و فيه فصلان:
و هو امور:
منها: الصرف، و بيع الاكفان، و الطعام، و الرقيق، و الجزارة، و الصياغة ، بلا خلاف في شيء منها، له..
و لرواية اسحاق بن عمار: «لا تسلمه صيرفيا، فان الصيرفي لا يسلم من الربا، و لا تسلمه بياع الاكفان، فان صاحب الاكفان يسره الوبا اذا كان، و لا تسلمه بياع طعام، فانه لا يسلم من الاحتكار، و لا تسلمه جزارا، فان الجزارة تسلب الرحمة، و لا تسلمه نخاسا، فان رسول الله صلى الله عليه و آله قال: شر الناس من يبيع الناس» (1) .
و رواية ابن عبد الحميد: «لا تسلمه سباء و لا صائغا و لا قصابا و لا حناطا و لا نخاسا» ، قال: «فقال: يا رسول الله، و ما السباء؟ قال: الذي يبيع الاكفان و يتمنى موت امتي» (2) .
و رواية طلحة: «نهيتها ان تجعله قصابا او حجاما او صائغا» (3) .
و الاولان لا يفيدان ازيد من الكراهة، لاحتمال الصيغة ان تكون نفيا.
و اما الاخير فظاهر النهي فيه و ان اقتضى الحرمة، الا ان الاجماع منع من حمله عليها، مضافا الى المعارضة مع بعض اخبار اخر في الجملة، و ترك الانكار على ارباب هذه الصناعات في جميع الاعصار و الامصار.
قيل: و ظاهر هذه الاخبار كغيرها اختصاص الكراهة باتخاذ ذلك حرفة و صنعة، دون ان يصدر منه ذلك احيانا (4) .
و هو كذلك، اما في غير بيع الرقيق فظاهر، و اما فيه فقد يناقش من جهة عموم العلة.
و فيه: ان المذكور في العلة كراهة بيع الناس، الذي هو اسم الجمع المحلى المفيد للعموم، و هو و ان كان غير مراد و لكن لم يثبت ارادة من يبيعه احيانا، فيقتصر على القدر المتيقن.
ثم بعد اختصاص الكراهة بما ذكر لا يحتاج الى تقييد المكروه بعدم احتياج الناس اليه، لئلا يلزم اجتماع المكروه مع الواجب العيني او الكفائي، لعدم مماسة الحاجة الى اتخاذ ذلك حرفة.
و الظاهر ان المراد ببياع الطعام: بياع الحنطة، لان الطعام في لغة العرب هو الحنطة، كما بينوه في بيان حلية طعام اهل الكتاب، و يؤكده التعليل بعدم السلامة من الاحتكار، و التخصيص بالحناط في الرواية الثانية.
و المراد ببياع الحنطة-كما مر-: من اتخذ ذلك حرفة، فلا باس ببيع الزارع للحنطة ما يفضل عن قدر حاجته، و لو تكرر ذلك منه، بل اتخذ حرفته الزراعة و يبيع الفاضل، لان ذلك يسمى زارعا لا بياع الحنطة.
و منها: الحياكة ، لقول امير المؤمنين عليه السلام للاشعثبن قيس: «حائك ابن حائك، منافق بن كافر» (5) .
و في بعض الاخبار: «لا ينجب الحائك الى سبعة بطون» .
و رواية الصيقل: جعلت فداك، تغزلهما ام اسماعيل و انسجهما انا، فقال لي: «حائك؟ » فقلت: نعم، قال: «لا تكن حائكا» (6) .
و يستفاد من ذلك اتحاد النساجة و الحياكة، كما صرح في الصحاح و غيره (7) ، فتعم الكراهة كل النسج من الغزل و الابريسم، كما في التذكرة، حيث عطف النساجة على الحياكة (8) .
قيل: الكراهة و الرذالة مختصتان بوقت كونهما حرفة، فلو تركهما زالتا (9) .و به تشعر رواية الصيقل.
و منها: الحجامة اذا شرط الاجرة، لرواية ابي بصير: عن كسب الحجام، فقال: «لا باس به اذ لم يشارط» (10) .
و موثقة سماعة: «السحت انواع كثيرة، منها: كسب الحجام اذا شارط» (11) .
و نحوها موثقته الاخرى (12) ، الا انه ليست فيها الجملة الشرطية.
و الباس و السحت و ان كانا موجبين للحرمة، الا ان الاجماع على عدمها-مضافا الى بعض الروايات-اوجب حملهما على الكراهة.
ثم ان اطلاق الموثقة الاخيرة و ان اقتضى الكراهة مطلقا، الا انه لا بد من تقييدها بها، لمفهوم الاولى للاصل.
فالقول بالكراهة مطلقا-كاللمعة (13) ، لاطلاق الموثقة الاخيرة-غير سديد، كالقول بعدم الكراهة كذلك، لرواية حنان: دخلنا على ابي عبد الله عليه السلام و معنا فرقد الحجام، قال: جعلت فداك، اني اعمل عملا و قد سالت عنه غير واحد و لا اثنين فزعموا انه عمل مكروه، فانا احب ان اسالك عنه، فان كان مكروها انتهيت عنه-الى ان قال-: «و ما هو؟ » قال:
حجام، قال: «كل من كسبك يا ابن اخ، و تصدق و حج منه، و تزوج، فان نبي الله صلى الله عليه و آله قد احتجم و اعطى الاجر، و لو كان حراما ما اعطاه» ، قال:
جعلني الله فداك، ان لي تيسا (14) اكريه فما تقول في كسبه؟ قال: «كل من كسبه فانه لك حلال و الناس يكرهونه» ، قال حنان: قلت: لاي شيء يكرهونه و هو حلال؟ قال: «لتعيير الناس بعضهم بعضا» (15) ..
لاجمال الرواية من حيث المراد من الكراهة، اذ يحتمل ان يكون المراد بالكراهة فيها المعنى المصطلح، و بالحرام الكراهة، و يحتمل العكس، و يؤيده التعليل كما قيل.
ثم كراهة التكسب و ان اختصتبصورة الشرط لما مر، الا انه يمكن القول بكراهة الاكل من كسبه مطلقا، لاطلاق صحيحة الحلبي: عن كسب الحجام، فقال: «لك ناضح (16) ؟ » فقال: نعم، فقال: «اعلفه اياه و لا تاكله» (17) .
و الحكمان مخصوصان بالحجامة، فلا يتعديان الى الفصد (18) ، للاصل.
و منها: ضراب الفحل بان يؤاجره لذلك ، للمرسل: «نهى رسول الله صلى الله عليه و آله عن عسيب الفحل، و هو اجرة الضراب» (19) ، و حمل على التنزيه، للاجماع.
و لصحيحة ابن عمار: عن اجر التيوس، قال: «ان كانت العرب لتعاير به فلا باس» (20) ، و رواية حنان المتقدمة.
و ظاهر هذه الاخبار كراهة اخذ الاجر مطلقا بجعل و اجارة، و التخصيص بالاجرة غير ظاهر.
و منها: التكسب بما يكتسب به الصبيان بنحو الاحتطاب و الاحتشاش فيما لم تعلم الاباحة او الحرمة ، اي يكره للولي ان ينقله الى نفسه او غيره او يتصرف فيه بالتصرفات الجائزة، و اما بالواجبة-كحفظه من التلف، او صرفه فيما يحتاج اليه الصغير-فواجب.
و كذا يكره لغير الولي بان يشتريه من الولي.
و كذا يكره التكسب بما يكتسب به كل من يعلم عدم اجتنابه من المحرمات، كالعشار و الظلمة و المعاملين معهم في اموالهم المحرمة، بل المشتبهة، بل كل من لا يؤمن عنه في اجتنابه عن المحرمات، بل عن المشتبهات، لصدق الشبهة المستحب اجتنابها بالمستفيضة على الجميع.
و لفحوى رواية السكوني: «نهى رسول الله صلى الله عليه و آله عن كسب الاماء، فانها ان لم تجد زنت، الا امة قد عرفتبصنعة يد، و نهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده، فانه ان لم يجد سرق» (21) .
و المراد: انهما مظنتان لذلك، فيسري الحكم الى كل من هو مظنة لاخذ كل محرم، بضميمة الاجماع المركب.
و التخصيص المصرح به فيها محمول على شدة الكراهة، و الا فيكره في غير محل التخصيص مع عدم الاطمئنان ايضا، لما ذكر، و لعله تتفاوت مراتب الكراهة بتفاوت المظنة.
و منها: اخذ الاجرة على تعليم القرآن ، لرواية حسان: عن التعليم، فقال: «لا تاخذ على التعليم اجرا» قلت: الشعر و الرسائل و ما اشبه ذلك اشارط عليه؟ قال: «نعم، بعد ان يكون الصبيان عندك سواء في التعليم لا تفضل بعضهم على بعض» (22) .
و رواية الاعشى: اني اقرئ القرآن فتهدى الي الهدية فاقبلها؟ قال:
«لا» قلت: ان لم اشارطه؟ قال: «ارايت ان لو لم تقرئ كان يهدى لك؟ »قال: قلت: لا، قال: «فلا تقبله» (23) .
و رواية زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام: «انه اتاه رجل فقال له:
يا امير المؤمنين، و الله اني لاحبك لله، فقال له: و لكن انا ابغضك لله، فقال:
و لم؟ قال: لانك تبغي في الاذان و تاخذ على تعليم القرآن اجرا، و سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: من اخذ على تعليم القرآن اجرا كان حظه يوم القيامة» (24) .
و رواية اسحاق بن عمار: ان لنا جارا يكتب و قد سالني ان اسالك عن عمله، فقال: «مره اذا دفع اليه الغلام ان يقول لاهله: انما انا اعلمه الكتاب و الحساب و اتجر عليه بتعليم القرآن حتى يطيب له كسبه» (25) ، و المراد بالكتاب: الكتابة.
و لا تنافيها رواية الفضل بن قرة: ان هؤلاء يقولون: ان كسب المعلم سحت، فقال: «كذبوا اعداء الله، انما ارادوا ان لا يعلموا القرآن، و لو ان المعلم اعطاه رجل دية ولده كان حلالا» (26) ، لان غايتها انتفاء الحرمة، و هو لا ينافي الكراهة، مع ان المستفاد منها انتفاء الحرمة في مطلق التعليم دون تعليم القرآن، فتامل.
و يجوز قبول الهدية لمعلم القرآن اذا لم يكن اجرا و شرطا، لرواية المدائني: «المعلم لا يعلم بالاجر، و يقبل الهدية» (27) .
و ربما يقال بكراهة اخذ الهدية ايضا، لرواية الاعشى المتقدمة.
و فيه: انها انما تدل على كراهة قبول الهدية على قراءة القرآن دون تعليمه.
ثم انه يظهر من هذه الرواية كراهة التكسب بقراءة القرآن.
و قد يقال بكراهة التكسب بكتابة القرآن ايضا، لما دل على كراهة اخذ الاجرة على تعليمه.
و لا دلالة فيه عليها.
و لما روي: انه ما كان المصحف يباع، و لا يؤخذ الاجر على كتابته في زمانه صلى الله عليه و آله، بل كان يخلى الورقة في المسجد عند المنبر، و كل من يجيء يكتب سورة (28) .
و لا دلالة فيه على الكراهة، اذ لعله كان لعدم التعارف، كما يستفاد من رواية روح: ما ترى ان اعطى على كتابته اجرا؟ قال: «لا باس، و لكن هكذا كانوا يصنعون» (29) ، يعني: يخلى عند المنبر كما مر.
تعليقات:
1) الكافي 5: 114-4، التهذيب 6: 361-1037، الاستبصار 3: 62-208، علل الشرائع: 530-1، الوسائل 17: 135 ابواب ما يكتسب به ب 21 ح 1.
2) الفقيه 3: 96-369، التهذيب 6: 362-1038، الاستبصار 3: 63-209، العلل: 530-2، معاني الاخبار: 150-1، الخصال: 287-44، الوسائل 17: 137 ابواب ما يكتسب به ب 21 ح 4.
3) الكافي 5: 114-5، التهذيب 6: 363-1041، الاستبصار 3: 64-212، العلل: 530-3، الوسائل 17: 136 ابواب ما يكتسب به ب 21 ح 2.
4) الحدائق 18: 228.
5) نهج البلاغة (محمد عبده) 1: 51.
6) الكافي 5: 115-6، التهذيب 6: 363-1042، الاستبصار 3: 64-213، الوسائل 17: 140 ابواب ما يكتسب به ب 23 ح 1.
7) الصحاح 4: 1582، و انظر القاموس المحيط 3: 310.
8) التذكرة 1: 581.
9) انظر التذكرة 1: 581، الحدائق 18: 228.
10) الكافي 5: 115-1، التهذيب 6: 354-1008، الاستبصار 3: 58-190، الوسائل 17: 104 ابواب ما يكتسب به ب 9 ح 1.
11) الكافي 5: 127-3 الوسائل 17: 92 ابواب ما يكتسب به ب 5 ح 2.
12) التهذيب 6: 355-1013، الوسائل 17: 93 ابواب ما يكتسب به ب 5 ح 6.
13) اللمعة (الروضة 3) : 219.
14) التيس: الذكر من المعز، و الجمع: اتياس و اتيس، و الجمع الكثير: تيوس-لسان العرب 6: 33.
15) الكافي 5: 115-2، التهذيب 6: 354-1009، الاستبصار 3: 58-191، الوسائل 17: 105 ابواب ما يكتسب به ب 9 ح 5.
16) الناضح: البعير يستقى عليه-الصحاح 1: 411.
17) التهذيب 6: 356-1014، الاستبصار 3: 60-196، الوسائل 17: 104ابواب ما يكتسب به ب 9 ح 2.
18) الفصد: قطع العرق-الصحاح 2: 519.
19) الفقيه 3: 105-433، الوسائل 17: 111 ابواب ما يكتسب به ب 12 ح 3.
20) الكافي 5: 116-5، التهذيب 6: 355-1012، الاستبصار 3: 59-194، الوسائل 17: 111 ابواب ما يكتسب به ب 12 ح 2، بتفاوت يسير.
21) الكافي 5: 128-8، التهذيب 6: 367-1057، الوسائل 17: 163 ابواب ما يكتسب به ب 33 ح 1.
22) الكافي 5: 121-1، التهذيب 6: 364-1045، الاستبصار 3: 65-214، الوسائل 17: 154 ابواب ما يكتسب به ب 29 ح 1.
23) الفقيه 3: 110-462، التهذيب 6: 365-1048، الاستبصار 3: 66-219، الوسائل 17: 155 ابواب ما يكتسب به ب 29 ح 4، بتفاوت يسير.
24) الفقيه 3: 109-461، التهذيب 6: 376-1099، و اورد صدره في الاستبصار 3: 65-215، الوسائل 17: 157 ابواب ما يكتسب به ب 30 ح 1.
25) التهذيب 6: 364-1044، الاستبصار 3: 65-217، الوسائل 17: 155ابواب ما يكتسب به ب 29 ح 3.
26) الكافي 5: 121-2، الفقيه 3: 99-384، التهذيب 6: 364-1046، الاستبصار 3: 65-216، الوسائل 17: 154 ابواب ما يكتسب به ب 29 ح 2.
27) التهذيب 6: 365-1047، الاستبصار 3: 66-218، الوسائل 17: 156ابواب ما يكتسب به ب 29 ح 5.
28) الكافي 5: 121-3، التهذيب 6: 266-1052 و 1053، الوسائل 17: 159 ابواب ما يكتسب به ب 31 ح 4 و 8 و 9.
29) الكافي 5: 121-3، التهذيب 6: 266-1052 و 1053، الوسائل 17: 159 ابواب ما يكتسب به ب 31 ح 4 و 8 و 9.