بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
و فيه ابواب:
نذكرها في طي مسائل:
الاصل الاولي في كل ما يمكن اكله و شربه:الحلية، و جواز الاكل و الشرب عقلا و شرعا اجماعا، و كتابا (1) ، و سنة (2) ; لما ثبت في علم الاصول من اصالة حلية الاعيان، و اباحة الافعال ما لم تثبتحرمتها بدليل.
الاصل في الخبائث: الحرمة; للاجماع، و قوله سبحانه: «و يحرم عليهم الخبائث» (3) و استدل له بمفهوم قوله سبحانه:
«يسالونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات» (4) و هي المقابلة للخبائث.
و فيه: انه مفهوم لا حجية فيه، مع ان في استلزام عدم التحليل للتحريم و كذا في مقابلة الطيبات للخبائث نظرا.
ثم المراد بالخبائث - على ما ذكرها جماعة (5) - ما تشمئز منه اكثر النفوس المستقيمة، و تتنفر عنه غالب الطباع السليمة.
و الظاهر انه ليس مرادهم ما تتنفر الطباع و تشمئز عن اكله; اذ كثير من العقاقير السبعة و الادوية - كالاهليلجات (6) و نحوها - كذلك، مع انها ليستخبيثة عرفا و لا محرمة شرعا. (بل كثير مما تتنفر عنه الطباع انما يكون لحرمته، او توهم حرمته، او عدم الاعتياد باكله..و لذا ترى تنفر طباع اكثر العجم عن اكل الجراد دون العرب، و تنفر طباع اهل البلدان عن الحية و الفارة و الضب دون اهل البادية من الاعراب، و كان كثيرا مما تتنفر عنه الطباع الآن كانت العرب تاكله قبل الاسلام، كالضب، و المسلمون يتنفرون من الخنزير دون النصارى، الى غير ذلك) (7) .
بل ما تتنفر الطباع عنه مطلقا، اكلا و لمسا و رؤية، كرجيع الانسان و الكلب، بل رجيع كل ما لا يؤكل لحمه، و القيء من الغير و قملته و بلغمه - سيما المجتمع في موضع في مدة - و القيح، و الصديد، و الضفادع، و نحوها.
و لكن في كون المراد من الخبائث في الآية مطلق ذلك نظرا; اذ لا دليل عليه من شرع او لغة بل و لا عرف، الا ترى تنفر الطباع عن ممضوغ الغير، و ما خرج من بين اسنانه، مع ان حرمته غير معلومة.
و لذا قال المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد: معنى الخبيث غير ظاهر; اذ الشرع ما بينه، و اللغة غير مراد، و العرف غير منضبط، فيمكن ان يقال: المراد عرف اوساط الناس و اكثرهم - حال الاختيار - من اهل المدن و الدور، لا اهل البادية; لانه لا خبيث عندهم، بل يطيبون جميع ما يمكن اكله، فلا اعتداد بهم (8) .انتهى.
اقول: ان ما ذكره رحمه الله من امكان الاحالة الى عرف اوساط الناس و اكثرهم: ان اراد احالة التنفر و الاشمئزاز الى عرفهم، فهو انما يتم لو علم انه معنى الخباثة، و هو بعد غير معلوم.
و ان اراد احالة الخباثة، فلا عرف لها عند غير العرب; لانها ليست من لغتهم، و لا يتعين مرادفها في لغتهم.
هذا، مع ان طباع اكثر اهل المدن العظيمة ايضا مختلفة جدا في التنفر و عدمه، كما لا يخفى على من اطلع على احوال سكان بلاد الهند و الترك و الافرنج و العجم و العرب في مطاعمهم و مشاربهم.
و لذا خص بعض آخر بعرف بلاد العرب، و هو ايضا غير مفيد; لان عرفهم في هذا الزمان غير معلوم للاكثر - مع انه لو كان مخالفا للغة لم يصلح مرجعا - و كذا عرفهم في زمان الشارع.
و بالجملة: لا يتحصل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطا يرجع اليه، فيجب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعا - كفضلة الانسان، بل فضلة كل ما لا يؤكل لحمه من الفضلات النجسة المنتنة، و كالميتات المتعفنة و نحوها - و الرجوع في البواقي الى الاصل الاول.
و لا يضر عدم حجية بعض العمومات المبيحة للاشياء لتخصيصها بالمجمل; اذ الاصل العقلي و الشرعي في حلية ما لم يعلم حرمته كاف في المطلوب.
الاصل في الاعيان النجسة و المتنجسة - ما دامت نجسة - : الحرمة بلا خلاف، كما في المسالك و شرح الارشاد و الكفاية و المفاتيح (9) ، بل بالاتفاق كما في شرح المفاتيح، بل بالاجماع كما عن الغنية (10) و غيرهما (11) ، بل يمكن عده من الضروريات كما قيل (12) ، بل بالاجماع المحقق; و هو الحجة فيه، مع التعليل لتحريم لحم الخنزير بالرجسية في قوله تعالى: «فانه رجس» (13) ، و تعليل وجوب الاجتناب الشامل لترك الاكل في الخمر و الميسر و الازلام و الانصاب بالرجسية (14) [و] (15) الاخبار المستفيضة، ، (الواردة في موارد عديدة لا تحصى: منها: الاخبار) (17) الواردة في تحريم اكثر الاعيان النجسة بخصوصها، كالدم و الميتة و الخمر و لحم الخنزير (18) ، بل لعل كلها.
و منها: الاخبار المتضمنة لوجوب اهراق بعض المائعات النجسة و النهي عن اكلها، و غسل بعض غير المائعات قبل الاكل او طرحه، بضميمة الاجماع المركب:
كصحيحة زرارة: «اذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تاكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» (19) .
و الاعرج، و فيها: عن الفارة تموت في السمن و العسل، فقال: «قال علي عليه السلام: خذ ما حولها و كل بقيته» ، و عن الفارة تموت في الزيت، فقال:
«لا تاكله و لكن اسرج به» (20) .
و ابن وهب: جرذ مات في سمن او زيت او عسل، فقال: «اما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزيتيستصبح به» (21) .
و الحلبي: عن الفارة و الدابة في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال:
«ان كان سمنا او عسلا او زيتا فانه ربما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فادفعه حتى تسرج به، و ان كان بردا فاطرح الذي كان عليه» (22) .
و موثقة الساباطي: عن الدقيق يصيب فيه خرء الفارة هل يجوز اكله؟
قال: «اذا بقي منه شيء فلا باس، يؤخذ اعلاه فيرمى به» (23) .
و يونس: عن حنطة مجموعة ذاب عليها شحم الخنزير، قال: «ان قدروا على غسلها اكلت، و ان لم يقدروا على غسلها لم تؤكل» (24) .
و مرسلة سماعة: عن السمن تقع فيه الميتة، قال: «ان كان جامدا فالق ما حوله و كل الباقي» قلت: الزيت؟ فقال: «اسرج به» (25) .
و مرسلة ابن ابي عمير: في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممن يستحل اكل الميتة» (26) .
و اخرى: و هي مثلها، الا ان فيها: «يدفن و لا يباع» (27) .
و رواية السكوني: عن قدر طبخت فاذا في القدر فارة، قال: «يهراق مرقها، و يغسل اللحم و يؤكل» (28) .
و جابر: وقعت فارة في خابية فيها سمن او زيت فما ترى في اكله؟
قال: فقال له ابو جعفر عليه السلام: «لا تاكله» الى ان قال: «ان الله حرم من الميتة كل شيء» (29) الى غير ذلك.
و لا ينافي ذلك بعض الاخبار الدالة على نفي الباس عن اكل خبز العجين الذي عجن بماء وقعت فيه ميتة لملامسة النار (30) ; لانه مبني على تطهره (31) بالنار، و قد مر الجواب عنه في كتاب الطهارة.
و لا بعض آخر دال على جواز اكل المرق الذي وقع فيه دم (32) ; لما ذكر، و لشمول الدم فيه للحلال و الحرام، فيجب التخصيص بالاول.
و كذا لا ينافي الاجماع قول بعض علمائنا بجواز شرب المائع النجس بعد خلطه بالماء المطلق الطاهر الكر و ان لم يستهلك (33) ، و نحو ذلك; لانه ايضا مبني على حصول الطهارة بذلك، و قد بينا ضعفه في كتابها.
الاصل في الاشياء الضارة بالبدن: الحرمة، فانها محرمة كلها بجميع اصنافها - جامدها و مائعها قليلها و كثيرها - اذا كان القليل ضارا; للاجماع المنقول (34) ، و المحقق.
و رواية المفضل، و هي طويلة، و فيها: «علم تعالى ما تقوم به ابدانهم و ما يصلحهم، فاحله لهم و اباحه تفضلا منه عليهم به لمصلحتهم، و علم ما يضرهم، فنهاهم عنه و حرمه عليهم، ثم اباحه للمضطر، فاحله في الوقت الذي لا يقوم بدنه الا به، فامره ان ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك» الحديث (35) .
و مفهوم لفظ الكل في رواية محمد بن سنان المروية في العلل: «انا وجدنا كل ما احل الله تعالى ففيه صلاح العباد و بقاؤهم و لهم اليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، و وجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة للعباد اليه، و وجدناه مفسدا داعيا الى الفناء و الهلاك» (36) .
و الرضوي: «و لم يحرم الا ما فيه الضرر و التلف و الفساد، فكل نافع مقو للجسم فيه قوة للبدن فحلال، و كل مضر يذهب بالقوة او قاتل فحرام» الحديث (37) .
و الاستدلال بحديث نفي الضرر و الاضرار عليل (38) ; لان في الاباحة و التخيير لا يصدق الضرر و الاضرار، مع ان غايته - لو تم - عدم الاباحة الشرعية، و هو غير التحريم.
و قد يستدل ايضا بما ورد في المنع من الطين من التعليل بان فيه اعانة على النفس في قتلها او ضعفها.
و هو كان حسنا لو وجد ذلك التعليل في الاخبار (39) ، و لكني ما وجدته.
نعم، ورد في بعض الاخبار: انه يورث السقم في الجسد و يهيج الداء (40) ، من غير جعل ذلك تعليلا للتحريم.و فيه ايضا: انه من اكل الطين و ضعف عن العمل - الذي كان يعمله قبل ان ياكله - يعذب عليه (41) .ثم كما اشرنا اليه يعم التحريم القليل منه و الكثير اذا كان قليله مضرا ايضا.
و اما ما يضر كثيره دون قليله - كالافيون (42) و السقمونيا (43) و شحم الحنظل و غيرها - فالمحرم منه ما بلغ ذلك الحد دون غيره، و كذا ما يضر منفردا دون ما اذا اضيف الى غيره و لو كان كثيرا لا يحرم الكثير المضاف اليه ايضا، و ما يضر تكريره دون اكله مرة يحرم التكرير خاصة.
و الضابط في التحريم: ما يحصل به الضرر.و الضرر الموجب للتحريم يعم الهلاكة و فساد المزاج و العقل و القوة و حصول المرض او الضرر في عضو.
و بالجملة: كل ما يعد ضررا عرفا; للاجماع، و اطلاق رواية المفضل (44) .
و هل يناط التحريم بالعلم العاري الحاصل بالتجربة و قول جمع من الحذاق و نحوهما، او يحرم بغلبة الظن ايضا؟ صرح في الكفاية بالثاني (45) .و هو الاحوط، و ان كان الاصل يقوي الاول.
الاصل حرمة اكل مال الغير المحترم - مسلما كان او كافرا محفوظا في ماله - بدون اذنه; بالاجماع، بل الضرورة، و الكتاب، و السنة.
قال الله سبحانه: «لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض» (46) .
و قال سبحانه: «فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا» (47) دل بمفهوم الشرط على عدم جواز الاكل بدون الطيبة، و يتعدى الى غير الزوجة بالفحوى و الاجماع المركب.
و في النبوي المشهور: «المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه» (48) .
و في آخر: «المسلم اخو المسلم، لا يحل له ماله الا عن طيب نفس منه» (49) .
و في رواية الحسين المنقري عن خاله: «من اكل من طعام لم يدع اليه فكانما اكل قطعة من النار» (50) .
و في احاديث الخمس عن صاحب الزمان صلوات الله عليه: «لا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا؟ ! » (51) ، الى غير ذلك (52) .
يستثنى من هذه الاصول الاربعة و من سائر ما حرم: ما يدعو الاضطرار اليه; لتوقف سد الرمق و حفظ النفس عليه، فيختص التحريم بالمختار.
و اما المضطر فيجوز له - بل يجب - الاكل و الشرب من كل محرم بلا خلاف - الا في الخمر و الطين كما ياتي - للاجماع..
و قوله سبحانه: «فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم» (53) و المخمصة: المجاعة، و المتجانف: المائل.
و قال عز شانه: «انما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ و لا عاد فان الله غفور رحيم» (54) ، و قريب منه في آية اخرى (55) .
و قال جل اسمه: «و ما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم الله عليه و قد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه» (56) .
و لادلة نفي العسر و الحرج (57) ، و نفي الضرر و الضرار (58) ; اذ لا حرج و لا ضرر اعظم من المنع حينئذ.
و لرواية المفضل المتقدمة في المسالة الرابعة (59) .
و في مرسلة الصدوق: «من اضطر الى الميتة و الدم و لحم الخنزير فلم ياكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر» (60) ، و رواها احمد بن محمد بن يحيى في نوادر الحكمة.
و في الدعائم: قال علي صلوات الله عليه: «المضطر ياكل الميتة و كل محرم اذا اضطر اليه» (61) .
و في تفسير الامام: قال: «قال الله سبحانه: فمن اضطر الى شيء من هذه المحرمات فان الله غفور رحيم ستار لعيوبكم ايها المؤمنون، رحيم بكم حين اباح لكم في ، الى غير ذلك من الروايات (63) .
ثم انه يحصل الاضطرار بخوف تلف النفس مع عدم التناول، او خوف المرض الشاق الذي لا يتحمل صاحبه عادة، او خوف زيادة المرض، او بطء برئه كذلك، او خوف لحوق الضعف المؤدي الى التلف او المرض; كل ذلك لصدق العسر و الحرج و الضرر و الاضطرار معه عرفا.
و الظاهر الحاق خوف تلف العرض او المال المحترم بترك تناوله بما ذكر ايضا; لما ذكر.
و عن الشيخ في النهاية و الفاضل في المختلف (64) و جماعة (65) : التخصيص بخوف تلف النفس; استنادا الى الآيات السابقة.و افادتها للتخصيص ممنوعة.
ثم الاضطرار - كما ذكر - يحصل بالخوف الحاصل من العلم بالضرر و الظن; لصدق العسر و الحرج بالترك مع الظن، و كذا الاضطرار و الضرورة.
و اما مجرد الوهم و الاحتمال فهو غير كاف في التحليل.
ا: الحق المشهور: عدم الفرق بين المحرمات في ذلك، سواء الخمر و الطين و غيرهما; لعموم اكثر الاخبار المتقدمة.
و خصوص موثقة الساباطي في الخمر: عن الرجل اصابه عطش حتى خاف على نفسه فاصاب خمرا، قال: «يشرب منه قوته» (66) .
و المروي في الدعائم: «اذا اضطر المضطر الى اكل الميتة اكل حتى يشبع، و اذا اضطر الى الخمر شرب حتى يروى، و ليس له ان يعود الى ذلك حتى يضطر اليه» (67) .
و مرسلة العلل: «و شرب الخمر جائز في الضرورة» (68) .
و تؤيده حلية الميتة و الدم و لحم الخنزير - التي هي اشد حرمة و اغلظ من الخمر - عند الضرورة، و اهمية حفظ النفس من سائر الواجبات.
خلافا للمحكي عن المبسوط و الخلاف، فقال: لا يجوز دفع ضرورة العطش و الجوع او التداوي بشرب الخمر اصلا (69) .
استنادا الى ثبوت حرمتها في الكتاب، و عدم معارضة آيات الاضطرار لها; لتصدرها بحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير، فهي المباحة للمضطر.
و لا مقاومة (70) اخبار الحلية لها; لان كل خبر يخالف الكتاب فهو مردود.
و لرواية ابي بصير المروية في العلل: «المضطر لا يشرب الخمر، فانه لا تزيده الا شرها، و لانه ان شربها قتلته، فلا يشرب منها قطرة» قال:
و روي: «لا تزيده الا عطشا» (71) .
و الجواب اولا: بان استثناء المضطر ايضا ثبت من الكتاب، فان الآية الاخيرة مطلقة، و كذا آيات نفي العسر و الحرج.
و ثانيا: ان خاص السنة لا يعد مخالفا لعام الكتاب، و لذا يخصص الثاني بالاول اذا كان خاصا مطلقا، كما في المقام; اذ الموثقة و رواية الدعائم خاصان مطلقان، و كذا مرسلة العلل.و لا تعارضها رواية العلل; لانها معللة بما اذا كان المفروض خلافه.
و للمحكي عن بعض الاصحاب، فقال بعدم جواز دفع الضرورة بالطين الارمني، و الطين المختوم; لعموم ادلة حرمة الطين (72) .و جوابه ظاهر.
ب: يحل للمضطر تناول قدر الضرورة من المحرمات، و هو ما يسد به الرمق اجماعا، و لا يجوز له تناول الزيادة على الشبع كذلك، و به فسر بعضهم العادي في الآية المباركة، اي المتجاوز عن الحد، كما ذكره في المفاتيح (73) .و الوجه في الحكمين ظاهر.
و كذا لو دعت الضرورة الى الشبع، كما اذا كان في بادية و خاف ان لا يقوى على قطعها لو لم يشبع، او احتاج الى المشي، او العدو و توقف على الشبع.
و هل يجوز له ان يتجاوز عن سد الرمق الى الشبع؟
ظاهر الاكثر: العدم.و هو مقتضى الاصل، و ظاهر رواية المفضل المتقدمة (74) ، و فسر بعضهم العادي به ايضا، كما نقله في الكفاية (75) .
و الجواز مفاد رواية الدعائم المذكورة في الفرع الاول، حيث قال: «حتى يروى» و لكنها لا تصلح مقاومة للاولى المعتضدة بالاصل.و اما موثقة الساباطي فتحتمل الامران، فالحق هو الاول.
ج: قد اشرنا الى ان التناول في محل الضرورة على وجه الوجوب; لان تركه يوجب اعانته على نفسه و قد نهي عنه في الكتاب (76) و السنة (77) ، و يدل عليه قوله: «فامره» في رواية المفضل، و كذا مرسلة الصدوق المتقدمة.
د: لو لم يجد المضطر الا مال الغير، فالغير اما مثله مضطر اليه، او لا..
فعلى الاول: لا يجوز الاخذ منه ظلما اجماعا; لحرمة الظلم، و عدم مجوز له الا الضرورة الحاصلة له ايضا، و هو احد معاني الباغي المذكورة في الآية عند بعض المفسرين (78) .
و هل يجوز الاخذ منه بغير ظلم من التماس، او دفع ثمن كثير و نحوهما؟
احتمل بعضهم: العدم; لانه اهلاك للغير لاجل ابقاء النفس (79) .
و فيه نظر; لتعارض اهلاك احد النفسين، فلا يحكم بتعين احدهما الا بمعين، و ليس.
نعم، لو ارتكب لابقاء احدهما محرما آخر - كظلم او قتل - تعينتحرمته.
و هل يجوز لذلك الغير حينئذ الايثار و اختيار الغير على النفس؟
قيل: لا; لانه القاء بيده الى التهلكة (80) .
و احتمل بعضهم: الجواز (81) ; لقوله سبحانه: «و لو كان بهم خصاصة» (82) .
و يرد بحمله على ما اذا لم تؤد الخصاصة الى الهلاكة.
و فيه: انه اعم من ذلك، كرواية السكوني: «من سمع مناديا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم» (83) .
كما ان الالقاء الى التهلكة اعم من ايجابه لاحياء الغير، فيتعارضان بالعموم من وجه، و يرجع الى اصل الجواز.
فالاظهر: الثاني، و الاظهر منه ما اذا استنقذ بالايثار المتعدد.كما ان الظاهر عدم جواز الايثار لو لم يكن الغير مؤمنا; لما ورد في الاخبار من عدم مقابلة الف من غير المؤمنين مع مؤمن واحد.
و على الثاني: فلا شك في وجوب البذل على ذلك الغير اجماعا; لان في الامتناع منه اعانة على هلاك المحترم او ضرره، و لرواية السكوني المتقدمة..
و رواية فرات بن احنف: «ايما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج اليه، و هو قادر عليه من عنده او من عند غيره، اقامه الله يوم القيامة مسودا وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يده الى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله و رسوله، ثم يؤمر به الى النار» (84) ، و غير ذلك من الروايات (85) .
و بها يخصص عموم مثل: «الناس مسلطون على اموالهم» (86) .
و الروايتان و ان اختصتا بالمسلم و المؤمن، و لكن المعروف من كلامهم - كما في الكفاية (87) - ثبوت الحكم في الذمي و المستامن ايضا.
و هو حسن ان ثبت وجوب استنقاذهما من الهلاكة ايضا كما ثبت وجوب الاحتراز عن اهلاكهما، و الا ففي الحكم بالوجوب اشكال، و اشكل منه ما اذا ادى الامتناع الى ما دون الهلاكة.
و كما يجب على الغير البذل يجب على المضطر القبول، و الوجه ظاهر، بل له الاخذ قهرا لو امتنع المالك و لو بالسرقة او المقاتلة (88) ; لانه مقدمة الواجب الذي هو حفظ النفس، فيعارض دليل وجوبها دليل حرمته، و يرجع الى الاصل، و لعموم المروي في تفسير الامام المتقدم في صدر المسالة (89) ..بل يجب; للنهي عن المنكر، و يجب على غيرهما مساعدة المضطر و معاونته فيه.
ثم على جميع التقادير المذكورة اما لا يكون المضطر قادرا على الثمن عاجلا او آجلا، او يتمكن منه..
فعلى الاول، يجب البذل على المالك و الاخذ على المضطر مجانا.
و على الثاني، فان بذله المالك مجانا فلا كلام، و الا فلا يجب عليه البذل مجانا و لا للمضطر الاخذ كذلك، بل يجب عليه بذل الثمن العاجل او الآجل على حسب المقدور.
و لو بذله بثمن مؤجل باجل يعلم المضطر عدم القدرة في ذلك الاجل يجب عليه القبول، و ان لم يجب عليه الاداء في الاجل الا مع القدرة.
و هل الثمن الجائز للمالك اخذه و الواجب على المضطر بذله هو ثمن المثل، فلو اراد المالك الزائد عليه المقدور للمضطر لم يكن له ذلك و لم يجب على المضطر البذل؟
او مطلقا، فللمالك مطالبة الزائد و يجب على المضطر بذله؟
الاقرب - كما في الكفاية (90) و غيره (91) ، بل هو المشهور كما في شرح المفاتيح - : الثاني; لدفع الاضطرار بالتمكن على الابتياع بثمن مقدور.
خلافا للمحكي عن المبسوط، فقال: لو طلب منه المالك ما زاد عن ثمن مثله كان ظالما و لم يجب على المحتاج بذل الزائد; لانه مضطر الى دفع الزيادة، فهو كمن اجبر على بذل ماله لغيره، فعلى المالك بذله بثمن المثل، و للمحتاج اخذه منه جبرا ان امتنع بثمن مثله (92) .
و فيه: ان اضطراره مع التمكن من بذله ممنوع، فظلم المالك بمطالبته الزائد مدفوع بتسلط الناس على اموالهم.
و لو اعطى المالك الطعام من غير ذكر العوض و الثمن، فالظاهر انه بغير عوض; للاصل، و الظاهر من العادة في بذل الطعام و الماء للمضطر..
و ينبغي ملاحظة القرائن و الحال من الطرفين و الطعام، فان لم يكن فالمرجع الاصل.
و لو ادعى المالك ذكر العوض و انكره المحتاج فعلى المالك الاثبات; لحصول الاباحة قطعا، و اصالة عدم الذكر.
و ان ادعى انه قصده و لم يظهره لم يجب على المحتاج العوض; لتسليطه على الاتلاف، و عدم تحقق ما يوجب لزوم العوض، فان القدر الثابت لزومه مع الاظهار دون القصد.
و منه يظهر عدم لزومه لو ثبت قصده بدون اظهاره، فان اعطاء المالك مجوز للاتلاف، و الاصل عدم توقفه على شيء آخر و لو قصده من غير اظهار، و معه فالاصل عدم الاشتغال بشيء آخر.
و لو قدر المحتاج على الثمن و الزائد و لم يبذله المالك و اخذ منه قهرا او خدعة او سرقة لم يجب على المحتاج الا ثمن المثل، و الوجه ظاهر.
و يشعر كلام بعضهم بعدم لزوم ثمن المثل حينئذ; لانه ليس بغاصب و لا مشتر، بل اكل ما يجوز له اكله، بل يجب من غير تقويم، و الاصل عدم اشتغال الذمة بالثمن.
و فيه نظر; اذ لا نص على اباحة الاتلاف حتى يعمل باصالة عدم التقييد كما في الصورة السابقة، بل المبيح الاجماع و الضرورة، فيكتفى فيه بالقدر المتيقن.
و لا يتوهم انه على ذلك يجب عليه ما يرضى به المالك او يقدر عليه دون ثمن المثل; لانه ينافي ادلة الضرر، كما ياتي في ذيل الفرع اللاحق.
ه: لو وجد المضطر مال الغير و لم يكن الغير حاضرا فلا شك في جواز اخذه.
و هل يشترط اذن الحاكم لو وجد، و العدول لو لم يوجد، ام لا؟
الظاهر انه ان كان الغائب ممن ثبتت ولايته للحاكم و العدول وجب; لان الضرورة تقدر بقدرها، و الا فلا.
فان كان مما ياخذه باذن الحاكم او العدول ياخذه على حسب اذنهم من التقويم و قدر القيمة، و ان كان مما ياخذه بنفسه يجب عليه التقويم بنفسه; لانه القدر الثابت جوازه من الشريعة، فان الاصل عدم جواز التصرف في مال الغير بدون اذنه، و لم يثبت الجواز هنا بدون التقويم; اذ لا نص على اباحة الاتلاف هنا، بل المبيح الاجماع و الضرورة، فيكتفى فيه بالمتيقن.
و منه تظهر التفرقة بين ذلك و بين ما مر في الفرع السابق.
ثم التقويم الواجب هل هو بثمن المثل، او بكل ما يعلم رضا المالك به و لو زاد عن الثمن بالقدر المقدور، او كلما يقدر عليه؟
مقتضى الاصل: احد الاخيرين، و لكن ادلة نفي الضرر و الاضرار تثبت الاول، و لا يعارضه حديث: «الناس مسلطون على اموالهم» (93) ; اذ ليس هناك صاحب مال حاضر.
و منه يظهر الفرق بين ذلك و بين ما اذا كان ذو المال حاضرا و طلب الزائد عن ثمن المثل.
و: لو وجد المضطر مال الغير و الميتة و نحوها من الدم و لحم الخنزير و المسكر، فان بذله المالك بغير عوض او بعوض مقدور عاجلا او آجلا تعين اكل مال الغير; لعدم الاضطرار و لو زاد الثمن عن ثمن المثل..الا اذا كان بقدر يضر بحاله فلا يتعين; لادلة نفي الضرر.
و ان لم يبذله المالك، او من قام مقامه، او كان غائبا، فالحق التخيير; لوجوب احد الامرين بالاضطرار، و عدم المعين.
و قد يرجح اكل الميتة بل يعين; لانه ابيح للمضطر بنص القرآن (94) دون اكل مال الغير، فهو ان كان مضطرا تباح له الميتة كالمذكى، فلا يكون مضطرا الى مال الغير، و ان لم يكن مضطرا فلا يباح له شيء منهما، و مع ذلك فليس في اكل الميتة الا حق الله الساقط باباحته، و في اكل مال الغير حق الله و حق الناس و لزوم الثمن المخالف للاصل.
و فيه: ان مع امكان اكل مال الغير لا نسلم انه مضطر الى الميتة، فلا يشمله نص القرآن، بل هو مضطر الى احد المحرمين، فيباح احدهما مخيرا; بالاجماع و الضرورة، و يسقط حق الناس بلزوم الثمن، و مخالفة الاصل لازم على كل حال، و الاكثرية في طرف لا يؤثر في التعيين عندنا.
و قد يرجح اكل مال الغير، بتضمن اكل الميتة; لتنفر الطبع الموجب للخباثة، و للضرر الذي هو علة تحريمها، و لاكل النجس، و حرمتها بنفسها، بخلاف مال الغير، فانه لا يتضمن الا الاخير.
و فيه: ان اكثرية سبب الحرمة في طرف لا يوجب تعيين غيره اذا كان هو ايضا محرما; مع انه ايضا قد يوجب الاضرار بالغير المنفي شرعا كما اذا لم يقدر على الثمن، او بالمضطر كما اذا قدر عليه، و قد تكون الميتة مما لا تنفر فيها، و الضرر فيها بمرة واحدة احتمالي و في مال الغير قطعي.
ز: قد خص الكتاب العزيز اباحة المحرم للمضطر بما اذا لم يكن باغيا و لا عاديا (95) .
و قد اختلفوا في تفسيرهما، و قد عرفت تفسير بعضهم الاول بمن ياخذ من مضطر مثله، و الثاني بمن ياكل الزائد عن قدر الشبع، او الزائد عن قدر الضرورة.
و فسر الاول في مرسلة البزنطي بالباغي على الامام، و الثاني بقاطع الطريق (96) .
و في روايتي عبد العظيم (97) و حماد (98) فسر الاول بالذي يبغي الصيد بطرا و لهوا، و الثاني بالسارق.
و المروي في المجمع الاول بالباغي، و الثاني بالعادي بالمعصية طريق المحقين (99) .
و في تفسير الامام الاول بالباغي، و الثاني بالقول بالباطل في نبوة من ليس بنبي و امامة من ليس بامام (100) .
و في معاني الاخبار الاول بباغي الصيد، و الثاني باللص (101) .
و في المروي في تفسير العياشي الاول بالخارج على الامام، و الثاني باللص.و فيه ايضا الاول بالظالم، و الثاني بالغاصب (102) .
و لا تنافي بين الروايات; لجواز كون المراد من اللفظين المعاني كلا، فيحملان عليها جميعا، و لا يضر ضعف الروايات بعد وجودها في الاصول المعتبرة.و اما غير المعنيين الواردين في النص فلا اعتبار به.
و اما غير المتجانف لاثم فمعناه - كما اشير اليه - : غير مائل الى اثم في الاكل; بان ياكل زيادة على الحاجة، او للتلذذ، او يتعمد في الاكل من غير حاجة.و يحتمل ان يكون المعنى: غير عاص بسفره.
ح: ظاهر الآيات المبيحة للمحرمات للمضطر (103) و اكثر رواياتها (104) و ان اختص باباحة اكل ما حرم اكله للمضطر، الا ان مقتضى عموم تفسير الامام المتقدم (105) و ادلة نفي العسر و الحرج و الضرر: اباحة كل محرم للمضطر في الاكل و الشرب من غير اختصاص باباحة ما يحرم اكله و شربه، و لذا ابيح مال الغير، مع ان التصرف فيه و الاخذ منه و اجباره محرم ايضا.
و على هذا، فتباح بالاضطرار الى الاكل و الشرب الافعال المحرمة لو توقف عليها، كما لو وجدت امراة دفع اضطرارها بالتمكين من بضعها، او شرب خمر، او ترك صلاة; بان لا يبذل المالك قدر الضرورة الا باحد هذه الافعال، فتباح هذه الافعال، لمعارضة ادلة حرمتها مع ادلة المضطر، فيرجع الى الاصل.
و هل يجب ارتكاب المحرم حينئذ؟
فيه نظر; اذ لا دليل عليه، الا اذا ادى الاضطرار الى هلاك النفس، فان الظاهر انعقاد الاجماع على تقدم حفظه على سائر الواجبات.
و منه يظهر جواز اكل الميت الآدمي، و قتل الحي الحربي.و اما الذمي و المستامن فلا يجوز; لتعارض ادلة نفي الضرر و الحرج من الطرفين، و عدم صلاحية المروي في التفسير خاصة لاباحة المحرمات.
و منه يظهر عدم جواز اخذ قطعة من لحم حي مسلم، كلحم فخذه.
و بالجملة: المناط - في غير ما تجري فيه ادلة اباحة ما حرم اكله او شربه للمضطر - ادلة نفي العسر و الحرج و الضرر، و جريانها موقوف على عدم جريانها في الطرف الآخر ايضا، فتامل.
يستثنى من الاصول الاربعة و من كل محرم ايضا ما اذا دعت الى تناوله التقية; للاجماع، و ادلة وجوب التقية (106) .و يجب الاقتصار فيه على قدر التقية.
و اما ما ورد في مرسلة زرارة: في المسح على الخفين تقية؟ قال:
«لا يتقى في ثلاث» قلت: و ما هن؟ قال: «شرب الخمر» او قال: شرب المسكر «و المسح على الخفين، و متعة الحج» (107) ، فانما يدل على عدم اتقائهم عليهم السلام، فلعله كان لعلمهم بانه لا يترتب عليه ضرر في حقهم، او لانه كان اجتناب هذه الامور منهم معروفا مشهورا عند الناس، بحيث لا تؤثر فيها التقية، او لا يطلب منهم.
و اما رواية سعيد: «ليس في شرب النبيذ تقية» (108) فلعل المراد منه:
النبيذ الحلال، او المراد - بل هو الظاهر - : ان التقية انما تكون فيما يتقى فيه عن المخالفة في المذهب، فيرتكب ما يوافق مذهبهم اخفاء لمذهبه و لو لم يكرهوه عليه، و شرب النبيذ حرام عند الكل، فلا معنى للتقية فيه; لانه موافق لمذهبهم (109) .
نعم، لو اكره عليه فهو امر آخر غير التقية، و قد رفع عن امته ما استكرهوا عليه.و بذلك يمكن الجواب عن الرواية الاولى و ما بمعناهما ايضا.
و استثني من الاصول الثلاثة الاولى - بل من كل محرم ايضا - ما اضطر اليه للتداوي و الخلاص من الامراض، فاستثناه جماعة مطلقا اذا انحصر الدواء فيه و لم تكن مندوحة منه، اختاره القاضي و الحلي و الدروس و الكفاية (110) ، و اطلاق كلام الثاني ايضا محمول على عدم المندوحة عنه.
و منع جماعة عن التداوي بالخمر، بل كل مسكر، و نسبه المحقق الاردبيلي و في الكفاية و المفاتيح و شرحه الى المشهور (111) ، و عن الخلاف دعوى الاجماع عليه (112) ، بل ذكر الاول الخلاف و المنع من التداوي بالنسبة الى سائر المحرمات ايضا.
و فصل الفاضل في المختلف و الشهيد الثاني و صاحب المفاتيح و شارحه، فجوزوا التناول و المعالجة مع خوف تلف النفس مطلقا، و منعوا فيما دونه عن المسكرات او كل محرم (113) .
دليل الاول: صدق الاضطرار و الضرورة المجوزين للتناول - كما مر - مع توقف العلاج عليه، و ادلة نفي العسر و الحرج و الضرر و الضرار، و رواية المفضل و الرضوي المتقدمة (114) ، و فحوى موثقة الساباطي السابقة (115) ، و رواية سماعة المروية في طب الائمة: عن رجل كان به داء فامر بشرب البول، فقال: «لا يشربه» فقلت: انه مضطر الى شربه، [قال: «ان كان مضطرا الى شربه]و لم يجد دواء لدائه فليشرب بوله، و اما بول غيره فلا» (116) .
و حجة الثاني: عمومات حرمة المسكرات او مع سائر المحرمات كتابا (117) و سنة (118) ، و خصوص المستفيضة:
كصحيحة الحلبي: عن دواء عجن بالخمر، فقال: «لا و الله، ما احب ان انظر اليه، فكيف اتداوى به؟ ! انه بمنزلة شحم الخنزير» او لحم الخنزير «و ان اناسا ليتداوون به» (119) ، و قريبة منها الاخرى (120) .
و رواية ابي بصير، و فيها - بعد السؤال عما وصف للسائلة اطباء العراق لدفع قراقر بطنها من النبيذ بالسويق - : «لا و الله، لا آذن لك في قطرة منه، فلا تذوقي منه قطرة، فانما تندمين اذا بلغت نفسك هاهنا» ، و اوما بيده الى حنجرته، يقولها ثلاثا: «افهمت؟ » قالت: نعم (121) .
و رواية ابن اسباط: ان بي - جعلت فداك - ارواح البواسير و ليس يوافقني الا شرب النبيذ، فقال له: «مالك و لما حرم الله و رسوله» الحديث (122) .
و صحيحة ابن اذينة: عن الرجل يبعث له الدواء من ريح البواسير و يشربه بقدر سكرجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللذة و انما يريد به الدواء، فقال: «لا و لا جرعة» ثم قال: «ان الله لم يجعل في شيء مما حرم شفاء و لا دواء» (123) .
و رواية قائد بن طلحة: عن النبيذ يجعل في الدواء، قال: «ليس لاحد ان يستشفي بالحرام» (124) .
و المروي في رجال الكشي عن ابن ابي يعفور: قال: اذا اصابته هذه الاوجاع، فاذا اشتدت به شرب الحسو من النبيذ فسكن عنه، فدخل على ابي عبد الله عليه السلام فاخبره بوجعه و انه اذا شرب الحسو من النبيذ سكن عنه، فقال له: «لا تشربه» فلما ان رجع الى الكوفة هاج به وجعه، فاقبل اهله فلم يزالوا به حتى شرب، فساعة شرب عنه سكن، فعاد الى ابي عبد الله عليه السلام فاخبره بوجعه و شربه، فقال: «يابن ابي يعفور، لا تشرب فانه حرام، انما هو الشيطان موكل بك و لو قد يئس منك ذهب» فلما رجع الى الكوفة هاج به وجعه اشد مما كان فاقبل اهله عليه، فقال لهم: و الله ما اذوق منه قطرة ابدا، فآيسوا منه اهله، و كان يهم (125) على شيء و لا يحلف، فلما سمعوا آيسوا منه و اشتد به الوجع اياما ثم اذهب الله به عنه، فما عاد اليه حتى مات رحمه الله (126) .
و مستند الثالث: ادلة الاول، مضافة الى النهي عن القاء النفس الى التهلكة و قتلها.
قال الله سبحانه: «و لا تقتلوا انفسكم» (127) .
و قال: «و لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق» (128) .
و وجوب حفظها عقلا و نقلا، و كون محافظتها مقدمة على اكثر الواجبات.
اقول: لا شك ان اخبار المنع - التي هي حجة الثاني - كلها عامة بالنسبة الى الاضطرار و العسر و الضرر و عدمها، بل بالنسبة الى المندوحة عنه و عدمها.