و هي امور:
فلا يجب على الصبي و المجنون، اجماعا محققا و محكيا (1) مستفيضا، للاصل، و حديث رفع القلم (2) ، مضافا في الصبي الى مفهوم رواية شهاب (3) ، و موثقة اسحاق: عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجة الاسلام اذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج اذا طمثت» (4) .
و يصح من الصبي المميز و غير المميز، بلا خلاف في الاول كما عن التذكرة و المنتهى (5) ، بل بالاجماع كما صرح به بعضهم (6) و حكي عن الخلاف (7) ، بل قيل: بلا خلاف في الثاني ايضا (8) .
و تدل عليه في الاول عمومات مرغبات الحج و افعاله، فانها شاملة للصبي ايضا على ما مر في الصوم.
و فيهما الاخبار العديدة، كرواية محمد بن الفضيل: عن الصبي متى يحرم به؟ قال: «اذا اثغر» (9) ، اقول: يعني اذا سقط سنه.
و رواية الحكم: «الصبي اذا حجبه فقد قضى حجة الاسلام حتى يكبر، و العبد اذا جبه فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق» (10) .
و صحيحة ابن سنان: «فقامت اليه امراة و معها صبي لها، فقالت:
يا رسول الله، ايحج عن مثل هذا؟ قال: نعم، و لك اجره» (11) .
و صحيحة زرارة: «اذا حج الرجل بابنه و هو صغير فانه يامره ان يلبي و يفرض الحج، فان لم يحسن ان يلبي لبوا عنه و يطاف به و يصلى عنه» ، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: «يذبح[عن]الصغار و يصوم الكبار، و يتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب و الطيب، و ان قتل صيدا فعلى ابيه» (12) .
اقول: يفرض الحج-اي يوجبه على نفسه-بعقد الاحرام و التلبية، او الاشعار، او التقليد، فان الصبي في تلك الاخبار اعم من المميز و غيره، بل في الاخيرة تصريح بكل منهما.
و لا ينافيه قوله: «يحرم به» و: «حجبه» ، لانه اعم من الامر بمباشرته او جعله مباشرا، بقرينة قوله في الثانية: «و العبد اذا حجبه» و كذا قوله في الاخيرة: حجبابنه» ثم قوله: «يامره» الى آخره.
ثم كيفية حج الاول: ان يباشر بنفسه ما يباشره الحاج من المناسك.
و حج الثاني: ان يباشر به، اي يجعل مباشرا لما يمكن جعله كذلك من الافعال، و تولي (13) عنه ما لم يمكن من النيات و الاقوال.
و تدل على الاول: العمومات المشار اليها، و قوله في صحيحة زرارة:
«يامره ان يلبي و يفرض الحج» ، بضميمة الاجماع المركب في تتمة المناسك.
و على الثاني: قوله في الصحيحة: «فان لم يحسن» الى آخره.
و صحيحة معاوية بن عمار: «قدموا من كان معكم من الصبيان الى الجحفة (14) او الى بطن[مر]ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم و يسعى بهم و يرمى عنهم، و من لم يجد منهم هديا فليصم عنه وليه» (15) .
و البجلي، و فيها-بعد السؤال عن مولود صبي-: «اذا كان يوم التروية فجردوه و غسلوه كما يجرد المحرم، ثم احرموا عنه، ثم قفوا به في الموقف، فاذا كان يوم النحر فارموا عنه و احلقوا راسه، ثم زوروه بالبيت، ثم مروا الخادم ان يطوف به بالبيت و بين الصفا و المروة» (16) .
و لا يتوهم شمول هذه الكيفية للمميزين ايضا، لظهورها في غيرهم، مع انه على فرض الشمول يجب التقييد بما في صحيحة زرارة المتقدمة.
ا: هل يشترط في صحة حج المميز اذن الولي؟ فيه وجهان، اوجههما: لا، للاصل، و العمومات.
و قيل: نعم (17) ، بل نسب الى الاكثر (18) .
لان الحج عبادة متلقاة من الشرع مخالف للاصل، فيجب الاقتصار فيها على المتيقن، و هو الصبي الماذون.
و لان الصحة هنا بمعنى ترتب الكفارات عليه او على الولي و الهدي او بدله، و لم يجز له التصرف في شيء من ذلك في المال الا باذن الولي.
و لقوله في الصحيحة: «يامره» الى آخره.
و يضعف الاول: بحصول التوقيف و التعيين من العمومات.
و الثاني: بمنع كون الصحة هنا بالمعنى المذكور، بل هي بمعنى موافقة الافعال لامر الشارع، و لزوم الكفارات اثر ارتكاب امر آخر و ليس اثرا للاحرام اصلا.
سلمنا انه اثره و لا يجوز له التصرف في المال، فغايته انه يبقى في ذمته، او يكون بالنسبة الى الكفارات و الهدي بمنزلة الفاقد لها فيصنع ما يصنعه.
و الثالث: بعدم الدلالة، لتقييده بقوله: «اذا اراد الرجل» (19) .
ب: ظاهرهم ان المباشر للحجبغير المميز: الولي او من يامره و يستنيبه.
ثم اختلفوا في تعينه، و الاخبار غير دالة على التخصيص، لان قوله:
«من كان معكم من الصبيان» اعم ممن كان مع وليه او غيره، و كذا لا اختصاص في الامر بقوله: «قدموا» و: «فجردوه» و: «لبوا عنه» و غير ذلك، فان ثبت الاجماع فيه فهو، و الا فالظاهر جوازه لكل من يتكفل طفلا، غاية الامر انه لا يتعلق امر مالي بالطفل، بل يكون على المباشر، فتامل.
ج: قيل: ما وقفت عليها في المسالة من الروايات مختص بالصبيو لا ريب ان الصبية في معناه (20) .
اقول: لاحد مطالبته بدليل كونها في معناه، و ربما يستدل للصبية برواية شهاب و موثقة اسحاق المتقدمتين (21) ، و في دلالتهما نظر، لانها انما هي اذا تضمنتحج الصبية، و ليس فيها ذلك، بل ليس فيها حج الصبي ايضا، لجواز ان يكون السؤال عن وجوب الحج، فاجاب بانه بعد الاحتلام و الطمث، لا ان يكون السؤال عن الحج الواقع حتى يمكن التمسك فيه بالتقرير.
و قد يستدل ايضا بموثقة يعقوب: ان معي صبية صغارا و انا اخاف عليهم البرد، فمن اين يحرمون؟ قال: «ائتبهم العرج (22) فليحرموا منها»الحديث (23) .
و لا يخفى ان الثابت من هذه الرواية-بل الاوليين-هو حج الصبية، و هو يثبت من العمومات ايضا، لا الحجبه.
د: الحق الاصحاب بالصبي: المجنونو استدل له بانه ليس اخفض حالا من الصبي (24) .
و رد بانه قياس (25) ، و هو كذلك، الا انه لما كان المقام مقام المسامحة تكفي في حكمه فتوى كثير من الاصحاب به.
ه: لا يجزىء هذا الحجبقسميه عن حجة الاسلام لو استجمع الصغير و المجنون الشرائط بعد الكمالبلا خلاف يعرف كما عن المنتهى (26) ، بل بالاجماع كما في شرح القواعد لبعض الاجلة و المفاتيح و شرحه (27) ، بل بالاجماع المحقق، له، و للمستفيضة، كروايتي شهاب و الحكم، و موثقة اسحاق المتقدمة (28) ، و رواية مسمع (29) .
و هل يجزىء لو ادرك احد الموقفين كاملا، ام لا؟
الاول: للشيخ في المبسوط و الخلاف (30) و الوسيلة و الارشاد (31) ، بل اكثر الاصحاب كما صرح به جماعة (32) ، بل اجماعي كما عن الخلاف و التذكرة (33) و ظاهر المسالك (34) .
و تردد فيه في الشرائع و المنتهى و التحرير (35) ، بل نفاه جمع من متاخري المتاخرين (36) .
دليل الاولين: الروايات المثبتة لهذا الحكم في العبد (37) .
و كونه زمانا يصح فيه انشاء الحج، فكان مجزئا بان يجدد نية الوجوب.
و يرد الاول: بانه قياس.
و الثاني: بانه ان اريد انه زمان يصح فيه الانشاء في بعض الصور المنصوصة فلا يفيد، و ان اريد مطلقا فلا نسلم.
و لو استدل له بقوله عليه السلام في غير واحد من الاخبار: «من ادرك المشعر فقد ادرك الحج» (38) لكان اقرب، و ان كان في شموله للمورد نظر، سيما في حج التمتع، حيث ان العمرة الواجبة وقعت في زمان عدم التكليف و لم يثبت ادراك العمرة بذلك.
و لا شك ان الاحوط بل الاظهر: الاعادة بعد الاستطاعة.
ثم على القول بالاجزاء، ففي اشتراط استطاعته من البلد، او الميقات، او حين التكليف، اقوال، اظهرها: الاخير، كما يظهر مما سنذكره في المملوك و نفقته الزائدة على ما يلزمه في الحضر على من يسافر به، لعدم ثبوت جواز التصرف في القدر الزائد في مال الطفل.
فلا يجب على المملوك، اجماعا محققا، و محكيا (39) مستفيضا، له، و للنصوص المستفيضة (40) ، و اطلاقها-كاطلاق الفتاوى (41) ، بل صريح بعضها (42) -يشمل ما لو اذن له المولى ايضا.
نعم، يصح منه الحج اذا اذن له المولى، بالاجماع و النصوص، و لا يجزئه عن حجة الاسلام كذلك لو استجمع الشرائط بعد العتق.
و اما بعض الروايات الظاهرة في الاجزاء فمؤولة، او مخصصة بما هو اخص منها، او مطروحة، للمعارضة مع الاكثر و المخالفة للاجماع، الا ان يدرك احد الموقفين معتقا، فيجزئه عنها اجماعا و نصا..
ففي صحيحة ابن عمار: مملوك اعتق يوم عرفة، قال: «اذا ادرك احد الموقفين فقد ادرك الحج» (43) .
و شهاب: في رجل اعتق عشية عرفة عبدا، ا يجزىء عن حجة الاسلام؟ قال: «نعم» (44) .
و هل تشترط في اجزائه عنها استطاعته حين العتق ام لا؟
الظاهر: نعم، ان اريد الاستطاعة البدنية، بل المالية بقدر ما يحتاج اليه من الزاد و الراحلة من الموقف الى اتمام الحج، لاطلاق الآية (45) و النصوص (46) ، فلو لم يكن كذلك و اتم الحجبجهد و مشقة لم يجز عن حجة الاسلام.
و لا، ان اريد الازيد من ذلك، للاصل السالم عن المعارض.
و قيل: لا يشترط اصلا، لاطلاق النص (47) .
و فيه نظر، لان الاطلاق لا عموم فيه، فينصرف الى الغالب من حصول الاستطاعة البدنية المعتبرة في المورد، فلا يشمل ما لو لم تكن هناك استطاعة.
و لو سلم الاطلاق فيعارض ما دل على اشتراط الاستطاعة من الكتاب و السنة بالعموم من وجه، و الاخير ارجح، لموافقة الكتاب، مضافا الى الاكثرية و الاصرحية و الاشهرية، بل يظهر من بعض الاجلة الاجماع على اشتراط الاستطاعة (48) .
لو جنى العبد الماذون في احرامه حال رقيته بما يلزمه به الدم، كان على سيده، وفاقا لصريح المعتبر (49) ، و ظاهر التهذيب (50) ، و قواه في المدارك (51) ، لصحيحة حريز: «كلما اصاب العبد و هو محرم في احرامه فهو على السيد اذا اذن له في الاحرام» (52) .
و لا تعارضه صحيحة ابن ابي نجران: عن عبد اصاب صيدا و هو محرم، هل على مولاه شيء من الفداء؟ فقال: «لا شيء على مولاه» (53) ، لان الاولى اخص مطلقا من الثانية بتقييدها بالاذن في الاحرام.
و القول بان الثانية ايضا متضمنة له، لان قول السائل: «و هو محرم»بقرينة تقريره عليه في الجواب يدل على تحقق الصحة المشروطة بالاذن.
مردود بمنع حجية مثل ذلك التقرير اولا، و تحقق الصحة بالاذن بالعموم، بان يقول له: افعل ما تشاء، الذي هو ايضا اعم مطلقا من الاذن في الاحرام، ثانيا.
بالاجماع، و الكتاب (54) ، و السنة المتواترة (55) ، و هي تكون بالاستطاعة في اربعة امور: الاستطاعة المالية، و السربية، و البدنية، و الزمانية، و تفصيلها يقع في اربعة مقامات:
و هي تحصل بالتمكن من الزاد و الراحلة.
اما الزاد فالمراد منه: ضروري الاكل و الشرب مدة ذهابه الى المقصد و عوده الى بلده، و دخوله في مفهوم الاستطاعة لغة و عرفا واضح، و الاخبار به ناصة (56) كما ياتي.
و ادخل بعضهم في الزاد: الملبس و ما يكن به (57) ، اي يستر و يقي نفسه من الحر و البرد من خباء و نحوه.
اقول: اما الملبس، فان اراد به ما يحتاج اليه في السفر زائدا عما يحتاج اليه في وطنه مما يقيه من برد و نحوه، فلا شك في دخوله في الاستطاعة مع الحاجة، سواء سلمنا شمول الزاد له ام لا، و يدل على اشتراطه نفي العسر و الحرج ايضا.
و ان اراد مطلق الملبس الضروري و لو في الحضر، فان اراد انه يشترط ان يكون له بعد استثناء الملبس ما يكفي لزاده، فهو صحيح كما ياتي، و لكن لا يحسن ادخاله في الزاد.
و ان اراد مطلق الملبس الضروري، فتوجيهه كتوجيه الماكل الضروري، فانه قد يتمكن في الحضر من ملبس باكتساب و نحوه و يمنعه السفر الى الحج عن تحصيله فيبقى في اثناء الطريق عريانا، او يكتفي في الحضر بالاستعراء و التكفف من الناس و نحوهما، فيشترط وجوب الحجبعدم احتياجه في ضروري ملبسه الى مثل ذلك.
و اما ما يكن به، فاشتراط التمكن منه انما يتم مع الحاجة اليه لا مطلقا، كما اذا كانت من وطنه الى مكة خمسة منازل-مثلا-و كان الهواء بحيث لا يحتاج الى كن، او كان الشخص ممن لا تضره الشمس و لا يشق عليه ايضا انتفاء الكن.
نعم، يشترط وجوده مع الحاجة للضرورة او المشقة بدونه، و لكن مع ذلك في ادخاله في الزاد تامل، و ان دخل فيما يستطاع به.
ثم ظاهر الكتاب و السنة و ان لم يقتض اعتبار الزاد في العود ايضا، الا ان اكثر الاصحاب اعتبروه (58) ، بل عن الشهيد الثاني: الاجماع عليه (59) .
و التحقيق ان يقال: انه لا شك في عدم دخول زاد العود في استطاعة سبيل الحج، و لكن ان كان الشخص ممن له اهل او ملك في الوطن، او يشق عليه مفارقته، فلا محيص من اعتباره، دفعا للضرر و الحرج المنفيين..
و الا فلا-كما قيل-لعدم الدليل، و ان استضعفه في التذكرة (60) ، لان النفوس تطلب الاوطان.
و فيه: ان الطلب ان كان بحد يشق معه الترك فكذلك، و الا فلا يوجب الاشتراط، مع ان من الاشخاص من تساوى عنده البلاد.
ثم المعتبر في وجدان الزاد: ان يكون مقتدرا على تحصيل الماكول و المشروب بقدر الحاجة، اما بالقدرة على حملهما، او تحصيلهما في المنازل، من غير فرق في ذلك بين الماكول و المشروب و علف الدابة.
و عن المنتهى و التذكرة: التفرقة، فاوجب حمل الماكول دون الماء و العلف، فاذا فقدا في المواضع المعتادة يسقط الحج و لو امكن الحمل (61) .
و كانه لعدم صدق الاستطاعة مع الفقد، بناء على الغالب.و هو ليس بجيد.
و لو لم يجد الزاد، و لكن كان كسوبا يتمكن من الاكتساب في الطريق لكل يوم بقدر ما يكفيه، و ظن امكانه بجريان العادة عليه من غير مشقة، وجب الحج، لصدق الاستطاعة.
و عن التذكرة: سقوطه ان كان السفر طويلا، لما في الجمع بين الكسب و السفر من المشقة، و لامكان انقطاعه من الكسب (62) .
و هو منازعة لفظية، لان المفروض امكان الجمع و جريان العادة بعدم الانقطاع، و الا فالزاد ايضا قد يسرق.
و اما الراحلة، فعلى اشتراطها و توقف الاستطاعة عليها الاجماع، كما عن الناصريات و الخلاف و الغنية و المنتهى و التذكرة و السرائر (63) .
و يدل عليه-مضافا الى الاجماع-ظاهر الكتاب-حيث انه لا استطاعة بدون الراحلة-و الاخبار المتكثرة:
كصحيحة الخثعمي: عن قول الله عز و جل «و لله على الناس حج البيت» الى آخره، ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج» الحديث (64) .
و المرويين في توحيد الصدوق (65) و تفسير العياشي (66) : في تفسير الآية: «من استطاع اليه سبيلا» ، ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحا في بدنه مخلى في سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج» .
و في خبر السكوني: «انما يعني بالاستطاعة: الزاد و الراحلة، ليس استطاعة البدن» (67) .
و المروي عن العلل: «ان السبيل: الزاد و الراحلة مع الصحة» (68) .
و هل اشتراط الراحلة مختص بصورة الاحتياج اليها-لعدم القدرة على المشي-او للمشقة مطلقا، او الشديدة منها و ان كان قادرا على المشي، او لمنافاة المشي لشانه و شرفه و نحو ذلك، او يعم جميع الصور و ان ساوى عنده المشي و الركوب سهولة و صعوبة و شرفا وضعة؟
ظاهر المنتهى: الاول، حيث اشترط الراحلة للمحتاج اليها (69) ، و هو ظاهر الذخيرة و المدارك (70) ، و صريح المفاتيح و شرحه (71) ، و نسبه في الاخير الى الشهيدين (72) ، بل التذكرة (73) ، بل يمكن استفادته من كلام جماعة قيدوها بالاحتياج او الافتقار (74) ، و استشكل في الكفاية (75) .
و يدل عليه صدق الاستطاعة بدون الحاجة اليها باحد الوجوه المتقدمة، و لذا صرح جماعة بعدم اعتباره للمكي و القريب الى مكة و المسافر من البحر (76) ، و الاخبار العديدة عموما او خصوصا..
فمن الاول: صحيحة الحلبي: «اذا قدر الرجل على ما يحجبه ثم دفع ذلك و ليس له شغل يعذره الله فيه فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام»الحديث (77) .
و المحاربي: «من مات و لم يحجحجة الاسلام ما يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، او مرض لا يطيق معه الحج او سلطان يمنعه، فليمتيهوديا او نصرانيا» (78) .
و من الثاني: صحيحة ابن عمار: عن رجل عليه دين، ا عليه ان يحج؟ قال: «نعم، ان حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين، و لقد كان اكثر من حج مع النبي مشاة» الحديث (79) .
و الحلبي: في قوله تعالى: «و لله على الناس» الآية، ما السبيل؟
قال: «ان يكون له ما يحجبه» الى ان قال: «فان كان يطيق ان يمشي [بعضا]و يركب بعضا فليحج» (80) .
و رواية ابي بصير: قول الله عز و جل: «و لله على الناس» الآية، قال: «يخرج و يمشي ان لم يكن عنده» ، قلت: لا يقدر على المشي، قال:
«يمشي و يركب» ، قلت: لا يقدر على ذلك، قال: «يخدم القوم و يخرج معهم» (81) ، و صحيحة محمد الآتية (82) .
و صرح بعض المتاخرين بالثاني (83) ، بل نسب الى الاكثر، بل نسب غيره الى الشذوذ، و استشهد بالاجماعات المتقدمة المحكية..
و بقول صاحب المدارك-بعد ذكر ان اللازم منه، اي مما سبق ذكره، عدم اعتبار الراحلة في حق البعيد مطلقا اذا تمكن من المشي من غير مشقة شديدة-: و لا نعلم به قائلا (84) .
و قول صاحب الذخيرة، بعد نقل الاخبار المتقدمة، حيث قال:
و المسالة لا تخلو من اشكال، لعدم تصريح بالخلاف بين الاصحاب في اعتبار الزاد و الراحلة في الاستطاعة (85) .انتهى.
و استدل على التعميم بالاخبار المذكورة اولا، المتضمنة لذكر الزاد و الراحلة على الاطلاق، و رجحها على تلك الاخبار بموافقة عمل الاصحاب، و الاجماعات المحكية، و الاصل، و الشهرة العظيمة، و ظاهر الآية من جهة عدم انصراف اطلاق الامر فيها الا الى المستطيع ببدنه، فاعتبار الاستطاعة بعده ليس الا لامر آخر و ليس الا الزاد و الراحله باجماع الامة.
و بمخالفة قول مالك من العامة، حيث نقل في المنتهى عنه عدم اعتباره الزاد و الراحلة (86) .
و بشذوذ تلك الاخبار الاخيرة.
اقول: اما الاخبار المذكورة فلا شك ان دلالتها بالاطلاق المنصرف الى الغالب، و هو احتياج البعيد الى الراحلة و لو لدفع مطلق المشقة او حفظ شرف النفس و نحوهما، و لو سلم عدم الانصراف و البقاء على الاطلاق يعارض الاخبار الاخيرة، اما بالعموم و الخصوص من وجه، او مطلقا.
و لا نسلم رجحان الاولى بما ذكر، اما عمل الاصحاب فلانصراف اطلاق كلماتهم ايضا الى الغالب، مع تصريح جمع كثير منهم بالحاجة (87) ، و لذا لم يشترطوها للقريب و راكب السفينة.
و منه يظهر حال الاجماعات المحكية، مع ان كثيرا منها وارد في شان غير المحتاج، و كذا حال الشهرة، مع ان الترجيح بهذه الامور مما لم يثبت اعتباره.
و اما شذوذ الاخيرة، فان اريد بالنسبة الى الاطلاق و الوجوب على الماشي-و لو بالمشقة-فلا ننكره و لا نقول به، بل يخالف ذلك ظاهر آيات الاستطاعة و نفي العسر.
و ان اريد بالنسبة الى غير المحتاج بوجه فلا نسلم الشذوذ اصلا.
و اما ظاهر الآية، فلا يوافق اطلاقها اصلا، لصدق الاستطاعة بدون الراحلة في غير المحتاج، و لا يلزم من اعتبار امر آخر وراء صحة البدن في الاستطاعة اعتبار الزاد و الراحلة معا مطلقا، بل يكفي اعتبارهما في حق المحتاج و اعتبار تخلية السرب.
و اما قول مالك فهو انه لا يعتبر الراحلة مطلقا و لو مع المشقة.
و مما ذكر ظهر ان الحق هو: الاول، و عليه الفتوى و العمل.
و الكلام في العود و امكان التحصيل بالكسب في السفر هنا كما مر في الزاد.
و هل يعتبر في الراحلة ان تكون مناسبة لحاله بحسب العزة و الشرف، فيعتبر المحمل او نحوه عند علو منصبه؟
ظاهر التذكرة: اعتباره (88) .
و عن الدروس: العدم (89) .
و اختاره في الذخيرة الا مع العجز عن الركوب بدون المحمل او التضرر (90) ، و هو كذلك..
لقوله عليه السلام في صحيحة ابن عمار: «فان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحيى فلم يفعل فانه لا يسعه الا ان يخرج و لو على حمار اجدع ابتر» (91) .
و الحلبي: من عرض عليه ما يحجبه فاستحيى من ذلك ا هو ممن يستطيع اليه سبيلا؟ قال: «نعم، ما شانه يستحيي؟ ! يحج و لو على حمار ابتر، فان كان يستطيع ان يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج» (92) .
و ابي بصير: «من عرض عليه الحج و لو على حمار اجدع مقطوع الذنب[فابى]فهو مستطيع» (93) .
و محمد: فان عرض عليه الحج فاستحيى؟ قال: «هو ممن يستطيع و لم يستحي و لو على حمار اجدع ابتر» قال: «فان كان يستطيع ان يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل» (94) .
و بها يخصص عموم انتفاء العسر لو سلمناه هنا و لم نقل انه من الخيلاء و خداع النفس الخبيثة.
و يدخل في الاستطاعة المالية: ما يضطر اليه من الآلات و الاوعية التي يحتاج اليها المسافر، من القرب و الجواليق (95) و ثياب المركوب و ما شابهها بالاجماع، لعدم صدق الاستطاعة بدونها مع الضرورة.
لا بد في وجوب الحج من فاضل من الزاد و الراحلة بقدر ما يمون به عياله الواجبي النفقة حتى يرجع، بالاجماع المحقق و المحكي (96) ، و النص، و هو: رواية ابي الربيع: عن قول الله عز و جل:
«و لله على الناس» فقال: «ما يقول الناس؟ » قال: فقيل: الزاد و الراحلة، قال: فقال ابو عبد الله عليه السلام: «قد سئل ابو جعفر عليه السلام عن هذا، فقال: هلك الناس اذن، لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس ينطلق اليهم فيسلبهم اياه لقد هلكوا، فقيل له فما السبيل؟ قال:
فقال: السعة في المال اذا كان يحجببعض و يبقي بعضا يقوت به عياله» (97) .
و المرسلة المروية في المجمع عن ائمتنا عليهم السلام في تفسير الاستطاعة:
«انها وجود الزاد و الراحلة و نفقة من يلزم نفقته و الرجوع الى كفاية، اما من مال او ضياع او حرفة مع الصحة في النفس و تخلية السرب من الموانع و امكان السير» (98) .
و نحوه المروي عن الخصال، و فيها: «انها الزاد و الراحلة مع صحة البدن، و ان يكون للانسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع اليه من حجه» (99) .
و المروي في المقنعة: «هلك الناس اذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرهما او مقدار ذلك مما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس، فقد وجب عليه ان يحجبذلك، ثم يرجع فيسال الناس بكفه، لقد هلك اذن»فقيل له عليه السلام: فما السبيل عندك؟ فقال: «السعة في المال، و هو ان يكون معه ما يحجببعضه و يبقى بعض يقوت به نفسه و عياله» (100) .
و ضعف بعض هذه الاخبار لو كان لكان منجبرا بعمل الطائفة طرا و الاجماعات المحكية مستفيضة.
و يدل عليه ايضا بعض الاخبار المذكورة في المسالة الثالثة الآتية، و بعض هذه النصوص و ان لم يقيد العيال بواجبي النفقة و لا ما يمون به الى وقت الرجوع، الا ان الاول مصرح به في رواية المجمع، و مع ذلك هو مقتضى الاقتصار على القدر المتيقن، و الثاني مفهوم من السياق، بل هو ايضا اقتصار على المتيقن، لان الظاهر منه اعتبار ما يستغنى به عن الناس مطلقا، و هو يشمل ما بعد الرجوع ايضا.
الحق اشتراط الرجوع الى صنعة او بضاعة او عقار او نحوها مما تكون فيه الكفاية عادة بحيث لا يحوجه صرف المال في الحج الى السؤال بعد العود، وفاقا للشيخين و الحلبي و القاضي و بني زهرة و حمزة و سعيد (101) ، و هو ظاهر الصدوق ايضا (102) ، و في المسالك: انه مذهب اكثر المتقدمين (103) ، و في الروضة: انه المشهور بينهم (104) ، و في المختلف و المسالك:
نقله السيد عن الاكثر (105) ، و عن الخلاف و الغنية اجماع الامامية عليه (106) .
لما مر من روايات المجمع و الخصال و المقنعة، فان قوله في الاخيرة: «ثم يرجع فيسال الناس بكفه» يدل على اشتراط الكفاية، و كذا قوله: «و يبقى البعض يقوت به نفسه و عياله» يعني: وقت رجوعه، و الا فكيف يقوت نفسه بذلك البعض الباقي مع انه خرج الى الحج؟ !
و الايراد: بان اقصى ما يستفاد منه اعتبار بقاء شيء بعد الحج و الرجوع، و هو غير دال على كونه بقدر الكفاية على الوجه المتنازع فيه، فيحتمل ان يكون المراد به قوت السنة له و لعياله، اذ ذلك كاف في عدم السؤال، اذ به يحصل الغناء الشرعي، كما في المدارك و الذخيرة (107) .
مردود بان بعد اعتبار ذلك يثبت المطلوب بالاجماع المركب.
و يدل على المطلوب ايضا ما مر من الاجمال في العمومات و المطلقات، الموجب للرجوع الى الاصل في غير ما ثبت معه الوجوب، و ضعف سند ما ذكر مجبور بما مر من حكايات الشهرة و الاجماع.
و قد يستدل ايضا للمطلوب بظاهر الآية، حيث ان الاستطاعة لغة و عرفا ليست هي مجرد القدرة و الطاقة، بل ما تكون فيه السهولة و ارتفاع المشقة، كما ذكره السيد في المسائل الناصرية مستدلا بالاستعمال في مواضع كثيرة (108) .
و هو غير جيد، لانه انما يتم على اصله من كون الاصل في الاستعمال الحقيقة، مضافا الى انه يفيد لو كانت الاستطاعة في الآية مطلقة، و لكنها باستطاعة السبيل مقيدة، فغايته سهولة قطع الطريق لا مطلقا، فتامل.
خلافا للمحكي عن القديمين و جمل السيد و الحلي و في النافع و الشرائع (109) و اكثر المتاخرين (110) ، بل مطلقا كما عن المعتبر و التذكرة (111) ، لظاهر الآية، و للاخبار المتقدمة المصرحة بحصول الاستطاعة بوجود ما يحجبه، او الزاد و الراحلة.
و يجاب عن الكل: بوجوب تخصيصه بما ذكرنا، لاخصية المطلقة الموافقة للشهرة القديمة و الملة السهلة الحنيفة، و مخالفة عمل العامة.
لا يخفى ان الرجوع الى كفاية انما يشترط فيمن كانت استطاعته بماله و كانت له كفاية، بحيث لو قلنا بعدم الاشتراط صرف الكفاية في الحج..
اما من ليس كذلك و لا يتفاوت حجه في وجود الكفاية و عدمها-كمن ادرك احد الموقفين كاملا او حرا او من ذهب متسكعا او تاجر الى قريب مكة و تحصل له الاستطاعة من غير احتياج الى صرف مال، او بذل له احد نفقة الحج-فلا يعتبر فيه الرجوع الى الكفاية اجماعا، لان من ذكرنا هو المراد من روايات اعتبار الكفاية-كما هو ظاهر من سياقها (112) -لا من يتكفف، سواء حج او لم يحج، مع ان انجبارها الموجب لحجيتها مخصوص بما ذكر ايضا.
و كذا صحيحة ابن عمار (113) و الغنوي (114) -الموجبتان للاجمال-واردتان فيمن يحج من مال نفسه.
و مع ذلك كله فروايات وجوب الحج على مدرك الموقفين و المبذول له نفقة الحج و نحوهما (115) تعارض الروايات المذكورة، و لا تخصص ايضا بهاتين الروايتين حتى يحصل فيها الاجمال، فتامل.
لا يباع لنفقة الحج الخادم، و لا دار السكنى، و لا الثياب المحتاج اليها، و لا فرس الركوب، و لا كتب العلم، و لا اثاث البيت، و لا آلات الصنائع، كل ذلك مع الضرورة و الحاجة بقدرهما، و على اكثرها حكاية الاجماع مستفيضة (116) .
و يدل عليه انتفاء الضيق و العسر و الحرج الحاصلة بالتكليف ببيع هذه الامور، و يمكن ان يستدل له بصحيحة المحاربي المتقدمة (117) ، حيث ان مع الحاجة اليها يصدق حاجة تجحف به.
و يمكن الاستدلال ايضا بصحيحة ابن عمار: «من مات و لم يحجحجة الاسلام و لم يترك الا بقدر نفقة الحج فورثته احق بما ترك، ان شاءوا حجوا عنه و ان شاءوا اكلوا» ، و نحوها الغنوي (118) .
وجه التقريب: انهما دلتا على عدم كفاية نفقة الحج في الاستطاعة و استقرار الحج في الذمة، بل لا بد من الزائد عليها، و لعدم تعين الزائد يدخل الاجمال في العمومات و الاطلاقات، فلا يحكم بالوجوب الا في موضع اليقين، و هو بعد استثناء نفقة العيال و الامور المذكورة طرا.
و منه يظهر جواز مراعاة المناسبة لحاله بحسب عادة زمانه و مكانه في العز و الشرف، و يجب الاقتصار في هذه الاشياء على قدر الضرورة مع المناسبة.
و لو زادت اعيانها على قدر الحاجة وجب صرف الزائد في الحج.
و لو امكن بيعها و شراء ما يليق بحاله باقل من ثمنها، فقيل: الاقرب وجوب البيع و شراء الادون (119) ، و كذا لو امكن تحصيل ما تحصل به الكفاية من هذه الاشياء بالاجارة و نحوها من غير مشقة عادية، فالظاهر الاكتفاء به، و ما ذكره احوط.
و من لم تكن له المستثنيات تستثنى له اثمانها اذا دعت الضرورة العادية اليها.
لو لم يكن له عين الزاد و الراحلة و امكن شراؤهما او استئجار ما يصح استئجاره منهما، وجب اجماعا، لتوقف الواجب عليه.
و لو لم يوجد الا بالزائد عن الثمن و الاجرة، فصرح في الشرائع و المنتهى (120) و غيرهما (121) بوجوب الشراء و الاجارة، و نسبه في المدارك و الذخيرة الى الاكثر (122) .
و قال في التذكرة: و عن المبسوط عدم الوجوب (123) ، و قال في التذكرة:
فان كانت تجحف بماله لم يلزمه شراؤه و ان تمكن على اشكال (124) .
و في التحرير: و لو وجده باكثر من ثمن المثل او باكثر من اجرة المثل، فان تضرر به لم يجب الشراء اجماعا، و ان لم يتضرر فالاقرب وجوب الشراء (125) .انتهى.
و مراده من التضرر اما اهلاك النفس و العيال، او الوقوع في ذل المسكنة و السؤال، فلا يجب مع مثل ذلك و يجب بدونه، او المراد ما يعد ضررا عرفا و لو كان ماليا-اي لم تكن الزيادة شيئا لا يعد بالنسبة اليه ضررا- و هذا هو مراده من قوله في التذكرة: تجحف بماله.
اقول: دليل الاكثر: عمومات (126) وجوب الحجبالاستطاعة، او بوجدان الزاد و الراحلة، و لا شك ان مثل ذلك الشخص واجد لهما عرفا.
و يدل عليه ايضا المروي في الدعائم المتقدم في بحث التيمم: فيمن يجد الماء بثمن غال، قال: «اذا كان واجدا لثمنه فقد وجده» (127) .
و دليل النافين للوجوب-الذي يمكن التعويل عليه-: ادلة نفي الضرر و الضرار و العسر و الحرج، بجعلها معارضا للاولى و تقديم الثانية، او الرجوع الى الاصل.
و منه يظهر دليل المفصل بين الاجحاف و التضرر و عدمه.
و الحق على الظاهر مع المفصل، لما ذكر، بل النافي للوجوب مطلقا، لصدق الضرر على بذل الزائد على الثمن مطلقا، كما يظهر من استدلال بعضهم لخيار الغبن مطلقا بنفي الضرر. (128) الا ان في صدق الضرر على مثل ذلك نظرا، لما يقع بازائه من تحصيل مقدمات الحجبملاحظة العلة المنصوصة في صحيحة صفوان الواردة في شراء ماء الوضوء بمائة درهم او الف درهم من قوله: «و ما يشتري بذلك مال كثير» (129) ، فانه علل وجوب الشراء بانه يشتري بازائه مالا كثيرا، و هو هنا ايضا متحقق.
و تؤيده الاخبار الاخر المتضمنة لشراء ماء الوضوء بمائة الف او الف او مائة دينار (130) ، فالاقرب هو مذهب الاكثر.
و منه يظهر وجوب بيع المتاع او الضياع باقل من ثمن المثل و لو كثيرا اذا لم يمكن البيع بالثمن، للعلة المنصوصة، و لانه يجب البيع لو كان ثمنه الزاد او الراحلة و يتعدى الى ثمنهما بالاجماع المركب، مع ان العلة المنصوصة جارية هنا ايضا.
لو كان له دين و هو قادر على اقتضائه وجب عليه اجماعا، لصدق الاستطاعة، و لو لم يقدر لم يجب.
و لو كان مؤجلا هل تجب عليه الاستدانة للحج و اداؤه من ماله بعد الاجل، و كذا لو كان له مال لا يمكنه الحج و لم يمكن بيعه في الحال، فهل تجب الاستدانة؟
صرح في المنتهى بالعدم (131) ، و في الدروس و المدارك بالوجوب (132) .
دليل الاول: الاصل، و عدم الاستطاعة من ماله.
و دليل الثاني: صدق التمكن من الحج، فيكون مستطيعا.
و رد: بان المراد الاستطاعة من ماله، و قبل الاقتراض ليس كذلك، فلا يجب عليه، و لو كان مطلق التمكن استطاعة لوجبت الاستدانة لو لم يكن له مال ايضا، بل طلب البذل اذا علم انه يبذل له لو طلب، و هو خلاف الاجماع، و منة القبول و ذل الطلب حاصلان في الاستدانة ايضا.
و فيه: منع التقييد بالاستطاعة من ماله اولا، و حصولها بالتمكن من تحصيل المال ثانيا.
و منه يعلم رد دليل الاول و تمامية دليل القول الثاني، فهو الاقرب، و خرجت الاستدانة من غير مال و السؤال بالاخبار و الاجماع، مع انه لو صح الاول لزم عدم اجزاء حج من فقد ماله في اثناء الطريق او سرق او نهب او صرفه في مصرف (133) و احتاج الى الاقتراض، و الظاهر انهم لا يقولون به.
هل يجب الحج على المديون ام لا؟
تفصيل الكلام فيه: ان الدين اما معجل او مؤجل، و الاول اما ان يكون مطالبا به ام لا، و الثاني اما لا يسع الاجل اتمام المناسك و العود او يسعه، و على التقادير اما يكون له ما يقضي دينه زائدا على نفقة الحج ام لا، و على الثاني اما يظن له طريق للوفاء به بعد الرجوع او لا.
قيل: لا اشكال في عدم الوجوب مع التعجيل و عدم وفاء المال بالحج و الدين معا، سواء كان مطالبا به ام لا، و سواء ظن له طريق للوفاء بعد الرجوع ام لا، و ان تردد بعضهم في بعض صوره (134) .
بل قيل: ان الظاهر عدم الجواز مع المطالبة (135) .
و كذا لا اشكال في الوجوب مع كون ماله بقدر ما يقضي به دينه زائدا على نفقة الحج مطلقا، و كذا قيل: الظاهر عدم الوجوب مع التاجيل و عدم سعة الاجل للحج و العود.
اقول: الظاهر دخول الاشكال و الخدش في اكثر الصور المذكورة، لان المديون-الذي له مال يسع احد الامرين من الحج و الدين-داخل في الخطابين: خطاب الحج و خطاب اداء الدين، و اذ لا مرجح في البين فيكون مخيرا بين الامرين.
فالوجه ان يقال: ان مع التعجيل او عدم سعة الاجل هو مخير بين الحج و وفاء الدين، سواء علمت المطالبة ام لا.
نعم، لو علم رضاء الدائن بالتاخير فلا يكون مامورا بالوفاء، فيبقى خطاب لحجخاليا عن المعارض، فيكون واجبا.
و اما اذا كان مؤجلا باجل يسع الحج و العود-سواء ظن له طريق للوفاء بعد العود ام لا-فلم اعثر للقدماء على قول في المسالة، و كذا كثير من المتاخرين.
نعم، تعرض لها جماعة منهم، و هم بين مصرح بعدم الوجوب اذا لم تفضل عن دينه نفقة الحج، من غير تعرض للمعجل او المؤجل، كما في الشرائع (136) و بعض كتب الفاضل (137) .
و مصرح بعدمه مع التعجيل و التاجيل، كالمنتهى و التحرير و الدروس (138) .
و ظاهر المدارك و الكفاية و الذخيرة التردد في بعض الصور (139) .
و عن المحقق الاردبيلي: الوجوب (140) ، و الظاهر انه مذهب القدماء، حيث لم يتعرضوا لاشتراط الخلو عن الدين.
و هو الحق، لصدق الاستطاعة عرفا، و المستفيضة المصرحة: بان الاستطاعة هي ان يكون له مال يحجبه، كصحاح ابن عمار (141) و محمد (142) و الحلبي (143) و الخثعمي (144) ، و الدالة على وجوب الحج على من له ما يحجبه من المال، كمرسلة الصدوق (145) و صحيحة ابن عمار (146) و غيرهما (147) .
و لا شك ان من استدان مالا على قدر الاستطاعة يكون ذلك ملكا له، فيصدق عليه ان عنده مال و له ما يحجبه، للاتفاق على ان ما يقرض ملك للمديون، و لذا جعلوا من ايجاب صيغة القرض: ملكتك، و صرحوا بجواز بيعه و هبته و غير ذلك من انحاء التصرفات.
و الاخبار المتضمنة لوجوب الحج على من عليه دين بقول مطلق:
كصحيحة الكناني: ارايت الرجل التاجر ذا المال حين يسوف الحج كل عام، و ليس يشغله عنه الا التجارة او الدين؟ فقال: «لا عذر له متى يسوف الحج ان مات و قد ترك الحج فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام» (148) .
و ابن عمار: عن رجل عليه دين، اعليه ان يحج؟ قال: «نعم، ان حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين» (149) .
و موثقة البصري: «الحج واجب على الرجل و ان كان عليه دين» (150) .
و المصرحة بوجوبه على من عليه دين و ليس له ما يقضيه به لو حج مما في يده، كصحيحة العطار: يكون علي الدين فتقع في يدي الدراهم، فان وزعتها بينهم لم يقع شيئا، ا احجبها او اوزعها بين الغرماء؟ فقال:
، و رواها الكليني، و فيها: لم يبق شيء (152) ، بدل: لم يقع شيئا.
دليل القائل بعدم الوجوب: عدم صدق الاستطاعة.
و توجه الضرر المنفي.
و الاخبار الدالة على عدم الاستقراض للحج مع عدم مال يفي بالقرض، كرواية الواسطي (153) ، و موثقة عبد الملك (154) .
و لرواية ابي همام: الرجل يكون عليه الدين و يحضره الشيء، ا يقضي دينه او يحج؟ قال: «يقضي ببعض و يحجببعض» ، قلت: لا يكون الا بقدر نفقة الحج، قال: «يقضي سنة و يحجسنة» (155) .
و الجواب عن الاول: بالمنع، لانه ماله يجوز له اتلافه، فكيف لا يستطيع به؟ !
و عن الثاني اولا: بمنع توجه الضرر مع ظن طريق للوفاء.
و ثانيا: بمنع كون ما بازائه الثواب و الدرجات الرفيعة ضررا، سيما مع ما ورد في الاخبار المتكثرة من ان الحج اقضى للدين، و ان من حجسيقضي الله دينه (156) .
و ثالثا: بان هذا لو كان ضررا لكان مما اقدم عليه المتداينان، و الضرر الناشىء من عمل المكلف لا يمنع الاحكام التكليفية.
و رابعا: ان الضرر مما يجب الحكم به مع وجود الدليل الشرعي، كما في المقام.
و خامسا: انه ان اريد توجه الضرر على المديون، ففيه: انه ليس اكثر ضررا مما لو لم يكن عليه دين و كان له ذلك المال، فانه اذا حجبه يعد ماله و لا تسلط لاحد عليه، و هذا ايضا كذلك، اذ لو حصل له بعد العود ما يفي به دينه فيوفيه و قد حج من ماله، و الا فلا تسلط عليه، لوجوب النظرة.
و ان اريد توجهه على من له الدين، ففيه: انه لو كان كذلك لزم منع المديون عن صرفه في حوائجه و بيعه و هبته و عتقه، مع انه لا خلاف في جواز ذلك، بل في جواز الحج ايضا، و انما النزاع في الوجوب.
و عن الثالث: انه غير المتنازع فيه، لان السؤال فيها وقع عن ان يستقرض و يحج، و كلامنا فيما اذا استقرض، فان الفرق بين قولك:
استقرضت فهل يجب علي الحج؟ و قولك: هل يجب علي الاستقراض للحج؟ كما بين قولك: استطعت فهل يجب علي الحج؟ و قولك: هل يجب علي ان استطيع و احج؟
مع ان هذه الاخبار معارضة باخبار اخر اكثر و اوضح و اصرح، كصحيحتي ابن ابي عمير (157) ، و يعقوب (158) ، و مرسلة الفقيه (159) ، و رواية عقبة (160) .
و عن الرابع اولا: ان الظاهر منه ان الدين معجل.
و ثانيا: انه لا دلالة فيه على تاخير الحج من قضاء الدين.
و ثالثا: انه غير المتنازع فيه، لان المستفاد من قوله: «يقضي سنة و يحجسنة» ان هذا الشيء الحاضر مما يعتاد ان يحضر كل سنة، كغلة ضياع، او ربح تجارة، و امثالهما.
و على هذا، فان كان الدين معجلا يجب قضاؤه و لا يجب الحج و ليس من المتنازع فيه، و ان كان مؤجلا-فلوجود ما يقضي به الدين عادة بعد حلول الاجل-يجب عليه الحج اجماعا، و لا نزاع فيه ايضا.
لو بذل له الزاد و الراحلةو مؤنة عياله ذاهبا و عائدا صار مستطيعا مع استكمال باقي الشرائط، اجماعا محققا، و محكيا عن صريح الخلاف و الغنية (161) و ظاهر المنتهى و التذكرة (162) ، لصدق الاستطاعة الموجبة للحج كتابا و سنة، و القدرة و الاطاقة الموجبتين له في بعض ما تقدم من الاخبار، و خصوص المستفيضة، كصحاح محمد (163) و ابن عمار (164) و هشام (165) ، و الحلبي (166) ، المتقدمة جميعا.
و اطلاقها-كما ترى-يقتضي عدم الفرق بين تمليك المبذول و عدمه، و لا بين وجوب البذل بنذر و شبهه و عدمه، و لا بين وثوق الباذل و عدمه.
الا ان المحكي عن الحلي: اشتراط الاول (167) ، و عن التذكرة: الثاني (168) ، و عن الدروس: احدهما (169) ، و في المدارك و الذخيرة و المفاتيح (170) و غيرها (171) الثالث، و هو الاصح، لعدم صدق الاستطاعة بدونه عرفا و لا لغة، فيعارض ما ينفي الوجوب بدونها-كمفهوم (172) الآية و غيره-مع الاطلاق بالعموم من وجه، و يرجع الى الاصل، و لاستلزام الوجوب بدونه العسر و الحرج المنفيين، مضافا الى عدم معلومية انصراف الاطلاق الى ما يشمل صورة عدم الوثوق ايضا، لان المتبادر منه ما يكون معه الوثوق.
و لا يشترط في الوثوق العلم، بل تكفي مظنة الوفاء، لانتفاء المقيدات المذكورة معها، و لانه لا يزيد على ملكية مال الاستطاعة، و بقاؤه ليس بعلمي، فقد يفقد و يسرق و ينهب.
ا: المراد ببذل الزاد و الراحلة و المؤنة:
عرضها عليه، بان يقول: علي زادك و راحلتك و نفقة عيالك، او احضرها و قال: حجبذلك، او: ابحتها لك لتحجبها، لصدق العرض و الاستطاعة و القدرة.
و لا و فرق في الوجوب بين عرض عين الزاد و الراحلة او اثمانهما، وفاقا للاكثر، كما في المدارك و الذخيرة (173) ، لصدق الموجبات المذكورة.
و عن الشهيد الثاني: عدم الوجوب بالثاني، معللا بان ذلك موقوف على القبول، و هو شرط للواجب المشروط فلا يجب تحصيله (174) .
و فيه: -مضافا الى جريانه في بذل العين ايضا-ان المشار اليه بقوله:
ذلك، ان كان وجوب الحج او اباحة التصرف او حصول الاستطاعة العرفية، فلا نسلم التوقف، فانه يجوز له التصرف و لو سكت قولا و فعلا.
و ان كان تحقق الملكية و اللزوم، فلا نسلم كونهما شرطين للواجب.
و ايضا قوله: فلا يجب تحصيله، ان اريد انه اجماعي، فهو في موضع النزاع ممنوع، و ان اريد انه مقتضى القاعدة، فهو يكون من باب الاصل اللازم طرحه بعد اطلاق النصوص.
و منه يظهر وجوب الحج على من بذل له مال نذره مالكه لمن يحج، او اوصى له على سبيل الاطلاق.
ب: لو وهب له مالا ليحجبهيجب الحج على الاظهر، لما ذكر، وفاقا للشهيد الثاني (175) ، و ظاهر المدارك و الذخيرة (176) .
و عن الدروس: عدم وجوب القبول و لا الحج (177) ، لما مر بجوابه، فان القبول شرط اللزوم و الملكية و تحقق الهبة الشرعية، دون اباحة التصرف و الاستطاعة العرفية.
و منه يظهر رد ما قيل من ان الهبة موقوفة على القبول، فهي اكتساب غير واجب، بخلاف البذل، فانه اباحة يكفي فيها الايقاع (178) ، فان الهبة متضمنة للاباحة المتحققة بدون القبول ايضا قطعا و ان كان تحقق جزئها الآخر-و هو التملك-موقوفا على الاكتساب، مع ان عدم وجوب الاكتساب -الذي تحقق قبله الاستطاعة العرفية-ممنوع، و اي دليل عليه؟ ! فان المسلم عدم وجوب تحصيل الاستطاعة..و اما مع تحققها عرفا فيجب الاكتساب المتوقف عليه الحج، و لولاه لم يجب بيع المال لنفقة الحج، و لا شراء عين الزاد و الراحلة لمن يملك ثمنها، فان بعد تحقق الاستطاعة يصير الواجب مطلقا، و ما يتوقف عليه مقدمة للواجب المطلق، فيجب تحصيله.
ج: لو بذل له مالا، او وهبه له و اطلق -اي لم يقيده بكونه للحج- فقيل: المشهور عدم وجوب القبول، لكونه اكتسابا (179) .و جوابه قد مر، مع انه لا فرق في ذلك بين الاطلاق و التقييد.
فالحق: وجوب الحج معه، الا ان لم يكن مستجمعا لسائر الشرائط حين البذل و لم يبذل حال الاستجماع، كان بذله قبل امكان المسافرة.
د: لا يمنع الدين-و لو كان معجلا-من وجوب الحج على تقدير البذل او الهبة للحجو اما مع الاطلاق فيشترط في وجوب الحج عليه معينا توفية الدين او رضاء الدائن او تاجيله، و الوجه ظاهر، و كذا سائر ما يستثنى من الاستطاعة.
ه: لو بذل له تمام ما تتم به الاستطاعة مع وجود القدرة على باقيه، يجب الحج.
و: لا يجب على المبذول له اعادة الحجبعد اليساروفاقا للمشهور على ما في المدارك و الذخيرة و المفاتيح و شرحه (180) ، بل في الاخيرين: ان القول الآخر شاذ، و عن بعض آخر: ان عليه فتوى علمائنا، الظاهر في دعوى الاجماع (181) .
لنا: الاصل، و صدق الامتثال، و دلالة الامر على الاجزاء.
و استدلوا ايضا بصحيحة ابن عمار: رجل لم يكن له مال فحجبه رجل من اخوانه، هل يجزىء ذلك عنه عن حجة الاسلام، او هي ناقصة؟
قال: «بل هي حجة تامة» (182) .
و فيه: ان الاجزاء عن حجة الاسلام لا يدل على عدم وجوب الاعادة الا بضميمة عدم وجوبها الا مرة واحدة، و هو اما بالاجماع القابل للمنع في محل النزاع، او العمومات اللازم تخصيصها بما ياتي من المخصصات، و لذا امر بالاعادة في الروايات الآتية مع التصريح بقضاء حجة الاسلام، مع ان حجة الاسلام قد يعبر بها عن اول حجة.
و اما تمامية الحج فهي تجري في المندوب و الحج عن الغير ايضا، لان معناها كماله.
خلافا للاستبصار، فيعيد مع اليسار (183) ، لموثقة البقباق: عن رجل لم يكن له مال فحجبه اناس من اصحابه، اقضى حجة الاسلام؟
قال: «نعم، و ان ايسر بعد ذلك فعليه ان يحج» ، قلت: فهل تكون حجته تلك تامة او ناقصة اذا لم يكن حج من ماله؟ قال: «نعم، يقضي عنه حجة الاسلام و تكون تامة ليستبناقصة، و ان ايسر فليحج» (184) .
و رواية ابي بصير: «لو ان رجلا معسرا احجه رجل كانت له حجة، فان ايسر بعد ذلك كان عليه الحج، و كذلك الناصب اذا عرف فعليه الحج و ان كان قد حج» (185) .
و الجواب عنهما: بعدم صلاحيتهما لاثبات حكم مخالف للاصل، لشذوذهما، و مخالفتهما للشهرتين العظيمتين، بل للاجماع المحقق، فان مخالفة الاستبصار لا تضر في تحققه، سيما مع رجوع الشيخ عنه في سائر كتبه (186) .
مضافا الى ان تشبيه الناصب-المجمع على عدم الوجوب عليه- اقوى قرينة على ارادة الاستحباب، فيجب الحمل عليه، و اما الحمل على من حج عن غيره فبعيد غايته.
ز: لا يشترط في المبذول له الرجوع الى كفايةلان الظاهر المتبادر من اخبار اشتراطه انما هو فيما اذا انفق في الحج من كفايته، لا مثل ذلك، مع ان الشهرة الجابرة غير متحققة في المورد، و مع ذلك تعارضها اطلاقات وجوب الحجبالبذل، و هي اقوى و اكثر، فيرجع الى عمومات وجوب الحج و الاستطاعة العرفية (187) .
و اما نفقة العيال، فصريح الاصحاب اشتراط وجودها له، و لا يخفى ان اثباته من ادلة استثنائها مشكل، لان سبيلها سبيل ادلة استثناء الكفاية.
نعم، يمكن اثبات اشتراطها بايجاب نفيه لتضيع العيال الموجب للعسر و الحرج المنفيين، و على هذا فلو كان المبذول له من لا يقدر على نفقة العيال و لا يتكفلهم يتجه القول بعدم اشتراط وجودها.
لو استاجره احد للمعونة على السفر او لتعليم فيه او نحوهما بما يكفي لنفقة الحج و العيال او شرطهما له، فلا شك في الوجوب بعد القبول و تحقق الاجارة، و يجزىء عن حجة الاسلام.
و لا يرد: ان الوصول الى تلك الاماكن قد وجب بالاجارة دون افعال الحج، فلا يتداخل الواجبان.
لان الوصول اليها مقدمة الحج لا نفسه، و لا تجب عليه بالاجارة افعاله، و مقدمة الشيء لا يجب ايقاعها على وجه كونه لذلك الشيء، مع ان عدم التداخل ممنوع كما ياتي.
و هل تجب اجابة المستاجر و قبول الاجارة قبل القبول، ام لا؟
المصرح به في كلام الاكثر: الثاني (188) ، لانه مقدمة الواجب المشروط، و تحصيلها غير واجب.
و الحق: الاول، اذا كان ما استؤجر له مما لا يشق عليه و يتمشى منه، لصدق الاستطاعة، و لانه نوع كسب في الطريق، و قد مر وجوبه على مثله، و ليس القبول مقدمة للواجب المشروط، بل للمطلق، لان مع الفرض تحصل الاستطاعة العرفية، فيصير الحج واجبا عليه و ان توقف ايقاعه على القبول، كاشتراء عين الزاد و الراحلة.
و التحقيق: ان هذه ليست تحصيل الاستطاعة، لان بعد تمكنه مما استؤجر له يكون ذلك منفعة بدنية مملوكة له، حاصلة له، قابلا لايقاع الحجبه، فيكون مستطيعا، كمالك منفعة ضيعة تفي بمؤنة الحج عليه، غايته انه يبادلها بالزاد و الراحلة.
لا يقال: فعلى هذا يجب تحصيل مؤنة الحج على كل من قدر على الاكتساب و تحصيل الاستطاعة، فيكون الحج واجبا مطلقا.
لانا نقول: ان كان اقتداره بحيث تصدق معه الاستطاعة العرفية فنسلم الوجوب و لا يصدق وجوب تحصيل الاستطاعة، و لا ضير فيه، و الا فلا دليل على وجوب الاكتساب، لان ما نقول بوجوبه هو ما اجتمع مع صدق الاستطاعة العرفية.
فان قيل: الاستطاعة على ما فسرت في الاخبار المستفيضة: ان يكون له زاد و راحلة، فلا تحصل الا بوجودهما، و لا يوجدان لمثل ذلك الشخص الا بعد الكسب.
قلنا: المراد بوجودهما ليس وجود عينهما، بل اعم منها و مما بازائها، و المنفعة البدنية انما هي موجودة له، و هي بازاء العين، فمن يصدق عليه انه واجد لما بازاء الزاد و الراحلة-اما بالبذل او الاباحة الصريحين، او الضمنيين كما في الهبة، او بعوض يملكه كمنفعة بدنية او ملكية-يجب عليه الحج.
و اما من لم يصدق عليه ذلك و سهل عليه التحصيل-كمن يتمكن من ان يشتري متاعا بالف نسية الى خمسة ايام و يبيعه في بلد آخر قريب قبل الخمسة بالفين نقدا-ففيه اشكال، لانه لا يملك قبل الشراء ما بازاء الزاد و الراحلة.
و التحقيق: انه يجب هنا اولا بيان مسالة اخرى و تفريع امثال تلك المسائل عليها، و هي بيان معنى الاستطاعة المالية.
و تحقيقه: انه قد مر في المسالة الثانية: انه لا يشترط في صدق الاستطاعة وجود عين الزاد و الراحلة، بل يكفي وجود ثمنهما او ما يصلح ان يكون ازاء لهما او لثمنهما، و هو اجماعي، بل ضروري من الدين.
و لا فرق في ذلك بين ان يكون ما يصلح الازاء عينا موجودة او منفعة مملوكة، فلو كانت له ضيعة لم يتمكن من بيعها و يمكن اجارتها في مدة بما يكفي لمؤنة الحج و ما يتبعه، يجب الحج، لصدق الاستطاعة.
و هل يشترط وجود ما يصلح ان يكون ازاء للمؤنة عينا او منفعة، او يكفي الاقتدار و التمكن على تحصيله من غير مشقة، بل بسهولة حال اجتماع سائر الشرائط؟
ظاهر كثير من كلماتهم: الاول، حيث نفوا الوجوب اذا توقف على الاكتساب مطلقا (189) ، حتى بمثل قبول الهبة و قبول اجارة النفس.
و لعله للاخبار-المتقدمة كثير منها-المفسرة للاستطاعة: بان يكون له او عنده زاد و راحلة (190) ، او انها وجود الزاد و الراحلة، كما في المرسلة المتقدمة (191) .
و ظاهر بعض كلماتهم: الثاني، ككلام من اوجب الحج للمتمكن من الزاد الراحلة بالكسب في الطريق، و من اوجب الاستدانة لمن له دين مؤجل او متاع لا يتمكن الحال من بيعه، و من اوجب قبول الهبة، و من استدل لهذه الامور بالاقتدار و التمكن و الاستطاعة، و من قيد الاستطاعة بالعرفية.
و لعله لوجوب حمل الاستطاعة على العرفية و تحققها مع التمكن بالسهولة، و للاخبار الموجبة للحجبمجرد القدرة على ما يحجبه، او بمجرد عدم الحاجة المجحفة، او مانع آخر، كصحيحتي الحلبي (192) و المحاربي (193) المتقدمتين.و هو الاظهر، لما ذكر.
و لا تضر الاخبار المفسرة للاستطاعة، اذ ليس المراد بوجود الزاد و الراحلة فيها معناه الحقيقي، و هو وجوب عينهما اجماعا، و مجازه كما يمكن ان يكون الاعم من وجود العين و الثمن يمكن ان يكون القدرة على تحصيلهما، التي هي حقيقة الاستطاعة، فلا نعلم ارادة معنى آخر غير الحقيقي للفظ الاستطاعة، فيجب الرجوع اليه، مع ان صحيحتي الحلبي و المحاربي تعينان (194) هذا المعنى، فيجب الاخذ به.
ثم انه يتفرع عليه كثير من مسائل المقام:
منها: ما مر من وجوب الحج على الكسوب اذا تمكن من كسبه في الطريق.
و منها: وجوب الاستدانة لمن له دين مؤجل او متاع لا يتمكن من بيعه في الحال.
و منها: وجوب قبول الهبة و اجارة النفس لمعونة السفر و نحوها.
و منها: من تقدم ممن يتمكن من شراء المتاع بالف و بيعه بالفين اذا كان ذلك مع استجماع سائر الشرائط، كان يكون وقت المسافرة و حضور الرفقة و نحوهما.
و منه يرتفع اشكال وجوب التكسب للحج مطلقا، اذ قبل الاوان لا يجب، و معه لا تحصل المؤنة من الكسب غالبا.
نعم، يجب تقييد التحصيل بما لا يخرجه الدليل، فلا تجب الاستدانة لمن ليس له مال و لا السؤال و لا الاستيهاب، للاجماع، و الاخبار، و العسر و الحرج.
لا يجب للولد بذل ماله لوالده للحجو لا يجوز للوالد صرف مال ولده فيه بدون مصلحته او اذنه، وفاقا للاكثر (195) ، للاصل.
و عن النهاية و المبسوط و الخلاف و القاضي (196) : الوجوب، و استشكل فيه في الذخيرة (197) ، و ظاهر الخلاف اجماع الاصحاب (198) ، لصحيحة سعيد بن يسار: الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير؟ قال: «نعم، يحج منه حجة الاسلام» ، قلت: و ينفق منه؟ قال: «نعم» ، ثم قال: «ان مال الولد لوالده»الحديث (199) .
و فيه: انه لا تدل الصحيحة على ازيد من جواز الحج من مال الابن الصغير الذي ولايته بيد الاب، و هو غير دال على عدم اعطاء العوض، فلعله معه حتى يكون قرضا.
و الحاصل: ان المستفاد منها جواز هذا النوع من التصرف ايضا، و هو اعم من القرض و نحوه، فلا يعارض ما دل على عدم جواز صرفه في غير مصلحة الصغير، و اما جزؤه الاخير فمخالف للاجماع و الاخبار.
قال بعضهم: لا يجوز صرف المال في النكاح بعد تعلق الخطاب بالحج و توقف الحج على المال و ان شق ترك النكاح، لان الحج مع الاستطاعة واجب فلا يعارضه النكاح المندوب، و لو حصل له من ترك النكاح ضرر شديد لا يتحمل عادة او خشي حدوث مرض بتركه قدم النكاح (200) .
بل قيل بتقديم النكاح لو خشي وقوع الزنا بتركه (201) .
اقول: ما يدل على تقديم النكاح في صورة التضرر بتركه يدل عليه في صورة المشقة ايضا، اذ تحمل المشقة عسر، و هو منفي في الشريعة، الا ان يراد مشقة جزئية لا عسر في تحملها، و في صدق المشقة نظر.
ثم القول بتقديمه في صورة خشية الوقوع في الزنا مما لا دليل عليه، سييما اذا كانت الخشية باحتمال الوقوع او الظن بتركه، بل و كذلك مع العلم، فان هذه الخشية لو اوجبت تخصيص عمومات وجوب الحج (202) للاستطاعة لجاز تخصيص عموم كل ما يدفع به ذلك من ترك الواجبات و فعل المحرمات، و لا يقولون به، بل يمكن على ذلك ان يقال بتعارض عمومات حرمة الزنا (203) بهذه العمومات.
و فساد ذلك ظاهر جدا، بل نقول: انه يجب عليه الامران: الحج و ترك الزنا، و الخشية انما هي لاجل غلبة نفسه، التي هو مامور بدفعها.
ثم ان ما ذكروه من عدم جواز صرف المال في النكاح مبني على ما نقول به من وجوب ابقاء مقدمة الواجب كما يجب تحصيلها، و لذا نقول بعدم جواز اهراق الماء المحتاج اليه للطهارة، و الاكثر لم يذكروه و ان قالوا به هنا..و يلزمه عدم جواز وقفه و هبته و بيعه بثمن قليل تنتفي معه الاستطاعة، و انه لو فعله لبطل الوقف، بل الهبة و البيع ايضا على القول باستلزام النهي في المعاملات للفساد، كما هو التحقيق..و كذا تلزمه هذه الامور في صورة اشتغال الذمة بالدين المعجل المتوقف اداؤه على ذلك المال كما نقول به.
و هي تحصل بتخلية السرب-بفتح المهملة و اسكان الراء: الطريق- و اشتراطها مجمع عليه محققا و محكيا (204) ، و الآية تدل عليه، و كثير من الاخبار المتقدمة ترشد اليه، و نفي العسر و الحرج يؤكده، و انتفاء الضرر و الضرار يبينه.
و المراد منها: عدم الخوف على النفس او البدن او البضع او المال، و عدم خوف المنع في الطريق، فمع خوف احد هذه الامور لا تحصل الاستطاعة و لا يتحقق فرض الحج.
و ها هنا مسائل:
تكفي في الوجوب سلامة بعض الطرقفلو كان له طريقان مخلى احدهما دون الآخر وجب سلوك الاول و ان كان ابعد اذا لم تقصر نفقته عنه و اتسع الزمان له.
و الظاهر اشتراط كون الابعد طريقا من بلده الى مكة عرفا، اي لم يبلغ من الانحراف و البعد حدا يخرج عن كونه سبيلا اليه، و يصح ان يقال: ان بعض طرق البلد اليه مخلى، فان بعد بحيث لا ينصرف الطريق اليه ففي وجوب سلوكه اشكال، بل عدمه اظهر، لعدم صدق تخلية السرب عرفا، و عدم انصراف استطاعة السبيل اليه، فالمدني لو منع من المسير من طرق المدينة الى مكة و امكنه المسير الى الشام و منه الى العراق و منه الى خراسان و منه الى الهند و منه الى البحر و منه الى مكة لم يجب عليه الحج.