير 1: 90، مغني المحتاج 1: 80.

26) الكافي 6: 258 - 5، التهذيب 9: 76 - 322، الوسائل 24: 181 ابواب الاطعمة المحرمة ب 33 ح 6.

27) كصاحب الرياض 2: 287.

28) الكافي 6: 254 - 3، التهذيب 9: 74 - 316، الوسائل 24: 172 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 4.

و الفرث: الكرش من السرجين - مجمع البحرين 2: 261. العلباء: هو عصب في العنق ياخذ الى الكاهل، و هما علباوان يمينا و شمالا، و ما بينهما منبت عرف الفرس - انظر النهاية 3: 285.

الحياء: الفرج من ذوات الخف و الظلف - راجع النهاية 1: 472.

29) الفقيه 3: 219 - 1010، الوسائل 24: 174 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 8.

30) الخصال: 433 - 18، الوسائل 24: 172 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 4.

31) في المصدر: عشرة.

32) المحاسن: 471 - 464، الوسائل 24: 177 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 20.

33) الكافي 6: 253 - 2، التهذيب 9: 74 - 315، الخصال: 341 - 4، الوسائل 24: 171 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 2.

34) الكافي 6: 254 - 4، التهذيب 9: 74 - 317، الوسائل 24: 172 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 3.

35) الكافي 6: 253 - 1، التهذيب 9: 74 - 314، المحاسن: 471 - 463، الوسائل 24: 171 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 1.

36) الخصال: 283 - 32، الوسائل 24: 174 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 10.

37) الكافي 6: 220 - 4، التهذيب 9: 4 - 8، الاستبصار 4: 58 - 200، الوسائل 24: 130 ابواب الاطعمة المحرمة ب 9 ح 2.

38) التهذيب 9: 80 - 345، الاستبصار 4: 91 - 348، الوسائل 24: 202 ابواب الاطعمة المحرمة ب 49 ح 2.

39) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 93، الوسائل 24: 201 ابواب الاطعمة المحرمة ب 48 ح 2.

40) البقرة: 173، المائدة: 3، النحل: 115.

41) الوسائل 24: 99 ابواب الاطعمة المحرمة ب 1.

42) الكافي 6: 219 - 1، التهذيب 9: 2 - 1، الوسائل 24: 130 ابواب الاطعمة المحرمة ب 9 ح 1.

43) حكاه عنه في المختلف: 682.

44) المختلف 2: 682، التحرير 2: 161.

45) كصاحب الرياض 2: 288، غير ان فيه ايضا كالمختلف ادعاء الشهرة العظيمة.

46) العلل: 562 - 1، الوسائل 24: 175 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 11.

47) الكافي 6: 254 - 5، العلل: 561 - 1، الوسائل 24: 173 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 6.

48) كالمحقق السبزواري في الكفاية: 251.

49) منهم العلامة في التحرير 2: 141 و الشهيد في الدروس 3: 14.

50) الرياض 2: 288.

51) منهم المحقق في الشرائع 3: 223 و الشهيد الثاني في المسالك 2: 243.

52) الكافي 6: 254 - 6، التهذيب 9: 75 - 318، الوسائل 24: 173 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 5.

53) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 40 - 131، الوسائل 24: 177 ابواب الاطعمة المحرمة ب 31 ح 18.

54) يعني وجوب الاجتناب عنها.

55) الروضة 7: 311.

56) الرياض 2: 288.

57) المسالك 2: 245.

58) المائدة: 3.

59) البقرة: 173.

60) الكافي 6: 242 - 1، الفقيه 3: 218 - 1009، المحاسن: 334 - 104، العلل:483 - 1، امالي الصدوق: 529 - 1، الوسائل 24: 99 ابواب الاطعمة المحرمة ب 1 ح 1.

61) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 92، الوسائل 24: 102 ابواب الاطعمة المحرمة ب 1 ح 3.

62) منهم العلامة في المختلف: 59، الشهيد الثاني في المسالك 2: 245، صاحب الرياض 2: 293.

63) انظر السرائر 1: 174.

64) المعتبر 1: 117، الغنية (الجوامع الفقهية) : 550، السرائر 1: 175، المختلف: 59، المنتهى 1: 163، نهاية الاحكام 1: 268.

65) الانعام: 145.

66) السيد في الانتصار: 201، حكاه عن الاسكافي في المختلف: 686، الحلي في السرائر 3: 125، المختصر النافع 2: 254، المعتبر 1: 411، الشرائع 1: 51، مجمع الفائدة و البرهان 11: 214، الكفاية: 252، المسالك 2: 247.

67) الكافي 6: 338 - 1، التهذيب 9: 100 - 437، الوسائل 25: 114 ابواب الاطعمة المباحة ب 59 ح 3.

68) النهاية: 590، ابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية) : 733، الشرائع 3:227، الارشاد 2: 111، التحرير 2: 161، القواعد 2: 158، المختلف:686، الدروس 3: 17، الروضة 7: 324.

69) و هو صاحب الرياض 2: 295.

70) الوسائل 25: 113 ابواب الاطعمة المباحة ب 59 ح 1.

71) ما بين المعقوفين اضفناه لاستقامة المتن.

72) تقدمت في ص: 137.

73) الغنية (الجوامع الفقهية) : 618.

74) كصاحب الرياض 2: 295.

75) في ص: 70.

76) الشيراز: اللبن الرائب يستخرج منه ماؤه، و قال بعضهم: لبن يغلي حتى يثخن ثم ينشف حتى ينتقب و يميل طعمه الى الحموضة. و الاتن: جمع اتان: الانثى من الحمير - راجع المصباح المنير: 3: 309.

77) الوسائل 25: 115 ابواب الاطعمة المباحة ب 60.

78) و هو صاحب الرياض 2: 295. -

79) الاردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 215، الكفاية: 252.

80) في «ح‏» : بولا.

81) الرياض 2: 295.

82) الدروس 3: 17.

83) في «ق‏» و «س‏» و «ح‏» : المردودة.

84) الكافي 6: 271 - 2، المحاسن: 457 - 388، الوسائل 25: 218 ابواب الاطعمة المباحة ب 131 ح 1.

85) الكافي 1: 465 ذيل الحديث 4، البحار 44: 198 - 14.

86) البحار 45: 43.

87) الوسائل 10: 102 ابواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك ب 34.

88) مجمع الفائدة و البرهان 11: 214.