و فيه فصول:
و هي امور:
منها: التفقه اولا و لو تقليدا فيما يتولاه بنفسه، بالاجماع و الاخبار (1) ، ليعرف كيفية الاكتساب، و يميز بين العقود الصحيحة و الفاسدة، و يسلم من الربا الموبق، و لا يرتكب المآثم من حيث لا يعلم، و هذا انما هو قبل الدخول في الواقعة و الاحتياج اليه في خصوص المعاملة، و الا فيكون التفقه واجبا من باب المقدمة.
و الحاصل: ان المستحب هو معرفة الاحكام المفصلة لجميع افراد ما يمكن ان يتفق له في هذا النوع، لئلا يدخل في الحرام من حيث لا يعلم.
و منها: الاجمال في الطلب، بان لا يصرف اكثر اوقاته فيه..
ففي صحيحة الثمالي: «فاتقوا الله عز و جل و اجملوا في الطلب» (2) .
و في مرسلة ابن فضال: «فليكن طلب المعيشة فوق كسب المضيع و دون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن اليها» (3) .
و منها: قصد النفقة و السعة و دفع الضرورة او ما يتقرب به الى الله، دون زينة الدنيا و التفاخر و التكاثر و الملاهي.
و منها: الثقة بالله و التوكل عليه، و عدم الاعتماد على عمله و فطانته.
روى عبد الله بن سليمان: «ان الله عز و جل وسع في ارزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، و يعلموا ان الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل و لا حيلة» (4) .
و في مرفوعة ابن جمهور: «لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه و لم ينقص امرؤ نقيرا بحمقه» (5) .
و منها: اقالة النادم مؤمنا كان او غيره، لرواية الجعفري (6) ، و لما فيه من جبر قلب المسلم، سيما في البيع، لخصوص رواية ابي حمزة «ايما عبد اقال مسلما في بيع اقاله الله عثرته يوم القيامة» (7) .
و التقييد بالنادم-مع اطلاق بعض الاخبار-لان استحبابها انما هو بعد الاستقالة، و لا استقالة لغير النادم، فاثبات استحبابها مطلقا لا وجه له.
و منها: التسوية بين كل الناس في البيع و الشراء، فيكون الساكت عنده بمنزلة المماكس (8) ، و غير البصير بمنزلة البصير، و المستحيي بمنزلة المداق.
لرواية ميسر: «ان وليت اخاك فحسن، و الا فبع بيع البصير المداق» (9) ، و دلالتها انما هي على كون اضافة البيع الى المفعول.
و رواية ابن جذاعة: في رجل عنده بيع فسعره سعرا معلوما فمن سكت عنه ممن يشتري منه فباعه بذلك السعر و من ماكسه فابى ان يبتاع منه زاده، قال: «لو كان يزيد الرجلين و الثلاثة لم يكن بذلك باس، و اما ان يفعله بمن ابى عليه و كايسه و يمنعه ممن لم يفعل ذلك فلا يعجبني» (10) .
و استحباب التسوية انما هو لاجل ما ذكر.
و اما لو كان التفاوت من جهة اخرى-كالفضل و الايمان و الورع و القرابة-فلعله لا مانع منه كما ذكره جماعة (11) ، و لكن يكره للآخذ قبوله، و لقد كان السلف يوكلون في الشراء ممن لا يعرف هربا من ذلك.
و منها: ذكر الله سبحانه في السوق، و الدعاء بالماثور عند دخول السوق، و الجلوس في مكانه، و عند الشراء و بعده، و عند شراء الدابة او الراس (12) .
و منها: ان ياخذ ناقصا و يعطي راجحا بحيث لا يؤدي الى الجهالة، للامر بايفاء الكيل و الوزن، مع ما ورد من انه لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان (13) .
و في رواية السكوني: «مر امير المؤمنين عليه السلام على جارية قد اشترت لحما من قصاب و هي تقول: زدني، فقال امير المؤمنين عليه السلام: زدها، فانه اعظم للبركة» (14) ، و كانت الجارية امة للغير، فلا ينافي ذلك استحباب الاخذ ناقصا.
و في صحيحة ابن عمار: «من اخذ الميزان بيده فنوى ان ياخذ لنفسه وافيا لم ياخذ الا راجحا، و من اعطى فنوى ان يعطي سواء لم يعط الا ناقصا» (15) .
قيل: ان هذه الزيادة و النقصان غير ما يجب من باب المقدمة (16) .و لا يخفى ان وجوبها من باب المقدمة ممنوع، اذ ليس الواجب المساواة الحقيقية، بل العرفية، المتحققة بالتساوي في النظر بتفاوت قليل يسامح فيه عرفا، سيما مع حصول التراضي، و مع ما تشعر به اخبار كثيرة من نفي الباس عن القليل من الزيادة و النقصان.
و مع التشاح في درك الفضيلة، قيل: يقدم من بيده المكيال و الميزان (17) .
و هو لا يقطع التشاح اذا وقع في المباشرة.
و قيل: البائع، لان الوزن عليه (18) .
و هو لا ينفي استحباب الاخذ ناقصا.
و قيل بالقرعة (19) .
و منها: تقديم الاستخارة-اي طلب الخيرة من الله سبحانه- و الوضوء و التكبير في طلب الرزق، و كونه سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء، للاخبار و فتاوى الاصحاب.
و اما ما ورد من الامر بمماكسة المشتري و ان اعطى الجزيل (20) فمحمول على الجواز، او على ما رواه السكوني: «انزل الله تعالى على بعض انبيائه عليهم السلام: للكريم فكارم، و للسمح فسامح، و عند الشكس فالتو» (21) .
تعليقات:
1) الوسائل 17: 381 ابواب آداب التجارة ب 1.
2) الكافي 5: 80-1، التهذيب 6: 321-880، المقنعة: 90، الوسائل 17: 44ابواب مقدمات التجارة ب 12 ح 1.
3) الكافي 5: 81-8، التهذيب 6: 322-882، الوسائل 17: 48 ابواب مقدمات التجارة ب 13 ح 3.
4) الكافي 5: 82-10، التهذيب 6: 323-884، الوسائل 17: 48 ابواب مقدمات التجارة ب 13 ح 1.
5) الكافي 5: 81-9، التهذيب 6: 323-883، الوسائل 17: 49 ابواب مقدمات التجارة ب 13 ح 4.
6) الكافي 5: 151-4، التهذيب 7: 5-15، الوسائل 17: 385 ابواب آداب التجارة ب 3 ح 1.
7) الكافي 5: 153-16، الفقيه 3: 122-526، التهذيب 7: 8-26، الوسائل 17: 386 ابواب آداب التجارة ب 3 ح 2، بتفاوت يسير.
8) المماكسة في البيع: انتقاص الثمن و استحطاطه-مجمع البحرين 4: 108.
9) الكافي 5: 153-19، التهذيب 7: 7-24، الاستبصار 3: 70-234، الوسائل 17: 397 ابواب آداب التجارة ب 10 ح 2.
10) الكافي 5: 152-10، التهذيب 7: 8-25، الوسائل 17: 398 ابواب آداب التجارة ب 11 ح 1، بتفاوت يسير.
11) منهم الشهيد الثاني في الروضة 3: 286، و صاحبي مفتاح الكرامة 4: 133و الرياض 1: 519.
12) انظر الوسائل 17: 401-409 ابواب آداب التجارة ب 18.
13) الوسائل 17: 392 ابواب آداب التجارة ب 7.
14) الكافي 5: 152-8، الفقيه 3: 122-524، التهذيب 7: 7-20، الوسائل 17: 392 ابواب آداب التجارة ب 7 ح 1.
15) الكافي 5: 159-2، الفقيه 3: 123-534، التهذيب 7: 11-46، الوسائل 17: 393 ابواب آداب التجارة ب 7 ح 5.
16) انظر الرياض 1: 519.
17) انظر الروضة 3: 291، المفاتيح 3: 20.
18) انظر مفتاح الكرامة 4: 133.
19) انظر مفتاح الكرامة 4: 133.
20) الفقيه 3: 122-530، الوسائل 17: 455 ابواب آداب التجارة ب 45 ح 2.
21) الفقيه 3: 121-522، الوسائل 17: 388 ابواب آداب التجارة ب 4 ح 3، و الشكس: الاختلاف و التنازع-مجمع البحرين 4: 78.