و فيه فصلان:
و هي ثمانية:
الاول: خيار المجلس. و المراد به خيار المتبايعين ما لم يفترقا، سواء جلسا في موضع، او قاما، او مشيا، او غير ذلك.
و الاصل في ثبوته-بعد الاجماع المحقق، و المحكي مستفيضا في التذكرة (1) و غيره (2) -الاخبار المتضمنة لقوله: «البيعان بالخيار حتى يفترقا» ، [كالصحاح الاربعة لزرارة (3) و محمد (4) و ابن يزيد (5) و الفضيل (6) ] (7) و في الاخيرة: «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» .
او: «المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» كصحيحة محمد (8) .
و في صحيحة الحلبي: «ايما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فاذا افترقا فقد وجب البيع» (9) .
و ما في بعض الاخبار-من اللزوم بعد الصفقة على الاطلاق او ان لم يفترقا (10) -شاذ مطروح، او على التقية محمول-فانه فتوى ابي حنيفة (11) - او بصورة انتفاء الخيار مخصوص.
و هاهنا فروع:
ا: لا اشكال في ثبوت الخيار اذا وقع البيع من المالكين.
و ان وقع من وكيليهما، فهل الخيار للمالكين، او الوكيلين، او لهما؟
و المستفاد من كلام بعضهم انه يبني على صدق «البيعين»و «المتبايعين» ، فان قلنا بصدقهما على احدهما فالخيار له، و ان قلنا بصدقهما عليهما فلهما.
ثم ان الظاهر من بعضهم انهما لا يصدقان الا على المالكين (12) ، و يظهر من آخر اختصاصهما بالوكيلين (13) ، و من ثالث صدقهما عليهما (14) .
و لا يخفى ان البيع-كما عرفت-هو نقل الملك بنحو مخصوص، و هو اعم من ان يكون نقلا لملك نفسه او غيره و قد صدر من الوكيل نقل الملك، فلا ينبغي الريب في صدقه عليه اذا كان التعيين و القبض و الاقباض بيده.
نعم، يشكل فيما اذا كانا وكيلين في خصوص اجراء الصيغة فقط، و لا يبعد الصدق حينئذ ايضا.
و اما المالكان، فالظاهر الصدق اذا كانا بنفسهما مباشرين لتعيين الثمن و المثمن و القبض و الاعطاء و ان وكلا في اجراء الصيغة غيرهما.
و اما اذا لم يباشرا ذلك، و كان الجميع بيد الوكيلين، فالظاهر عدم الصدق.
و اما جواز القول: بان فلانا باع فرسه، فهو مجاز، لصحة السلب، فيقال: لم يبعه هو بل باعه غيره، و لانه يجوز ان يقال: باع فلان فرس فلان، و لم يتحقق الا بعمل واحد و هو من الوكيلين حقيقة قطعا، لعدم صحة السلب.
فالظاهر صدق البايعين على الوكيلين، الا اذا كانا وكيلين في مجرد الصيغة، ففيه اشكال.
ثم انا لو قلنا بثبوته للمالكين مطلقا او في بعض الصور يختص بما اذا كانا مجتمعين في محل البيع، لان المستفاد من الروايات-بقرينة قولهم عليهم السلام: «حتى يفترقا» -ثبوته للبايعين المجتمعين حال البيع، بل في محله.
و اما المتفرقان حال البيع، او المجتمعان لا في مجلس البيع، فلا خيار لهما مطلقا، كما ان الوكيلين ايضا-على ما قيل (15) -لا خيار لهما مع صدق البايعين عليهما ايضا الا مع اذن المالك عموما او صريحا في الخيار، اذ بدونه يحصل التعارض بين اخبار خيار البائع و ادلة عدم جواز تصرف الوكيل الا فيما وكل فيه، و الترجيح للثاني، و لولاه فالاصل معه.
و هو عندي محل نظر، لان الفسخ بالخيار ليس تصرفا عرفا..
سلمنا، و لكن بعد تسليم صدق البائع عليه يكون الاذن حاصلا له من قبل الشارع، فالاقوى جواز فسخه.
ثم لو قلنا بعدم صدق البائع على الوكيلين، و عدم ثبوت الخيار لهما لاجل ذلك، فهل يثبت لهما مع التوكيل في الخيار ايضا على وجه يصح، ام لا؟
صرح بعضهم بالاول (16) ، لعمومات الوكالة، و هو انما يتم مع ثبوته للمالكين، و اما بدونه مطلقا او مع عدم الاجتماع فلا، اذ لا يجوز التوكيل الا فيما يجوز فعله للموكل.
بل في الثبوت بالتوكيل مع ثبوته للموكل ايضا نظر، لعدم ثبوت جواز التوكيل في كل ما يجوز للموكل فعله، و الاصل يقتضي عدم ترتب الاثر الا فيما ثبت فيه جواز التوكيل.
مع ان هاهنا كلاما آخر، و هو ان الثابت من الاخبار ثبوت الخيار للموكلين اذا لم يفترقا، فلو جاز التوكيل فيه لجاز اذا كانا مجتمعين و لم يفترقا بعد، لا ان يجوز التوكيل في الخيار اذا لم يفترق الوكيلان، و هذا ظاهر جدا، و ظاهر المجوز ارادة الاخير.
و حكم المتفرقين-بان يكون احد المتبايعين وكيلا و الآخر مالكا- يظهر مما مر.
ب: هذا الخيار يثبت في جميع اقسام البيع، كالسلف و النسية و التولية و المرابحة، و بالجملة: جميع ما يصدق عليه البيع، لعموم الروايات.
ج: يسقط هذا الخيار بامور:
الاول: مفارقتهما او احدهما عن صاحبه و لو بخطى، بلا خلاف، للاخبار المتقدمة (17) ، و صحيحة محمد: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول:
«بايعت رجلا، فلما بعته قمت فمشيتخطى ثم رجعت الى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا» (18) ، و قريب منها غيرها (19) .
بل نفي الخلاف عن الخطوة ايضا (20) ، فان ثبت الاجماع عليها، و الا فسقوط الخيار بالافتراق بها-بل و بالخطوتين-مشكل، لعدم تبادر مثلهما عن الافتراق عرفا و عادة، بل و كذا الخطوات الثلاث، و لا يفيد لفظ الخطى في الصحيح، اذ لا يتعين فيه اقل الجمع، لانه اخبار عن فعله عليه السلام.
فالمناط: حصول الافتراق عرفا، و الظاهر حصوله بنحو من خمسة او ستة و ما زاد، سواء كان ذلك بالمشي، او جذب نفسه الى ورائه بهذا المقدار.
و لا يسقط بالتماشي و التقارب بخطى.
و المستفاد من الصحيح: سقوط الخيار بالافتراق و لو قصد الرجوع او السقوط، فالاستشكال في التباعد لا بقصد الافتراق لا وجه له، كما لا وجه للاسقاط بالاخذ في الافتراق بقصد المفارقة و لو لم تحصل المفارقة العرفية بعد..و كونه تسليما للزوم ممنوع.
ثم ان القدر الثابت من الاخبار و الظاهر من كلام الاصحاب-بل المصرح به في عبارات جماعة (21) -اعتبار المباشرة و الاختيار في الافتراق، فلو اكرها او احدهما عليه لم يسقط، سواء منع من التخاير و الفسخ او لا.
و قيده جماعة بالاول (22) .و لا وجه له، لان عدم الفسخ في حال يثبت معها الخيار لا يثبت الالتزام، فاذا زال الاكراه فلهما الخيار.
و هل هو فوري، او يستمر باستمرار مجلس الزوال؟
قيل بالاول (23) ، لرفع الضرورة به، فيقتصر على مخالفة مقتضي اللزوم عليه.
و فيه: ان المسلم هو اللزوم بعد حصول الافتراق الظاهر في الاختياري، و اصالة اللزوم مطلقا ممنوعة.
و ايضا لو كان الاصل اللزوم، فاي ضرورة في القول بالخيار عند الاكراه على الافتراق؟ ! فان كان سبب الضرورة هو اثبات الخيار في الاخبار قبل حصول الافتراق الظاهر في الاختياري فهو بعد موجود.
و هذا حجة القول الثاني، مضافا الى الاستصحاب، مع ان السقوط بزوال مجلس زوال الاكراه ايضا مشكل، اما اذا كان زواله بنحو التقارب فظاهر، و اما ان كان بالتباعد فلان المفروض حصول الفرقة بالاكراه، فلا معنى لحصول الافتراق الموجب لزوال الخيار بعدها، اذ لا يكون افتراق الا من الاجتماع.
و المسالة محل الاشكال، و للتوقف فيها مجال.
ثم الاكراه الموجب لعدم السقوط هل هو ما يترفع معه القصد-كحمل البايعين و جرهما عن المجلس-او يشمل نحو التهديد على الجلوس و نحو الافتراق للخوف من الجلوس ايضا؟
يحتمل كلامهم الاطلاق، بل هو المصرح به في كلام بعضهم (24) ، و الظاهر من الاخبار: الثاني، لصدق الافتراق لعدم اعتبار الرضا فيه قطعا و ان احتمل اعتبار المباشرة فيه، و لذا يستصحب الخيار مع عدمها.
و لو فارق احدهما مجلس العقد و منع الآخر من مصاحبته كرها ففيه اشكال، لعدم ثبوت الافتراق منهما، سيما مع منعه عن التكلم.
الثاني: اشتراط سقوط الخيار في ضمن العقد، بلا خلاف يعرف كما في كلام جماعة (25) ، بل عليه الاجماع في الغنية (26) و غيره (27) ، لوجوب الوفاء بالشرط، لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (28) .
و كون هذا الشرط مخالفا للسنة المثبتة للخيار او لمقتضى العقد ممنوع، لانه انما هو اذا شرط عدم ثبوت الخيار لا سقوطه المستلزم للثبوت اولا، فيشترط انه يسقط بمجرد ثبوته، و هذا لا يخالف سنة و لا مقتضى العقد.
نعم، لو شرط عدم ثبوت الخيار فالظاهر فساده، و لكن لا يبعد القول باستلزامه للايجاب، لدلالته التزاما على الالتزام المسقط للخيار.
و لو شرط عدم الفسخ فيجب الوفاء به، و لو فسخ حينئذ لم ينفسخ، للنهي عن الفسخ الموجب لعدم ترتب الاثر عليه.
و يدل على زوال الخيار بهذا الاشتراط انه التزام للعقد، و سياتي انه موجب لسقوط الخيار.
و الظاهر عدم الفرق في السقوط فيما اذا كان الشرط في ضمن العقد او قبله، وفاقا للشيخ (29) ، لاطلاق بعض ما مر.
الثالث: اسقاطهما او احدهما اياه بعد العقد بكل لفظ يدل عليه، بالاجماع المحقق و المحكي مستفيضا (30) ، و به يقيد اطلاق المستفيضة المثبتة للخيار.
مضافا الى العلة المنبهة عليه في صحيحة علي بن رئاب الواردة في خيار الحيوان، و فيه: «الشرط في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري اشترط او لم يشترط، فان احدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة فذلك رضا منه فلا شرط له» ، قيل: و ما الحديث؟ قال: «ان لامس او قبل او نظر الى ما كان محرما عليه قبل الشراء» (31) .
و لو اختار احدهما الامضاء و الآخر الفسخ تقدم الفسخ، و الوجه ظاهر.
الرابع: التصرف، فان كان من المشتري في المبيع فيسقط خياره، كما يسقط خيار البائع ان تصرف في الثمن.
و ان كان من كل منهما او احدهما في ما كان له اولا فيسقط خيارهما، بمعنى انفساخ البيع الذي هو محل الخيار.
اما الثاني فظاهر.
و اما الاول فتدل عليه صحيحة علي بن رئاب المتقدمة، و لكن لا يثبت منها ازيد من السقوط بالتصرف المفهم للالتزام و عدم ارادة الفسخ، او المفهم للفسخ و عدم الرضا بالبيع، و الاجماع المركب غير ثابت، فالاقتصار على الاول لازم.
و على هذا، فهو ايضا التزام للبيع كالثالث، الا انه قولي و هذا فعلي.
الخامس: الاقوى عدم ثبوت هذا الخيار للعاقد عن اثنين ولاية او وكالة، لعدم صدق المتبايعين حقيقة، و دليل ثبوته ضعيف.
الثاني: خيار الحيوان. و هو ثلاثة ايام للمشتري، بالاجماع المحقق، و المحكي في التذكرة (32) و غيره (33) ، و المستفيضة، كصحيحة علي بن رئاب المتقدمة.
و صحيحة ابن سنان: عن الرجل يشتري الدابة او العبد، و يشترط الى يوم او يومين، فيموت العبد او الدابة، او يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: «على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام و يصير المبيع للمشتري، شرط له البائع او لم يشترط» (34) .
و صحيحتي زرارة (35) و محمد (36) : «البيعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة ايام» .
و صحيحة الفضيل: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: «ثلاثة ايام للمشتري» قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (37) .
و صحيحة الحلبي: «في الحيوان كله شرط ثلاثة ايام للمشتري، و هو بالخيار فيها ان اشترط او لم يشترط» (38) .
و صحيحة ابن اسباط: «الخيار في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري، و في غير الحيوان ان يتفرقا» (39) .
و موثقة ابن فضال: «صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة ايام» (40) .
ا: هل هذا الخيار للمشتري خاصة، او له و للبائع؟
الاقوى هو: الاول، و هو الاشهر، بل عليه عامة من تاخر (41) ، وفاقا للاسكافي و الصدوق و الشيخين و ابي علي و الديلمي و القاضي و الحلي (42) ، و عليه الاجماع عن الغنية و الدروس (43) ، بل لا يبعد دعوى الاجماع المحقق فيه، فهو-بعد الاصل-الحجة في الاختصاص.
مضافا الى ظهور «اللام» في الروايات كلها في الاختصاص، و اظهر منه التفصيل في الصحاح الاربعة لزرارة و محمد و الفضيل و ابن اسباط، بل هي كالنصوص في ذلك، كما يشهد به العرف الذي هو الحجة في المقام.
و المذكور في الاوليين و ان كان صاحب الحيوان الا ان المراد منه المشتري، للتفسير به في الموثقة، و لانهما بحسب السياق-كما عرفت- ظاهران في اختصاص الخيار باحدهما، و هو مخالف الاجماع ان اريد به البائع، لعدم الانحصار فيه، مع ان المشتق حقيقة في المتلبس على التحقيق في مثله.
و يدل على الاختصاص ايضا الصحيح المروي في قرب الاسناد: عن رجل اشترى جارية لمن الخيار، للمشتري او للبائع او لهما كلاهما؟ فقال:
«الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة ايام، فاذا مضت ثلاثة ايام فقد وجب الشراء» (44) .
خلافا للسيد، فاثبته للبائع ايضا (45) ، و تبعه بعض المتاخرين (46) .
لصحيحة محمد: «المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» (47) .
و هي ضعيفة، لمخالفتها لشهرة القدماء (48) ، فلا تصلح حجة، مع انها معارضة بما مر، فلو لم يرجح ما مر بالاكثرية و الاشهرية فتوى لتعين العمل بالاصل، و هو مع الاختصاص..و قد توجه بوجوه لا باس بها في مقام التاويل.
نعم، لو باع حيوانا بحيوان فالظاهر المصرح به في كلام جماعة (49) ثبوت الخيار لهما، لا لاتحاد العلة، لكونها مستنبطة، بل لاطلاق صحيحتي زرارة و محمد (50) ، بل عموم صحيحة محمد الاخيرة، خرج ما خرج فيبقى الباقي.
و منه تظهر قوة ثبوت الخيار للبائع لو كان الثمن حيوانا.
ب: هل ذلك الخيار يعم جميع الحيوانات، ام يختص بغير الاماء.
ذهب الاكثر الى الاول (51) ، و هو الحق، لاطلاق النصوص، و صحيحة ابن رئاب بالخصوص (52) ، و خصوص صحيحة قرب الاسناد.
و تضعيف الاطلاق-باختصاص الحيوان بغير الانسان عرفا-ضعيف، للعموم لغة، بل عرفا ايضا، كما تدل عليه هذه الصحيحة.
و خلافا للحلبي و ابن زهرة، فجعلا المدة في الاماء مدة الاستبراء (53) ، و مستندهما غير واضح، سوى الاجماع الذي ادعاه الثاني، و هو ممنوع.
ج: مبدا هذا الخيار من حين العقد، لانه المتبادر من اللفظ، و الظاهر من الاخبار المفصلة بان الخيار في الحيوان ثلاثة ايام، و في غيره حتى يفترقا.
خلافا للشيخ و الحلي، فجعلاه من حين التفرق (54) ، بناء على حصول الملك به عنده.
د: خيار المجلس ثابت في الحيوان لكل من المتبايعين، لعموم ادلته.
ه: يسقط هذا الخيار بشرط سقوطه، او اسقاط المشتري اياه بعد العقد، لما مر، و بتصرف المشتري فيه في الجملة، بلا خلاف كما في المسالك (55) ، بل عن التذكرة الاجماع عليه (56) .
و تدل عليه صحيحة ابن رئاب المتقدمة، و صحيحة الصفار: في الرجل اشترى من رجل دابة فاحدث فيها حدثا من اخذ الحافر او نعلها او ركب ظهرها فراسخ، اله ان يردها في الثلاثة ايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها او الركوب الذي ركبها فراسخ؟ فوقع عليه السلام: «اذا احدث فيها حدثا فقد وجب الشراء» (57) .
ثم التصرف ان كان مفهما للرضا و الالتزام يقينا او ظهورا عرفا فلا اشكال في اللزوم به، و هو مجمع عليه، و قوله في الصحيحة الاولى:
«فذلك رضا منه فلا شرط له» يدل عليه، و كذلك ما فسر به الحدث فيها، و هو من باب التمثيل بقرينة كون الكلام في صدر الحديث في جميع الحيوانات، فالمراد ما يماثل ذلك مما لا يليق الا بالمالك مستقرا، او يظهر منه الاستقرار و الرضا.
و ان لم يكن كذلك، فالظاهر من كلام الفاضلين (58) و جماعة (59) و المصرح به في كلام بعضهم عدم ايجابه اللزوم (60) ، للاصل، و كون التصرفات المذكورة في الصحيحين مفهمة للالتزام.
و يؤيده توقف تحقق مقتضى حكمة وضع الخيار على نوع تصرف.
و خالف فيه جماعة (61) و لعلهم الاكثر، فقالوا باللزوم بمطلق التصرف، لعموم الحدث في الحديثين.
و لا يخفى ان الحدث فيهما و ان كان عاما الا ان صدقه على كل تصرف ممنوع، كما يدل عليه جعله عليه السلام احداث الحدث رضا من المشتري في الحديث الاول، فانه لا شك في ان كل تصرف ليس رضا، و كذا عطف الركوب على الحدث في الثاني، مع ان الظاهر من احداث الحدث في شيء تصرف يوجب تغييرا فيه، كالنعل و اخذ الحافر و جز الشعر و امثالها.
نعم، التمثيل للحدث في الاول باللمس و التقبيل و النظر و ان كان يفهم نوع تعميم فيه الا انه-لكونه خلاف المعنى الظاهر من احداث الحدث في شيء، و لما مر من جعله دالا على الرضا، و عطف الركوب عليه-لا يثبت الاطلاق.
و التحقيق: ان الصحيحة الاولى مجملة من هذه الجهة، لجواز تقيد الحدث فيها بالدال على الرضا و ابقاء قوله: «فذلك رضا منه» على حاله، [او] (62) ارادة حكم الرضا من قوله «ذلك» و ابقاء الحدث على حاله، فاللازم الاخذ بالمتيقن، و هو الدال على الرضا.
و لا ينافيه تفسير الحدث فيها، لانه تفسير لاصل الحدث، فيكونالمعنى: و الحدث الذي دل على الرضا يوجب اللزوم ذلك، او تكون هذه الامور في الامة موجبة للرضا.
و اما الصحيحة الثانية فجواب الامام فيها عام، و لكن اطلاق الحدث على كل تصرف غير معلوم كما ذكرنا، بل غاية ما يعلم منه انه ما اوجب احداث امر في شخص المبيع.
و اما التفسير المذكور في الاولى فلكونه خلاف المعنى الظاهر من الحدث لا يوجب التعدي عنه، لجواز كونه مما يدل على الرضا، او لاجل كونه مما يوجب حصول ارتباط بين المشتري و المبيع، فتامل.
و من ذلك يظهر ان الظاهر سقوط هذا الخيار بالتصرف المفهم للرضا بدوام البيع و استمراره، او بالتصرف المعلوم صدق الحدث عليه مما يوجب تغييرا في شخص المبيع، [و] (63) لا يجوز التعدي عما مثل به في غير ما يعلم صدق الحدث عليه.
و ظهر من ذلك[ان ما يشك] (64) في دخوله في ذلك فالاصل فيه بقاء الخيار.
و قد يستدل له ايضا بصحيحة الحلبي: عن رجل اشترى شاة فامسكها ثلاثة ايام ثم ردها، قال: «ان كان تلك الثلاثة ايام شرب لبنها رد معها ثلاثة امداد، و ان لم يكن لها لبن فليس عليه شيء» (65) .
و فيه نظر، للتصريح فيها بان الرد بعد ثلاثة ايام، فهو ليس مما نحن فيه من خيار الثلاثة.
الثالث: خيار الشرط الثابتبه. و هو بحسب ما يشترط لاحدهما، او لكل منهما، او لاجنبي عنهما، او عن احدهما، او له مع احدهما عنه، او عن الآخر، او عنهما، او له كذلك معهما، بلا خلاف كما في كلام جماعة-منهم: الكفاية و الحدائق (66) - بل بالاجماع المحقق، و المحكي في الخلاف و الانتصار و الغنية و التذكرة (67) ، و هو الحجة.
مضافا الى صحيحة ابن سنان، و فيها: «و ان كان بينهما شرط اياما معدودة، فهلك في يد المشتري قبل ان يمضي الشرط، فهو من مال البائع» (68) .
و رواية السكوني: «ان امير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط الى نصف النهار، فعرض له ربح فاراد بيعه، قال: ليشهد انه قد رضيه و استوجبه ثم ليبعه ان شاء، فان اقامه في السوق و لم يبع فقد وجب عليه» (69) .
و المستفيضة الآتية الواردة في اشتراط الفسخ برد الثمن (70) .
و بتلك الادلة تخصص عمومات لزوم البيع، و عموم ما يدل على عدم وجوب الوفاء بشرط خالف السنة، حيث انه مخالف لما يدل على لزوم البيع مطلقا، او مع الافتراق مطلقا.
و من هذا يظهر ضعف الاستدلال بعمومات وجوب الوفاء بالشرط (71) ، كما يظهر وجه اشتراط ضرب المدة للخيار و كونها مضبوطة غير محتملة للزيادة و النقيصة، لانه الثابت من الاجماع و الاخبار المذكورة.
فلو شرطا خيارا و اطلقا من دون بيان المدة، او معه مع احتمالها للزيادة و النقصان و لو بيوم، بطل الشرط قولا واحدا في الثاني، و على الاظهر في الاول، بل الاشهر بين من تاخر (72) ، لما مر، و لعدم انصرافها الى واحد معين، لبطلان الترجيح بلا مرجح، فيكون مجهولا واقعا فيبطل، بل يوجب جهل العوضين او احدهما ايضا واقعا، و هو مبطل للبيع.
خلافا للمفيد و الخلاف و الانتصار و القاضي و الحلبي و ابن زهرة، فقالوا بكون الخيار الى ثلاثة ايام (73) ، و ظاهر الثانيين-كصريح الآخر- الاجماع عليه، بل ادعى الثاني وجود النص فيه، و هو-كالاجماع-غير محقق، فلا حجية فيهما.
ا: اذا بطل الشرط بالجهل يبطل العقد على الاشهر الاظهر، لكون العقود تابعة للقصود. .و قد رفعنا النقاب عن وجه هذا المرام في كتابنا المسمى بعوائد الايام (74) .
ب: لا يشترط تعيين المدة بالايام، فلو عينها بالشهر او السنة او الى العيد الاضحى-مثلا-جاز و ان احتمل الزيادة و النقصان بحسب الايام من جهة نقصان الشهور، للاخبار الآتية في شرط خيار الفسخ برد الثمن، حيث ان المدة المضروبة فيها سنة، و لا فصل بين السنة و الشهر.
و السر: ان اللازم تعيين المدة بما يتعين به لا بخصوص عدد الايام، و هو يتعين بما ذكر ايضا، و لذا يصح لو عين بالايام مع انه قد لا يتعين حينئذ بحسب الشهور.
ج: اطلاق الشرط ينصرف الى الخيار المتصل بالعقد، بحكم التبادر، فقول الشيخ-بان ابتداءه انقضاء المجلس (75) -ضعيف.
نعم، لو اشترطا الانفصال او المجلس مع تحديد مدة الانفصال (76) جاز، لاطلاق صحيحة ابن سنان (77) .
د: اشتراط الخيار للاجنبي تحكيم لا توكيل عمن جعله عنه، فلا خيار له معه، للاصل.
ه: قالوا: يجوز اشتراط مؤامرة الغير و الرجوع الى امره (78) ، و في التذكرة الاجماع عليه (79) ، و اطلاق صحيحة ابن سنان يدل عليه، و حينئذ يلزم العقد من جهة المتبايعين و يتوقف على امر الغير، فان امر بالفسخ جاز للمشروط له الفسخ و لا يتعين عليه، و ان امر بالالتزام فليس له الفسخ و ان كان اصلح، و الوجه ظاهر.
و: يجوز اشتراط الخيار مدة مضبوطة للبائع بشرط رد الثمن، بلا خلاف، و في المسالك عليه الاجماع (80) ، و تدل عليه الروايتان المتقدمتان.
و صحيحة سعيد بن يسار: انا نخالط اناسا من اهل السواد و غيرهم، فنبيعهم و نربح عليهم العشرة اثنى عشر و العشرة ثلاثة عشر، و نؤخر ذلك فيما بيننا و بينهم السنة و نحوها، و يكتب لنا الرجل على داره او ارضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي اخذ منا شراء بانه قد باع و قبض الثمن منه، فبعده ان هو جاء بالمال الى وقتبيننا و بينه ان نرد عليه الشراء، و ان جاء الوقت و لم ياتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في ذلك الشراء؟ قال: «ارى انه لك ان لم يفعل، و ان جاء بالمال للوقت فرد عليه» (81) .
و موثقة اسحاق بن عمار: رجل مسلم احتاج الى بيع داره فمشى الى اخيه، فقال له: ابيعك داري هذه على ان تشترط لي اني اذا جئتك بثمنها الى سنة تردها علي، قال: «لا باس بهذا ان جاء بثمنها الى سنة ردها عليه» ، قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فاخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال:
«الغلة للمشتري، الا ترى انها لو احترقت لكانت من ماله» (82) .
و رواية معاوية بن ميسرة: رجل باع دارا له من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط انك ان اتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فاتاه بماله، قال: «له شرطه» ، قال له: فان ذلك الرجل قد اصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، فقال: «هو ماله» ، و قال ابو عبد الله عليه السلام: «ارايت لو ان الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري» (83) .
و قال في المسالك: فاذا رد البائع الثمن او مثله مع الاطلاق فسخ البيع، و لا يكفي مجرد الرد (84) .
اقول: ما ذكره من عدم كفاية مجرد الرد هو ظاهر الاصحاب كما قيل (85) ، فان ارادوا عدم كفايته في انفساخ العقد فهو كذلك، و ان ارادوا في عدم عود المبيع الى البائع فهو غير متجه.
و التحقيق: ان المشروط تارة يكون ثبوت الخيار للبائع مع رد الثمن، و اخرى رد المشتري المبيع اليه معه او كونه له، و كل منهما يصح و يلزم.
اما الاول-و هو من باب خيار الشرط-فلما مر من الاجماع و الروايتين (86) ، و عليه لا يكفي الرد في الفسخ، لان الرد لا يثبتسوى الخيار، فالفسخ يتوقف على اختياره..و لا يفيد قصد الفسخ بالرد او شهادة الحال له به، اذ تحقق الخيار يتوقف على الرد، فحين الرد لا خيار له، اذ لا يعلم من الشرط الا تحقق الخيار بعد الرد لا حينه، فالخيار يحصل بعد الرد، فلا يفيد الرد و لو قصد به الفسخ، اذ لم يثبت الخيار له بعد.
نعم، لو شرط الانفساخ بالرد و قلنا بجوازه ينفسخ بالرد، و لكن جواز هذا الشرط محل نظر.
و اما الثاني، فلعمومات الوفاء بالشرط (87) ، و خصوصات الروايات الثلاث المذكورة (88) ، و هو ليس من باب خيار الشرط، بل المشروط هو رد المشتري المبيع، فيجب عليه-لما ذكر-من غير احتياج الى فسخ، كما هو المستفاد من تلك الروايات.
و من ذلك يظهر ان الاستدلال بها على خيار الشرط-كبعض المتاخرين (89) -في غير موقعه.
نعم، يشترط على الثاني كون رد الثمن لاجل ذلك، فلو رده بقصد آخر لم يجب الرد.
ثم في قوله: او مثله مع الاطلاق، دلالة على عدم كفاية رد المثل مع التصريح برد خصوص الثمن الماخوذ، و هو كذلك، و الوجه فيه ظاهر، كما في كفاية المثل مع التصريح به ايضا..و اما كفايته مع الاطلاق فلعلها لانه المتبادر، و هو كذلك، سيما مع ما هو الغالب من احتياج البائع الى الثمن و التصرف فيه، كما هو مورد الاخبار ايضا.
و كيف كان، فالمناط هو منظور المتعاقدين و ما يدل عليه من القرائن الحالية او المقالية.
و منه يظهر الحكم في اشتراط المشتري ارتجاع الثمن مع رد المبيع في مدة مضبوطة، الا ان الغالب فيه ارادة رد شخصه عند الاطلاق.
و قال ايضا: و لو اشترط ارتجاع بعضه ببعض الثمن او الخيار في البعض ففي صحته نظر، من مخالفة النصوص، و عموم: «المسلمون عند شروطهم» ، و هو اوجه (90) .
اقول: و قد تنظر فيه في الدروس ايضا (91) .
و التحقيق: انه ان كان الشرط رد البعض دون ثبوت الخيار فالاوجه الصحة، لعموم الوفاء بالشرط.
و ان كان ثبوت الخيار في البعض ففيه نظر، لما عرفت من ان دليله الاجماع-و تحققه في البعض غير ثابت-و الروايتان، و شمولهما له غير ظاهر، بل عدم الشمول اظهر، اما الاولى (92) فلحكمه عليه السلام بان جميع المبيع لو تلف انما هو من البائع، و اما الثانية (93) فلانها قضية في واقعة.
و منه يظهر فساد الشرط لو شرط خيار فسخ البعض في مدة و فسخ البعض الآخر في مدة اخرى، او خيار فسخ الجميع بعضه في مدة و بعضه في الاخرى.
ز: يسقط هذا الخيار بالاسقاط في المدة، اجماعا كما في الغنية (94) ، و تدل عليه رواية السكوني المتقدمة.
و يسقط ايضا بالتصرف ممن له الخيار في العوض المنتقل اليه، كما ان التصرف في ماله المنتقل الى صاحبه يفسخ العقد، اذا كان الاول مفهما للرضا و الثاني للفسخ لا مطلقا.
اما الفسخ بالثاني فظاهر.
و اما اللزوم بالاول فتدل عليه-مضافة الى ما مر في خيار الحيوان من العلة المذكورة-رواية السكوني المتقدمة.
و اما عدم اللزوم بمطلق التصرف، فللزوم الاقتصار فيما خالف ما دل على ثبوت الخيار على القدر الثابت من النص، و لم يظهر منه الازيد من الدال على الرضا كما مر.
مضافا الى الاخبار المتقدمة المجوزة للبيع الشرطي بشرط رد الثمن، فان الثمن مما يتصرف فيه البتة.
و من هذا يظهر ان تصرف البائع في الثمن الواقع في الاغلب في البيع الشرطي في امثال زماننا لا يوجب سقوط خياره.
ح: ثبوت خيار الشرط في العقود اللازمة مخالف لمقتضى الاصل، لكونه مخالفا لما دل على اللزوم، فلا يثبت الا فيما دل دليل على ثبوته فيه، و قد ثبت في البيع كما مر، و يثبت في عقود اخر ايضا، كما ياتي في موضعه.
و قد يتوهم اصالة ثبوته في كل عقد، لعموم ادلة الوفاء بالشرط.
و فيه: انه امر مخالف للسنة، فلا تجري فيه العمومات كما مر.
الرابع: خيار الغبن. و ثبوته للمغبون هو المشهور بين الاصحاب، خصوصا المتاخرين منهم (95) ، بل عليه الاجماع في الغنية و التذكرة (96) ، و كثير من المتقدمين-بل اكثرهم كما في الدروس (97) -لم يذكروه، و نقل في الدروس عن المحقق في درسه القول بعدمه، و نسبه الى ظاهر الاسكافي، و ظاهر الكفاية التردد فيه (98) .
و الحق: ثبوته، لا لقوله سبحانه: «الا ان تكون تجارة عن تراض منكم» (99) ، حيث انه لو علم المغبون لم يرض، لان غاية ما يدل عليه جواز الاكل فيما كان تجارة عن تراض و عدم جوازه بالباطل، و اين هذا من الخيار؟ !
و من اين يثبت كون هذا بدون التراضي باطلا؟ مع ان ظاهر قوله:
«تجارة عن تراض» -كما صرح به الاردبيلي في آيات الاحكام و نقله عن الكشاف و مجمع البيان (100) -اشتراط التراضي حين العقد، فالآية على عدم الخيار ادل.
و لا لما روته العامة عن النبي صلى الله عليه و آله في تلقي الركبان من انه ان تلقاهم متلق فاشتراه فصاحبه بالخيار اذا قدم السوق (101) ، المنجبر ضعفه بالشهرة، لعدم دلالته على كون الخيار لاجل الغبن، بل هو مطلق كما صرح به في المنتهى، و قال: لاجل اطلاقه افتى بعض العامة مختار المتلقى و ان لم يغبن (102) ، و انما خصه فيه و في غيره بصورة الغبن من جهة استنباط العلة و المناسبة، و هو عندنا غير صالح للاستناد.
و لا للنصوص المصرحة بحرمة غبن المسترسل، و المؤمن، و النهي عنه (103) ، لعدم دلالتها على الخيار.
بل لنفي الضرر و الضرار في احكام الاسلام، كما ورد في المتواترة من الاخبار (104) .
و المراد منه-كما بيناه في موضعه-: ان كل حكم مستلزم للضرر فهو ليس من احكام الشرع، و لا شك ان لزوم البيع هنا مستلزم للضرر، فهو ليس حكما للشرع، بخلاف صحة البيع، فانها حكم آخر غير اللزوم و لا يستلزم ضررا، فهي ثابتة قطعا، و هذا معنى الخيار.
و لا تضر معارضة ادلة لزوم البيع لاخبار نفي الضرر، اذ لو رجحنا الثانية بالاكثرية و الاشهرية في المورد و معاضدتها للاعتبار فهو، و الا فيرجع الى الاصل، و مقتضاه انتفاء اللزوم.
فان قلت: الضرر كما يندفع بالخيار يندفع بالتسلط على اخذ التفاوت ايضا، فاللازم من نفي الضرر عدم كون اللزوم و عدم التسلط على التفاوت معا من حكم الشرع، بل يتعين انتفاء احدهما، و لا دليل على كون المنفي هو الاول.
قلنا: يتعين الاول بالاجماع على بطلان الثاني، مع انه لو قطع النظر عن الاجماع تتعارض ادلة لزوم البيع مع ادلة تسلط الغابن على ماله-الذي منه التفاوت-و الترجيح مع الثاني، لموافقة الكتاب، على انه لو لا الترجيح لعمل بالاصل المقتضي لعدم اللزوم.
نعم، يحصل الاشكال-كما في القواعد و التذكرة (105) -فيما اذا بذل الغابن التفاوت، و لذا قيل بعدم الخيار حينئذ، اقتصارا فيما خالف الاصل الدال على لزوم العقد على المتيقن المجمع عليه و المتحقق به الضرر، و ليس منهما محل الفرض (106) ، و احتمله بعض المتاخرين (107) ، و هو الاقوى، لذلك.
خلافا للمشهور، لاستصحاب الخيار الثابتبالاجماع في موضع النزاع.
و لان دفع التفاوت لا يخرج المعاوضة المشتملة على الغبن على اشتمالها عليه، لانه هبة مستقلة.
و فيهما نظر، اما الاول فلمنع ثبوت الخيار اولا حتى يستصحب، بل نقول: بتبالمبايعة المشتملة على الغبن احد الامرين: اما بذل الغابن التفاوت او خيار المغبون، و الاجماع على ثبوته اولا مطلقا ممنوع.
و اما الثاني، فلمنع كونه هبة مستقلة، بل هو من مقتضى المعاوضة، لا بمعنى انه مقتضاها معينا، بل بمعنى انه مقتضى احد الامرين، و مع ذلك فخروج المعاوضة عن اشتمالها على الغبن ظاهر.
ا: يشترط في ثبوت هذا الخيار امران:
احدهما: جهالة المغبون بالقيمة وقت العقد، فلو عرفها ثم زاد او نقص فلا خيار، و الظاهر عدم الخلاف فيه، و في المسالك الاجماع عليه (108) ، و منه يظهر الوجه فيه.
مضافا الى خروج مثل ذلك عن عمومات نفي الضرر بالاجماع القطعي، بل الضرورة، فان لكل احد هبة ماله و اباحته و صلحه و بيعه باقل من ثمن المثل، بل يدل عليه كل ما دل على لزوم ذلك، كاكثر الاخبار الدالة على ان منجزات المريض من الاصل او الثلث (109) ، و كذا يدل عليه عموم:
«الناس مسلطون على اموالهم» و غير ذلك.
هذا اذا قلنا بكونه ضررا، و اما لو لم نقل به-كما هو المحتمل، لان غير السفيه لا يفعل مثل ذلك الا لغرض فيجبر الضرر به-فالامر اوضح.
و ثانيهما: الزيادة او النقصان الفاحش الذي لا يتسامح بمثله عادة، فلو كان التفاوت يسيرا يتسامح بمثله في العادة فلا خيار، و لم اعثر فيه على خلاف ايضا.
و يدل عليه: ان المسامحة العادية تكون شاهد حال على الرضا بذلك التفاوت، و قد عرفتخروج الضرر مع الرضا عن عمومات نفيه.
بل نقول: ان ما يتسامح به عادة لا يوجب الزيادة او النقصان في القيمة، لان القيمة ليستشيئا معينا، بل هي ما يقابل به الشيء عند اهل خبرته، فاذا تسامحوا بشيء فيه لا يكون هذا تفاوتا في القيمة، بل القيمة تكون هي الواقع بين طرفي عدم التسامح، و لا يجب كونها امرا معينا غير قابل للزيادة و النقصان، مع ان صدق الضرر على مثل ذلك عرفا ممنوع.
ب: الاقوى-كما في الدروس و المسالك (110) -فورية هذا الخيار، لادلة لزوم كل بيع، و معناه عدم جواز نقضه في شيء من الاوقات، خرج قدر الضرورة بالدليل فيبقى الباقي.
و ظاهر المحقق في الشرائع انه على التراخي (111) ، للاستصحاب.و هو غير صالح لمقاومة العموم.
نعم، لو جهل اصل الخيار او الفورية عذر الى حين العلم بها.
ج: اذا حصل التصرف، فاما يكون من الغابن خاصة، او من المغبون كذلك، او منهما.
فان كان من الغابن، فاما ان تكون العين باقية في ملكه بلا مانع من الرد و لا تغيير، فحكمه ظاهر.
او تكون كذلك مع التغير بالزيادة، فللمغبون الفسخ، لنفي الضرر، و يشترك الغابن بالنسبة ان كانت الزيادة عينية من ماله، لاصالة بقاء ماله في ملكه، و يبيع العين ان كانت عينية من الله-كالنماء المتصل-او وصفية مطلقا.
نعم، ان كانت زيادة الوصفية بعمل الغابن يحتمل قويا استحقاقه اجرة عمله، لنفي الضرر.
او بالنقيصة، اذ ليس دليل على ضمان الغابن لها و ان كان النقص بعمله، لكونه ماذونا من الشرع بالتصرف فيه باي نحو كان، و الاصل عدم ضمانه و عدم حلية ماله الا بطيب نفسه.
و ان كان النقص مساويا للتفاوت الحاصل بالغبن او اكثر منه فليس للمغبون الفسخ، اذ كان دليله نفي الضرر و الفسخ لا يجبره، فنفي الضرر لا يثبته.
و ان كان اقل منه فيفسخ، و لا شيء له بازاء النقص، لما مر.
او بالمزج، فان كان بحيثيتميز عما امتزج به عرفا، او كان المزج مع المساوي من جنسه، فللمغبون الفسخ و يشترك الغابن بالنسبة، و الا فيكون حكمه حكم التالف، لان الموجود طبيعة ثالثة.
او تكون العين باقية في ملكه مع المانع من الرد، فان كان مانعا من رد الملكية-كالاستيلاد-فليس للمغبون الفسخ، لانه عبارة عن ارجاع الملك الى المغبون و المفروض عدم امكانه، و لا شيء آخر، للاصل..و ان كان مانعا من رد العين دون الملكية-كالاجارة-فله الفسخ و انتظار الانقضاء..و يحتمل عدم الخيار ان كان ضرر الانتظار مساويا لضرر الغبن او ازيد، لما مر.
هذا على فرض ثبوت المانعية في الصورتين و ترجيح ادلتها على دليل نفي الضرر، و الا فيتعارضان و تبقى اصالة عدم مانعية الاستيلاد و عدم لزوم الاجارة و عدم لزوم اصل البيع، فللمغبون الفسخ و الاسترداد.
او تكون العين باقية لا في ملكه، بل اما ينقلب ملكها الى الغير باحد وجوه النقل او بالعتق او الوقف او نحوهما، و الظاهر حينئذ ان للمغبون فسخ البيع الاول و العقد الطاري مطلقا، لتعارض ادلة نفي الضرر و نفي ضمان المثل و القيمة مع ادلة لزوم هذه العقود، و المرجع الى الاصل، و مقتضاه ما ذكرنا.
مع انه اذا كان بنقل الملك الى الغير فهو قد نقل الملك الثابت له و هو المتزلزل، و مقتضى لزوم هذا النقل عدم جواز نقضه من هذا الناقل لا عدم جوازه من الناقل الاول ايضا. او تكون العين تالفة، و الظاهر انه ليس له الفسخ، لما مر في النقيصة، سواء في ذلك تلف الكل او البعض، الا اذا كان البعض التالف اقل من التفاوت الحاصل بالغبن.
و ان كان التصرف من المغبون خاصة، فان كان بعد العلم بالغبن و الخيار فيسقط الخيار، لمنافاته الفورية، و لانه رضا منه، و هو للخيار مسقط كما ياتي.
و ان كان قبلهما فالحكم كما اذا كان المتصرف الغابن، الا في صورة النقيصة فليس له الفسخ مطلقا، لايجابه ضرر الغابن، فيتعارض الضرران و يبقى لزوم البيع بحاله، و هو الوجه، لعدم الخيار في صورة التلف مطلقا.
و تضمينه المثل او القيمة لا دليل عليه.
و مما ذكرنا يظهر الحكم فيما اذا كان المتصرف كليهما.
هذا كله انما هو مقتضى الاصول و ان لم ينص الاكثر على فتوى في اكثرها او جميعها، و خالف في كثير منها جماعة.
د: يسقط هذا الخيار باشتراط عدم الفسخ للغبن لو ظهر، لعموم:
«المؤمنون عند شروطهم» (112) .
و باسقاطه بعد العلم بالغبن و الخيار، لايجابه التراضي، و لانه رضا منه، و هو موجب لسقوط الخيار، للعلة المنبهة عليه في صحيحة علي بن رئاب المتقدمة (113) ، و لان الرضا بالضرر مسقط لحكم نفي الضرر، و لاجل ذلك يسقط بالاسقاط قبل العلم ايضا، الا ان يكون اسقاطه لاعتقاده عدم الغبن، فانه لا يسقط حينئذ بالاسقاط، لعدم دليل عليه، و عدم كونه رضا بالضرر.
ه: ظاهر الاصحاب صحة البيع المشتمل على الغبن مطلقا، سواء قصد الغابن الغبن و خدع المغبون ام لا.
و في رواية ميسر: «غبن المؤمن حرام» (114) .
و في اخرى: «غبن المسترسل حرام» (115) .
و في ثالثة: «لا تغبن المسترسل، فان غبنه لا يحل» (116) .
و في مجمع البحرين: الاسترسال: الاستئناس و الطمانينة الى الانسان و الثقة فيما يحدثه (117) .انتهى.
و لا شك ان البيع او الشراء الصادر عمن قصد الغبن و الخديعة اما عين الغبن او ملزومه، و ايهما كان يبطل البيع، لمكان النهي، فانه يفسد المعاملة على الاقوى.
و: لو علم المغبون مرتبة من الغبن، و لا يعلم الازيد، و ثبت الازيد، فالغبن في الزائد عما يعلم.
و لو اسقط الخيار في مرتبة و ثبت الازيد كان الخيار له، لنفي الضرر.
الخامس: خيار تاخير اقباض الثمن و المثمن عن ثلاثة ايام. فمن باع و لم يقبض الثمن و لا قبض المبيع فالبيع لازم ثلاثة ايام، فان جاء المشتري بالثمن و الا فللبائع الخيار، بالاجماع المحقق، و المنقول مستفيضا في كلام جماعة، كالانتصار و الغنية و التنقيح و التذكرة و الدروس و المسالك (118) ، و ظاهر السرائر و المهذب (119) ، و مع ذلك فالنصوص به مستفيضة:
كصحيحة زرارة: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده، يقول: حتى آتيك بثمنه، قال: «ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة ايام و الا فلا بيع له» (120) .
و صحيحة علي بن يقطين: عن الرجل يبيع البيع و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن، قال: «الاجل بينهما ثلاثة ايام، فان قبض بيعه و الا فلا بيع بينهما» (121) .
و موثقة اسحاق بن عمار: «من اشترى بيعا فمضت ثلاثة ايام و لم يجيء فلا بيع بينهما» (122) .
و في رواية: «من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة ايام و الا فلا بيع له» (123) .
و اكثر تلك الاخبار و ان كانت مطلقة بالنسبة الى اقباض المبيع و عدمه، الا ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على اشتراط عدمه، بل عبارات نقلة الاجماع مصرحة به، فهو المقيد للمطلقات.
مضافا الى قوله: «فان قبض بيعه» في الصحيحة الثانية، فانه يدل على عدم الخيار مع قبض المبيع، سواء كان بعد الثلاثة او قبلها.
و في الغنية نسب ذلك الى رواية الاصحاب، و لعله اشارة الى هذه الصحيحة.
نعم، عن الشيخ القول بالخيار مع تعذر قبض الثمن و ان قبض المبيع (124) ، و قواه في الدروس (125) ، لنفي الضرر.
و فيه: ان دفع الضرر باخذ العين مقاصة ممكن ان امكن، و الا فليس للفسخ فائدة.
و ظاهر النصوص-كما ترى-بطلان البيع بعد الانقضاء لا ثبوت الخيار، كما هو المنقول عن الاسكافي (126) و احد قولي الشيخ (127) ، و مال اليه صاحب الكفاية (128) .
و منع الظهور بورود النفي هنا مورد توهم لزوم المعاملة فلا يفيد سوى نفيه لا وقع له، اذ لا دليل على كون المورد مورد توهم اللزوم، بل يمكن ان يكون مورد توهم الصحة.
و كذا لا اشعار لتخصيص النفي في بعض تلك الاخبار بالمشتري بقوله: «فلا بيع له» الى الخيار، لعدم انتفاء البيع له بثبوت الخيار عليه.
و لكن الحق-مع ذلك كله-في ثبوت الخيار، لان البيع هو فعل صادر من البائع، و نفيه حقيقة غير صادق، لتحقق البيع في السابق، و نفيه بعد الثلاثة لا معنى له، اذ لا بيع حينئذ مطلقا، فالمراد معناه المجازي، و هو اما المبيع او حكم البيع مطلقا او استمراره او صحته حينئذ او لزومه، و اذا تعددت المجازات فيؤخذ بالمتيقن-الذي هو نفي اللزوم-و يعمل في الباقي بالاصل.
و الحمل على نفي الصحة-لكونها اقرب المجازات-غير جيد، اذ لا دليل على تعين الحمل على مثل ذلك الاقرب.
و يشترط في ثبوت هذا الخيار عدم اشتراط التاجيل في الثمن او المثمن او بعض كل واحد منهما و لو ساعة، فلا يثبت ذلك الخيار في السلف و النسية مطلقا، بالاجماع.
مضافا في الاول الى عدم اطلاق البيع المطلق على السلف في الاخبار، و الى ظهور الصحيحتين في غيره، لمكان قوله: ثم يدعه، في اولاهما، و: «ان قبض بيعه» في الثانية.
و في الثاني الى ظهور جميع الاخبار في غيره، حيث ان مبدا الثلاثة ايام فيها-بحكم التبادر-وقت البيع، فالحكم-بانه ان لم يجيء بالثمن فيها يكون البائع ذا خيار-قرينة على ارادة غير النسية.
هذا كله، مع انه على القول بشمول تلك الاخبار للنسية و السلف تكون الاخبار الدالة على لزوم كل من النسية و السلف-المذكورة في ثانيهما- معارضة مع تلك الاخبار بالعموم من وجه، فلو لم ترجح الاوليين فالمرجع الى اصالة لزوم مطلق البيع.
ا: قبض البعض كلا قبض، لصدق عدم قبض الثمن و اقباض المثمن مجتمعا و منفردا.
ب: شرط القبض المانع كونه باذن المالك، فلا اثر لما يقع بدونه، كما لو ظهر الثمن او بعضه مستحقا للغير.
ج: قال في المسالك: و لا يسقط هذا الخيار بمطالبة البائع بالثمن بعد الثلاثة و ان كان قرينة الرضا بالعقد، عملا بالاستصحاب (129) .
و استشكل فيه بعضهم مع القرينة (130) ، لمفهوم صحيحة علي بن رئاب المتقدمة (131) .و هو في محله، بل السقوط اظهر.
و منه يظهر الوجه في سقوطه بالاسقاط و نحوه مما يدل على الرضا.
د: لو بذل المشتري الثمن بعد الثلاثة قبل الفسخ، ففي سقوط الخيار وجهان، منشاهما زوال الضرر و الاستصحاب، و الثاني اظهر، لان كون الضرر مناطا استنباطيا لا عبرة به.
ه: لو تلف المبيع بعد الثلاثة و ثبوت الخيار، كان من مال البائع، اجماعا محققا و منقولا (132) متواترا.
و تدل عليه-مضافا اليه و الى ما ياتي-صحيحة ابن سنان: «لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط و يصير المبيع له» (133) .
و كذا لو تلف قبل الثلاثة، على الاشهر الاقرب، بل في الخلاف الاجماع عليه (134) .
للنبوي: «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البائع» (135) .
و رواية عقبة بن خالد: في رجل اشترى متاعا من رجل و اوجبه، غير انه ترك المتاع عنده و لم يقبضه، قال: آتيك غدا ان شاء الله، فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فاذا اخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله اليه» (136) .
و ذهب المفيد و السيد و الديلمي (137) و من تبعهم-بل في الانتصار و الغنية الاجماع عليه (138) ، و عن نكت الارشاد الميل اليها ايضا-الى ان تلفه من المشتري.
نظرا الى ثبوت الناقل من غير خيار.
و لكون النماء له فيكون التلف عليه، لتلازم الامرين، كما يستفاد من موثقة اسحاق بن عمار و رواية معاوية بن ميسرة الواردتين في خيار الشرط (139) .
و الاول مردود بما مر من الدليل.
و الثاني بانه لا يدل على التلازم من الجانبين، بل على ان كون التلف من ماله مستلزم لكون الغلة له دون العكس.فلا يفيد.
و قد يستدل بالاجماعين المحكيين، و ضعفه عندنا ظاهر.
و عن ابن حمزة و ظاهر الحلبي: ان البائع ان عرض تسليمه على المشتري فلم يقبله فالثاني، و الا فالاول (140) .و نفي عنه الباس في المختلف (141) .و لا مستند تاما له.
السادس: خيار ما يفسد من يومه. فلو اشترى احد ما يفسد من يومه يلزم البيع الى الليل، فان اتى المشتري بالثمن و الا فللبائع الخيار، لمرسلة محمد بن ابي حمزة او غيره:
في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه، و يتركه حتى ياتيه بالثمن، قال: «ان جاء فيما بينه و بين الليل بالثمن و الا فلا بيع له» (142) .و اثبات الخيار بها مع ظهورها في البطلان قد مر وجهه.
و في رواية زرارة: «و العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطيخ و الفواكه يوم الى الليل» (143) .
و المستفاد من هذا التمثيل ان المراد بالفساد هنا مطلق النقص و التنزل و لو في الوصف و الطراوة، و تكون لفظة: «من» بمعنى: في، اي ما ينقص بحسب الوصف في يومه، او تكون ابتدائية، اي ينقص وصفا مبتدئا من يومه، فان ما مثل به كذلك، فان احسن ما يكون هو عليه هو اول يومه، ثم ينقص شيئا فشيئا الى ان يفسد بالمرة.
و انما قلنا: ان المستفاد منه ذلك، اذ لا شك ان ما مثل به ليس مما يفسد بالمرة في اليوم قطعا.
نعم، ينقص وصفه من الطراوة و نحوها.
و فساده في يومه نادرا غير مفيد، اذ ما من شيء الا و هو كذلك.
و مما ذكرنا يظهر انه لا وقع لما استشكله في المسالك و غيره من ان الغرض من اثبات هذا الخيار تلافي ضرر البائع قبل تلف المبيع بان يفسخ البيع و يبيعه لغيره قبل تلفه، و هذا المعنى يقتضي ان يكون الفسخ قبل التلف، و اذا كان مبدا الخيار دخول الليل فليس المبيع مما يفسد ليومه، و الحال ان المسالة مفروضة فيما يفسد ليومه، و الرواية ايضا دالة عليه، و حينئذ فثبوت الخيار بعد فساده لا وجه له، و انما ينبغي ثبوته اذا خيف فساده بحيثيتلافى امره قبله (144) .انتهى.
و وجه الدفع: ان المراد بالفساد ليس التلف حتى لا يكون وجه للخيار، بل ضرب من النقص، و لما كان النقص الحاصل في ظرف اليوم لم يكن مما يوجب كثير تفاوت و انما يحصل ذلك بمضي الليل على المبيع فاثبت الخيار بعد مضي اليوم.
و قد يستدل على ثبوت ذلك الخيار بخبر الضرار.
و هو غير جيد، لانه ان اريد ضرر المشتري فهو مما اقدم نفسه عليه حيث تركه و لم ياخذه، مع ان البيع من قبله ممكن.
و ان اريد ضرر البائع فهو انما يكون لو جعلنا الفاسد من ماله، و لكن لو قلنا: انه من مال المشتري، فلا ضرر عليه.
و كون التلف قبل القبض من مال البائع مطلقا-حتى فيما كانت العين باقية و ان فسدت-غير ثابت.
و لو سلم فالضرر انما هو من الحكم بكون التلف قبل القبض من البائع لا من الحكم باللزوم، اذ مقتضى اللزوم كون التلف من المشتري، فلا ضرر لاجله على البائع، فالحكم الموجب للضرر كون التلف من البائع، فلو اثر نفي الضرر لاثر في رفع هذا الحكم دون اللزوم.
هذا، و التحقيق: ان كون التلف قبل القبض على البائع نوع من الضرر، فدليله اخص مطلقا من ادلة نفي الضرر، فيجب تخصيصها به، و لكون الضرر الحاصل في المقام من افراد هذا النوع فلا يكون منفيا في الشرع و لا داخلا تحت ادلة نفي الضرر، فلا وجه للاستدلال بها في المقام.
و من ذلك يظهر ضعف ما ارتكبه جماعة من المتاخرين من اثبات الخيار في كل ما يتسارع اليه الفساد عند خوف ذلك و عدم تقييده بالليل، و التاخير فيما يفسد في يومين الى حين خوف الفساد (145) ، و غير ذلك من التفريعات.
يشترط في هذا الخيار ما اشترط في سابقه، من عدم قبض المثمن، و اقباض الثمن، و عدم التاجيل في احدهما، اما الاولان فلانهما مورد النص، و اما الثالث فلما مر في السابق.
السابع: خيار الرؤية. و هو انما يثبت في بيع الاعيان الموجودة في الخارج من غير مشاهدة حال البيع اذا كان بالوصف و ظهر عدم المطابقة، او برؤية قديمة اذا ظهر بخلافها، فان ظهرت النقيصة كان الخيار للمشتري ان كان هو الموصوف له، و ان ظهرت الزيادة كان للبائع ان كان هو كذلك.
و كانه لا خلاف فيه كما في الكفاية (146) ، بل بلا خلاف كما في شرح الارشاد للاردبيلي و غيره (147) ، بل بالاتفاق كما في الحدائق (148) ، بل بالاجماع كما في شرح المفاتيح، [بل] (149) بالاجماع المحقق، له.
و لصحيحة جميل: رجل اشترى ضيعة و قد كان يدخلها و يخرج منها، فلما ان نقد المال و صار الى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال ابو عبد الله عليه السلام: «انه لو قلب منها او نظر الى تسع و تسعين قطعة ثم بقي منها قطعة و لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية» (150) .
و هي و ان كانتخالية عن ذكر التوصيف و المخالفة، الا انه لا بد من [تقييدها] (151) ، للاجماع على اختصاص خيار الرؤية بتلك الصورة، او لان ذلك معنى خيار الرؤية.
مضافا الى ان اطلاقها ايضا لو كان لكفى، لشموله المطلوب و خروج ما خرج بالدليل، او يتعدى الى المطلوب بالاولوية، كما يتعدى بها او بعدم الفصل الى غير مورد الصحيحة، و هو الذي لم ير شيئا من المبيع ان جعل المشار اليه بذلك تمام الضيعة لا خصوص القطعة الغير المرئية، و فيما اذا ظهرت الزيادة و كان الخيار للبائع.
و يدل على المطلوب ايضا النبوي المنجبر بما ذكر: «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار» (152) .
و ما رواه في التذكرة عن طريق الخاصة: انهم سالوا عن بيع الجرب (153) الهروية، فقال: «لا باس به اذا كان لها بارنامج، فان وجدها كما ذكرت و الا ردها» (154) ، اي يجوز له ردها، مع ان الرد ليس على الوجوب اجماعا، بل المعنى: ان شاء، و هو معنى الخيار.
و قد يستدل على المطلوب في جميع الصور بنفي الضرار و الضرر بضميمة عدم قول يجبره بنحو آخر.
و فيه نظر، لانه اخص من المدعى، لاختصاصه بما تضمن الغبن، و حينئذ فليس هو غير خيار الغبن، الا ان يقال بشموله لما لم يكن ذو الوصف المخالف مطلوبا للمشتري اصلا مع عدم المغبونية ايضا، و حينئذ فيمكن اتمام الاستدلال بضميمة الاجماع المركب.
و قد يستدل ايضا بما ورد من كراهة شراء ما لم يره (155) ، و من ثبوت الخيار في شراء سهام القصابين.
و فيهما نظر، لعدم دلالة الاول على ثبوت الخيار، و خروج الثاني عن مورد المسالة.
ا: هل هذا الخيار على الفور، او التراخي؟
فيه وجهان، اشهرهما-كما قيل (156) -: الاول، اقتصارا فيما خالف ادلة لزوم العقد على اقل ما يندفع به الضرر.
و قد يقال: و هو كان حسنا لو كان المستند مجرد ادلة نفي الضرر، و لكنك عرفت النص المطلق ايضا، فاطلاقه يثبت الثاني.
اقول: انه كان حسنا لو كان النص مطلقا، و لكنه لا اطلاق فيه، اذ غايته اثبات خيار الرؤية، و يكفي في ثبوته و تحققه ثبوته في وقت واحد، فيقتصر فيه على القدر المعلوم، الا ان يتمسك بالاستصحاب، و لكن يعارضه استصحاب حال العقل، حيث ان قبل ظهور المخالفة لم يكن خيار اصلا، و لم يعلم بالظهور ازيد من ثبوته في الوقت المتصل بوقت الظهور، فالاصل عدم ثبوته بعده.
فاذن الاجود ما عليه الاكثر.
ب: لو كان التوصيف من ثالث و زاد و نقص باعتبارين، كان الخيار للمتبايعين، فان فسخا فهو و الا يقدم الفاسخ، و الوجه ظاهر.
ج: لو راى البعض و وصف الباقي تخير في الجميع مع عدم المطابقة، لصحيحة جميل المتقدمة (157) ..و احتمال رجوع الاشارة الى خصوص القطعة غير مضر، لامكان الاتمام بدخول الضرر بتبعض الصفقة في بعض الصور الغير المنجبر بما ذكر اجماعا، و التعدي الى البواقي بالاجماع المركب.
و تدل عليه ايضا الرواية المنقولة عن التذكرة (158) ، لشمول اطلاقها لما ذكر.
و لا فرق في ذلك بين ما اذا كان المجموع جنسا واحدا او جنسين اذا بيع بعقد واحد.
د: لو نقص وصف و لكنه زاد آخر-بحيثيجبر الناقص-ثبتخيار المشتري ايضا، لاطلاق النص.
ه: هل يجوز اشتراط اسقاط هذا الخيار حين العقد، ام لا؟
استشكل فيه الفاضل في التحرير (159) .
و قطع الشهيد الثاني بعدم سقوطه (160) .
و استقرب في الدروس بطلان العقد به (161) .و هو الاقرب، لبطلان الشرط، لكونه مخالفا للسنة.
نعم، لو شرط عدم الفسخ-لو ثبت له الخيار-جاز و لزم، و لم يؤثر الفسخ لو فسخ.
و: لو شرط البائع ابدال المبيع ان ظهرت المخالفة فاستقرب في الدروس الفساد (162) ، و قال في الحدائق بالصحة مع عدم الظهور و الفساد معه (163) .
و التحقيق: انه ان كان المشروط عدم الفسخ و تملك البدل بهذا العقد فهو فاسد قطعا، لبطلان الشرط.
و ان كان الابدال بعقد آخر بعد رد المبدل منه و فسخه فلا فساد فيه، لانه شرط سائغ و كان مرادا من الاول، فيكون صحيحا.
و اما ما في الحدائق فهو غير جيد جدا.
الثامن: خيار الاشتراط. و هو خيار مخالفة الشرط.
و توضيحه: انه اذا لم يف المشروط عليه بالشرط الواقع في متن العقد ففيه اقوال:
الاول: عدم عصيانه و عدم وجوب الوفاء بالشرط عليه، بل للمشروط له خيار الفسخ، و فائدة الشرط جعل العقد عرضة للزوال عند فقد الشرط، نسبه في شرح المفاتيح الى المشهور.
الثاني: وجوب وفائه به و عصيانه بتركه و عدم ثبوت الخيار له الا مع تعذر التوصل الى الشرط و لو باجبار المشروط عليه و رفع امره الى الحاكم، فان تعذر ثبت له الخيار، ذهب اليه جماعة، منهم: المسالك و كفاية الاحكام (164) ، و عن السرائر و الغنية الاجماع عليه (165) .
الثالث: وجوب الوفاء، و لو لم يف فالمشروط له مخير بين الاجبار مع الامكان و الفسخ، و ان لم يمكن فله الفسخ.
الرابع: وجوب الوفاء، فان امتنع فله الفسخ، و هو ظاهر الدروس (166) .
الخامس: ان الشرط ان كان مما يكفي العقد في تحققه من دون احتياج الى صيغة اخرى-كشرط الوكالة في عقد الرهن-فهو لازم، و لا خيار فيه الا مع تعذر تحصيل الشرط، و ان احتاج الى امر آخر وراء ذكره في العقد-كشرط الرهن على الثمن، او العتق-فلا يجب الوفاء به، بل يجعل العقد اللازم جائزا..نسب الى الشهيد (167) .
و لا ارى على هذا التقرير فرقا بين هذا التفصيل و القول الاول، اذ ما يكفي العقد في تحققه فيتحقق الشرط بتحقق العقد، فلا يكون الشرط منتفيا حتى يبقى خيار.
ثم انهم استدلوا للاول باصالة عدم وجوب الوفاء.
و عدم لزوم العقد بدون الشرط.
و كون الانتقال معلقا على الشرط، فلا يحصل الانتقال اللازم بدونه.
و يرد الاصل الاول بادلة وجوب الوفاء بالشرط، سيما في ضمن العقد، كما ذكرناها في كتاب عوائد الايام.
و الثاني بعمومات لزوم البيع.
و الثالثبمنع كون الانتقال معلقا، و انما هو اذا كان الشرط بالمعنى الاصولي، و ليس كذلك، بل هو بالمعنى اللغوي، الذي هو الالزام و الالتزام، مع انه لو اريد به المعنى الاصولي لاقتضى انتفاء البيع انتفاء الشرط من غير حاجة الى الفسخ، بل يكون العقد من راسه باطلا و لو وفي بالشرط، لايجابه التعليق.
و دليل الثاني: اما على وجوب الوفاء فما مر.
و اما على التسلط على الاجبار فلكونه تاركا للواجب.
و اما على التسلط على الفسخ مع التعذر فكانه الاجماع المنقول، و ادلة نفي الضرر.
و الاولان صحيحان.
و اما الثالث، فيرد بعدم حجية الاجماع المنقول، و امكان جبر الضرر بغير الخيار من تقاص و نحوه، مع ان كل شرط ليس مما يتضمن انتفاؤه الضرر.
و ادلة سائر الاقوال تظهر مما مر.
اقول: و يمكن ان يستدل للمقام برواية ابي الجارود: «ان بعت رجلا على شرط، فان اتاك بمالك و الا فالبيع لك» (168) .
وجه الاستدلال: ان الشرط فيها مطلق يعم جميع الشروط، فان جعلت لفظة «ما» في قوله: «مالك» موصولة، و «اللام» جارة، يثبت المطلوب في جميع الموارد.
و ان جعلت لفظة «ما» جزءا للكلمة و كذلك «اللام» ، فاما يراد بالمال المشروط مطلقا مجازا، او يخص الشرط بالمالية و يتعدى الى الغير بالاجماع المركب و يثبت تمام المطلوب، و كذلك في الشروط التي للمشتري و خياره.
و اما ارادة الثمن من المال فهو-مع كونه تخصيصا بلا مخصص- يوجب لغوية قوله: «على شرط» ، الا ان يخص بشرط اتيان الثمن في وقت معين خاصة، و هو ايضا تخصيص بلا مخصص، مع انه ايضا يثبت المطلوب بضميمة الاجماع المركب.
و اما تخصيص الشرط بشرط خيار الفسخ مع عدم الاتيان بالثمن فهو تخصيص لا وجه له، بل اخراج للاكثر.
و اما ارادة الخيار من قوله: «فالبيع لك» فبمثل التقريب المتقدم في قوله: «لا بيع له» (169) ، و على هذا فيكون الخيار ثابتا له، و له الاجبار ايضا، لادلة عموم لزوم الوفاء بالشرط، و استحقاق المشروط له، و عدم منافاة ثبوت الخيار له ايضا.
فاذن الحق هو القول الثالث.
و لو تلف المبيع قبل الوفاء بالشرط انتفى الخيار بالتقريب المتقدم، و بقي حق المطالبة و الاجبار.
و الظاهر فورية هذا الخيار ايضا، للاقتصار على القدر المتيقن..
و التمسك باطلاق النص، فيه ما مر سابقا، و الله العالم.