الفصل الثاني: فيما يحرم التكسب به

و هو ايضا امور:

منها: المسكر ، خمرا كان او غيره، مائعا بالاصالة او جامدا، كان التكسب به بالبيع مطلقا او غيره، بل مطلق التصرف فيه و امساكه في غير الجامد، كما صرح به جماعة (1) ، منهم الحلي، قال: و الخمر و التصرف فيها حرام على جميع الوجوه، من البيع، و الشراء، و الهبة، و المعارضة، و الحمل لها، و الصنعة، و غير ذلك من انواع التصرف (2) .

و اما دليل حرمة بيع الخمر مطلقا، فبعد الاجماع المحقق، و قوله سبحانه: «انما الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه‏» (3) ، المستفيضة من النصوص:

منها: رواية جابر: «لعن رسول الله صلى الله عليه و آله في الخمر عشرة: غارسها، و حارسها، و بائعها، و مشتريها» الحديث (4) .

و في رواية اخرى بعد عد العشرة: «و كذا كل نبيذ و كل مسكر، لانه نجس‏» .

و صحيحة عمار بن مروان: «و السحت انواع كثيرة، منها: اجور الفواحش، و ثمن الخمر و النبيذ المسكر» (5) .

و الروايات بهذا المضمون في ثمن الخمر كثيرة جدا.

و رواية يونس: «ان اسلم رجل و له خمر و خنازير ثم مات و هي في ملكه و عليه دين، قال: يبيع ديانه او ولي له غير مسلم خمره و خنازيره فيقضي دينه، و ليس له ان يبيعه و هو حي، و لا يمسكه‏» (6) .

و رواية ابي بصير، و فيها: «ان الذي حرم شربها حرم ثمنها، فامر بها فصب على الصعيد» (7) .

و مرسلة يزيد بن خليفة الطويلة، و فيها: «انظر شرابك هذا الذي تشربه، فان كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله‏» (8) .

و صحيحة ابن اذينة: عن رجل له كرم ا يبيع العنب و التمر من يعلم انه يجعله خمرا او مسكرا؟ فقال: «انما باعه حلالا في الابان (9) الذي يحل شربه و اكله، فلا باس ببيعه‏» (10) ، علل حلية البيع بحلية الاكل و الشرب، فينتفي حين انتفائها.

و رواية عمر بن حنظلة الآتية في المسالة الآتية (11) .

و المروي في تحف العقول، و رسالة المحكم و المتشابه للسيد، و الفصول المهمة للشيخ الحر: «كل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة اكله و شربه، او كسبه، او نكاحه، او ملكه، او هبته، او عاريته، او امساكه، او شي‏ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، و البيع للميتة و الدم و لحم الخنزير و لحوم السباع من جميع صنوف سباع الوحش، او الطير، او جلودها، او الخمر، او شي‏ء من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهي عن اكله و شربه و لبسه و ملكه و امساكه و التقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام‏» الحديث (12) .

و الرضوي: «و كل امر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة اكله و شربه و لبسه و نكاحه و امساكه لوجه الفساد، مثل: الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و الربا، و جميع الفواحش، و لحوم السباع، و الخمر، و ما اشبه ذلك، حرام ضار للجسم‏» الحديث (13) .

و المروي في التنقيح و[الخلاف] (14) و المنتهى: «لعن اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها» (15) .

و فيهما: «ان الله اذا حرم شيئا حرم ثمنه‏» (16) .

و في الغوالي: «ان الله اذا حرم على قوم اكل شي‏ء حرم ثمنه‏» (17) .

و في تفسير القمي عن الباقر-بعد ذكر الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام و بيانها-: «كل هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‏ء من هذا حرام من الله محرم‏» (18) .

و ضعف بعض تلك الاخبار-لانجبارها بالعمل-غير ضائر.

و اما حرمة سائر انواع التكسب بها و التصرف فيها و امساكها، ف-بعد الاجماع-للآية;حيث ان الامر بالاجتناب يفيد النهي عن جميع ما ذكر.

و مرسلة يزيد بن خليفة، لمثل ذلك ايضا.

و رواية يونس، حيث ان النهي عن الامساك يستلزم النهي من جميع انواع التصرفات.

و رواية ابي بصير، حيث ان ايجاب الصب يقتضي النهي عن جميع اضداده.

و المروي في تحف العقول، و الرضوي، و رواية القمي المتقدمة.

و رواية الحسين بن عمر بن يزيد: «يغفر الله في شهر رمضان الا لثلاثة:

صاحب مسكر، او صاحب شاهين، او مشاحن‏» (19) .

و من هذا يظهر وجوب اهراقها على من كانت‏بيده، و على كل احد كفاية-لو لم يهرق-من باب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و اما حرمة بيع سائر الاشربة المسكرة و التصرف فيها و التكسب بها و حفظها و امساكها فلاكثر ما ذكر، بل جميعه، لكون كل نبيذ مسكر خمرا لغة-كما صرح به في القاموس (20) -و شرعا، كما دلت عليه الروايات المتكثرة:

منها: رواية عطا: «كل مسكر خمر» (21) .

و الصحيح: «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع (22) من العسل، و المزر (23) من الشعير، و النبيذ من التمر» (24) .

و المرسل: «الخمر من خمسة اشياء: من التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير و العسل‏» (25) .

و رواية ابي الجارود: «عن النبيذ اخمر هو؟ فقال: ما زاد على الترك جودة فهو خمر» (26) .

و في تفسير القمي عن الباقر عليه السلام في آية: «انما الخمر و الميسر» (27) الآية: «اما الخمر فكل مسكر من الشراب اذا خمر فهو خمر» الى ان قال:

«و انما كانت الخمر يوم حرمت‏بالمدينة فضيخ البسر و التمر، فلما نزل تحريمها خرج رسول الله صلى الله عليه و آله فقعد في المسجد فدعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فكفاها كلها و قال: هذه كلها خمر» الى ان قال: «فاما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شي‏ء» الحديث (28) .

و اما ما في بعض الاخبار-من تخصيص الخمر بما يكون من العنب- فالمراد منه الخمرة الملعونة، كما صرح به في الرضوي: «و لها خمسة اسامي، فالعصير من الكرم و هي الخمرة الملعونة‏» (29) .

و اما حرمة بيع الجامد من المسكر فلصحيحة ابن اذينة، و ما تاخر عنها من الروايات (30) .

و قد يخص ذلك خاصة بما اذا لم يقصد ببيعه المنفعة المحللة، و اطلاق الصحيح و غيره يضعفه.

نعم، الظاهر عدم حرمة التصرف فيه بالانتفاع به بالمنافع المحللة او امساكه لذلك، لعدم دليل عليه الا المروي في تحف العقول و الرضوي (31) ، و هما-لضعفهما و عدم انجبارهما بالعمل الا مدلولا-لا ينهضان حجة الا في كل حكم ثبت اشتهاره، و لم يثبت ذلك هنا.

و مثل الجامد من المسكر: العصير العنبي بعد الغليان و ان قلنا بطهارته، لرواية ابي كهمش: لي كرم و انا اعصره كل سنة و اجعله في الدنان و ابيعه قبل ان يغلي، قال: «لا باس به، و ان غلا فلا يحل بيعه‏» (32) .

و يستثنى من التصرف و التكسب المحرمين في الخمر جعله خلا و امساكه لذلك، كما صرح به الحلي و الفاضل (33) و غيرهما (34) ، و تدل عليه الروايات المتكثرة (35) .

و هل يجوز بيعها لذلك؟

الظاهر: لا، لظاهر الاجماع و اطلاق النصوص.

و اما موثقة عبيد بن زرارة: عن الرجل ياخذ الخمر فيجعلها خلا، قال: «لا باس به‏» (36) .

و رواية جميل: يكون لي على الرجل دراهم فيعطيني بها خمرا، فقال: «خذها ثم افسدها» (37) و زيد في رواية: «و اجعلها خلا» .

فلا تنهضان حجتين للتخصيص، لعدم ظهور الاخذ في كونه على سبيل البيع و الشراء، بل هما امران زائدان على الاخذ، فاثباتهما يحتاج الى الدليل.

و يستثنى ايضا منه التصرف فيه بالتداوي في حال الضرورة، لمحافظة النفس كما ياتي في محله، و يظهر منه جواز امساكه لذلك، و لكن يشترط في التصرف و الامساك العلم بالضرورة او الظن المعتبر شرعا، فلا يجوز امساكها لتجويز الاحتياج اليها و احتماله، و لا التصرف فيها مع امكان دفع الضرورة بغيرها.

و اما اقتناؤها لفائدة محللة غير ذلك فلا، لما مر، و ان اشعرت بجوازه كلمات بعضهم (38) .

و منها: المائعات النجسة ذاتا او عرضا، كان التكسب بها بالبيع او غيره، و ان قصد بها نفع محلل و اعلم المشتري بحالها ان لم يقبل التطهير، اجماعا كما عن الغنية و المنتهى و ظاهر المسالك (39) .

و مع قبولها له على الاصح، وفاقا لظاهر الحلي، بل التهذيب، بل الخلاف و النهاية للشيخ (40) ، حيث صرح فيهما بوجوب اهراق الماء النجس، بل في النهاية بعدم جواز استعمال شي‏ء من المائعات و وجوب الاهراق في بحث المشارب، للرواية الثانية من الروايات المتقدمة في المسالة السابقة (41) ، و صحيحة ابن اذينة و ما تاخر عنها من الروايات (42) ، و للامر باهراق الماء النجس-المستلزم للنهي عن جميع اضداده الخاصة، التي منها: بيعه و صلحه و امساكه و سائر التصرفات-في اخبار كثيرة:

كموثقة سماعة: عن رجل معه اناءان فيهما ماء، فوقع في احدهما قذر لا يدري ايهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره، قال: «يهريقهما جميعا و يتيمم‏» (43) .

و الاخرى: «و ان كان اصابته جنابة فادخل يده في الماء فلا باس به ان لم يكن اصاب يده شي‏ء من المني، و ان كان اصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله‏» (44) .

و موثقة ابي بصير: «اذا ادخلت‏يدك في الاناء قبل ان تغسلها فلا باس، الا ان يكون اصابها قذر بول او جنابة، فان ادخلت‏يدك في الاناء و فيها شي‏ء من ذلك فاهرق الماء» (45) .

و صحيحته: عن الجنب يجعل الركوة (46) او التور (47) فيدخل اصبعه فيه، قال: «ان كانت‏يده قذرة فليهرقه‏» (48) .

و صحيحة البزنطي: عن الرجل يدخل يده في الاناء و هي قذرة، قال:

«يكفئ الاناء» (49) .

و صحيحة البقباق، و فيها: فقال: «رجس نجس-اي الكلب-لا تتوضا بفضله و اصبب ذلك الماء» الحديث (50) .

و رواية عمر بن حنظلة: في قدح من المسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره، فقال: «لا و الله، و لا قطرة يقطر منه في حب الا اهريق ذلك الحب‏» (51) .

و تلك الروايات و ان اختصت‏بالماء الا انه يثبت الحكم في غيره بعدم القول بالفصل، مضافا الى الامر باهراق المرقة المتنجسة بموت الفارة و دفن العجين النجس.

و يظهر من تلك الروايات و رواية تحف العقول السابقة (52) عدم جواز الانتفاع بها منفعة محللة ايضا، و لا اقتنائها، لذلك، و هو كذلك، لذلك.

وفاقا لظاهر الحلي، قال: و كل طعام او شراب حصل فيه شي‏ء من الاشربة المحضورة او شي‏ء من المحرمات و النجاسات، فان شربه و عمله و التجارة فيه و التكسب به و التصرف فيه حرام محظور (53) .

بل الاكثر فيما لا يقبل التطهير، كما يظهر من تخصيصهم جواز الانتفاع بالدهن النجس بالاستصباح، و نسبة القول بتجويز اتخاذ الصابون منه و طلي الاجرب و الدواب الى نادر (54) .

خلافا للفاضل في اكثر كتبه (55) ، و يضعف بما مر.

و يستثنى من ذلك الدهن بجميع اصنافه، فيجوز الاستصباح به و بيعه لذلك، للاجماع، و المستفيضة من الصحاح و غيرها:

ففي صحيحة زرارة: «اذا وقعت الفارة في السمن و ماتت، فان كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تاكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك‏» (56) .

و في صحيحة ابن وهب: جرذ مات في سمن او زيت او عسل، فقال:

«اما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزيت‏يستصبح به‏»، و قال في بيع ذلك الزيت: «يبيعه و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به‏» (57) .

و موثقته: في جرذ مات في زيت، ما تقول في بيع ذلك الزيت؟

قال: «بعه و بينه لمن اشتراه ليستصبح به‏» (58) .

و صحيحة ابي بصير: عن الفار تقع في السمن او في الزيت فتموت فيه، قال: «ان كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقى، و ان كان ذائبا فاسرج به و اعلمهم اذا بعته‏» (59) .

و قريبة من بعض هذه الاخبار صحيحتا الحلبي (60) و الاعرج (61) .

و ليس في شي‏ء منها تقييد الاستصباح بتحت السماء كما عن الاكثر (62) ، و في المسالك و الروضة: انه المشهور (63) ، و عن الحلي: الاجماع عليه (64) .

و مستنده غير واضح سواه.

و ما ادعاه في المبسوط (65) من رواية الاصحاب الصريحة في التقييد.

و كونه اظهر افراد الاستصباح.

و يضعف الاول: بعدم ثبوته.

و الثاني: بعدم حجيته، مع ان المدعي اختار خلافه هنا.

و الثالث: بالمنع، بل الغالب عكسه.

و قد يعلل بنجاسة دخان النجس، او بتصاعد شي‏ء من اجزائه مع الدخان، فينجس السقف.

و فيه: منع نجاسة الدخان او العلم بتصاعد شي‏ء من اجزاء الدهن اولا، و منع حرمة تنجيس المالك ملكه ثانيا.

و اما القول: بان ذلك يوجب ان ينجس غالبا ما يشترط فيه الطهارة في الصلاة من الثوب و البدن.

ففيه-بعد تسليمه-انه ان لم يعلم فينفى بالاصل، و الا فاللازم ازالة النجاسة.

فالتعميم-كما في المبسوط و الخلاف، و عن الاسكافي و جماعة من المتاخرين (66) -هو الاقوى.

ثم الحق الاقتصار في الاستثناء على الاستصباح او بيعه، لرواية تحف العقول (67) المنجبرة بالشهرة، و يؤيده-بل يدل عليه-التعليل في الصحيحة و الموثقة المتقدمتين بقوله: «ليستصبح‏» .

خلافا لشاذ، فالحق به عمل الصابون و تدهين الاجرب (68) ، و آخر، فاحتمل لحوق كل ، بل عن الشهيد في بعض حواشيه (70) التصريح باللحوق.

استنادا الى الاصل.

و الخبر المروي عن نوادر الراوندي (71) .

و حملا للنصوص على النفع الغالب، او جعل الاسراج كناية عن استعمال لم يوجب المباشرة.

مع عدم دلالة الاخبار على المنع من غير الاستصباح.

و يندفع الاول: بعموم ما دل على المنع من التكسب به، خرج المجمع عليه.

و الثاني: بالضعف.

و الثالث: بعدم دلالته على التعميم.

و الرابع: بعدم دليل عليه.

و هل يجب في بيعه الاعلام بالنجاسة، ام لا؟

المصرح به في كلامهم (72) هو: الاول، و هو كذلك، للموثقة و الصحيحة المتقدمتين (73) .

ثم لو تركه هل يقع البيع صحيحا، ام فاسدا؟

الظاهر هو: الاول، لعدم دليل على فساده.

و قد يوجه الفساد بان الاعلام اما شرط جواز البيع او صحته او مشكوك في شرطيته، و الفساد على الاولين ظاهر، و كذا على الثالث، لحصول الاجمال في تخصيص عمومات الصحة، فلا تكون حجة في موضع الاجمال.

و يضعف: بان تجويز البيع في الصحيحة مطلق و الاصل عدم الاشتراط، و عطف قوله: «و يبينه‏» لا يثبته (74) ، فلا اجمال.

و في حكم المائعات النجسة: الجوامد المتنجسة الغير القابلة للتطهير، كالعسل و السمن الجامدين، بلا خلاف ظاهر، لعموم الاخبار المتقدمة، و الامر بالقائه في المعتبرة المتقدمة بعضها.

و اما القابلة له-كالثوب المتنجس و الحبوب-فيجوز بيعها و التكسب بها، بالاجماع، بل الضرورة، و في الاخبار عليه الدلالة.

فرعان:

ا: مقتضى الاصل المستفاد من العمومات و اختصاص النصوص المثبتة للاستصباح بالمتنجس من الدهن عدم جوازه فيما يذاب من شحوم الميتة و البانها.

مضافا الى المستفيضة الآتية المصرحة بعدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا (75) ، بل في صحيحة الوشاء الآتية (76) اشعار بتحريم الاستصباح بها ايضا، مع ان الظاهر اتفاقهم عليه كما قيل (77) .

الا ان المحكي عن الفاضل تجويز الاستصباح به (78) و تبعه بعض‏المتاخرين (79) ، للمروي في السرائر و قرب الاسناد: عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها و هي احياء، ايصلح ان ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم، يذيبها و يسرج بها، و لا ياكلها و لا يبيعها» (80) .

و يضعفه مخالفته لعمل المعظم، مضافا الى انه خاص بالمقطوع من الحي، فيمكن الاختصاص به لو لا معارضة صحيحة الوشاء (81) .

ب: يظهر من الاخبار جواز بيع المتنجس على من يستحله من اهل الذمة..

ففي رواية زكريا بن آدم: عن قطرة خمر او نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق كثير، قال: «يهراق المرق او يطعمه لاهل الذمة او الكلاب‏» الى ان قال: قلت: فخمر او نبيذ قطر في عجين او دم، فقال:

«فسد» ، قلت: ابيعه من اليهود و النصارى و ابين لهم فانهم يستحلون شربه؟

قال: «نعم‏» (82) .

و في مرسلة ابن ابي عمير: في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممن يستحل الميتة‏» (83) .

و بمضمونها افتى جماعة، منهم: صاحب المدارك (84) ، و والدي العلامة-رحمه الله-و هو الاقوى، لما ذكر.

خلافا للشيخ في التهذيب، حيث قال-بعد ذكر المرسلة المذكورة، و نقل مرسلة اخرى، هي: «انه يدفن و لا يباع‏» -: و بهذا الخبر ناخذ دون الاول (85) .انتهى.

و الجواب عن المرسلة الاخيرة: انها غير صريحة في النهي.

و الظاهر انه يختص جواز البيع بمن يستحله، لاختصاص الحكم في المرسلة و السؤال في الرواية.

و هل يجب البيان لهم؟

مقتضى اطلاق المرسلة: العدم، و لا يقيدها ذكر البيان في سؤال الرواية كما لا يخفى.

و يظهر من الرواية ايضا جواز اطعام المتنجس للكلاب، فيستثنى ايضا، و ياتي تمام الكلام في ذلك في كتاب المشارب ان شاء الله سبحانه.

و منها: الميتة ، و حرمة بيعها و شرائها و التكسب بها اجماعي، و في التذكرة عليه الاجماع (86) ، و في المنتهى اجماع العلماء كافة (87) ، بل يحرم جميع وجوه الاستمتاع بها كما في المنتهى (88) .

لرواية علي بن المغيرة الصحيحة عن السراد-و هو ممن اجمعوا على تصحيح ما يصح عنه-: الميتة ينتفع بشي‏ء منها؟ قال: «لا» (89) .

و رواية فتح بن يزيد الجرجاني: «لا ينتفع من الميتة باهاب (90) و لاعصب (91) » (92) .

و صحيحة الكاهلي على طريق الفقيه: عن قطع اليات الغنم، فقال: «لا باس بقطعها يصلح بها مالك‏» ، ثم قال: «ان في كتاب علي: ان ما قطع منها ميتة لا ينتفع به‏» (93) .

و المستفاد مما ذكرنا[عدم] (94) اختصاص التحريم بالبيع، بل يعم جميع وجوه الانتفاع، كما ان المستفاد من الاوليين ان حكم جميع اجزاء الميتة حكمها، كما هو المعروف من مذهبهم.

و يدل على جميع ذلك ما مر في المسكر من الرضوي، و رواية تحف العقول (95) ، كما يدل على حرمة بيعها اكثر الروايات المتقدمة هناك، و المستفيضة المصرحة بان ثمن الميتة من السحت (96) .

و يستفاد من الثالثة ان حكم الاجزاء المبانة من الحي ايضا حكمها، و لا خلاف فيه ظاهرا.

و يدل عليه ايضا كثير مما مر في المسكر، و رواية ابي بصير: في اليات الضان تقطع و هي احياء: «انها ميتة‏» (97) .

و صحيحة الوشاء: ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها، فقال «حرام، هي ميت‏» فقلت: جعلت فداك، فيستصبح بها؟ فقال:

«اما علمت انه يصيب اليد و الثوب، و هو حرام‏» (98) .

و بعض الروايات الدالة بظاهرها على جواز بيع ما يتخذ من جلودها للسيوف و شرائها.

كموثقة سماعة: عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت، فرخص فيه، و قال: «ان لم تمسه فهو افضل‏» (99) .

و مكاتبة الصيقل: اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمير الميتة فيصيب ثيابي افاصلي فيها؟ فكتب الي: «اتخذ ثوبا لصلاتك‏» (100) .

و اخرى: انا قوم نعمل السيوف، ليس لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرون اليها، و انما علاجنا من جلود الميتة البغال و الحمير الاهلية، لا يجوز في اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بايدينا و ثيابنا، و نحن محتاجون الى جوابك في هذه المسالة يا سيدنا لضرورتنا اليها، فكتب عليه السلام: «اجعلوا ثوبا للصلاة‏» (101) .

او على جواز الانتفاع بها بجعل الماء و مثله فيها.

كرواية الحسين بن زرارة: في جلد شاة ميتة يدبغ فيصيب فيه اللبن او الماء فاشرب منه و اتوضا؟ قال: «نعم‏» و قال: «و يدبغ فينتفع به و لا يصلى فيه‏» (102) .

و مرسلة الفقيه: عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: «لا باس بان تجعل فيها ما شئت‏» الحديث (103) .

فهي (104) شاذة جدا خارجة عن حيز الحجية.

مع ان الاولى معارضة بموثقة اخرى لسماعة: عن اكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الغراء، قال: «لا باس بما لم تعلم انه ميتة‏» (105) .

و الترجيح للثانية، لموافقة الاولى للعامة و الثانية للكتاب.

و الثانيتان ضعيفتان دلالة، لانها ليست الا بالتقرير، و حجيته انما هي اذا لم يكن هناك مانع عن المنع، و التقية اقوى الموانع سيما في المكاتبات.

مع ان في الثالثة اشعارا بها، حيث عدل عن الجواب الى الاجمال.

و الاخيرتان متروكتان عند اصحابنا طرا، و مخالفتان لاجماعهم.

و تستثنى من الميتة اجزاؤها العشرة التي لا تحلها الحياة، فيحل الانتفاع بها كما ياتي في كتاب المطاعم، و مر في بحث الطهارة ايضا.

و كذا يستثنى منها بيعها ممن يستحل الميتة اذا اختلطت‏بالذكي و لم يميز، لصحيحتي الحلبي:

احدهما: «اذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممن يستحل الميتة و ياكل ثمنه‏» (106) .

و ثانيهما: الميتة و الذكي اختلطا فكيف يصنع؟ فقال: «يبيعه ممن يستحل الميتة و ياكل ثمنه، فانه لا باس به‏» (107) .

و قد يستثنى ايضا الاستقاء بجلدها لغير مشروط الطهارة، و مر الكلام فيه في كتاب الطهارة، و ياتي الكلام في سابقه في كتاب المطاعم.

و منها: الارواث و الابوال ، و تحريم بيعها مما لا يؤكل لحمه شرعا موضع وفاق كما في المسالك (108) ، و في التذكرة: الاجماع على عدم صحة بيع نجس العين مطلقا، و كذا السرجين النجس (109) .و كثير من الاخبار المتقدمة في المسكر يدل عليه.

مضافا الى رواية يعقوب بن شعيب: «ثمن العذرة من السحت‏» (110) .

و موثقة سماعة: اني رجل ابيع العذرة فما تقول؟ قال: «حرام بيعها و ثمنها» (111) .

و اما قوله فيها: و قال: «لا باس ببيع العذرة‏» و نحوها رواية محمد بن مضارب (112) ، فلمعارضتهما لعمل المعظم لا تنهضان حجتين، مع ان بعد تعارضهما تبقى العمومات المانعة المتقدمة خالية عن المعارض.

و هل يجوز الانتفاع بها نفعا محللا بغير بيع-كتربية الزرع و اقتنائها لذلك-ام لا؟

صرح الفاضل في المنتهى و القواعد بالاول (113) .

و ظاهر الحلي: الثاني، قال في السرائر: و جميع النجاسات محرم التصرف فيها و التكسب بها على اختلاف اجناسها من سائر انواع العذرة و روث ما لا يؤكل لحمه و بوله (114) .

و الاصل مع الاول، و روايتا الرضوي و تحف العقول (115) مع الثاني، الا ان ضعفهما و عدم ثبوت انجبارهما في المورد-و ان ثبت في غيره- يمنعهما عن دفع الاصل، فالاول هو الاقوى، و لكن مع الكراهة كما في المنتهى (116) ، للروايتين.

و اما مما يؤكل لحمه فيجوز الاكتساب بها مطلقا، وفاقا للاكثر، بل عن السيد الاجماع عليه (117) ، لطهارتها و عظم الانتفاع بها، فيشملها الاصل و العمومات.

و خلافا للمفيد و النهاية و الديلمي و ظاهر الارشاد (118) ، فمنعوا عنه، للاستخباث و عدم الانتفاع، الا بول الابل للاستشفاء مع الضرورة اليه، للاجماع، و النصوص.

و يضعف دليل المنع في المستثنى منه بمنع ملازمة الاول للمنع بعد امكان الانتفاع به، و منع الثاني وجدانا.

و منها: الخنزير و الكلب ، و حرمة التكسب بهما اجماعية، كما صرح به جماعة (119) ، مضافا الى كثير من الاخبار المتقدمة في المسكر الشاملة لهما صريحا او عموما، و المستفيضة الدالة على حرمة ثمن الكلب.

كرواية جراح المدائني: و نهى عن ثمن الكلب (120) .

و صحيحة حريز: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب‏» (121) .

و رواية الوليد العامري: عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال «سحت، و اما الصيود فلا باس‏» (122) .

و موثقة محمد: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت‏» (123) .

و مرسلة الفقيه: «و ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت‏» (124) .

و يستفاد من الاخيرتين-تقييدا-و من سابقتها-صريحا-اختصاص المنع بما عدا كلب الصيد.

و تدل عليه ايضا رواية ابي بصير: عن ثمن كلب الصيد، فقال: «لا باس به‏» (125) .

و رواية ليث: عن الكلب الصيود يباع؟ فقال: «نعم، و يؤكل ثمنه‏» (126) .

و هو اجماعي ايضا، كما في المنتهى و الغنية و المسالك (127) ، و في المهذب قريب من الاجماع، و قال: و فيه قول بالمنع متروك (128) .و هذا صريح في وجود الخلاف، كما ان في التذكرة و القواعد (129) اشعارا به، و لكنه غير مضر في الاجماع.

و بذلك يقيد ما اطلق فيه المنع عن ثمن الكلب، و ليس في النص و الفتوى التقييد بالسلوقي كما في المبسوط (130) ، و الاصل يدفعه.

و في كلب الماشية و الحائط و الدار و الزرع قولان:

و اختاره من المتاخرين جماعة (132) ، و عن الخلاف الاجماع عليه (133) ، لاطلاق الاخبار المانعة عموما، او خصوص الكلب و عدم المخصص.

و الجواز، و هو للاسكافي و الحلي و ابن حمزة و ابي علي و الفاضل و التنقيح و المهذب (134) و اختاره كثير ممن تاخر (135) .

للاصل، و العمومات.

و الاشتراك مع كلب الصيد في الانتفاع المسوغ لبيعه.

و لان لها ديات مقدرة.

و لجواز اجارتها، و لا فارق.

و الاولان: مخصصان بما مر.

و الثالث: قياس باطل.

و الرابع: غير دال على جواز البيع، لعدم الملازمة، بل ربما يجعل-كما في المهذب و المسالك (136) -دليلا على المنع.

و الخامس: بثبوت الفارق، و هو وجود المنفعة المحللة المصحح للاجارة.

نعم، قال الشيخ في المبسوط: و روي جواز بيع كلب الماشية و الحائط (137) .

و هو و ان كان اخص من المطلوب، الا انه يتم بعدم الفصل، فالجواز هو الاقوى، و ان كان المنع احوط.

و كيف كان، فلا ينبغي الريب في جواز اقتناء هذه الكلاب للحراسة، لما مر.

و للصحيح: «لا خير في الكلاب الا كلب صيد او ماشية‏» (138) .

و المروي في الغوالي: ان النبي صلى الله عليه و آله امر بقتل الكلاب في المدينة-الى ان قال: -فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها، فاستثنى صلى الله عليه و آله كلاب الصيد، و كلاب الماشية، و كلاب الحرث، و اذن في اتخاذها (139) .

و لثبوت الدية لها بالاجماع، و الاخبار.

ففي رواية ابي بصير: «دية الكلب السلوقي اربعون درهما، و دية كلب الغنم كبش، و دية كلب الزرع جريب من بر، و دية كلب الاهل قفيز من تراب لاهله‏» (140) .

و في رواية السكوني: فيمن قتل كلب الصيد، قال: «يقومه، و كذلك البازي، و كذلك كلب الغنم، و كذلك كلب الحائط‏» (141) .

و في مرسلة ابن فضال: «دية كلب الصيد اربعون درهما، و دية كلب الماشية عشرون درهما، و دية الكلب الذي ليس للصيد و لا للماشية زنبيل من تراب، على القاتل ان يعطيه، و على صاحبه ان يقبل‏» (142) .

و اثبات الصاحب لها مثبت للملكية الموجبة لجواز الاتخاذ، بل المستفاد من الاخيرة-مضافة الى رواية الغوالي-اتخاذ مطلق الكلب اذا كان له منفعة، الا الكلب العقور، و انه خرج بالاجماع و ما دل على جواز قتله من الروايات.

و اما ما روي في المنتهى من انه: «من ربط الى جنب داره كلبا نقص من عمله كل يوم قيراط، و القيراط كجبل احد» (143) ، و قريب منه المروي من طرق العامة (144) ، مع استثناء كلب الماشية و الزرع و الصيد..

فلضعفهما قاصران عن اثبات التحريم مع عدم ظهورهما فيه، سيما مع المعارضة لما سبق (145) .

و منها: ما يقصد منه المحرم ، كآلات اللهو من الدف و القصب و المزمار و الطنبور، و هياكل العبادات المبتدعة، و آلات القمار من النرد و الشطرنج و غيرهما، و لا خلاف في حرمة بيعها و التكسب بها، و نقل الاجماع-كما قيل (146) -به مستفيض، بل هو اجماع محقق، و هو الحجة فيه، مع ما مر من المروي من تحف العقول (147) .

مضافا الى قوله سبحانه: «انما الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه‏» (148) .

بضميمة ما رواه الشيخ الحر في الفصول المهمة عن علي عليه السلام، انه قال:

«كل ما الهى عن ذكر الله فهو ميسر» (149) .

و رواية جابر: «لما انزل الله عز و جل على رسوله «انما الخمر و الميسر» الآية، قيل: يا رسول الله، ما الميسر؟ قال: ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز» (150) .

و صحيحة معمر: «و كل ما قومر عليه فهو ميسر» (151) .

و ما في تفسير القمي: عن الباقر، عن رسول الله صلى الله عليه و آله، انه قال: «فاما الميسر: فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر، و اما الانصاب: فالاوثان التي كان يعبدها المشركون، و اما الازلام: فالاقداح التي كانت تستقسم بها مشركو العرب في الامور في الجاهلية، كل هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‏ء من هذا حرام من الله محرم‏» (152) .

و المروي في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي: «بيع الشطرنج‏حرام، و اكل ثمنه سحت، و اتخاذها كفر، و اللعب بها شرك، و السلام على اللاهي[بها]معصية كبيرة موبقة، و الخائض يده فيها كالخائض يده في لحم الخنزير» (153) .

و المروي في الفصول المهمة: «انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها، التي يجنى منها انواع الفساد محضا، نظير: البرابط و المزامير و الشطرنج، و كل ملهو به، و الصلبان و الاصنام، و ما اشبه ذلك من صناعات الاشربة الحرام، و ما يكون منه و فيه الفساد محضا و لا يكون منه و لا فيه شي‏ء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و اخذ الاجرة عليه و جميع التقلب فيه من جميع الحركات كلها، الا ان تكون صناعة قد تتصرف الى بعض وجوه المنافع‏» (154) .

و ضعف بعض تلك الاخبار بالشهرة منجبر، و مقتضى اطلاقها- كاطلاق الفتاوى-حرمة بيعها مطلقا، سواء قصد به المنفعة المحرمة او منفعة محللة، و في المسالك نفى البعد عن الجواز في الثاني، و قال: الا ان هذا الفرض نادر، و قد يجعل ندوره سببا لاخراجه عن الاطلاقات (155) .

اقول: و في الندور مطلقا منع، فان الدف يمكن الانتفاع به في كثير مما ينتفع فيه بالغربال و نحوه، لحفظ المتاع و نقل الغلات و نحوها، و كذا الجوز.

و التحقيق: ان الاجماع-الذي هو احد الادلة-تحققه فيما يقصد كثيرا فيه المنفعة المحللة و شاعت فيه هذه-كالجوز و الدف-غير معلوم، و انجبار الاخبار الغير المعتبرة بالنسبة اليه غير ثابت ايضا، و دلالة المعتبرة فيها على اطلاق الحرمة و حرمة المطلق حتى ما شاعت فيه بهذا القصد غير واضحة، بل الاجماع على خلافه في الجملة واضح كما في الجوز، فالجواز بهذه القصد فيما شاع فيه ذلك اظهر.

و اما ما لا يقصد منه ذلك الا نادرا، فان قلنا بخروجه عن تلك المطلقات-للندور-لجرى مثله في مطلقات التملك و البيع ايضا، فيخرج منهما جميعا، فلا يكون بيعه صحيحا، الا ان الظاهر انه لا يكون بذلك القصد محرما، فتامل.

و من هذا يظهر حال الابتياع للكسر، و ياتي ان شاء الله زيادة بيان لذلك في كتاب الشهادات.

نعم، لو كسر بحيث‏يخرج عن الاسم جاز البيع قطعا.

و كما يحرم بيع هذه الاشياء يحرم عملها مطلقا، بلا خلاف بين علمائنا في ذلك كما في المنتهى (156) ، للآية (157) ، و المرويين في تحف العقول و الفصول المهمة (158) .

و يحرم ايضا اتخاذها و اقتناؤها كما صرح به في التذكرة (159) ، للآية، و المرويين.

مضافا في خصوص الشطرنج الى المروي في المستطرفات و رواية الحسين بن عمر المتقدمة في المسكر (160) .

و في الجميع الى الرضوي: «من ابقى في بيته طنبورا او عودا او شيئا من الملاهي من المعزفة و الشطرنج و اشباهه اربعين يوما فقد باء بغضب من الله، فان مات في اربعين مات فاجرا فاسقا ماواه النار، و بئس المصير» (161) .

و الكلام في الاقتناء للمنفعة المحللة يظهر مما مر.

و منها: بيع السلاح لاعداء اهل الدين ، مسلمين كانوا ام مشركين.

و حرمته في الجملة اجماعية، و هو الحجة فيها.

مضافا الى صحيحة الحضرمي: ما ترى فيما يحمل الى الشام من السروج و اداتها؟ فقال: «لا باس، انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله، انكم في هدنة، فاذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا اليهم السلاح و السروج‏» (162) .

و رواية هند السراج: عن حمل السلاح الى اهل الشام، فقال: «احمل اليهم، فان الله عز و جل يدفع بهم عدونا و عدوكم-يعني الروم-فاذا كانت الحرب بيننا فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشترك‏» (163) .

و مرسلة السراد: اني ابيع السلاح، قال: «لا تبعه في فتنة‏» (164) .

و مقتضى تلك الاخبار-مضافا الى الاصل-اختصاص المنع بحال الحرب-اي حال قيام راياته[و] (165) التهيؤ له-كما هو مقتضى الاخيرتين، بل حال عدم الصلح و حذر كل من الفريقين عن الآخر و ان لم تكن محاربة و لا تهيؤ لها، كما هو مقتضى الاولى، لانها حال المباينة، و هذا هو مختار الحلي و النافع و المختلف و التحرير و ظاهر المنتهى و الدروس (166) .

و ذهب جماعة-منهم: الشيخان و الديلمي و الحلبي و الشرائع و التذكرة (167) -الى اطلاق المنع، اتباعا لبعض النصوص:

كالصحيح المروي في الوسائل عن كتاب علي بن جعفر، و في قرب الاسناد للحميري: عن حمل المسلمين الى المشركين التجارة، قال: «اذا لم يحملوا سلاحا فلا باس‏» (168) .

و المروي في الفقيه في وصية النبي لعلي عليه السلام: «كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة اصناف‏» ، و عد منهم بائع السلاح لاهل الحرب (169) .

و اجيب: بانهما مطلقان يجب تقييدهما بما مر، مع معارضتهما لاطلاق الجواز في ظاهر رواية الصيقل: اني رجل صيقل اشتري السيوف و ابيعها من السلطان، اجائز لي بيعها؟ فكتب: «لا باس به‏» (170) .

اقول: الروايتان مطلقتان واردتان في المشركين و اهل الحرب، و اختصاص الاول بالكفار ظاهر، و كذا الثاني، لانهم المراد من اهل الحرب، كما يظهر من المهذب و غيره.

و يدل عليه اطلاق الفقهاء طرا الحربي على غير الذمي من الكفار، و لذا يقال لبلاد المشركين: دار الحرب.

و على هذا، فلا تعارض بين هذه و بين الاوليين من الروايات المتقدمة، لتباين الموضوعين.

و اما الثالثة و ان كان موضوعها اعم من وجه من موضوع هذه، و لكن لا تعارض بينهما حقيقة، اذ المنع عن البيع في حال الفتنة لا يدل على الجواز في غيرها.

و على هذا، فالمنع مطلقا في الكفار و في حال المباينة في اعداء الدين من المسلمين اقوى و اظهر.

و صرح في المهذب بان التفصيل انما هو في ذلك، قال: بيع السلاح لاهل الحرب لا يجوز اجماعا، و اما اعداء الدين-كاصحاب معاوية-هل يحرم بيع السلاح منهم مطلقا او في حال الحرب خاصة (171) ؟ انتهى.

هذا، و اما غير اعداء الدين من فرق المسلمين المحاربين للمسلمين فلا شك في عدم لحوقهم بالكفار، فيجوز البيع منهم في حال عدم الحرب.

و الظاهر من جماعة الحاقهم باعداء الدين من فرق المسلمين (172) ، لتعميم المنع في كل فتنة في المرسلة، و لاستلزامه معونة الظالم و الاعانة على الاثم المحرمين.

اقول: الظاهر من الروايات المنع عن البيع من اعداء الدين في حال المباينة مطلقا، سواء تهيؤا للحرب و ارادوا الشراء لخصوص المحاربة معهم او لا، و سواء كان البيع بقصد المساعدة ام لا.

و اما غيرهم من فرق المسلمين فلا دليل فيهم على هذا التعميم، بل و كذلك في سائر فرق الشيعة المباينين للامامية، فالتخصيص فيهم-بما اذا قصد المتبايعين حرب المسلم حتى تصدق المعونة على الظلم و الاثم، او كان حال الحرب و الفتنة-هو الصواب.

و هل يحرم بيع ما يعد جنة لهم ايضا-كالسلاح-ام لا؟

قيل بالاول، لظاهر رواية هند (173) .

و قيل بالثاني (174) ، لصحيحة محمد بن قيس: عن الفئتين تلتقيان من اهل الباطل، ابيعهما السلاح؟ فقال: «بعهما ما يكنهما، الدرع و الخفين‏» (175) .

و دلالة الاولى مختصة بما اذا علم به الاستعانة علينا، و الثانية بما اذا كان حين التقاء الفئتين الباطلتين، فيمكن ان يكون ذلك لاجل الحفظ عن القتل، فانه من الباطل غير جائز، و لكن الاصل مع الثانية.

و هو-في غير مورد الاولى، و غير ما اذا قصد به محافظتهم عن المسلمين-خال عن المعارض، فالصحيح الجواز، الا مع العلم بانهم يريدون الاستعانة على المسلمين او قصد حفظهم عنهم.

و يحرم بيع السرج ايضا حال المباينة.

و منها: الاجارة و البيع-بل كل معاملة و تكسب-للمحرم ، كاجارة المساكن و الحمولات للخمر، و ركوب الظلمة و اسكانهم للظلم، و بيع العنب و التمر و غيرهما مما يعمل منه المسكر ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما او بربطا.

و الظاهر ان حرمته اذا شرطا المحرم في العقد ام حصل اتفاقهما عليه.

و الحاصل: ان يكون المحرم هو غاية البيع و المقصود منه مما لا خلاف فيها، و عليه في المنتهى الاجماع (176) ، و هو الحجة فيه، مع كونه بنفسه فعلا محرما لما بينا في موضعه: ان فعل المباح بقصد التوصل به الى الحرام محرم، و مع انه معاونة على الاثم المحرم كتابا و سنة و اجماعا.

و قد يستدل برواية جابر: عن الرجل يؤاجر بيته يباع فيه الخمر، قال: «حرام اجرته‏» (177) .

و رواية عمرو بن حريث-الصحيحة عن السراد و ابان المجمع على تصحيح ما يصح عنهما-: عن بيع التوز (178) ابيعه يصنع به الصليب و الصنم؟

قال: «لا» (179) .

و صحيحة ابن اذينة، و فيها: عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ صلبانا، قال: «لا» (180) ، و اختصاصها بموارد خاصة غير ضائر، لعدم القول بالفصل.

و فيه: ان هذه الروايات تتعارض مع اطلاق الروايات الآتية، و لا ترجيح، و ترجيح هذه الثلاث في بعض صورها-و هو صورة الشرط- بموافقة الكتاب لا يصلح ترجيحا لاصل الرواية.

و توهم كونها اخص مطلقا من الآتية-لاختصاص الآتية بغير صورة الشرط اجماعا-فاسد، لانه لا يجعل الرواية خاصة، كما بينا في كتاب عوائد الايام.

و ان لم يشترطا ذلك و لم يتفقا عليه، فاما لا يعلم انه يعمل منه المحرم، او يعلم..

فان لم يعلم، فاما ليس المشتري من عهد منه عمل ذلك، او يكون كذلك..

فان لم يكن فلا يحرم البيع منه و لا يكره مع عدم الظن اجماعا، و معه على الاصح، و ان كان فيكره.

خلافا للمحكي عن بعضهم، فحرمه.

اما عدم الحرمة في جميع ما ذكر فبعد الاجماع في البعض، بل في الجميع كما هو الظاهر عن المنتهى (181) ، و الاصل، المستفيضة من الاخبار:

كصحيحة رفاعة: عن بيع العصير ممن يخمره، فقال: «حلال، السنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا؟ ! » (182) .

و صحيحة ابن ابي عمير: عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، فقال:

«بعه ممن يطبخه او يجعله خلا احب الي، و لا ارى بالاول باسا» (183) .

و صحيحة محمد الحلبي: عن بيع العصير ممن يجعله حراما، فقال:

«لا باس به، تبيعه حلالا و يجعله ذلك حراما» (184) .

و صحيحة ابي المعزا: كان لي اخ فهلك و ترك في حجري يتيما، و لي اخ يلي ضيعة لنا، و هو يبيع العصير ممن يصنعه خمرا، و يؤاجر الارض بالطعام، فاما ما يصيبني فقد تنزهت، فكيف اصنع بنصيب اليتيم؟

-الى ان قال: - «و اما بيع العصير ممن يصنعه خمرا فليس به باس، خذ نصيب اليتيم منه‏» (185) و صحيحة ابن اذينة: عن الرجل يؤاجر سفينته و دابته ممن يحمل فيها او عليها الخمر و الخنازير، فقال: «لا باس‏» (186) .

و صحيحته الاخرى: عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه برابط، فقال: «لا باس به‏» (187) .

و رواية يزيد بن خليفة: ان لي الكرم، قال: «تبيعه عنبا» ، قال: فانه يشتريه من يجعله خمرا، قال: «بعه اذن عصيرا» قال: انه يشتريه مني عصيرا فيجعله خمرا في قربتي، قال: «بعته حلالا فجعله حراما فابعده الله‏» (188) .

و رواية سماعة: قال: «لا يصلح لباس الحرير و الديباج، فاما بيعه فلا باس به‏» (189) و تدل عليه ايضا الروايات المجوزة لبيع المائع النجس و العجين النجس ممن يستحل الميتة (190) .

و هذه الروايات و ان كانت معارضة للثلاث الاولى، الا ان لعدم الترجيح يرجع الى التخيير او الاصل، و هما يفيدان الجواز.

و اما الكراهة في الاخير فلصحيحة ابن ابي عمير المتقدمة (191) .

و ان علم انه يعمل منه المحرم فالمشهور-كما قيل-عدم الحرمة، و يدل عليه الاصل و اطلاقات الروايات المتقدمة.

و صحيحة البزنطي: «لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك باس‏» (192) .

و رواية ابي كهمش: «هو ذا نحن نبيع ثمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا» (193) .

و صحيحة ابن اذينة المتقدمة في التكسب بالمسكر (194) .

و صرح في المبسوط و المختلف و المسالك بالحرمة (195) ، لاطلاق رواية جابر و تالييها (196) .

و لكونه مساعدة و اعانة على الاثم المحرم قطعا.

و للزوم النهي عن المنكر، فاذا علمنا بعمله يجب علينا زجره عنه.

و يمكن ان يجاب عن الاول: بانها معارضة مع الاخبار الاخيرة، فلو فرضنا عدم الترجيح للاخيرة-بكثرتها و صحتها و ظهور دلالتها و معاضدتها بالشهرة، بل بعموم: «احل الله البيع‏» -يتساقطان، فيرجع الى عموم حلية البيع.

و عن الثاني: بمنع كونه اعانة على الاثم، و انما هي اذا كان مقصود البائع منه ايضا ذلك العمل، كما بينا في موضعه، و صرح به الفاضلان الاردبيلي و السبزواري (197) .

و عن الثالث: بان الثابت عن النهي عن المنكر هو المنع قولا، لانه حقيقة النهي، او ما ثبت وجوبه زائدا عليه ايضا-كالضرب و نحوه-و ليس ما نحن فيه نهيا عن المنكر حقيقة، و لم يثبت وجوب غيره بحيث‏يشمل المورد ايضا.

و اذن، فالاقوى هو الجواز.

فان قيل: ان من صورة العلم ان يعلم ان المشتري يشتريه لاجل ذلك و ان لم يكن البيع كذلك، و لا شك ان الشراء بهذا القصد محرم و النهي موجب لفساده المستلزم لفساد البيع.

قلنا: لما كانت دلالة النهي في المعاملات على الفساد عندنا شرعية، فيحصل التعارض بين دليله و بين تلك الروايات المصححة للبيع المستلزم لصحة الشراء، و لكون تلك الروايات اخص مطلقا تخصص بها ادلة الفساد.

و مما ذكر ظهر الحكم في مثل: بيع الحرير للرجل و بيع اواني الذهب و الفضة، و كذلك صنعتها و الاجر لصنعتها، لعدم ثبوت حرمة اصل صنعتها.

نعم، يحرم اعطاء الاجر لعمل الصور المجسمة، لانه بنفسه حرام.

و منها: المسوخ و السباع، اما الاولى فاكثر الاصحاب على عدم جواز التكسب بها (198) ، اما لتحريم اللحم كما قيل (199) ، او عدم الانتفاع، او النجاسة.

و الكل ضعيف، لمنع الملازمة في الاول.

و منع الملزوم في الثانيين، فان منها ما ينتفع به نفعا بينا، كالفيل للانتفاع بعظمه و الحمل عليه، بل كذلك جميعها لو قلنا بوقوع التذكية عليها، فيشملها الاصل و العمومات.

فالحق فيها-وفاقا لاكثر المتاخرين من اصحابنا (200) -جواز التكسب بها مع الانتفاع المعتد به عند العقلاء.

نعم، في رواية مسمع: «ان رسول الله صلى الله عليه و آله نهى عن القرد ان يباع او يشترى‏» (201) ، و اطلاقها يشمل ما لو قصد به الانتفاع المحلل ايضا، كحفظ المتاع.

و الاقرب: المنع فيها خاصة مطلقا، و الرواية و ان كانت ضعيفة سندا الا انه غير ضائر عندنا، و الاجماع المركب غير ثابت، مع امكان القول بان النفع المحلل من القردان نادر، فاطلاق المنع اليه غير منصرف.

و اما الثانية، ففيها اقوال:

المنع مطلقا، و هو منقول عن العماني (202) .

و المنع في غير الفهود، نقله في المهذب عن اكثر المتقدمين و النهاية و الخلاف و الديلمي (203) .

و في غير الفهد و سباع الطير، و هو محكي عن المفيد (204) .

و الجواز مطلقا، و هو مذهب الحلي و الفاضلين (205) و اكثر المتاخرين (206) .

و الجواز الا فيما لا ينتفع به، كالسبع و الذئب، حكي عن المبسوط (207) .

و يظهر من التذكرة ان استثناء الهر اجماعي بين العلماء (208) و كيف كان، فالحق الجواز مطلقا، لطهارتها و الانتفاع بها نفعا معتدا به، فتشملها الاصول و العمومات.

مضافا الى صحيحة عيص: عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: «نعم‏» (209) .

و صحيحة محمد و البصري: «لا باس بثمن الهر» (210) .

و قد يستدل على الجواز في الاولى ايضا بالروايات المجوزة لبيع عظام الفيل و العاج (211) ، و في الثانية بالاخبار المصرحة بجواز بيع جلود النمر و السباع (212) .

و هو حسن من جهة ان اقوى مستند المانع عدم الانتفاع، و هي مثبتة له، و الا فلا دلالة لجواز بيع بعض الاجزاء على جواز بيع الكل، كما في الميتة بالنسبة الى اجزائها العشرة.

و منها: ما لا ينتفع به اصلا ، و ستظهر جلية الحال فيه في كتاب البيع.

و منها: القمار بالآلات المعدة له ، كالنرد، و الشطرنج، و الاربعة عشر (213) ، و اللعب بالخاتم و الجوز و البيض، بلا خلاف اجده في شي‏ء من ذلك، بل في المنتهى (214) و غيره (215) الاجماع عليه، و هو الحجة في المقام، و عليه المعول.

و قد يستدل ايضا بالاخبار، كالصحيح: عن قول الله عز و جل: «و لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل‏» (216) ، فقال: «كانت قريش يقامر الرجل باهله و ماله فنهاهم الله عز و جل عن ذلك‏» (217) .

و رواية جابر: «لما انزل الله عز و جل: «انما الخمر و الميسر» (218) قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ قال: ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز» (219) .

و صحيحة معمر: «النرد و الشطرنج و الاربعة عشر بمنزلة واحدة، و كل ما قومر به فهو ميسر» (220) .

و فيه: ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى هو النهي عن القمار بالاهل و المال لا مطلقه، و اما الاخيرتان فلا تدلان الا على حرمة ما تقومر به دون اصل القمار.

و اما رواية الوشاء: «الميسر هو القمار» (221) ، ففيها: انه ان اريد من القمار ما قومر به لم يفد، و ان اريد المعنى المصدري يكون مخالفا لما فسر الميسر به في غيرها، فان حكمنا بالاشتراك او الحقيقة او المجاز لم يمكن حمل الآية عليهما، لعدم استعمال اللفظ في المعنيين، و لا على احدهما، لعدم التعيين، و كذا ان حكمنا بالتعارض.

ثم الظاهر ان القمار يكون في كل لعب جعل للغالب اجر مطلقا، او اذا كان بما اعد لذلك عند اللاعبين، و قد وقع التصريح ببعض انواعه في الروايات المتقدمة و الآتية.

ثم ما يترتب عليه من الاجر لا يملك، بل هو سحت و ان وقع من غير المكلف، لرواية اسحاق بن عمار: الصبيان يلعبون بالجوز و البيض و يقامرون، فقال: «لا تاكل منه، فانه حرام‏» (222) .

و رواية السكوني: كان ينهى عن الجوز يجي‏ء به الصبيان من القمار ان يؤكل، و قال: «هو سحت‏» (223) .

فيجب رده الى المالك ان عرف، و التصدق ان جهل، و الصلح ان انحصر بين معينين.

و هل يحرم اللعب بالآلات المعدة له من غير قمار؟

لا اشكال في تحريم الشطرنج و النرد كما صرح به الصدوق (224) ، بل لا خلاف فيه.

ففي رواية الشحام: «الرجس من الاوثان: الشطرنج‏» (225) .

و في رواية عمر بن يزيد: «يغفر الله في شهر رمضان الا لثلاثة‏» (226) و عد منها صاحب الشاهين، و فسره في روايته الاخرى بالشطرنج (227) .

و في رواية ابي بصير: «الشطرنج و النرد هما الميسر» (228) .

و في رواية عبد الملك القمي-بعد السؤال عن الميسر-: «هي الشطرنج‏» ، قال: فقلت: انهم يقولون انها النرد، قال: «و النرد ايضا» (229) .

و قال في الفقيه-بعد جعله النرد اشد من الشطرنج-: فاما الشطرنج فان اتخاذها كفر، و اللعب بها شرك، و تعليمها كبيرة موبقة، و السلام على اللاهي بها معصية، و مقلبها كمقلب لحم الخنزير، و الناظر اليها كالناظر [الى]فرج امه (230) .انتهى.

و بهذه الاحكام صرح في الاخبار.

و اما في غيرهما فيشكل الحكم بالتحريم، بل الاصل مع عدمه.

و منها: عمل الصور ، و هي اقسام، لانها اما صورة ذي روح او غيره، و على التقديرين اما مجسمة او منقوشة، فالاولى حرام عمله مطلقا بلا خلاف اجده، و ادعى الاردبيلي الاجماع عليه، و كذا الكركي و نفى الريب عنه (231) ، و في[الكفاية] (232) نفى العلم بالخلاف فيه.

و تدل عليه ايضا المستفيضة، منها: الصحيح المروي في المحاسن:

قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر، فقال: «لا باس، ما لم يكن شيئا من الحيوان‏» (233) .

و تضعيف دلالته-بان ثبوت الباس اعم من الحرمة-ضعيف، لان الباس حقيقة في الشدة و العذاب، و هما في غير الحرام منفيان.

و المروي في الخصال: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: من صور صورة عذب و كلف ان ينفخ فيها و ليس بفاعل‏» (234) .

و فيه و في ثواب الاعمال صحيحا عن عبد الله بن مسكان-المجمع على تصحيح ما يصح عنه-باسناده عن الصادق عليه السلام: قال: «ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ‏» (235) .

و مرسلة ابن ابي عمير: «من مثل تمثالا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيه الروح‏» (236) .

و حسنة حسين بن المنذر: «ثلاثة معذبون يوم القيامة‏» و عد منهم:

«رجل صور تماثيل يكلف ان ينفخ فيها و ليس بنافخ‏» (237) .

و قريب منها المروي في الفقيه في حديث المناهي، و فيه ايضا:

«نهى رسول الله صلى الله عليه و آله عن التصاوير» (238) .

و المروي في تحف العقول و رسالة المحكم و المتشابه للسيد:

«و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن فيه مثال الروحاني فحلال تعلمه و تعليمه‏» (239) ، و يقربه الرضوي (240) .

و في الفقيه: «من حدد قبرا او مثل مثالا خرج عن الاسلام‏» (241) .

و تلك الاخبار و ان كان بعضها ضعيفا دلالة-[كالرابعة] (242) ، حيث ان بمجرد التكليف بالنفخ لا يثبت التحريم..و الاخيرة، حيث ان الخروج فيها ليس باقيا على حقيقته بالاجماع-و لكنها صالحة مؤيدة للبواقي، و ضعف بعضها سندا غير ضائر عندنا، كما بينا مرارا.

و اما البواقي، فقد وقع الخلاف فيها، فالثانية محرمة عند الحلي و القاضي و شيخنا و بعض آخر (244) .و جوزها جماعة (245) ، بل قيل: انه الاشهر (246) .

و الاول هو الاظهر، لاطلاق النصوص المتقدمة، و خصوص حديث المناهي المروي في الفقيه: «و نهى عن نقش شي‏ء من الحيوان على الخاتم‏» (247) .

و رواية ابي بصير: «يا محمد، ان ربك يقرئك السلام و ينهى عن تزويق البيوت‏» فقال ابو بصير: فقلت: و ما تزويق البيوت؟ فقال: «تصاوير التماثيل‏» (248) .

و ظاهر ان التزويق انما هو في النقوش، للمجوز الاصل، و الروايات المعتبرة المرخصة للجلوس و الوط‏ء على الفرش المصورة (249) .

و الاصل مندفع بما مر.و الروايات غير دالة، لعدم الملازمة بين رخصة الجلوس و جواز العمل، مع احتمال حملها على غير ذوات الارواح، و معارضتها بالموثق: يجلس الرجل على بساط فيه تماثيل، فقال: «الاعاجم تعظمه و انا لنمقته‏» (250) .

و لا يشترط في صدق صورة الحيوان او ذي الروح وجود ما يطابقها عرفا شخصا او نوعا في الخارج، بل يكفي كونها بحيث‏يقال عرفا انها صورة الحيوان، لان معنى صورة الحيوان او ذي الروح: الصورة المختصة به، و المراد شيوع الاختصاص و تعارفه و جريان العادة به، فلو صور صورة حيوان لم يعلم وجود نوعه، و لكن كان بحيث لو فرض وجود مطابقه لكان من الحيوان بحسب العادة، كان محرما.

و البواقي مجوزة عند الاكثر، و هو الاقوى، للاصل، و اختصاص اكثر الاخبار المتقدمة صريحا او ظاهرا بذوات الارواح، مضافا الى تصريح صحيح المحاسن و المروي في التحف و اخويه بحلية غيرها.

و في الموثق: في قول الله عز و جل: «يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل‏» (251) فقال: «و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء، و لكنها الشجر و شبهه‏» (252) .

و في المحاسن في الصحيح: «لا باس بتماثيل الشجر» (253) .

و بهذه الاخبار يقيد بعض المطلقات، الذي هو الحجة لمن خالف و حرم، كما حكي عن الحلبي (254) .

و هل يحرم ابقاء ما يحرم عمله فتجب ازالته، ام لا؟

الظاهر هو: الثاني، سيما فيما توجب ازالته الضرر، للاصل، و عدم استلزام حرمة العمل حرمة الابقاء، و الروايات المطلقة الدالة على استحباب تغطي التماثيل الواقعة تجاه القبلة، و نافية الباس عن الواقعة يمينا و شمالا، و المكرهة عن مصاحبتها في الصلاة (255) .

و خصوص صحيحة الحلبي: قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: «ربما قمت فاصلي و بين يدي الوسادة، و فيها تماثيل طير، فجعلت عليها ثوبا» (256) .

و اما حسنة زرارة: «لا باس بان تكون التماثيل في البيوت اذا غيرت رؤوسها منها و ترك ما سوى ذلك‏» (257) .

و رواية السكوني: قال: «قال امير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله الى المدينة فقال: لا تدع صورة الا محوتها، و لا قبرا الا سويته، و لا كلبا الا قتلته‏» (258) .

فمحمولتان على الاستحباب جمعا، مع ان اللازم-على فرض بقاء التعارض و عدم المرجح-الرجوع الى الاصل، و هو مع الجواز، و المستفاد من الحسنة انتفاء كراهة الابقاء بتغير الراس، و لا باس به.

و هل يجوز ابتياع ما يحرم عمله او ما فيه ذلك؟

الاقوى: نعم، للاصل، الا اذا كان اعانة على عمله، فيحرم.

و اما اجر عمل المحرم من الصور فالظاهر من كلماتهم الحرمة، فان ثبت الاجماع فيه بخصوصه او في اجر كل محرم فهو المتبع، و الا ففي تحريم اخذه نظر، و ان كان اعطاؤه محرما لكونه اعانة على الاثم.

و منها: السحر ، و الظاهر انه لا خلاف في تحريمه، سواء كان امرا حقيقيا او تخيليا، و في كلام جماعة الاجماع عليه (259) ، بل نسب الى شريعة الاسلام (260) ، و في الخلاف بلا خلاف (261) ، و هو الحجة، مضافا الى المعتبرة المستفيضة:

ففي رواية: «ساحر المسلمين يقتل‏» ، و فيها: «السحر و الشرك مقرونان‏» (262) .

و في اخرى: «يضرب الساحر بالسيف ضربة واحدة على ام راسه‏» (263) .

و في ثالثة: «حل دمه‏» (264) .

و في رابعة: «من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه، و حده القتل‏» (265) .

و في خامسة: «الساحر كافر» (266) .

و ظاهرها التحريم مطلقا.

و قد استثني السحر للتوقي و دفع المتنبئ، بل في الدروس و الروضة (267) و غيرهما (268) : انه ربما وجب كفاية لذلك.

و استدلوا عليه بضعف الروايات، فيقتصر منها على ما حصل الانجبار بالنسبة اليه.

و بقول الصادق عليه السلام في رواية عيسى بن سيف-بعد اعترافه بالسحر و التوبة و استفساره عن المخرج-: «حل و لا تعقد» (269) .

و روايتي العلل و العيون، ففي الاولى: «توبة الساحر ان يحل و لا يعقد» (270) .

و في الثانية: «كان بعد نوح قد كثرت السحرة و المموهون، فبعث الله تعالى ملكين الى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة، و ذكر ما يبطل به سحرهم و يرد به كيدهم، فتلقاه النبي من الملكين و اداه الى عباد الله بامر الله[فامرهم]ان يقفوا به على السحر و ان يبطلوه، و نهاهم ان يسحروا به الناس‏» الحديث (271) .

و بان الضرورات تبيح المحظورات كما ورد، و يثبته نفي الضرر و الحرج في الدين.

و فيه: ان الروايات و ان كانت ضعافا، الا انها ايضا حجة عندنا كالصحاح..و تلك الاخبار لا تدل على جواز السحر، لامكان الحل و الابطال بغير السحر من القرآن و الذكر و التعويذ، كما استفاضت‏به الروايات، و يرشد اليه قوله في الاخيرة: «و نهاهم ان يسحروا» على سبيل الاطلاق..و عدم تاثير القرآن و الدعاء في بعض الاوقات لقصورنا، فلا يوجب حرجا لو منعنا من الحل بالسحر.

و بهذا يظهر انه لا ضرورة مبيحة للسحر و لا يتوقف دفع الضرر و رفع الحرج عليه، كذا قيل.

و يمكن ان يخدش فيه: بانه قد لا يحل ببعض الآيات و الادعية، و كما يمكن ان يكون ذلك لقصورنا يمكن ان يكون لعدم صحة الرواية، و حجية الآحاد في الاحكام لا توجب حجيتها و ثبوتها في امثال ذلك ايضا، فلا يكون بد من الحل بالسحر، و لو لم تبح الضرورات لاجل ذلك لم يحل محرم بضرورة.

ثم السحر عرف تارة بكلام او كتابة يحدث بسببه ضرر على من عمل له في بدنه او عقله.

و اخرى به، مع زيادة العمل في الجنس و تبديل الضرر بالاثر و اضافة القلب.

و ثالثة بالثاني، مع اشتراط عدم المباشرة له.

و رابعة بالثالث، مع زيادة العقد و الرقى في الجنس.

و خامسة بانه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على افعال غريبة و اسباب خفية.

و سادسة باستحداث الخوارق، سواء كان بالتاثير النفساني، او الاستعانة بالفلكيات فقط، او بتمزيج قواها بالقوى الارضية، او بالاستعانة بالارواح الساذجة.

و لا يخفى ان كلا منها منتقضة اما في الطرف او العكس او فيهما، لورود النقض بما يؤثر في متعلقات المسحور-كداره او ولده او ماله-او ما يوجب حدوث امر غريب من غير تاثير في شخص، و بالسحر عملا، و بالدعوات المستجابة و التوسل بالقرآن و الادعية، و بالمعجزة و التوصل الى الامور الغريبة باستعمال القواعد الطبيعية، الى غير ذلك.

و لم اعثر على حد تام في كلماتهم.

و المرجع في معرفته و ان كان هو العرف-كما هو القاعدة و صرح به في المنتهى (272) -الا انه فيه ايضا غير منقح.

و الذي يظهر من العرف و التتبع في موارد الاستعمال انه عمل يوجب حدوث امر منوط بسبب خفي غير متداول عادة، لا بمعنى ان كلما كان كذلك هو سحر، بل بمعنى ان السحر كذلك.

و توضيح ذلك: ان ذلك تارة يكون بتقوية النفس و تصفيتها حتى يقوى على مثل ذلك العمل، كما هو داب اهل الرياضة و عليه عمل اهل الهند.

و اخرى باستعمال القواعد الطبيعية او الهندسية او المداواة العلاجية، و هو المتداول عند الافرنجيين.

و ثالثة بتسخير روحانيات الافلاك و الكواكب و نحوها، و هو المشهور عن اليونانيين و الكلدانيين.

و رابعة بتسخير الجن و الشياطين.

و خامسة باعمال مناسبة للمطلوب، كتماثيل او نقوش او عقد او نفث او كتب منقسما الى رقية (273) و عزيمة (274) او دخنة (275) في وقت مختار، و هو المعروف عن النبط.

و سادسة بذكر اسماء مجهولة المعاني و كتابتها بترتيب خاص، و نسب ذلك الى النبط و العرب.

و سابعة بذكر الفاظ معلومة المعاني غير الادعية.

و ثامنة بالتصرف في بعض الآيات او الادعية او الاسماء، من القلب او الوضع في اللوح المربع، او مع ضمه مع عمل آخر من عقد او تصوير او غيرهما.

و تاسعة بوضع الاعداد في الالواح.

و لا شك في عدم كون الاولين سحرا، كما ان الظاهر كون الخامس سحرا، و البواقي مشتبهة، و الاصل يقتضي فيها الاباحة، الا ما علمت‏حرمته من جهة الاجماع، كما هو الظاهر في التسخيرات.

و منها: الكهانة ، و هي-كما في المسالك (276) و غيره (277) بل المصرح به في كلام الاكثر (278) -: عمل يوجب طاعة بعض الجان له و اتباعه له، بحيث‏ياتيه بالاخبار الغائبة، و في الاخبار ايضا ما يستفاد منه ذلك:

ففي الامالي عن الصادق عليه السلام-في ذكر عجائب ليلة ولادة الرسول صلى الله عليه و آله-: «و لم تبق كاهنة في العرب الا حجبت عن صاحبها» (279) .

و عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: «الا من استرق السمع‏» (280) كان في الجاهلية كهنة و مع كل واحد شيطان، و كان يقعد من السماء مقاعد للسمع، فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الارض، فينزل و يخبر به الكاهن، فيفشيه الكاهن الى الناس (281) .فهو قريب من السحر او اخص منه.

و الاصل في تحريمه-بعد الاجماع الثابت المصرح به في كلام جماعة (282) -النصوص المستفيضة:

منها: المروي في نهج البلاغة: «المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار» (283) .

و الخبران العادان اجر الكاهن من السحت (284) .

و ما روى الصدوق عن ابي بصير: «من تكهن او تكهن له فقد برى‏ء من دين محمد» ، قلت: فالقيافة؟ قال: «ما احب ان تاتيهم‏» (285) و يؤيده المروي في مستطرفات السرائر: «من مشى الى ساحر او كاهن او كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل الله تعالى من كتاب‏» (286) .

و منها: الشعبذة ، قيل: هي الافعال العجيبة المترتبة على سرعة اليد بالحركة فتلبس على الحس (287) .و عن الدروس نفي الخلاف في تحريمه (288) .

و منها: القيافة ، قالوا: هي الاستناد الى علامات و امارات يترتب عليها الحاق نسب و نحوه، و في الدروس و التنقيح (289) و غيرهما (290) الاجماع على تحريمه، و هو الظاهر من التذكرة (291) ، و في الكفاية: لا اعلم خلافا بينهم في تحريم القيافة (292) ..فان ثبت الاجماع فهو المتبع، و الا ففيه نظر، و رواية الصدوق المتقدمة ناظرة الى الكراهة، و تظهر الرخصة من بعض روايات اخر ايضا، و لذا قيل: انما يحرم اذا رتب عليها محرما او جزم بها (293) .و ليس ذلك ببعيد.

و منها: التنجيم و تعلم النجوم ، حرمه بعض الاصحاب (294) ، و اسند الى جماعة ايضا، و ليس كذلك.

و يظهر من جماعة-كالسيد و الفاضل (295) و غيرهما (296) -: ان تحريمه من حيث فساد مذهب المنجمين من اعتقاد تاثير الكواكب و اوضاعها استقلالا ام اشتراكا، اختيارا ام ايجابا.

و قيل بالحرمة مع اعتقاد كونها معدة لتاثير الله سبحانه ايضا، لكونه علما بما لا يعلم.

و من بعض المتاخرين: انه من حيث ابتنائه على الظن و التخمين، و كونه قولا بما لا يعلم (297) .

و من ثالث: انه من حيث هو هو (298) ، لدلالة الاخبار (299) على تحريمه.

و يمكن ان يكون التحريم ايضا لاجل الاخبار بما لم يقع، فيشبه الكهانة.

و صرح كثير من اصحابنا-منهم ابن طاووس (300) -بجوازه اذا لم يعتقد منافيا للشرع، بل هو الظاهر من الاكثر (301) ، حيث قيدوا التحريم بما اذا اعتقد التاثير.

اقول: اما تحريمه لاجل فساد المذهب فمما لا وجه له، اذ لا مدخلية للمذهب و اعتقاد التاثير من الكواكب في التنجيم، لان غاية ما يترتب عليه انه يحدث كذا عند وضع كذا.

و اما انه هل هو من تاثير النجم مستقلا او اشتراكا، حتى يكون اعتقاده حراما.

او من باب العلامات و الامارات على ما اجراه الله تعالى بعادته عقيبها، حتى لم يحرم اعتقاده، على ما صرح به الاكثر، كالسيد و المفيد و الكراجكي و ابن طاووس و المحقق الثاني و شيخنا البهائي و المجلسي (302) و غيرهم (303) .

او من قبيل تسخين النار و تبريد الماء..او غير ذلك.

فليس من مسائل النجوم و لا من متفرعاتها، بل هو من المسائل الطبيعية.

و ليس التنجيم الا كالطب، فكما لا يبتني الطب على اعتقاد ان تاثير الدواء هل هو من جهة نفسه او من الله سبحانه، فكذلك النجوم، و الظاهر ان فساد اعتقاد بعض المنجمين اوجب توهم بعضهم انه ناشى‏ء من جهة التنجيم.

و اما من حيث كونه قولا بما لا يعلم، فمع انه لا يحرم التعليم و لا يختص بالتنجيم، يوجب التحريم اذا كان الحكم بالبت مع ظنيته، فلا يحرم اذا حكم بالظن كما هو الطريقة، او بالقطع اذا حصل من تكرر التجارب.

و اما من جهة انه الاخبار بما لم يقع، ففيه: ان تحريمه مطلقا ممنوع، فبقى ان يكون الوجه فيه هو الروايات، و هي كثيرة:

منها: المروي في النهج المتقدم اوله: «اياكم و تعلم النجوم الا ما يهتدى به في بر او بحر، فانها تدعو الى الكهانة، المنجم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار» (304) .

و رواه في المجالس و الاحتجاج ايضا (305) ، و في آخره في رواية ابن ابي الحديد مخاطبا للمنجم الذي نهاه عن السير في الوقت المعين: «اما و الله ان بلغني ان تعمل بالنجوم لاخلدنك السجن ابدا ما بقيت، و لاحرمنك العطا ما كان لي سلطان‏» (306) .

و منها: رواية عبد الملك بن اعين، و فيها-بعد قوله للصادق عليه السلام:

اني قد ابتليت‏بهذا العلم-: «تقضي؟ » قلت: نعم، قال: «احرق كتبك‏» (307) ، و مثلها في دعوات الراوندي (308) .

و رواية نصر بن قابوس المروية في الخصال: «المنجم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون، و المغنية ملعونة‏» (309) .

قال الصدوق: المنجم الملعون هو الذي يقول بقدم الفلك، و لا يقول بمفلكه و خالقه.

و فيه ايضا بسنده عن السجاد: انه قال: «نهى رسول الله عن خصال‏»الى ان قال: «و عن النظر في النجوم‏» (310) .

و عن الصادق عليه السلام: يقول: «سئل رسول الله صلى الله عليه و آله عن الساعة، قال:

عند ايمان بالنجوم و تكذيب بالقدر» (311) .

و رواية هشام بن الحكم المروية في الاحتجاج: ان زنديقا قال للصادق عليه السلام: ما تقول في علم النجوم؟ قال: «هو علم قلت منافعه، و كثرت مضاره‏» الى ان قال: «و المنجم يضاد الله في علمه بزعمه انه يرد قضاء الله عن خلقه‏» (312) .

و رواية الكابلي المروية في معاني الاخبار: «الذنوب التي تظلم الهواء: السحر و الكهانة و الايمان بالنجوم‏» (313) .

و قال الفاضلان و الشهيدان: قال النبي صلى الله عليه و آله: «من صدق كاهنا او منجما فهو كافر بما انزل الله على محمد» (314) .

و في دعاء الاستخارة المروية عن الصادق عليه السلام: «اللهم انك خلقت اقواما يلجئون الى مطالع النجوم لاوقات حركاتهم و سكونهم و تصرفهم و عقدهم، و خلقتني ابوء اليك من اللجا اليها و من طلب الاختيارات بها، و اتيقن انك لم تطلع احدا على غيبك في مواقعها و لم تسهل له السبيل الى تحصيل افاعيلها، و انك قادر على نقلها في مداراتها عن السعود العامة و الخاصة الى النحوس، و عن النحوس الشاملة و المفردة الى السعود» الى ان قال: «و ما اسعدت من اعتمد على مخلوق مثله و » (316) الى آخر الدعاء، الى غير ذلك.

و لكن تلك الاخبار مع ضعف دلالة اكثرها-لان الايمان بالنجوم غير التنجيم، و الامر باحراق الكتب لعله لما اجاب من انه يقضي بذلك الظاهر في القطع، و كثرة مضاره يمكن ان يكون لاجل عدم امكان التحرز عما ظن مساءته و تعويق الحاجات و غيرهما، و مضادة المنجم بزعمه رد قضاء الله مسلم اذا زعم ذلك، فالمحرم هذا الزعم-معارضة بمثلها، بل اصرح منها من النصوص:

كرواية عبد الرحمن بن سيابة: قال: قلت لابي عبد الله: جعلت فداك، ان الناس يقولون: ان النجوم لا يحل النظر فيها و هي تعجبني، فان كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شي‏ء يضر بديني، و ان كانت لا تضر بديني فو الله اني لاشتهيها و اشتهي النظر فيها، فقال: «ليس كما يقولون، لا تضر بدينك‏» ثم قال: «انكم تنظرون في شي‏ء منها كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به، تحسبون على طالع القمر» الحديث (317) .