بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
مقدمة: اعلم ان الكسب جنس تحته انواع كثيرة، و لكل نوع منه متعلق، هو ما يكتسب به، فهذه امور ثلاثة، و الاولان من فعل المكلف، و الثالث ليس كذلك، بل هو الاعيان و المنافع الخارجية.
و لكل من الاولين آداب، بمعنى: ان لمطلق الكسب-من غير تخصيص بنوع منه-امورا يرجح فيها ارتكابه او تركه مع المنع من النقيض او بدونه.
و لكل نوع منه ايضا آداب مختصة به.
و لكل من الثلاثة-باعتبار الاحكام الشرعية-اقسام:
فينقسم مطلق الكسب من حيث هو-اي مع قطع النظر عن انواعه و متعلقاته-الى خمسة اقسام: الواجب، و المندوب، و الحرام، و المكروه، و المباح..بمعنى: انه قد يكون واجبا، و قد يكون مندوبا، و هكذا.
و الثاني ينقسم الى اربعة اقسام، هي غير الواجب، اذ ليس من انواع التكسب ما يكون واجبا من حيث هو الا على الوجوب الكفائي في بعض الانواع.
و الثالثينقسم الى اقسام ثلاثة: الحرام، و المكروه، و المباح..
بمعنى: انه يحرم جعله متعلقا للكسب، او يكره، او يباح.
و لم يرد استحباب جعل شيء من الاعيان او المنافع متعلقا له، او وجوبه. و هذا ايضا على قسمين، لانه اما يكون في مطلق الكسب، بمعنى:
انه يحرم او يكره او يباح جعله متعلقا و موردا لمطلق الكسب من غير اختصاص بنوع.
او يكون في نوع خاص، او انواع خاصة منه، كالاراضي الموات، فانها لا يجوز بيعها و اجارتها و نحوهما، و يجوز تحجيرها و احياؤها، و كالوقف العام يجوز اجارتها و الزراعة فيها، و لا يجوز بيعها و هبتها.
ثم الاول و ان انقسم باعتبار اقسام الثانيين الى اقسامهما و الثاني باعتبار الثالث الى اقسامه، الا ان المتعارف تقسيم كل منها الى اقسامه الحاصلة له مع قطع النظر عن الآخر.
و قد وقع في هذا المقام خلط و تخليط و اختلاف كثير في كثير من كتب الاصحاب من وجوه عديدة:
فترى منهم من يعنون كتاب الكسب و يذكر فيه بعض آدابه و اقسام انواعه، ثم يذكر فيه ما يتعلق بعقد البيع و احكامه، و يعنون للصلح و الاجارة و غيرها من المعاوضات كتابا على حدة، مع ان نسبتها الى مطلق الكسب كنسبة البيع اليه، فلا وجه للتفرقة، على ان البيع كغيره من المعاوضات اعم من وجه من مطلق الكسب، فجعله من افراده غير جيد.
و منهم من ذكر آدابا لمطلق الكسب، و ترى بعضها مخصوصا ببعض انواعه، مع انه قد يذكر في باب هذا النوع بعض ما يختص به من الآداب، بل قد يذكر فيه بعض ما هو آداب للمطلق.
و ايضا ترى منهم من خلط بين كثير من اقسام انواع الكسب و اقسام ما يكتسب به، مع انه عنون لكل منهما عنوانا على حدة.
و ايضا ترى منهم من يذكر بعض اقسام ما يكتسب به في عنوان مطلق الكسب، و بعضها في عنوان نوع خاص منه، مع اشتراكهما في الاختصاص او العموم.
و قد ترى منهم من خلط بين اقسام الكسب و بين آدابه، فجعل بعض ما يحرم ارتكابه او يكره في مطلق الكسب او نوع منه من انواع الكسب المحرم او المكروه او بالعكس، الى غير ذلك من الوجوه الظاهرة للمتتبع.
و الاولى ان يعنون لمطلق الكسب كتابا، و لكل من عقود المعاوضات كتابا على حدة، و يذكر ما يرد على المطلق من الآداب و الاقسام في كتابه، و ما يرد على نوع خاص منه في كتابه الخاص، و نحن نعنون كذلك، الا انا نذكر آداب مطلق الكسب و البيع في عنوان واحد اتباعا للاكثر و حفظا عن التشتت، و نذكرها مع ما يجري مجراها في مقاصد:
و يقسم مطلقه الى الاقسام الخمسة.
قال الله سبحانه: «فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه» (1) .
و قال: «فانتشروا في الارض و ابتغوا من فضل الله» (2) .
و في الخبر: «اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا، و اعمل لآخرتك كانك تموت غدا» (3) .
و في آخر: «ان الله تبارك و تعالى ليحب الاغتراب في طلب الرزق» (4) .
و في ثالث: «لا تكسلوا في طلب معايشكم، فان آباءنا كانوا يركضون فيها و يطلبونها» (5) .
و في رابع: «ان الله يحب المحترف الامين» (6) .
و في خامس: «اني اجدني امقت الرجل يتعذر عليه المكاسب، فيستلقي على قفاه و يقول: اللهم ارزقني، و يدع ان ينتشر في الارض و يلتمس من فضل الله، و الذرة (7) تخرج من جحرها تلتمس رزقها» (8) .
و في سادس: في من اقبل على العبادة و ترك التجارة: «اما علم ان تارك الطلب لا يستجاب له» (9) .
و في سابع: «لابغض الرجل ان يكون كسلانا في امر دنياه، و من كسل عن امر دنياه كان من امر آخرته اكسل» (10) ، الى غير ذلك من الاخبار المتواترة معنى (11) .
و هو قد يجب ان اضطر اليه في ابقاء مهجته و مهجة عياله و من يجري مجراها، قال النبي صلى الله عليه و آله: «ملعون من القى كله على الناس» (12) .
و في مرسلة الفقيه: «ملعون ملعون من ضيع من يعول» (13) .
و عن الصادق عليه السلام: «كفى بالمرء اثما ان يضيع من يعول» (14) .
و كذلك اذا توقفت عليه الواجبات المطلقة، كالحجبعد فقد الاستطاعة مع التقصير، و الماء للطهارة، و الساتر للعورة، و نحوها.
و يستحب للتوسعة في المعاش بلا خلاف ظاهر، و في الاخبار دلالة عليه:
ففي رواية ابي حمزة: «من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس و سعة على اهله و تعطفا على جاره لقى الله عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (15) .
و مثل التوسعة تحصيل ما يتوقف عليه من العبادات المستحبة، كالبر، و الصدقة، و الحج المستحب، و العتق، و بناء المساجد و المدارس، و امثالها، و في الاخبار المستفيضة تصريح به:
ففي الصحيح: «ان امير المؤمنين عليه السلام اعتق الف مملوك من كد يده» (16) .
و في الحسن: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام: و الله انا لنطلب الدنيا و نحب ان نؤتى بها، فقال: «تحب ان تصنع بها ماذا؟ » قال: اعود بها على نفسي و عيالي، و اصل بها، و اتصدق، و احج و اعتمر، فقال ابو عبد الله عليه السلام:
«ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة» (17) .
و يكره لمجرد اكثار المال و جمعه و زينة الدنيا و سائر ما يكون مكروها، كما يحرم اذا كان سببا لترك واجب، و يباح فيما سوى ذلك.
تعليقات:
1) الملك: 15.
2) الجمعة: 10.
3) الفقيه 3: 94-356، الوسائل 17: 76 ابواب مقدمات التجارة ب 28 ح 2.
4) الفقيه 3: 95-358، الوسائل 17: 77 ابواب مقدمات التجارة ب 29 ح 1.
5) الفقيه 3: 95-363، الوسائل 17: 60 ابواب مقدمات التجارة ب 18 ح 8.
6) الخصال 2: 621-10، الوسائل 17: 11 ابواب مقدمات التجارة ب 1 ح 6.
7) الذر: صغار النمل، و الواحدة ذرة، القاموس المحيط 2: 35.
8) الفقيه 3: 95-366، الوسائل 17: 30 ابواب مقدمات التجارة ب 6 ح 4.
9) الكافي 5: 84-5، التهذيب 6: 323-885، الوسائل 17: 27 ابواب مقدمات التجارة ب 5 ح 7.
10) الكافي 5: 85-4، الوسائل 17: 58 ابواب مقدمات التجارة ب 18 ح 1، بتفاوت يسير.
11) الوسائل 17: 58 ابواب مقدمات التجارة ب 18.
12) الكافي 5: 72-7، التهذيب 6: 327-902، الوسائل 17: 31 ابواب مقدمات التجارة ب 6 ح 10.
13) الكافي 4: 12-9، الفقيه 3: 103-417، الوسائل 17: 68 ابواب مقدمات التجارة ب 23 ح 7.
14) الكافي 4: 12-8، الفقيه 3: 103-416، الوسائل 17: 68 ابواب مقدمات التجارة ب 23 ح 8.
15) الكافي 5: 78-5، التهذيب 6: 324-890، الوسائل 17: 21 ابواب مقدمات التجارة ب 4 ح 5، بتفاوت يسير.
16) امالي الصدوق: 232-14، الوسائل 1: 88 ابواب مقدمة العبادات ب 20ح 12. «
17) الكافي 5: 72-10، التهذيب 6: 327-903، الوسائل 17: 34 ابواب مقدمات التجارة ب 7 ح 3.