الفصل الرابع: في التحريم العارض للحيوانات المحللة

و فيه مسائل:

المسالة الاولى:

من موجبات عروض الحرمة: الجلل، و هو موجب للحرمة على الاشهر، بل بلا خلاف يذكر، الا من شاذ ممن تاخر كما ستعرف، اذ لا ينسب الخلاف الا الى الخلاف و المبسوط و الاسكافي، حيث تنسب اليهم الكراهة (1) .

و حاول جماعة بارجاع كلامهم الى المشهور بارادتهم كراهة ما تكون العذرة اكثر غذائه لا ان ينحصر فيها، و الجلل يختص بالاخير (2) .و كلام الخلاف ظاهر في ذلك (3) .

و كيف كان، فالاقوى هنا: الحرمة، للمستفيضة:

منها صحيحة ابي حمزة: «لا تاكلوا لحوم الجلالات، و ان اصابك من عرقها فاغسله‏» (4) .

و مفهوم الشرط في مرسلة ابن اسباط: في الجلالات، قال: «لا باس باكلهن اذا كن يخلطن‏» (5) .

و مفهوم الغاية في مرسلة النميري: في شاة شربت‏بولا ثم ذبحت، قال: فقال: «يغسل ما في جوفها ثم لا باس به، و كذلك اذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة، و الجلالة: التي يكون ذلك غذاؤها» (6) .

و في مرسلة الفقيه: نهى عليه السلام عن ركوب الجلالات و شرب البانها، و قال: «ان اصابك شي‏ء من عرقها فاغسله، و الناقة الجلالة تربط اربعين يوما ثم يجوز بعد ذلك نحرها و اكلها، و البقرة تربط ثلاثين يوما» (7) .

المؤيدة باخبار اخر متضمنة للجمل الخبرية، كما ياتي بعضها.

و لا تنافيها صحيحة سعد: عن اكل لحوم دجاج الدساكر و هم لا يمنعونها من شي‏ء تمر على العذرة مخلى عنها، و عن اكل بيضهن، فقال:

«لا باس به‏» (8) ، اذ لم يصرح السائل فيها باكل العذرة، و الاصل يقتضي عدمه، و على تقدير الاكل لم تعلم الاكثرية او الدوام الموجب للجلل، فالقول بالكراهة - كما في الكفاية - (9) ضعيف جدا.

ثم انه يشترط في حصول الجلل امور ثلاثة: الاغتذاء بعذرة الانسان، محضا، في مدة يحصل فيها الجلل.

اما الاول، فلمرسلة النميري المتقدمة، حيث قال فيها: «التي يكون ذلك غذاؤها» ، فان المشار اليه هو العذرة، مضافا الى وجوب الاقتصار في التحريم على المعلوم، و لم يعلم صدق الجلل في الاغتذاء بغير العذرة.

خلافا للمحكي عن الحلبي، فالحق بالعذرة غيرها من النجاسات (10) .

و هو شاذ مندفع بما مر.

و اما الثاني، فللاصل المذكور ايضا، مضافا الى مرسلتي النميري و ابن اسباط المتقدمتين، المنجبرتين لو كان فيهما ضعف.خلافا للمحكي عن المبسوط، فلم يعتبر التمحض (11) .و هو ايضا شاذ ضعيف و ان كان النزاع يرجع لفظيا، لانه يقول فيه بالكراهة.

و اما الثالث، فظاهر، و لكنهم اختلفوا في المدة التي يحصل بها الجلل، فقدرها بعضهم بان ينمو ذلك في بدنه و يصير جزءا (12) ، و آخر بيوم و ليلة (13) ، و ثالث‏بان يظهر النتن، اي رائحة النجاسة التي اغتذت بها في لحمه و جلده (14) ، و رابع بان يسمى في العرف جلالا (15) .

و غير الاخير خال عن المستند و الدليل، و الاخير و ان كان المحكم فيما لم يرد به من الشرع تعيين الا ان العرف فيه غير منضبط جدا، خصوصا عند اهل تلك الازمنة، سيما تلك البلاد العجمية، فانه لا عرف لهم في لفظ الجلال، الا ان يقال: ان معناه آكل العذرة المعبر عنه بالفارسية: نجاست‏خوار، و هذا يحتمل معنيين:

احدهما: انه لا يحترز و لا يتوقى من اكل النجاسة، و لا شك انه يصدق باكل مرة و مرتين، بل بميله الى الاكل و ان منع عنه.

و ثانيهما: ان ماكوله العذرة من غير تقييد بوقت، و مرادفه في الفارسية: خوراك آن نجاست است، و لا شك ان هذا بالاطلاق لا يصدق الا اذا اغتذى بالنجاسة مدة طويلة، كشهر او نصف شهر او نحوهما، و لا اقل من اسبوع او ثلاثة ايام، فصدق الجلال في الاقل غير معلوم، و الاصل اقوى متبع، و الاجماع المركب في امثال المقام غير معلوم، و لو ابيت عنه فخذ باكثر ما قيل من ظهور النتن، و لو احتطت فخذ بيوم و ليلة، و هو طريق السلامة.

ثم لو انتفى التمحض، و لكن كان اكل العذرة اكثر، كره على المشهور، فهو الحجة فيه، لتحمله المسامحة.

المسالة الثانية:

تحريم الجلال ليس بالذات حتى يستقر و لم يرتفع، بل هو لصدق الجلال، فيرتفع بالاستبراء اجماعا، بان يربط و يطعم العلف الطاهر في مدة معينة، و هي في الابل اربعون يوما اتفاقا فتوى و نصا، و مما ينص عليه مرسلة الفقيه المتقدمة..

و رواية السكوني: «الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة ايام، و البطة الجلالة خمسة ايام، و الشاة الجلالة عشرة ايام، و البقرة الجلالة عشرين يوما، و الناقة اربعين يوما» (16) .

و مرفوعة يعقوب بن يزيد: «الابل الجلالة اذا اردت نحرها تحبس البعير اربعين يوما، و البقرة ثلاثين يوما، و الشاة عشرة ايام‏» (17) .

و رواية يونس المروية في الكافي في الدجاج: «يحبس ثلاثة ايام، و البطة سبعة ايام، و الشاة اربعة عشر يوما، و البقر ثلاثين يوما، و الابل اربعين يوما ثم يذبح‏» (18) .

و بسام: في الابل الجلالة، قال: «لا يؤكل لحمها و لا تركب اربعين يوما» (19) .

و مسمع: «الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغتذي اربعين يوما، و البقرة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغتذي ثلاثين يوما، و الشاة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغتذي عشرة ايام، و البطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربط خمسة ايام، و الدجاجة ثلاثة ايام‏» (20) ، و في نسخ التهذيب و الاستبصار بدلت ثلاثين البقرة في هذه الرواية باربعين، و عشرة الشاة بخمسة.

و في رواية الجوهري المروية في الفقيه: «ان البقرة تربط عشرين يوما، و الشاة تربط عشرة ايام، و البطة تربط ثلاثة ايام‏» (21) قال: و روي ستة ايام، و الدجاجة تربط ثلاثة ايام (22) .

و المروي في الدعائم: «الناقة الجلالة تحبس على العلف اربعين يوما، و البقرة عشرين يوما، و الشاة سبعة ايام، و البط خمسة ايام، و الدجاجة ثلاثة ايام، ثم يؤكل بعد ذلك لحومها، و تشرب البان ذوات الالبان منها، و يؤكل بيض ما يبيض منها» (23) .

ثم اكثر اخبار الباب و ان كانت‏خالية عن الدال على وجوب تعيين هذه المدة، الا ان مفهوم المرسلة الاولى يدل على انتفاء الجواز قبلها، مضافا الى استصحاب التحريم حتى يعلم جواز الاكل.

فالقول بمتابعة زوال اسم الجلل (24) غير جيد، لانه لا يستلزم الحل بعد عروض الحرمة، فيمكن ان يكون الجلال حراما مؤيدا و ان انتفى جلله، فالمتبع دليل التحليل و رفع الحرمة في مدة معينة، و هي - كما عرفت - في الابل اربعون يوما.

و اما البقرة، فقد عرفت ان اقل ما ورد في الروايات في مدة استبرائها عشرون يوما، و عليه المشهور المدعى عليه في الخلاف الاجماع (25) ، و اوسطه الثلاثون، و هو المحكي عن الصدوق و الاسكافي (26) ، و اكثره الاربعون، و هو المنقول عن المبسوط (27) و القاضي (28) .

فالحق: هو الاول، لا لما قيل من ضعف جميع روايات الباب و اختصاص رواية العشرين بالانجبار (29) ، لمنع الضعف عندنا..

بل لدلالة رواية العشرين على جواز الاكل بعدها، و عدم دلالة غيرها على عدم الجواز قبل ما ذكر فيها، غايتها الرجحان و الاستحباب.

و دليل القولين الآخرين بجوابه ظاهر مما ذكر، مع ان الاخبار - التي هي حجة اربابهما - مشتملة على ما لا يقولون به في الشاة.

و اما الشاة، فاقل ما ورد فيها خمسة، و لا قائل بها، و اوسطه عشرة، و هو المشهور المدعى عليه الاجماع (30) ، و اكثره اربعة عشر، و هو المحكي عن الاسكافي (31) ، و قيل فيها بسبعة، و هو المنقول عن المبسوط (32) و القاضي (33) ، و عن الصدوق بعشرين (34) ، و لا اعرف مستنده، فهو ساقط، و كذا السبعة و الخمسة، لضعف روايتهما، اما الاولى فلعدم ثبوتها عن الاصل المعتبر، و اما الثانية فلعدم العامل بها، مضافا الى ما عرفت من اختلاف النسخة..فبقي القولان الآخران، و الترجيح للعشرة البتة، لما مر في البقرة، مضافا الى اكثرية الرواية.

و اقل مدة البطة في الروايات ثلاثة، و هي المحكية عن الصدوق في المقنع (35) ، و اوسطها الخمسة، و هي المشهورة فيها، بل عن الغنية الاجماع عليها (36) ، و اكثرها السبعة، و هي مختار الخلاف مدعيا عليها الاجماع (37) ، و لو لا ضعف رواية الثلاثة - بمخالفة الشهرة العظيمة - لكنا نقول بها، لما مر في البقرة، و لكنه يمنعنا فنقول باقل ما فوقها، و هو الخمسة، لما ذكر.

و اما الدجاجة، فالروايات متفقة فيها على الثلاثة، فهي المدة المعينة لها، و اما الخمسة - كما عن الحلبي (38) - او السبعة - كما عن المبسوط (39) - فلا نعرف لهما حجة.

ثم طرح جميع الروايات - للضعف و الرجوع الى زوال الجلل عرفا، كما احتمله بعض المتاخرين (40) - ضعيف غايته، لانه - مع عدم اعتبار ضعف السند بعد اعتبار الاصل عندنا - خرق للاجماع المركب اولا، و طرح للضعيف المنجبر - الذي هو في حكم الصحيح - ثانيا، و رجوع الى ما لا دليل على مرجعيته ثالثا، اذ غاية ما علت مرجعيته من الدليل استلزام الجلل للحرمة، و اما ايجاب رفعه للحرمة المستصحبة فمن اين يعلم؟ ! الا بتخريج عامي ضعيف! !

و منه يعلم ضعف ما قيل فيما لا تقدير له من الرجوع الى زوال الجلل (41) ، و قيل بالرجوع فيه الى ما يستنبط من المقدرات بالفحوى (42) ، و لا باس به فيما امكن فيه ذلك، و الرجوع الى اكثر ما يمكن ان يكون مدة مقتضى الاستصحاب.

فروع:

ا: لا يحصل الجلل بغير اكل العذرة من النجاسات، للاصل، و عدم الدليل.و التعدي باستنباط العلة قياس مردود.

ب: الظاهر عدم اختصاص الجلل بالحيوانات المذكورة، بل يحصل لكل حيوان يغتذي بالعذرة، لعموم صحيحة ابي حمزة (43) .و الكلام في استبراء ما ليس له مقدر كما مر.

ج: هل تقع على الجلال الذكاة، ام لا؟

الظاهر: الاول، للاستصحاب، و الاطلاقات، و عدم توقف التذكية على الحلية كما في السباع.

د: هل يشترط في حصول الاستبراء الربط او الحبس او القيد، كما في اكثر الروايات؟ او يحصل بمطلق الاغتذاء بغير ما يوجب الجلل، كما هو ظاهر رواية مسمع (44) ؟

الظاهر: الثاني، و الاحوط: الاول، بل لا يبعد ان يكون اظهر، لمفهوم قولهم (45) : «يجوز» في مرسلة الفقيه (46) ، و التعدي في غير موردها بعدم القول بالفصل.

ه: هل يشترط في حصوله العلف بالطاهر، او يحصل بالمتنجس، بل بالنجس غير العذرة لو خصصنا الجلل بالعذرة؟

مقتضى الاستصحاب و ظهور الطاهر من الاطلاقات: الاول، و هو - كما قيل (47) - الاشهر.

و المستفاد من اطلاقات النصوص: الثاني، و لا يبعد ان يكون هو الاظهر.

و: ظاهر الاصحاب و بعض الروايات المتقدمة - بضميمة الاجماع المركب - حرمة البان الجلالات و بيضها، فيجب الاجتناب عنها قبل الاستبراء.

ز: يستحب ربط الدجاجة التي يراد اكلها اياما ثم ذبحها و ان لم يعلم جللها، للمروي في حياة الحيوان: ان النبي صلى الله عليه و آله كان اذا اراد ان ياكل دجاجة امر بها فربطت اياما ثم اكلها (48) .

المسالة الثالثة:

و من موجبات عروض الحرمة: وط‏ء الانسان الحيوان المحلل، بلا خلاف فيه يذكر كما في شرح الارشاد للاردبيلي (49) ، و بلا خلاف مطلقا كما في شرح المفاتيح و كلام بعض آخر (50) ، بل هو فتوى الاصحاب المشعر بالاجماع كما في المفاتيح (51) .

و الدليل عليه - بعد الاجماع المحقق ظاهرا في الجملة - رواية مسمع المنجبر ضعفها - لو كان - بالعمل: سئل عن البهيمة التي تنكح، قال:

«حرام لحمها و كذلك لبنها» (52) .

و موثقة سماعة: عن الرجل ياتي بهيمة شاة او بقرة او ناقة، قال:

فقال: «عليه ان يجلد حدا غير الحد، ثم ينفى من بلاده الى غيرها، و ذكروا ان لحم تلك البهيمة محرم و لبنها» (53) .

و روايات ابن سنان و الحسين بن خالد و اسحاق بن عمار: في الرجل ياتي البهيمة، فقالوا جميعا: «ان كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فاذا ماتت احرقت‏بالنار فلم ينتفع بها، و ان لم تكن البهيمة له قومت و اخذ ثمنها منه و دفع الى صاحبها و ذبحت و احرقت‏بالنار و لم ينتفع بها» الحديث (54) ، دل النهي عن مطلق الانتفاع بها على حرمتها.

و حسنة سدير: في الرجل ياتي البهيمة، قال: «يحد دون الحد و يغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه افسدها عليه، و تذبح و تحرق و تدفن ان كانت مما يؤكل لحمه، و ان كانت مما يركب ظهره اغرم قيمتها و جلد دون الحد [و اخرجها] (55) من المدينة التي فعل بها فيها الى بلاد اخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كيلا يعير بها» (56) ، دل التعليل بالافساد على الحرمة و الا لم يكن فيه افساد.

و يؤيده ايضا ما دل على ذبحها و احراقها:

كصحيحة محمد بن عيسى: عن رجل نظر الى راع نزا على شاة، قال: «ان عرفها ذبحها و احرقها، و ان لم يعرفها قسمها نصفين ابدا حتى يقع السهم بها، فتذبح و تحرق و قد نجت‏سائرها» (57) .

و المروي في تحف العقول: سال يحيى بن اكثم موسى المبرقع عن رجل اتى الى قطيع غنم فراى الراعي ينزو على شاة منها، فلما بصر بصاحبها خلى سبيلها فدخلت في الغنم، كيف يذبح؟ و هل يجوز اكلها ام لا؟ فسال موسى اخاه ابا الحسن الثالث عليه السلام فقال: «انه ان عرفها ذبحها و احرقها، و ان لم يعرفها قسم الغنم نصفين و ساهم بينهما، فاذا وقع على احد النصفين فقد نجا النصف الآخر، فلا يزال كذلك حتى تبقى شاتان، فيقرع بينهما، فايهما وقع السهم بها ذبحت و احرقت و نجا سائر الغنم‏» (58) .

فروع:

ا: قالوا: كما يحرم لحمها و لبنها كذلك يحرم لحم نسلها المتجدد بعد الوط‏ء.و نسبه في الكفاية و شرح المفاتيح الى المشهور (59) ، و نفى بعض من تاخر عنهما الخلاف فيه (60) .

و ربما يستفاد ذلك من النهي عن الانتفاع بها بقول مطلق شامل للاستنسال ايضا.و هو حسن، و يؤكده التعليل بافسادها عليه، و يستانس له بالامر بالذبح و الاحراق.

و هل يختص تحريم النسل بنسل الموطوءة الانثى، او يحرم نسل الفحل الموطوء ايضا على تقدير التعدي في الحكم الى وط‏ء دبر البهيمة ايضا؟

صرح المحقق الاردبيلي في كتاب الحدود من شرحه باحتمال التعدي الى الفحل ايضا، و لعله استند في ذلك الى ان حلية نسله ايضا نوع انتفاع.

و لا يخفى انه خلاف الظاهر المتبادر، و ان لم يكن في التعدي اليه كثير بعد.

ب: صرح الشهيد الثاني و المحقق الاردبيلي (61) بشمول الواطى‏ء - الموجب وطؤه للتحريم - للبالغ و غيره، و الاول بشموله للمنزل و غيره، و الثاني بشموله للحر و العبد، و العاقل و المجنون، و الجاهل بالحكم و العالم.

و هو كذلك، لاطلاق رواية مسمع و صحيحة محمد بن عيسى بالنسبة الى الجميع، و اطلاق البواقي بالنسبة الى غير التعميم الاول، لاختصاصها بالرجل، و لكنه لا يخصص الاوليين ايضا، لان التخصيص انما هو في السؤال، بل و كذلك لو كان في الجواب ايضا، مع انه لو دلت على الاختصاص ايضا لكان لاجل اشتمالها على احكام لا تجري على غير البالغ من الحد و اخذ الثمن.

ج: صرح الثاني بشمول الوط‏ء للدبر و القبل و دبر الانثى و الفحل (62) . و يمكن ان يستدل لها باطلاق النكاح و الاتيان و النزو الشاملة لوط‏ء الدبر ايضا، الا ان بعض الروايات المشتملة للبن ايضا و ضميره الراجع الى البهيمة يخصصها بالمؤنث، و لكن يكفي اطلاق الباقي بضميمة الاجماع المركب في الاحكام الغير المذكورة فيه.

د: هل يعم الموطوءة كل حيوان من ذوات الاربع و غيرها - كالطير - كما هو المشهور؟ او يختص بالاولى كما حكي عن الفاضل (63) ، و يميل اليه كلام جمع ممن تاخر عنه (64) ؟

حجة الاكثر: صدق البهيمة على كل حيوان لغة، قال الزجاج: هي كل ذات الروح التي لا تميز، سميت‏بذلك لذلك (65) .

و دليل الباقين: الاصل، و عدم انصراف الاطلاق الى مثل الطيور، مع انه صرح جماعة - منهم الشهيد الثاني في المسالك - : ان البهيمة لغة ذات الاربع من حيوان البر و البحر (66) .

و هو الاقوى، لذلك، مضافا الى اشتمال بعض الاخبار المتقدمة للبن المخصوص بذوات الاربع، و اختصاص بعضها بالشاة.

ه: الواطى‏ء اما مالك البهيمة او غيره، و على التقديرين اما تكون البهيمة مما يقصد منها لحمها و لبنها - كالشاة و البقرة و الغنم - او ظهرها و ركوبها، كالخيل و البغال و الحمير.

فعلى الاول: تذبح و تحرق بالنار، كما هو مدلول روايات ابناء سنان و خالد و عمار، و يدل عليه اطلاق صحيحة ابن عيسى ايضا، و لا معارض لها سوى موثقة سماعة، حيث دلت على النفي من البلد دون الاحراق، الا انه يمكن ان يكون المنفي عنها فيها هو الواطى‏ء دون الموطوء، و عدم قائل به ان سلم يجري في الموطوء المذكور ايضا.

و على الثاني: قالوا: تنفى الى غير بلد الوط‏ء و تباع فيه.و في اخذ الثمن منه و عدمه - ثم مصرف الثمن - خلاف، و لا دليل على شي‏ء من ذلك، اذ لا دليل على النفي سوى حسنة سدير، و هي ظاهرة في تغاير المالك و الواطى‏ء، الا ان بعضهم نفى الخلاف فيه (67) .

و قد يتوهم شمول التعليل بعدم التعيير في الحسنة لصورة الاتحاد ايضا.

و فيه نظر، لان مثل ذلك يستحق التعيير، بل ظاهر التعليل التخصيص بصورة التغاير، حيث اراد الشارع ان لا يعير به عار بفعل غيره، فان ثبت الاجماع و الا فالاصل يقتضي العدم، و هو الاقوم خصوصا في اخذ الثمن منه، سيما في التصدق به المخالف لاستصحاب ملكيته.

و على الثالث: تذبح و تحرق بالنار، و يغرم الواطى‏ء بثمنها يوم الوط‏ء لمالكها، للروايات و الحسنة و الصحيحة و رواية تحف العقول، المتقدمة جميعا من غير معارض.

و على الرابع: تخرج البهيمة من البلد و تغرم قيمتها، ثم تباع في البلد المخرجة اليه، للحسنة المخصصة للروايات بغير ما يركب ظهرها.

و لا يضر ورود تلك الاحكام بالجملة الخبرية الغير المثبتة للزائد عن الرجحان، لاستلزامه الوجوب في المقام بالاجماع المركب، و كذا فيما ياتي من التقسيم و الاقراع.

ثم القيمة - التي اغرمها الواطى‏ء - للمالك، لانه معنى الاغرام.

و اما الثمن الحاصل بالبيع فقد قيل بتصدقه (68) ، و لا دليل عليه اصلا.

و قيل بالرجوع الى المالك (69) ، لاصالة بقاء ملكيته، و عدم دلالة الاغرام على خروجها عنها.

و لزوم الجمع بين العوض و المعوض باطل، لمنع التعويض، فانه انما هو اذا كان دليل على التعويض.

و احتمل بعضهم الرجوع الى الواطى‏ء، لتملكه لها بالاغرام (70) .

و فيه منع ظاهر، قيل: لان المالك لا يملكها لاخذه القيمة، و عدم جواز كون الملك بلا مالك (71) .

قلنا: مجرد الاخذ لا يدل على الخروج.

ثم لو كانت الدابة مما يقصد منها الامران - كالناقة، سيما عند العرب - يحتمل فيها التخيير، لعدم المرجح، و يحتمل ملاحظة الغالب فيها.

و: لو اشتبه الموطوء بغيره يقسم المجموع نصفين و يقرع عليه مرة بعد اخرى حتى يبقى واحد فيذبح و يحرق، و في تغاير الواطى‏ء و المالك يغرم، على المعروف من مذهب الاصحاب، و في المسالك و شرح المفاتيح نسبته الى عمل الاصحاب (72) ، و في المفاتيح الى فتواهم (73) ، معربين عن دعوى الاجماع عليه.

و تدل عليه صحيحة ابن عيسى و رواية تحف العقول المتقدمتين، المنجبر ضعف سندهما - لو كان - بما ذكر، و ضعف دلالتهما لعدم صراحتهما في الوجوب بعدم الفصل.

ثم ان كان العدد زوجا قسم نصفين متساويين، كما هو مدلول الروايتين، و ان كان فردا اغتفرت زيادة الواحدة في احد النصفين، بل الظاهر ان المراد فيهما مطلقا القسمان المتقاربان.

هذا اذا كان الاشتباه في العدد، الذي كان ممكن الحصر و التقسيم، كما هو مورد الروايتين، و الا سقط الحكم و يرجع الى الاصل.

ثم هذا الحكم و ان كان واردا في الروايتين بخصوص الشاة الا انه يتعدى الى غيرها بالاجماع المركب.

المسالة الرابعة:

لو شرب الحيوان المحلل لحمه خمرا فالمشهور انه لا يؤكل ما في بطنه من الامعاء و القلب و الكبد، بل يطرح، و يؤكل لحمه بعد غسله وجوبا.

و لو شرب بولا نجسا لم يحرم شي‏ء منه، بل يغسل ما في بطنه و يؤكل.

و مستند الاول: رواية زيد الشحام: في شاة شربت الخمر حتى سكرت ثم ذبحت على تلك الحال، [قال: ] «لا يؤكل ما في بطنها» (74) .

و مستند الثاني: مرسلة النميري المتقدمة في المسالة الاولى (75) .

و لا يخفى ان مورد الاولى ما اذا شربت‏بقدر سكرت، فلا يحرم ما في البطن بمطلق الشرب الخالي عن الاسكار.

و ما اذا ذبحت‏حال السكر، فلا يحرم ما اذا ذبحت‏بعدها، و لا دلالة لها على غسل اللحم، و البواطن لا تنجس بالملاقاة، مع ان الملاقاة مع اللحم غير معلومة، و الاصل يقتضي عدمه.

و الاستناد الى مرسلة النميري فاسد، لاختصاصها بالبول، و دلالتها على غسل ما في الجوف دون اللحم، و مع ذلك كله خالية عن الدال على الحرمة، و لذا ذهب الحلي الى كراهة ما في البطن (76) ، و استقر به في الكفاية (77) ، و حكي عن المسالك (78) ، و مال اليه الاردبيلي (79) .و هو الاقوى.

و اما الثانية، فهي ايضا على الوجوب غير دالة، و الاجماع غير ثابت و ان لم يظهر المخالف.

نعم، يمكن ان يستند في وجوب الغسل بوجود عين البول مع ما في البطن اذا ذبحت في الحال، كما صرح بالاختصاص به جماعة (80) ، فلا يجوز الاكل قبل ازالته.

و منه يعلم انه لو دلت الرواية على الوجوب ايضا لم يدل على نجاسة البواطن، مضافا الى احتمال كونه تعبديا.

المسالة الخامسة:

لو ارضع جدي (81) او عناق (82) او عجل من لبن انسان حتى فطم لم يحرم، للاصل، و المستفيضة النافية للباس عنه (83) ، الا ان فيها: انه فعل مكروه.و يحتمل ان يكون المراد بالفعل المكروه هو الارضاع، و ان يكون اكل لحمه و لبنه.

تعليقات:

1) نسبه اليهم الفاضل المقداد السيوري في التنقيح 4: 37 و المحقق السبزواري في الكفاية: 249.

2) منهم فخر المحققين في الايضاح 4: 149، صاحب الرياض 2: 282.

3) الخلاف 2: 541.

4) الكافي 6: 250 - 1، الاستبصار 4: 76 - 281، الوسائل 24: 164 ابواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 1.

5) الكافي 6: 252 - 7، الاستبصار 4: 78 - 288، التهذيب 9: 47 - 195، الوسائل 24: 164 ابواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 3.

6) الكافي 6: 251 - 5، التهذيب 9: 47 - 194، الاستبصار 4: 78 - 287، الوسائل 24: 160 ابواب الاطعمة المحرمة ب 24 ح 2.

7) الفقيه 3: 214 - 991، الوسائل 24: 165 ابواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 6.

8) الكافي 6: 252 - 8، التهذيب 9: 46 - 193، الاستبصار 4: 77 - 286، الوسائل 24: 165 ابواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 4.

الدسكرة: القرية و الصومعة و الارض المستوية و بيوت الاعاجم يكون فيها الشراب و الملاهي - القاموس 2: 30.

9) الكفاية: 249.

10) الكافي في الفقه: 278.

11) المبسوط 6: 282.

12) كالشهيد الثاني في الروضة 7: 290.

13) كالمقداد السيوري في التنقيح 4: 36.

14) كالشهيد الثاني في المسالك 2: 238.

15) كالمحقق السبزواري في الكفاية: 249 و صاحب الرياض 2: 283.

16) الكافي 6: 251 - 3، التهذيب 9: 46 - 192، الاستبصار 4: 77 - 285، الوسائل 24: 166 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 1.

17) الكافي 6: 252 - 6، الوسائل 24: 167 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 4.

18) الكافي 6: 252 - 9، الوسائل 24: 167 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 5.

19) الكافي 6: 253 - 11، التهذيب 9: 46 - 190، الاستبصار 4: 77 - 283، الوسائل 24: 167 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 3.

20) الكافي 6: 253 - 12، التهذيب 9: 45 - 189، الاستبصار 4: 77 - 282، الوسائل 24: 166 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 2.

21) الفقيه 3: 214 - 992، الوسائل 24: 168 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 6.

22) الفقيه 3: 214 - 993، الوسائل 24: 168 ابواب الاطعمة المحرمة ب 28 ح 6.

23) دعائم الاسلام 2: 174، المستدرك 16: 187 ابواب الاطعمة المحرمة ب 19 ح 3.

24) قاله في الروضة 7: 293.

25) الخلاف 2: 542.

26) المقنع: 141، حكاه عنهما في المختلف: 676.

27) المبسوط 6: 282.

28) حكاه عنه في الرياض 2: 283.

29) الرياض 2: 283.

30) الرياض 2: 283.

31) حكاه عنه في المختلف: 676.

32) المبسوط 6: 282.

33) نقله عنه في الرياض 2: 283.

34) المقنع: 141.

35) حكاه عنه في المختلف: 676.

36) الغنية (الجوامع الفقهية) : 618.

37) الخلاف 2: 542.

38) الكافي في الفقه: 277.

39) المبسوط 6: 282.

40) كالمحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 254.

41) انظر ايضاح الفوائد 4: 150، مسالك الافهام 2: 239.

42) انظر الرياض 2: 283.

43) الكافي 6: 250 - 1، الاستبصار 4: 76 - 281، الوسائل 24: 164 ابواب الاطعمة المحرمة ب 27 ح 1.

44) المتقدمة في ص: 114.

45) كذا في النسخ، و الظاهر: قوله...

46) المتقدمة في ص: 111.

47) انظر كشف اللثام 2: 262 و الرياض 2: 281.

48) حياة الحيوان 1: 472.

49) مجمع الفائدة و البرهان 11: 261.

50) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 85.

51) المفاتيح 2: 189.

52) الكافي 6: 259 - 1، الوسائل 24: 170 ابواب الاطعمة المحرمة ب 30 ح 3.

53) الكافي 7: 204 - 2، التهذيب 10: 60 - 219، الوسائل 24: 169 ابواب الاطعمة المحرمة ب 30 ح 2.

54) الكافي 7: 204 - 3، التهذيب 10: 60 - 218، الاستبصار 4: 222 - 831، الوسائل 28: 357 ابواب نكاح البهائم و وط‏ء الاموات و الاستمناء ب 1 ح 1.

55) بدل ما بين المعقوفين في النسخ: و اخرجت، و ما اثبتناه من المصدر.

56) الكافي 7: 204 - 1، الفقيه 4: 33 - 99، التهذيب 10: 61 - 220، الاستبصار 4: 223 - 833، علل الشرائع: 548 - 3، المقنع: 147، الوسائل 28: 358 ابواب نكاح البهائم ب 1 ح 4.

57) التهذيب 9: 43 - 182، الوسائل 24: 169 ابواب الاطعمة المحرمة ب 30 ح 1.

58) تحف العقول: 359، الوسائل 24: 170 ابواب الاطعمة المحرمة ب 30 ح 4.

59) الكفاية: 250، المفاتيح 2: 189.

60) انظر الرياض 2: 498.

61) الشهيد الثاني في المسالك 2: 239، الاردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 11: 261.

62) مجمع الفائدة و البرهان 11: 261.

63) القواعد 2: 157.

64) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 239 و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2:85.

65) نقله عنه في لسان العرب 12: 56.

66) المسالك 2: 239.

67) انظر الرياض 2: 498.

68) المقنعة: 790.

69) الرياض 2: 499.

70) ايضاح الفوائد 4: 498.

71) الرياض 2: 499.

72) المسالك 2: 239.

73) المفاتيح 2: 189.

74) الكافي 6: 251 ح 4، التهذيب 9: 43 - 181، الوسائل 24: 160 ابواب الاطعمة المحرمة ب 24 ح 1، و ما بين المعقوفين اضفناه من المصدر.

75) في ص: 111.

76) السرائر 3: 97.

77) الكفاية: 250.

78) المسالك 2: 239، حكاه عنه في الرياض 2: 286.

79) مجمع الفائدة و البرهان 11: 260.

80) منهم الشهيد الثاني في المسالك 2: 239، الاردبيلي في مجمع الفائدة 11:

261، صاحب الكفاية: 250.

81) الجدي: من اولاد المعز، و هو ما بلغ ستة اشهر او سبعة - مجمع البحرين 1:81.

82) العناق: الانثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول - مجمع البحرين 5: 219.

83) انظر الوسائل 24: 163 ابواب الاطعمة المحرمة ب 26.