كتاب البيع

و هو عرفا: نقل الملك بعوض من مالك الى آخر بعقد مخصوص.

و مرادنا من العقد اعم من اللفظي ليشمل التقابض على القول بكفايته، و ذلك العقد سبب النقل كما ان النقل سبب الانتقال.

و عرفه جماعة بالعقد (1) .و هو غير جيد، لانه مركب من الايجاب و القبول، فيلزمه عدم كون احد المتعاقدين بائعا، و عدم صحة باع فلان حقيقة و لا يلزم ذلك في النقل، لان الناقل احدهما و ان توقف صيرورته ناقلا على قبول الآخر.

و التحقيق: انه لا فائدة مهمة في ذلك النزاع، لتوقف تحقق البيع على ذلك العقد على القولين.و انما المهم بيان ذلك العقد و شرائطه و سائر احكام البيع و اقسامه، و نذكره في مقاصد:

المقصد الاول: في عقد البيع و شرائطه

و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الاول: في بيان ما يتحقق به البيع، اي العقد المخصوص

و فيه مسائل:

المسالة الاولى:

اعلم ان الشارع رتب احكاما على البيع، و ليس هنا نص او اجماع دال على ان البيع او ما يتحقق به البيع ما هو.

و حينئذ فاما يقال: انه ليس له معنى لغوي او عرفي معلوم لنا مع قطع النظر عن الشرع، فيلزم حينئذ علينا الاقتصار في ترتب الاحكام بما انعقد الاجماع على تحقق البيع به.

او يقال: ان له معنى كذلك معلوما لنا، و حينئذ فاما يثبت‏شرعا باجماع او غيره شرط لتحقق البيع، او لا، فان ثبت فيقتصر في تحقق البيع شرعا بما هو واجد للشرط، و ان لم يثبت فيحكم بالترتب في جميع ما يتحقق به البيع عرفا او لغة.

و من ذلك و مما سياتي حصلت الاختلافات في عقد البيع، فمن ظن عدم ظهور معنى لغوي او عرفي يضطر الى الاقتصار على موضع الاجماع..و هذا محط قول جماعة بتخصيص البيع شرعا بما كان مع الصيغة المخصوصة الجامعة لجميع الشرائط المختلف فيها.

و من ظن ظهوره، و لكن زعم الاجماع على اشتراط الصيغة في تحقق البيع، لزمه القول به، و لكن يقتصر في الشرط بما هو محل الاجماع، يعني ما ثبت الاجماع بزعمه على اشتراطه..و هذا مناط قول من يقول باشتراط الصيغة في تحقق البيع و لكن يوسع فيها. و من لم يظهر ذلك الاجماع له، و لم يعثر على دليل آخر ايضا على الاشتراط، يوسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة او عرفا..و الى هذا ينظر من اكتفى بمطلق اللفظ او بالمعاطاة ايضا.

و هاهنا امر آخر، و هو انه بعد تعيين معنى البيع او ما يتحقق به البيع عرفا-و انه ما سياتي من انه ما يدل على نقل المالك ملكه به الى آخر بعوض معلوم بالطريق المعهود-قد يقع الخلاف في الدال..

فقد يقال: باختصاص الدال الصريحي بالصيغة المخصوصة، فلذا يقول باختصاص تحقق البيع بها..و الى هذا نظر طائفة من المشترطين للصيغة.

و قد لا يقال بالاختصاص، فيعمم.

و اذ عرفت ذلك تعلم ان وظيفتنا اولا الفحص عن انه هل للبيع معنى لغوي او عرفي نعلمه، و انه ما هو؟

فنقول: ان من البديهيات التي لا شك فيها: ان لفظي البيع و الشراء مما يستعمله عامة الناس من اهل الاسواق و البوادي و الخارجين عن شريعتنا-بل عن مطلق الشريعة-استعمالا خارجا عن حد الاحصاء، و ليسوا شاكين في معناه، و لا مترددين، و لا محتاجين في فهمه الى القرينة، فهذا يقول: بعت و اشتريت، و ذاك: ابيع و اشتري، و ثالث: هل يبيع و هل يشتري، الى غير ذلك، و يفهم المخاطب مراده من غير قرينة اصلا، و لو لم يعلم القدر المجمع عليه شرعا، و لم يفهم اجماعا او شرعا، و لم تقرع سمعه صيغة، فيقطع بذلك ان ما يتحقق به البيع عرفا امر مضبوط معلوم عند اهل العرف مع قطع النظر عن الشرع، و هو ما يدل عرفا على نقل المالك ملكه به الى آخر بعوض بقصد المبايعة، اذ عند حصول ذلك يستعمل لفظ البيع عندهم، و يتبادر عنه حصوله، و لا يجوزون سلب الاسم معه، سواء كان ذلك بقبض كل من العوضين و هو المسمى بالمعاطاة، او بقبض احدهما مع ضمان الآخر، او بالفاظ دالة على ذلك.

و على هذا، فلا تشترط في تحقق البيع عرفا صيغة مخصوصة من حيث انها هي، و ان وجب كون الفعل او اللفظ دالا على النقل المذكور عرفا.

و هذا هو الذي يظهر من كلمات الاكثر (2) ، و اليه ينظر قول المحقق الشيخ علي في شرح القواعد تارة: ان المعاطاة بيع بالاتفاق، و اخرى: انه المعروف من الاصحاب (3) .

و اما ما يظهر من بعضهم (4) -من الخلاف في تسمية المعاطاة بيعا، و هو بين شاك فيها و ناف لها، بل عن الغنية الاجماع على العدم (5) ، و في الروضة: اتفاقهم على انها ليست‏بيعا (6) -فالظاهر ان المراد: البيع الشرعي، اي ما يوجب الانتقال شرعا، حيث‏يزعم اشتراط صيغة خاصة و انعقاد الاجماع عليه، فلا تخالف بين دعوى الاجماعين.

و لو ارادوا نفي البيع العرفي ففساده ظاهر لوجوه:

منها: الاستعمال، فانه يقال: ابتعت الخبز و اللحم و بعته، و لو لم يتحقق امر سوى المعاطاة، و الاصل فيه الحقيقة، و اعميته انما هو مع تعدد المستعمل فيه، و هو هنا غير ثابت، و استعماله فيما كان مع الصيغة بدون التقابض لا يثبته، لجواز كون المستعمل فيه هو القدر المشترك، و هو النقل المذكور..بل هو كذلك، و لذا لو فرض استقرار عرف على المبايعة بعمل او لفظ آخر يصح استعمال البيع و الشراء بعد تحققه.

و منها: عدم صحة السلب، فانه اذا اتخذ احد حرفته بيع الكرابيس (7) او الرقيق او غيرهما، و كان يبيعها مدة بالمعاطاة، يقال: انه بياع الكرباس -مثلا-و لو لم يتلفظ بصيغة ابدا، و لا يجوز ان يقال ليس كذلك، كما نشاهد في اهل السوق و ارباب الحرف.

و لو امر احد ببيع كرباس فباعه بالمعاطاة او بلفظ غير الصيغ المخصوصة لا يجوز له ان يقول: ما بعته، و لو عاتبه لعدم الامتثال لذم، و هذا ظاهر جدا.

و منها: التبادر، فانه يجاوز ذكر البيع و الشراء حد الاحصاء عند اهل القرى و البوادي و يفهمون معناه و يتبادر عندهم، مع انهم لا يعرفون صيغة، بل لم يسمعوها في الاكثر، و يدل عليه ايضا قول القائل: بعت متاعي و لكن ما اجريت الصيغة، و صحة الاستفسار بعد قوله ذلك انه هل اجريت صيغته.

و يجري اكثر تلك الوجوه او جميعها في قبض احد العوضين مع ضمان الآخر في التلفظ بالالفاظ المفهمة عرفا لنقل المالك ملكه بها بالقصد المذكور، فيتحقق البيع بجميع ذلك عرفا.

ثم ان بما ذكرنا كما يثبت ان البيع يتحقق عرفا بحصول ما يدل على النقل المتقدم مطلقا، سواء كان لفظا او غير لفظ، كذلك يثبت عدم انحصار الدال على ذلك النقل في اللفظ (8) المخصوص، بل و لا في مطلق اللفظ، و جميع ما ذكرنا يدل عليه.

و بعد ثبوت تحقق البيع بما ذكر عرفا يثبت لغة و شرعا ايضا بضميمة الاصل، و اذ ثبت كونه بيعا شرعيا يكون جائزا و يباح به التصرف لكل من الطرفين فيما نقل اليه و لو لم يتلفظ بالصيغة، بعمومات الكتاب و السنة الدالة على حلية البيع و جوازه.

مضافة الى الاجماع القطعي المستفاد من عمل الناس في الاعصار و الامصار حتى زمان النبي صلى الله عليه و آله من غير نكير، و من فتاوى العلماء بالنسبة الى المعاطاة.

و قول العلامة في النهاية-بكون المعاطاة بيعا فاسدا، فيلزمه عدم جواز التصرف (9) -شاذ، مع انه ايضا قد رجع عنه (10) .

و يلزم من جوازه شرعا و امضاء الشارع اياه زوال ملكية المبيع من البائع و حصولها للمشتري شرعا، اذ لا معنى لتحليل الشارع و امضائه نقل الملك الذي هو معنى البيع-بل قوله في موارد متكثرة: بع و بيعوا و امثالهما- الا تحقق النقل شرعا.

و يدل عليه ايضا جواز بيع السلعة للمشتري و لو بالمعاطاة بالاجماع، و اطلاق الاخبار في جواز بيع ما ابتيع الشامل لما ابتيع عرفا.

و في الصحيح-بعد السؤال عن بيع كذا و كذا (11) بكذا كذا درهما فباعه المشتري بربح قبل القبض و اعطاء الثمن-: «لا باس بذلك الشراء، اليس قد كان ضمن لك الثمن؟ » قلت: نعم، قال: «فالربح له‏» (12) ، و هو يدل على جواز البيع بمجرد ضمان الثمن و ان لم يجر صيغة خاصة، و اذ جاز للمشتري بيعه يكون ملكا له، اذ لا بيع (13) الا فيما هو ملك للبائع، كما نطقت‏به الاخبار:

ففي صحيحة الصفار المكاتبة: رجل له قطاع من ارضين، فحضره الخروج الى مكة، و القرية على مراحل من منزله، و لم يؤت بحدود ارضه، و انما عرف حدود القرية، فقال للشهود: اشهدوا اني قد بعت من فلان جميع القرية التي حد منها كذا، و الثاني و الثالث و الرابع، و انما له بعض هذه القرية، و قد اقر له بكلها، فوقع عليه السلام: «لا يجوز بيع ما ليس بملك، و قد وجب الشراء على البائع على ما يملك‏» (14) .

و في صحيحة محمد-بعد السؤال عن رجل اتاه رجل، فقال: ابتع لي متاعا لعلي اشتريه منك، فابتاعه الرجل من اجله-: «ليس به باس، انما يشتريه بعد ما يملكه‏» (15) .

و يدل على التملك الشرعي ايضا-من غير حاجة الى الصيغة-اطلاق ما دل على ان من ابتاع شيئا فهو له، كما في صحيحة جميل الواردة في من اشترى طعاما و ارتفع او نقص-اي في القيمة-و قد اكتال بعضه فابى صاحب الطعام ان يسلم له ما بقي و قال: انما لك ما قبضت، حيث قال:

«ان كان يوم اشتراه ساعره على انه له فله ما بقي‏» (16) .

و في صحيحة العلاء: اني امر بالرجل فيعرض علي الطعام-الى ان قال-: فاقول له: اعزل منه خمسين كرا او اقل او اكثر بكيله، فيزيد و ينقص، و اكثر ذلك ما يزيد، لمن هو؟ قال: «هو لك‏» الحديث (17) .

بل الاخير ظاهر في عدم جريان الصيغة، و لو منع الظهور يكفي العموم المستفاد من ترك الاستفصال.

المسالة الثانية:

و اذ عرفت‏حصول نقل الملك عن البائع، و حصول التملك للمشتري بحصول البيع العرفي مطلقا، فلزوم ذلك هل يتوقف على صيغة خاصة، او على مطلق اللفظ، او يحصل بحصول البيع عرفا و لو بالمعاطاة او مثلها؟

المشهور هو: الاول، بل كاد ان يكون اجماعا، كما في الروضة و المسالك في موضعين (18) ، بل ظاهر الاخير-كصريح الغنية (19) -انعقاده.

و نقل في المسالك الثاني عن بعض معاصريه.

و الثالث ظاهر المفيد (20) ، و جمع من المتاخرين (21) ، و هو الحق، لمفهوم الغاية في الاخبار الصحيحة المتكثرة المصرحة بان: «البيعان بالخيار حتى يفترقا» (22) .

و عموم الصحيحين، في احدهما: «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (23) .

و في الآخر: «فاذا افترقا فقد وجب البيع‏» (24) .

و الخبر: «اذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا» (25) ، خرج عنه ما خرج بالاجماع فيبقى الباقي.

و ترك الاستفصال في اخبار خيار الشرط و العيب.

كما في الصحيح: عن الرجل يبتاع الجارية، فيقع عليها فيجد فيها عيبا بعد ذلك، قال: «لا يردها على صاحبها» (26) .

و في الآخر: «كان القضاء الاول في الرجل اذا اشترى الامة فوطئها ثم ظهر على عيب: ان البيع لازم‏» (27) .

و في الخبر: الرجل يشتري زق (28) زيت فيجد فيه درديا، قال: «ان كان يعلم ان الدردي يكون في الزيت فليس له ان يرده‏» (29) .

و في الموثق: عن رجل باع جارية على انها بكر، فلم يجدها على ذلك، قال: «لا يرد عليه، و لا يجب عليه شي‏ء، انه يكون يذهب في حال مرض او امر يصيبها» (30) .

و رواية هذيل بن صدقة: عن الرجل يشتري المتاع او الثوب فينطلق به الى منزله، و لم ينقد شيئا فيبدو له فيرده، هل ينبغي ذلك له؟ قال: «لا، الا ان تطيب نفس صاحبه‏» (31) .

و مكاتبة جعفر بن عيسى: المتاع يباع في من يزيد، فينادي عليه المنادي، فاذا نادى عليه المنادي برئ من كل عيب فيه، فاذا اشتراه المشتري و رضيه و لم يبق الا نقده الثمن فربما زهد، فاذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا و انه لم يعلم بها، فيقول له المنادي: قد برئت فيها، فيقول المشتري:

لم اسمع البراءة منها، ايصدق فلا يجب عليه الثمن، ام لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه السلام: «عليه الثمن‏» (32) ، الى غير ذلك.

احتج المشهور بالاجماع المنقول (33) ، و الاصول، و بان اللزوم انما يكون في البيع، و هو انما يتحقق بتحقق ما يدل على نقل الملك به، اي انشاؤه بالطريق المتقدم صريحا، و الدال صريحا على ذلك منحصر في الصيغة المخصوصة.

و بعض الظواهر، كالصحيح: الرجل يجيئني فيقول: اشتر هذا الثوب و اربحك كذا و كذا، فقال: «اليس ان شاء اخذ و ان شاء ترك؟ » قلت: بلى، قال: «لا باس، انما يحلل الكلام و يحرم الكلام‏» (34) .

و الخبر: رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب من انبار بعضها على بعض من اجمة واحدة، و الانبار فيه ثلاثون الف طن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشتري: قد قبلت و اشتريت و رضيت-الى ان قال: -و اصبحوا و قد وقع النار في القصب [فاحترق منه]عشرون الف طن و بقي عشرة آلاف، فقال: «العشرة آلاف التي بقيت للمشتري‏» (35) .

و الموثق: «لا تشتر كتاب الله عز و جل، و لكن اشتر الحديد و الورق و الدفتين، و قل: اشتريت منك هذا بكذا و كذا» (36) .

و المرسل «لا تشتر كتاب الله، و لكن اشتر الحديد و الجلود، و قل:

اشتري هذا منك بكذا و كذا» (37) ، و مثله رواية اخرى ايضا (38) .

و الجواب عن الاول: بمنع الحجية.

و عن الثاني: باندفاعه بما مر من الادلة.

مضافا الى انه ان اريد اصالة عدم الملك او الانتقال او ترتب احكام البيع فقد عرفت ثبوتها.

و ان اريد اصالة عدم اللزوم فممنوعة، لان قبل ملك المشتري لم يكن لزوم و لا عدم لزوم، و بعده فلا يعلم المتحقق منهما، و ليس احد الفصلين اوفق بالاصل من الآخر.

و عن الثالث: بانه ان اريد بالدال صريحا الدال بحسب الوضع الحقيقي فمع تحكم التخصيص ليست الصيغة المخصوصة ايضا كذلك، و ان اريد مطلقا فالانحصار ممنوع.

و عن الرابع: بانه ليس ظاهرا في مطلوبهم، بل لا محتملا له، لانه لا يلائم جعل قوله: «انما يحرم‏» تعليلا لسابقه، بل المراد: انه ان كان بحيث ان شاء اخذ و ان شاء ترك و لم يقل ما يوجب البيع لا باس و الا ففيه باس، لانه يحرم و يحلل بكلام، فان اوجب البيع يحرم و الا فيحل، كما ورد في صحيحة يحيى بن الحجاج: عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب او هذه الدابة و بعينها اربحك فيها كذا و كذا، قال: «لا باس بذلك‏» ، قال: «ليشتريها و لا يواجبه البيع قبل ان يستوجبها او يشتريها» (39) .

و قد ورد بهذا المعنى في احاديث اخر، كصحيحة الحلبي: عن الرجل يزرع الارض فيشترط للبذر ثلثا، و للبقر ثلثا، قال: «لا ينبغي ان يسمي شيئا فانما يحرم الكلام‏» (40) ، و ، و رواية ابي الربيع الشامي (42) .

و عن الخامس: بانه لا يدل الا على اللزوم مع الصيغة، و اين هذا من الحصر؟ !

و[عن السادس] (43) : بمنع الدلالة على توقف الصحة او اللزوم على القول المذكور من جهة تحقق البيع، بل انما هو لاجل تعيين المبيع في مقام لا يمكن تعينه الا باللفظ، فالمراد ذكر المبيع لفظا، مع ان اللفظ مختلف في الروايات ايضا.

المسالة الثالثة:

قد ظهر مما ذكرنا انه تكفي الاشارة المفهمة للنقل بعنوان البيع اذا افادت القطع، و كذا الكتابة، سواء تيسر التكلم، او تعذر.

و اما على المشهور فلا يكفي على الاول، و اما على الثاني -كالاخرس-فصرحوا بالكفاية، و وجهه عند من يعمم البيع و يثبت اشتراط الصيغة بالاجماع ظاهر، و لكنه لم يظهر وجهه عند من يخصص البيع بما كان مع الصيغة، او يقول بعدم دلالة الاشارة على النقل، الا ان يدعي الاجماع على عدم الاشتراط حينئذ.

و القول: بانها تدل ظنا، فيكتفى بها عند عدم امكان العلم.

مردود بعدم دليل على قيام الظن مقام العلم عند تعذره مطلقا، سيما مع امكان التوكيل.

و احتياجه الى الصيغة عند المشهور ممنوع، لعدم كونه من العقود اللازمة.

و اصالة عدم وجوبه مندفعة بانها انما تكون لو اردنا الوجوب الشرعي، و اما الشرطي-كما هو المقصود-فلا معنى لاصالة عدمه، بل هو مقتضى الاصل.

المسالة الرابعة:

قد ظهر ايضا انه يمكن تحقق البيع باللفظ و ان لم يتحقق قبض شي‏ء من الطرفين، و اذا تحقق به تحقق لزومه ايضا، و لا ينحصر ذلك في لفظ خاص من عربي او غيره.

نعم، يجب كونه دالا على انشاء النقل المتقدم ذكره به، و لو مع قرينة حالية او مقالية.

و لا ريب في دلالة الماضي عليه و لو لم تكن قرينة سوى (44) التلبس بالبيع، بخلاف غيره من المضارع و الامر و الاستفهام، فانها غير دالة مع ذلك ايضا، بل لا تكاد توجد قرينة دالة على ارادة انشاء البيع منها، الا بان يصرح اولا: باني اريد الانشاء منها.

و لا يشترط تقديم الايجاب و لو كان القبول بلفظ «قبلت‏» اذا اضاف اليه باقي الاركان، و التفرقة غير جيدة.

المسالة الخامسة:

على القول باشتراط الصيغة-كما هو المشهور-فهل هي شرط اللزوم خاصة، او مع انتقال الملك ايضا، او هما مع اباحة التصرف؟

لا ينبغي الريب في الاباحة بدونها، للاصل، و الاجماع، و اذن المالك في التصرف.

و القول بكونه بيعا فاسدا، مع شذوذه لا ينفي الا الاباحة الشرعية من جهة البيع لا مطلقا، مع ان حرمة التصرف في المقبوض بالبيع الفاسد بجميع افراده-حتى ذلك-لم تثبت.

نعم، ينبغي تقييد اباحة التصرف من كل منهما بعدم قصده الرجوع بماله حال التصرف، لانه المعلوم من الاذن.

و اما الاولان فيجب بناؤهما على كون المعاطاة و نحوها مما تجرد عن الصيغة بيعا عرفا و لغة، ام لا.

فان قلنا به-كما هو الحق-فالحق هو: الاول، لانحصار دليل اشتراط الصيغة عندهم حينئذ و تخصيص عمومات اللزوم بالاجماع، و انحصاره في اشتراط اللزوم ظاهرا او مع بعض الظواهر الذي لا تثبت منه حرمة التصرف بدون الصيغة، و تبقى عمومات حلية البيع خالية عن المعارض، فيصير البيع في الشرع قسمين: لازم و جائز.

و ان لم نقل به فالحق هو: الثاني، اذ تدل على اشتراط الصيغة حينئذ الاصول المتقدمة، و هي جارية في نفي الملك ايضا.

و اطلاق القول بنقل الملك مع المعاطاة-تمسكا بانه لولاه لما تحقق الملك بالتلف-ضعيف جدا.

المسالة السادسة:

على القول بتوقف اللزوم على الصيغة، فيجوز لكل منهما الرجوع في المعاطاة مع بقاء العينين، و الوجه فيه ظاهر، كما في عدم الرجوع مع تلفهما معا، لعدم امكان الرجوع في العين، و اصالة عدم الاشتغال بالمثل او القيمة.

و لو تلفت احداهما خاصة فلا يجوز الرجوع لصاحب التالفة.

و هل له رد الموجودة بلا مطالبة شي‏ء لو اراده لمصلحة و امتنع صاحبه؟

الظاهر: نعم، لاصالة عدم اللزوم..و لصاحب الموجودة الرجوع اليها، لذلك ايضا على الاقوى، ثم الآخر يرجع الى قيمة التالفة او مثله.

كذا قالوا، و هو باطلاقه مشكل، بل الموافق للقواعد ان يقال: لو كان التلف لا من جهة صاحب الموجودة فلا يرجع اليه بشي‏ء، لاصل البراءة، و عدم دليل على الاشتغال.

و ان كان منه، فان قصد الرجوع قبل الاتلاف فعليه المثل او القيمة، اذ كونه ماذونا في الاتلاف انما كان مع عدم قصده الرجوع، فمعه يكون غاصبا، فيعمل فيه بقاعدة الغصب.

و ان لم يقصده قبله، فمقتضى الاصول و ان كانت‏براءة ذمته عن المثل او القيمة لعدم كونه غاصبا، و جواز رجوعه الى عينه للاصل، الا ان الاجماع و نفي الضرر يمنعان عن الامرين معا، فلا بد من احدهما، و لكن تعيين احدهما مشكل.

و تعيين الاشتغال مطلقا او على كون المعاطاة اباحة محضة لقاعدة الغصب كعدم الرجوع على كونها تمليكا لئلا يلزم الجمع بين المالين باطل، لمنع صدق الغصب، و تسليم جواز جمع المالين اذا اشتغلت ذمته بمثل احدهما او قيمته، الا ان تعين الاشتغال باثبات جواز الرجوع بمثل: «الناس مسلطون على اموالهم‏» (45) و: «على اليد ما اخذت‏» (46) .

و لو كان التالف بعض احدهما او كليهما ففيه احتمالات قد تختلف باختلاف كونهما مثليين او قيميين، او التالف بعضه في صورة التلف من احدهما مثليا و الآخر قيميا او بالعكس، و كون التالفين متساويين او مختلفين في صورة التلف منهما.

و لو لم تتلف العين و لكن وقع التصرف فيها، فان كان بنقل الملك اللازم فكالتلف، لانه سلطه على ذلك.

و ان كان بالمتزلزل فيحتمل اللزوم او الالزام بالاسترداد او بالمثل او القيمة.

و التصرف فيه بالاباحة للغير كالموجود، و بمثل اللبس و الركوب لا يمنع الرجوع في العين.

و هل يجوزه بالاجرة؟ يحتمل الجواز، لنفي الضرر..و العدم، للاصل و استناد الضرر الى تقصير مالكه في التحفظ بايجاب البيع، و لعله الاظهر، الا اذا قصد الرجوع قبل التصرف فيصير غصبا.

و كذا لا يمنع الرجوع تغيير العين، كطحن الحنطة و قص الثوب.

و ليس للمغير الرجوع الى اجرة العمل، الا اذا كان الرجوع من الآخر على اشكال، و مثله ما لو حدث بالتغيير اثر متجدد في العين كصبغ الثوب، و كذا الاشتباه بالغير او الامتزاج بحيث (لم يمكن) التمييز، و امتناع الراد بعينه غير ضائر، او يكون الحكم حينئذ كالحكم فيما اذا اشتبه او امتزج عدوانا او خطا، و لا رجوع بالنماء الحاصل اذا تلف، و يرجع به مع بقائه.

تعليقات:

1) منهم الحلبي في الكافي في الفقه: 352، ابن حمزة في الوسيلة: 236، العلامة في المختلف: 347.

2) كالعلامة في التذكرة 1: 462 و صاحب الرياض 1: 510.

3) جامع المقاصد 4: 58.

4) كصاحب الحدائق 18: 375.

5) الغنية (الجوامع الفقهية) : 586.

6) الروضة 3: 222.

7) الكرابيس: جمع كرباس، و هو القطن-مجمع البحرين 4: 100.

8) في «ق‏» زيادة: المذكور.

9) نهاية الاحكام 2: 449.

10) كما في المختلف: 348.

11) في «ح‏» زيادة: حده.

12) الكافي 5: 177-16، الوسائل 18: 64 ابواب احكام العقود ب 15 ح 1.

13) في «ق‏» : يقع.

14) الكافي 7: 402-4، الفقيه 3: 153-674، التهذيب 7: 150-667، الوسائل 17: 339 ابواب عقد البيع و شروطه ب 2 ح 1، بتفاوت.

15) التهذيب 7: 51-220، الوسائل 18: 51 ابواب احكام العقود ب 8 ح 8.

16) الكافي 5: 181-2، التهذيب 7: 34-143، الوسائل 18: 84 ابواب احكام العقود ب 26 ح 3.

17) الكافي 5: 182-3، الوسائل 18: 86 ابواب احكام العقود ب 27 ح 1.

18) الروضة 3: 222، المسالك 1: 169-170.

19) الغنية (الجوامع الفقهية) : 586.

20) المقنعة: 591.

21) منهم السبزواري في كفاية الاحكام: 88 و الكاشاني في مفاتيح الشرائع 3: 48.

22) الكافي 5: 170-4، الوسائل 18: 5 ابواب الخيار ب 1 ح 2.

23) الكافي 5: 170-6، التهذيب 7: 20-85، الاستبصار 3: 72-240، الوسائل 18: 6 ابواب الخيار ب 1 ح 3.

24) الكافي 5: 170-7، الفقيه 3: 126-550، التهذيب 7: 20-86، الاستبصار 3: 72-241، الوسائل 18: 6 ابواب الخيار ب 1 ح 4.

25) التهذيب 7: 20-87، الاستبصار 3: 73-242، الوسائل 18: 7 ابواب الخيار ب 1 ح 7.

26) الكافي 5: 215-6، التهذيب 7: 61-264، الوسائل 18: 103 ابواب العيوب ب 4 ح 4.

27) التهذيب 7: 61-263، قرب الاسناد: 10، الوسائل 18: 104 ابواب العيوب ب 4 ح 7.

28) الزق بالكسر: السقاء او جلد يجز و لا ينتف للشراب او غيره-مجمع البحرين 5: 177.و الدردي من الزيت و غيره ما يبقى في اسفله-مجمع البحرين 3: 45.

29) الكافي 5: 229-1، الفقيه 3: 172-767، التهذيب 7: 66-283، الوسائل 18: 109 ابواب احكام العيوب ب 7 ح 1.

30) الكافي 5: 215-11، التهذيب 7: 65-279، الاستبصار 3: 82-277، الوسائل 18: 108 ابواب احكام العيوب ب 6 ح 2.

31) التهذيب 7: 59-255، الوسائل 17: 386 ابواب آداب التجارة ب 3 ح 3بتفاوت يسير فيه.

32) التهذيب 7: 66-285، الوسائل 18: 111 ابواب احكام العيوب ب 8 ح 1.

33) انظر الغنية (الجوامع الفقهية) : 586، الرياض 1: 510.

34) الكافي 5: 201-6، التهذيب 7: 50-216، الوسائل 18: 50 ابواب احكام العقود ب 8 ح 4.

35) التهذيب 7: 126-549، الوسائل 17: 365 ابواب عقد البيع ب 19 ح 1، و ما بين المعقوفين من المصدر.و الطن: حزمة من حطب او قصب-مجمع البحرين 6: 278.

36) الكافي 5: 121-2، التهذيب 6: 365-1049، الوسائل 17: 158 ابواب ما يكتسب به ب 31 ح 2.

37) التهذيب 6: 365-1049، الوسائل 17: 158 ابواب ما يكتسب به ب 31 ح 3.

38) الكافي 5: 121-1، الوسائل 17: 158 ابواب ما يكتسب به ب 31 ح 1.

39) الكافي 5: 198-6، التهذيب 7: 58-250، الوسائل 18: 52 ابواب احكام العقود ب 8 ح 13، بتفاوت يسير.

40) الكافي 5: 267-6، الوسائل 19: 41 ابواب احكام المزارعة ب 8 ح 4.

41) الكافي 5: 267-5، التهذيب 7: 197-873، الوسائل 19: 41 ابواب احكام المزارعة ب 8 ح 6.

42) الفقيه 3: 158-691، التهذيب 7: 194-857، المقنع: 130، الوسائل 19: 43 ابواب في احكام المزارعة ب 8 ح 10، بتفاوت.

43) في «ح‏» و «ق‏» : عن الخامس، و الظاهر ما اثبتناه.

44) في «ق‏» : مع.

45) عوالي اللآلئ 1: 222-99.

46) عوالي اللآلئ 1: 389-22.