الفصل الثالث: في زكاة الغلات الاربع

و فيه بحثان:

البحث الاول: في ما يشترط به وجوبها

اعلم انه يشترط في وجوبها عليها شرطان:

الشرط الاول: النصاب، باتفاق الاصحاب المصرح به في كلماتهم، و في المنتهى: لا نعلم فيه خلافا-الا عن مجاهد و ابي حنيفة، فانهما اوجباها في قليلها و كثيرها (1) -فهو الدليل عليه، مضافا الى النصوص:

ففي صحيحة سعد: عن اقل ما تجب فيه الزكاة من البر و الشعير و التمر و الزبيب؟ قال: «خمسة اوساق بوسق النبي صلى الله عليه و آله و سلم‏» ، فقلت: فكم الوسق؟ فقال: «ستون صاعا» (2) .

و صحيحة محمد: عن التمر و الزبيب، ما اقل ما تجب فيه الزكاة؟

قال: «خمسة اوساق‏» (3) .

و صحيحة سليمان: «ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة اوساق، و العنب مثل ذلك حتى يكون خمسة اوساق زبيبا» (4) .

و صحيحة الحلبي و فيها-بعد ذكر حديث-: و قال في حديث آخر، ثم ذكر مثل صحيحة سليمان، و قال في آخره: «و الوسق ستون صاعا» (5) .

و صحيحته الاخرى: «ليس في ما دون خمسة اوساق شي‏ء، و الوسق ستون صاعا» (6) ، و قريبة منها موثقة ابي بصير و ابن شهاب (7) .

و صحيحة زرارة و ابن بكير: «و اما ما انبتت الارض من شي‏ء من الاشياء فليس فيه زكاة الا في اربعة اشياء: البر و الشعير و التمر و الزبيب، و ليس في شي‏ء من هذه الاربعة اشياء شي‏ء حتى يبلغ خمسة اوساق، و الوسق ستون صاعا، و هو ثلاثمائة صاع بصاع النبي، فان كان من كل صنف خمسة اوساق غير شي‏ء و ان قل فليس فيه شي‏ء، و ان نقص البر و الشعير و التمر و الزبيب، او نقص من خمسة اوساق صاع او بعض صاع، فليس فيه شي‏ء» (8) الحديث.

و مرسلة ابن بكير: «في زكاة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ليس في ما دون الخمسة اوساق زكاة، فاذا بلغت‏خمسة اوساق وجبت فيها الزكاة، و الوسق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع بصاع النبي‏» (9) ، الى غير ذلك.

و اما رواية اسحاق بن عمار: عن الحنطة و التمر عن زكاتهما، فقال:

«العشر و نصف العشر، العشر مما سقت السماء، و نصف العشر مما سقي بالسواقي‏» ، فقلت: ليس عن هذا اسالك، انما اسالك عما خرج منه قليلا كان او كثيرا، اله حد يزكى ما خرج منه؟ فقال: «يزكى ما خرج منه قليلا كان او كثيرا من كل عشرة واحدا، و من كل عشرة نصف واحد» (10) الحديث.

فحملها في التهذيبين على القليل، و الكثير على ما زاد على الخمسة اوساق، او على الاستحباب (11) .

و الاول مقتضى حمل العام على الخاص، و الثاني موافق للجملة الخبرية.

و يمكن الحمل على التقية ايضا، و لو لا ما ذكر لوجب طرحها; لشذوذها من وجهين، و الله يعلم.

ثم حد النصاب خمسة اوساق;بالاجماع المحقق، و المحكي مستفيضا في الناصريات و الخلاف و الغنية و المنتهى (12) و غيرها (13) ، و يدل عليه-مع الاجماع-اكثر النصوص المتقدمة.

و اما صحيحة الحلبي: في كم تجب الزكاة من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب؟ قال: «في ستين صاعا» (14) .

و رواية ابن سنان: عن الزكاة في كم تجب في الحنطة و الشعير؟

فقال: «في وسق‏» (15) .

و رواية ابي بصير: «لا تكون في الحب و لا في النخل و لا في العنب زكاة حتى تبلغ و سقين، و الوسق ستون صاعا» (16) .

فتحمل اما على شدة الاستحباب بقرينة ما مر، او تترك;لمخالفتها الاجماع و الصحاح المتكثرة.

و الوسق ستون صاعا، كما في المعتبر و التذكرة و المنتهى (17) ، و كثير من النصوص المتقدمة من غير معارض به ناطقة، فهذه ثلاثمائة صاع.

و الصاح قدر في الاخبار و كلام الاصحاب بالامداد، و الارطال، و الدراهم.

اما الاول: فهو اربعة امداد باتفاق علمائنا، كما عن الخلاف و الغنية و المعتبر و المنتهى و التذكرة;له (18) ، و لصحيحة ابن سنان الواردة في قدر الفطرة، و فيها: «و الصاع اربعة امداد» (19) ، و نحوها في صحيحة الحلبي الواردة في الفطرة ايضا (20) .

و صحيحة زرارة، و فيها: «و المد رطل و نصف، و الصاع ستة ارطال‏» (21) .

و الرضوي: «و الوسق ستون صاعا، و الصاع اربعة امداد، و المد مائتان و اثنان و تسعون درهما و نصف‏» (22) .

و تدل عليه ايضا رواية الهمداني الآتية.

و اما رواية المروزي: «الغسل بصاع من ماء، و الوضوء بمد من ماء، و صاع النبي صلى الله عليه و آله و سلم خمسة امداد، و المد وزن مائتين و ثمانين درهما، و الدرهم وزن ستة دوانيق، و الدانق وزن ست‏حبات، و الحبة وزن حبتي شعير من اوساط الحب، لا من صغاره و لا من كباره‏» (23) .

فلا تصلح لمعارضة ما مر;لاكثريته عددا، الموجبة لاشهريته رواية، و هي من المرجحات المنصوصة;و لاصحيته سندا، و هي ايضا من المرجحات;و لموافقته لعمل الاصحاب و مخالفتها، بل في الحدائق ظاهر الاصحاب الاتفاق على طرح هذا الخبر (24) .

و قد يوجه بان الصاع مكيال معين، و من البديهيات ان الاجسام المختلفة يختلف قدرها بالنسبة الى مكيال معين، و لا يمكن ان يكون الصاع من الماء موافقا للصاع من الحنطة و الشعير و شبههما، فيكون الصاع من الماء-كما هو مورد الرواية الاخيرة-اثقل من الصاع من الطعام، كما هو مورد الصحاح و الروايتين السابقة. ..و لذا فرق الصدوق في معاني الاخبار بين صاع الماء و صاع الطعام (25) .

اقول: هذا التوجيه كان حسنا لو لا ان المد ايضا كالصاع مكيال معين، و لكن الظاهر-كما صرح به في الحدائق، ناقلا عن بعض مشايخه-ان كلا من المد و الرطل و الصاع مكيال معين (26) ، فلا يختلف.

هذا، مع ان صحيحة زرارة المتقدمة واردة في صاع الماء ايضا.

و منه يظهر ما في التوجيه بحمل الاختلاف على تعدد الصاع للنبي صلى الله عليه و آله و سلم، فان كلا من صحيحة زرارة و رواية المروزي واردة في صاع غسل النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فتامل.

ثم انه قد ظهر مما ذكر ان النصاب الف و مائتا مد.

و اما الثاني: فهو ستة ارطال بالمدني و تسعة بالبغدادي، بلا خلاف، بل بالاجماع، كما عن الانتصار و الناصريات و الخلاف و الغنية (27) ;لرواية علي بن بلال: كم الفطرة و كم يدفع؟ قال: فكتب: «ستة ارطال من تمر بالمدني، و ذلك تسعة ارطال بالعراقي، فان قدر الفطرة صاع‏» (28) .

و تدل عليه ايضا صحيحة ايوب بن نوح، المتضمنة لارسال الراوي عن كل راس من عياله درهما قيمة تسعة ارطال، و تقرير المعصوم اياه (29) .

و رواية الهمداني، و فيها: «الصاع ستة ارطال بالمدني و تسعة بالعراقي‏» و اخبرني: «انه يكون بالوزن الفا و مائة و سبعين وزنة‏» (30) .

و اما ما فسر الصاع بستة ارطال (31) ، فمحمول على المدني;لوجوب حمل المجمل على المبين;و تدل عليه رواية اخرى للهمداني تاتي.

و اما موثقة سماعة: «و كان الصاع على عهده خمسة ارطال، و كان المد قدر رطل و ثلاث اواق‏» (32) .

فمع شذوذها، غير منضبطة;لاختلاف النسخ فيها;لان في الاستبصار: «خمسة امداد» مكان: «خمسة ارطال‏» ، و هو المناسب لتقدير المد بعده.

و اما الثالث: فهو ما تضمنته رواية الهمداني المتقدمة، و فيها و ان عبر عن الدرهم بالوزنة و لكنه قد روى هذا الخبر في عيون الاخبار و ذكر الدرهم موضع الوزنة (33) . و على هذا، فيكون النصاب ثلاثمائة آلاف و واحد و خمسون الف درهم، و يكون على التقدير الاول الفا و مائتا مد، و على الثاني الفين و سبعمائة رطل بالعراقي.

و مرجع الثلاثة واحد;و ذلك لان المد رطلان و ربع بالعراقي، و الرطل مائة و ثلاثون درهما.

اما الاول، فظهر وجهه مما مر من تقدير الصاع باربعة امداد و تسعة ارطال، و عليه الاجماع عن الخلاف و الغنية (34) ، و عن البزنطي: انه رطل و ربع (35) .

و استدل له بموثقة سماعة المتقدمة، و هي لا تلائمه ان فسرت الاوقية باربعين درهما، كما ذكره الجوهري (36) ، او بعشرة مثاقيل و خمسة اسباع درهم، كما عند الاطباء... فتكون الرواية مردودة بمخالفة الاجماع، او بحمل المد و الرطل فيها على مكيال بعض البلاد الغير الشائعة اليوم.

نعم، ان فسرت الاوقية بسبعة مثاقيل-التي هي عشرة دراهم، كما في العين (37) -يقرب من ربع الرطل، و يطابق قول البزنطي تقريبا، و على هذا يمكن حمل الرطل في الموثقة على المكي-الذي هو ضعف العراقي- فيوافق المشهور تقريبا ايضا.

و منه يظهر امكان تطبيق قول البزنطي على المشهور، بحمله على المكي.

و من ذلك يظهر ان الفا و مائتي مد يكون الفين و سبعمائة رطل بالعراقي.

و اما الثاني-و هو كون كل رطل عراقي مائة و ثلاثين درهما-فهو مما ذهب اليه الاكثر، و منهم: الصدوق (38) و الشيخان (39) .

و تدل عليه رواية الهمداني المتقدمة;لان الحاصل من ضرب التسعة -التي هي عدد ارطال الصاع بالعراقي-في مائة و ثلاثين: الف و مائة و سبعون.

و تدل عليه ايضا رواية اخرى للهمداني، و فيها بعد ان كتب: «ان الفطرة صاع‏» الى ان قال: «يدفعه وزنا ستة ارطال برطل المدينة، و الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما، تكون الفطرة الفا و مائة و سبعين درهما» (40) .

خلافا للتحرير و موضع من المنتهى (41) ، فوزنه مائة و ثمانية و عشرون درهما و اربعة اسباع درهم، و لم اعثر على مستنده.

و اما رواية المروزي-المقدرة للمد بمائتين و ثمانين درهما-فهي لا توافق شيئا من القولين، فتكون مخالفة للاجماع، مردودة بالشذوذ.

ثم حاصل ضرب الالفين و سبع مائة في مائة و ثلاثين هو: ثلاثمائة آلاف و واحد و خمسون الفا، و هو بعينه عدد دراهم الصاع.

و ظهر به رجوع التقديرات الثلاثة الى واحد، و ان دراهم النصاب ثلاثمائة الاف و واحد و خمسون الف درهما.

و لما عرفت ان كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، يكون النصاب مائتي الف و خمسة و اربعون الفا و سبع مائة مثقالا شرعيا.

و لكون المثقال الشرعي ثلاثة ارباع الصيرفي، يكون النصاب مائة الف و اربعة و ثمانين الفا و مائتين و خمسة و سبعين مثقالا صيرفيا.

او نقول: لكون كل درهم نصف مثقال صيرفي و ربع عشره، يكون ثلاثمائة الآف و واحد و خمسين الف درهما، العدد المذكور من المثاقيل الصيرفية.

و لكون كل من تبريزي-بالوزن المتعارف في بلادنا هذه و ما يقربها في هذه الازمنة، و هي سنة الف و مائتان و سبع و ثلاثون من الهجرة-ست مائة و اربعين مثقالا صيرفيا، يكون النصاب بالمن التبريزي مائتين و سبع و ثمانين منا و نصف من، و مائتين و خمسة و سبعين مثقالا صيرفيا.

و بعبارة اخرى: مائتين و ثمانية و ثمانين منا الا خمسة و اربعين مثقالا.

و لما كان المن الشاهي المتعارف في بلادنا في هذه الازمان ضعف التبريزي، يكون النصاب مائة و اربعة و اربعين منا شاهيا الا خمسة و اربعين مثقالا.

و كان المن التبريزي في الازمنة السابقة علينا ستمائة مثقال، و الشاهي -الذي ضعفه-الف و مائتي مثقال، و هو المشهور بالمن الشاهي العباسي، سمي باسم الشاه عباس الصفوي...فيكون النصاب عليه بالمن الشاهي مائة و ثلاثة و خمسين من و نصف من و خمسة و سبعين مثقالا.

و الى هذا ينظر كلام جدي-قدس سره-و من حذا حذوه، حيث قال: ان الاحتياط في نحو هذه الاعصار-و هي سنة الف و مائة و اثنين من الهجرة- ان اعتبر النصاب بالمن المتعارف فيه ان يجعل ثلاثمائة من بالمن التبريزي.

فروع:

ا: قال في المنتهى: لو بلغت الغلة النصاب بالكيل و الوزن معا وجبت الزكاة قطعا، و كذا لو بلغت‏بالوزن دون الكيل...و لو بلغت‏بالكيل دون الوزن-كالشعير، فانه اخف من الحنطة مثلا-لم تجب الزكاة على الاقوى (42) .

اقول: البلوغ بالوزن دون الكيل يتصور بان يصنع وعاء يسع الفا و مائة و سبعين درهما من الشعير، فهو صاع، و لكنه يسع من الحنطة اكثر من ذلك قطعا، فيكون نصاب الحنطة بالوزن اقل من ثلاثمائة صاع من ذلك الصاع.او يصنع ما يسع هذا الوزن من الحنطة و لكن لتقريبية مل‏ء الصاع كيل وزن النصاب باقل من ثلاثمائة صاع و لو ببعض الصاع.

ثم اقول: ان ما ذكره عندي محل نظر، و ان تبعه جمع ممن عنه تاخر (43) .

بيان ذلك: ان المعلوم بنقل الاصحاب و تصريح اهل اللغة-بل بالاخبار-ان الصاع اسم لمكيال معين كانوا يكيلون به الغلات و غيرها.

و من البديهيات ان الوعاء و المكيال الذي يسع الالف و نحوه اذا قدر بالدراهم و المثاقيل لا يمكن ارادة التحقيقية;لان الاختلاف بنحو الدرهم و المثقال بديهي محسوس، فقد يزيد درهم و قد ينقص.

نعم، لو كان الصاع اسما لالف و مائة و سبعين درهما لا للمكيال لتم ما ذكره، و لكنه ليس كذلك، فالمراد ان الصاع بهذا الوزن تقريبا، كما يتعارف في هذه الازمنة في مكيال يسمى في بعض بلادنا بالكيلة...و كل احد يقول: انه من تبريزي، و المن ستمائة مثقال و اربعون;مع انهم يكيلون به و قد يزيد بمثاقيل و قد ينقص، و لو باع احد مائة كيلة حنطة وكالها للمشتري فوزنها و كان تسعة و تسعين منا، لا يحكم بالتسلط على مطالبته من آخر.

و على هذا، فنقول: لو صنع صاع يسع الفا و مائة و سبعين درهما عرفا، وكيل و بلغ النصاب بهذا المقدار بالكيل، يصدق بلوغ ثلاثمائة صاع، فلم لا تجب فيه الزكاة؟ ! مع التصريح بالوجوب في النصوص، سواء بلغ بالوزن التحقيقي ذلك او لم يبلغ، او جهل الحال;اذ المراد بالوزن: التقريبي، و قد بلغ.

و لو بلغ الوزن بالوزن التحقيقي و لم يعلم بلوغ الكيل، او كيل و علم عدم البلوغ، فمقتضى القاعدة عدم الوجوب، كما صرح به في صحيحة زرارة و ابن بكير المتقدمة (44) . الا ان الظاهر الاجماع على اعتبار الوزن ايضا; و يدل عليه: ان الظاهر ان كل من[علق] (45) حكما على مكيال له وزن تقريبي يعتبر ذلك الوزن تحقيقا ايضا، فالحق اعتبار كل من الكيل و الوزن وحده ايضا.

و مما ذكرنا ظهر ما في كلام المدارك، حيث قال-بعد نقل ما سبق عن المنتهى-: و مرجعه الى اعتبار الوزن خاصة، و هو كذلك;اذ التقدير الشرعي انما وقع به لا بالكيل، و مع ذلك فهذا البحث لا جدوى له في هذا الزمان;اذ لا سبيل الى معرفه قدر الصاع الا بالوزن (46) .انتهى.

و فيه: منع وقوع تقدير النصاب شرعا بالوزن، بل قدر بثلاثمائة صاع، و هي الكيل، غاية الامر تقدير الكيل في مقام آخر بوزن معين، و المراد انه كذلك تقريبا.

و اما منع الجدوى لما ذكر، ففيه: ان بعد معرفة الصاع بالوزن تقريبا يحصل مكيال الصاع ايضا.

ثم انه لما ورد في سائر الاخبار ان الصاع يسع الفا و مائة و سبعين درهما (47) ، و لم يقيده بالماء او الحنطة، و من الظاهر اختلاف سعة هذه الاشياء، فنقول: المراد ان الصاع من كل شي‏ء ما يسع ذلك المقدار منه، فتختلف الصيعان ضيقا وسعة.

ب: قال في المدارك: هذا التقدير تحقيق لا تقريب، فلو نقص عن المقدار المذكور و لو قليلا فلا زكاة (48) .

و صرحت‏به جماعة اخرى، منهم: الفاضل في التذكرة و المنتهى ايضا (49) ، بل عنهما الاشعار بعدم الخلاف فيه;و استدل عليه بصحيحة زرارة و ابن بكير المتقدمة.

و في التذكرة عن بعض العامة قولا بان هذا التقدير تقريب، فتجب الزكاة لو نقص قليلا;لان الوسق في اللغة الحمل، و هو يزيد و ينقص، ثم رده بانا اعتبرنا التقدير الشرعي دون اللغوي (50) .

اقول: ان اريد ان عدد الصاع تحقيقي و لا تكفي ثلاثمائة تقريبا، فهو كذلك ان اعتبر الكيل، و يصرح به في الصحيحة...و كذلك ان اريد تحقيقية الوزن ان اعتبر بالوزن;للاصل...و ان اريد ان وزن النصاب غير مختلف ابدا، بل هو واحد حقيقة دائما، فهو ليس كذلك، و ظهر وجهه من الفرع السابق;اذ لو اعتبر بالكيل يتحقق التقريب في الوزن.

ج: عن التذكرة و المنتهى: الاجماع على ان النصاب المعتبر انما يعتبر وقت جفاف التمر و يبس العنب و الغلة (51) ، فلو كان الرطب او العنب او الغلة نصابا و لو جف تمرا او زبيبا او حنطة او شعيرا نقص، فلا زكاة و ان كان وقت تعلق الوجوب نصابا.

و تدل عليه صحيحتا سليمان و الحلبي، المتقدمتان في صدر الفصل (52) .

و ما دل من المستفيضة-على نفي الزكاة عن الاقل من النصاب من التمر و الزبيب-فانه يشمل ما لو كان الاقل نصابا حال الرطوبة.

و يتعدى الحكم الى الحنطة و الشعير بعدم القول بالفصل، مع ان المفهوم المتبادر من تعليق حكم على وزن معين من الغلة انما هو ذلك الوزن عند التصفية، التي هي بعد الجفاف لا غيره.

و ما يؤكل من الرطب و العنب رطبا و لا يجف مثله تجب فيه الزكاة اذا بلغ تمره او زبيبه النصاب و ان كان يقل كثيرا على القول بوجوب الزكاة في الرطب و العنب.

د: لا تقدير فيما زاد على النصاب، بل تجب في الزائد الزكاة و ان قل، بلا خلاف نصا و فتوى، و في المنتهى: انه لا خلاف فيه بين العلماء (53) .

و غيرها (55) .

الشرط الثاني: ان يملكها قبل بلوغها حدا تجب عليها الزكاة- اي قبل صدق الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب-باقيا الى وقت تعلق الوجوب; بالاجماع المحقق، و المحكي مستفيضا (56) .

فلو ملكها قبله كذلك تجب عليه الزكاة، يعني: تخرج من ماله و ان نقلها بعده.

و لو ملكها بعده لا تجب عليه، اي لا تخرج من ماله.

اما الاول-و هو وجوب الزكاة لو ملكها قبل تعلق الوجوب باقيا الى وقته-فلجميع عمومات تعلق الزكاة بالاجناس الاربعة (57) و اطلاقاتها، فاول وقت‏يصدق عليها الاسم-و هي في ملكه-تتعلق بها الزكاة، و يشترك فيها الفقراء;للعمومات و الاطلاقات.

و اما الثاني-و هو عدم الوجوب لو ملكها بعد زمان تعلق الوجوب- فلعدم تعلق زكاتين بمال واحد في عام واحد، و ذلك قد تعلقت‏به الزكاة في بدو زمان تعلق الوجوب قبل الانتقال الى الثاني، فالمنتقل اليه لا تجب فيه زكاة.

نعم، لو انتقل جميع الزرع بعد زمان الوجوب الى احد و لم يعلم ضمان المالك الاول لزكاته يجب عليه اخراج الزكاة من جانب المالك الاول، كما اذا مات احد عن زرع بعد زمان تعلق الوجوب قبل التصفية و الاخراج، و الله يعلم.

البحث الثاني: في ما يتعلق به من الاحكام

و فيه مسائل:

المسالة الاولى:

يزكى حاصل الزرع مرة واحدة، ثم لا تجب فيه زكاة;بالاجماع و النصوص (58) ، و ان بقي الف عام.الا ان ينض و جعل ثمنا او حيوانا زكويا فتجب بشروطها.

المسالة الثانية:

قدر الفريضة الواجب اخراجها: العشر ان سقي سيحا، اي بالماء الجاري على وجه الارض.

سواء كان السقي قبل الزرع، كالنيل، فان الله سبحانه يبعث عليه ريح الشمال، فينقلب عليه البحر المالح، فيزيد، فيملو الخلجان، و تروى به الارض، حتى اذا كان زمان الزراعة كان ذلك كافيا، و اغنى عن المطر و غيره.

او بعده، كعامة الانهار و العيون.

او بعلا، بان يسقى بالعروق القريبة من الماء في الاراضي التي يقرب ماؤها.

او عذبا، اي بماء المطر.

و نصف العشر ان سقي بالدلو و الناضح و الدولاب و الناعورة و نحوها من الآلات;بالاجماع في الحكمين محققا، و محكيا في المعتبر و المنتهى و التذكرة (59) و غيرها (60) .

و تدل عليهما الاخبار المستفيضة، كصحيحة زرارة و ابن بكير، و فيها: «فاذا كان يعالج‏بالرشاء و النضح و الدلاء ففيه نصف العشر، و ان كان يسقى بغير علاج بنهر او غيره او سماء ففيه العشر تاما» (61) ، و نحوها صحيحتهما الاخرى (62) .

و صحيحة زرارة، و فيها: «و ما كان منه يسقى بالرشاء و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر، و ما سقت السماء او السيح او كان بعلا ففيه العشر تاما» (63) .

و في صحيحة الحلبي: «في ما سقت السماء و الانهار اذا كان سيحا او كان بعلا العشر، و ما سقت السواني و الدوالي او يسقى بالقرب فنصف العشر» (64) .

و في حديث آخر: «و ما سقت السماء و الانهار او كان بعلا فالصدقة، و هو العشر، و ما سقي بالدوالي او بالقرب فنصف العشر» (65) .

و مرسلة ابن بكير: «فاذا بلغت‏خمسة اوساق وجبت فيها الزكاة، و الوسق ستون صاعا، و ذلك ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و الزكاة فيها العشر في ما سقت السماء او كان سيحا، او نصف العشر في ما سقي بالقرب و النواضح‏» (66) .

و حسنة ابن شريح: «في ما سقت السماء و الانهار او كان بعلا فالعشر، و اما ما سقت السواني و الدوالي فنصف العشر» ، فقلت له: فالارض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء و تسقى سيحا، فقال: «ان ذا ليكون عندكم كذلك؟ ! » قلت: نعم، قال: «النصف و النصف، نصف بنصف العشر و نصف بالعشر» ، فقلت: الارض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحا، قال: «و في كم تسقى السقية و السقيتين سيحا؟ » قلت: في ثلاثين ليلة اربعين ليلة، و قد مكثت قبل ذلك في الارض ستة اشهر سبعة اشهر، قال: «نصف العشر» (67) ، الى غير ذلك من الاخبار (68) .

و المستفاد من هذه الروايات: ان مناط الفرق بين وجوب العشر و نصفه احتياج الماء في ترقية الى الارض الى انه من دولاب او حبل و دلو او نحوها، و عدمه، و لا عبرة بغير ذلك من الاعمال، كحفر الانهار و السواقي و ان كثرت مؤنتها;لاطلاق النصوص.

و لو سقي الزرع بالامرين فسقي بالسيح مثلا تارة، و بالدولاب اخرى، قالوا: فان تساويا اخذ من نصفه العشر و من نصفه نصف العشر، و الا فالحكم للاغلب منهما.

و عن المعتبر و المنتهى و نهاية الاحكام: الاجماع على الاول (69) ، و عن الاولين و التذكرة و الخلاف على الثاني (70) ;و استند فيهما الى الاجماع، و اطلاق الحسنة المتقدمة المنجبرة.

ثم اختلفوا في ما يعتبر التساوي او الغلبة بالنسبة اليه انه هل هو العدد او الزمان او النفع و النمو؟

فمنهم من اعتبر بالنسبة الى العدد بشرط التساوي في النفع و الا فبالنفع.

و منهم من اعتبر بالنسبة الى الزمان بشرط المذكور، و الا فبالنفع.

و منهم من اعتبر بالنسبة الى العدد مطلقا.

و منهم من قال: ان العبرة بالزمان كذلك، و هو المحكي عن ابن زهرة (71) ، و المنتهى و المسالك (72) و حواشي القواعد للشهيد الثاني.

و منهم من اعتبر النفع مطلقا، قواه الشهيد الثاني في حواشي الارشاد، و استقربه في القواعد و التذكرة و الايضاح (73) ، بل في حواشي القواعد: انه الاشهر.

دليل اعتبار العدد-على ما قيل-ان الكثرة حقيقة في الكم المنفصل، و اللفظ يحمل على حقيقته، و ان السبب في التفرقة هي المؤنة، و هي انما تكثر بكثرة العدد (74) .

و يمكن ارجاع الحسنة اليه بتقييد اطلاقها بما هو الغالب في الزمان الاكثر من احتياجه الى عدد اكثر.

و دليل اعتبار الزمان: ظاهر الحسنة، و انه ربما لا يمكن اعتبار العدد، كما لو شرب بالعروق او بمطر متصل و نحوه.

و دليل اعتبار النفع: ان الزكاة تابعة للنمو، و ان ظاهر الحسنة ان النظر الى نفع الزرع.

و ضعف غير دليل اعتبار الزمان ظاهر، و هو ايضا عن اثبات الاطلاق المطلوب قاصر.

و التحقيق ان يقال: ان المستفاد من المستفيضة المتقدمة ليس الا حكم ما تفرد باحد الامرين.

و اما ما اجتمع فيه الامران فهو غير داخل فيها، فاللازم فيه اما الرجوع الى اصل البراءة عن الزائد عن نصف العشر، او الرجوع الى مطلقات العشر، و هو الاظهر، فمقتضى اطلاقات العشر ثبوته فيه.

الا ان الحسنة المذكورة دلت‏بجزئها الاول على ثبوت ثلاثة ارباع العشر فيما اجتمع فيه الامران مطلقا، سواء كانا متساويين، ام مختلفين عددا، او زمانا، او نفعا...فيجب ان يكون ذلك هو الاصل و يحكم به الا فيما اخرجه دليل آخر، و ليس الا جزؤها الاخير، و هو لا يخرج الا اذا كان زمان العلاج بالآلة اكثر، او مع اكثرية العدد ايضا;بناء على ما مر من ان الغالب في الزمان الاكثر الاحتياج الى العدد الاكثر، و يبقى الباقي بجميع اقسامه تحت الاصل المذكور، و هو ثبوت ثلاثة ارباع العشر مع اجتماع الامرين.

الا ان الظاهر-كما ذكره بعض المتاخرين (75) -ان اعتبار الكثرة الزمانية في العلاج بالآلة انما هو اذا كانت كثرة معتدا بها، و اما اذا كان التفاوت قليلا جدا فلا يدخل في الحسنة، و الاجماع ايضا لا يفيد اكثر مما ذكر.

ثم انه لو اشتبه الحال و لم يعلم اغلب احدهما على الآخر ام لا، ففي وجوب العشر;لعموماته الخالية عن المعارض.

او نصفه;لاصالة البراءة.

او الالحاق بالتساوي;لصدر الحسنة، و لتحقق تاثيرهما، و الاصل عدم التفاضل.

اوجه، اقواها: الاخير، لما ذكر.

و لو علمت الغلبة و اشتبه الاغلب، ففي احد الاحتمالات الثلاثة او القرعة احتمالات، اظهرها: الثالث ايضا;لما مر.

المسالة الثالثة:

الحد الذي تتعلق به الزكاة- اي يشترك فيها الفقراء- من الاجناس ما يسمى حنطة و شعيرا و تمرا و زبيبا، و لا يكون ذلك الا عند الجفاف، بمعنى انه لا تجب الزكاة على غير هذه المسميات و ان سمي رطبا او عنبا او بسرا او حصرما.

وفاقا للمحكي عن الشيخ في النهاية و الديلمي و الاسكافي (76) و المحقق في كتبه (77) و الشيخ سديد الدين والد العلامة، و اليه مال الشهيد الثاني في الروضة (78) و الفاضل الهندي في شرحه، و اختاره جدي-رحمه الله- حيث جعل القول الآخر هو الاحوط.

لنا: الاصل، و تعليق الوجوب في الاخبار الغير العديدة على التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير، و نفيه عما سوى ذلك (79) ، و لا شك ان البسر و الرطب و الحصرم و العنب ما سوى الاجناس الاربعة.

و يؤيده تعقيب الحنطة و الشعير في جميع تلك الروايات بالتمر و الزبيب، و لو علقت‏بالرطب و العنب لما كان وجه لتركهما و عدم ذكرهما.

و ربما تؤيده-بل تدل عليه ايضا-صحيحة علي: عن البستان لا تباع غلته و لو بيعت‏بلغت غلتها مالا فهل تجب فيه صدقة؟ فقال: «لا، اذا كانت تؤكل‏» (80) .

خلافا للمحكي عن الشيخ في غير النهاية و الحلي و الفاضل (81) ، بل هو المشهور كما ذكره جماعة، فقالوا: الحد الذي يتعلق به الوجوب هو بدو الصلاح (82) ، و فسروه: باشتداد الحب في الحنطة و الشعير، و انعقاد الحصرم في الكرم، و الاحمرار او الاصفرار في ثمر النخل.

و استدل له: بانه اذا اشتد الحب يسمى حنطة و شعيرا، و البسر و الرطب تمرا، فان اهل اللغة نصوا على ان البسر نوع من التمر، و الرطب نوع من التمر (83) .

و بالروايات الآتية، الدالة على وجوب الزكاة في العنب.

و بصحيحة سعد بن سعد: عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى تجب على صاحبها؟ قال: «اذا صرم و اذا خرص‏» (84) ، فان الخرص انما يكون في حال كون التمر بسرا او عنبا.

و بعموم قوله عليه السلام: «في ما سقت السماء العشر» .

و يرد الاول: بان ما ذكره و ان كان مسلما في الحنطة و الشعير، و لكنه في البسر و الرطب و الحصرم ممنوع;اما الاخير فظاهر، و اما الاولان فلعدم معلومية التسمية حقيقة، و لو سمي يكون مجازا باعتبار ما يؤول اليه;لصحة السلب سيما في البسر.

و تصريح اهل اللغة بكونه تمرا غير معلوم، بل المعلوم من الصحاح و المصباح المنير و المغرب و المجمع خلافه (85) ، و ان البسر لا يسمى تمرا الا عند اليبس و الجفاف، بل في المصباح ادعاء اجماع اهل اللغات عليه.

و لم يوجد في كلام غيرهم الا ما يحكى عن العين و القاموس (86) ، فان فيهما ما ربما يومي‏ء اليه و يشعر به، لكن فيهما ايضا ما يخالفه.

قال في الاول: في الحديث: «لا تبسروا» اي لا تخلطوا التمر بالبسر للنبيذ.

و مع ذلك، فغاية ما يستفاد منهما الاطلاق، و هو اعم من الحقيقة.

ثم لو سلم ما ذكروه، فلا يفيد في الزبيب;لوضوح عدم اطلاقه على الحصرم بل العنب، فلا يتم المدعى، و الاتمام بالاجماع المركب فرع ثبوته، و هو ممنوع كما ياتي.

و رد في الذخيرة الاجماع المركب بالمعارضة بالمثل (87) .

و فيه نظر;اذ الحكم في الطرف الآخر يكون ثابتا بالاصل او العموم، فلا يفيد ضم الاجماع المركب معه، لمعارضة الطرف الذي يثبت فيه الحكم بالدليل الخاص، و الا لم يتم اجماع مركب اصلا.

و الثاني: بان الروايات غير دالة كما ياتي، و لو دلت فانما يثبت الحكم في العنب دون الحصرم، كما هو المدعى.

و بذلك يرد الثالث ايضا، مضافا الى ان المستتر في صرم و خرص راجع الى التمر و الزبيب، فلا يفيد في البسر و العنب.

و القول-بان الخرص يكون في وقت البسرية و العنبية-ممنوع، و لو سلم فانما هو وقت‏خرص البسر و العنب دون خرص التمر و الزبيب، فيمكن ان يكون المراد خرصهما اذا تركا في النخل و الكرم حتى يصير تمرا او زبيبا، كما يترك الاول غالبا و الثاني في بعض البلاد، فيتركون العنب حتى يصير زبيبا في الكرم.

و على هذا، فيكون المراد: ان وقت وجوب الاخراج وقتان: صرم التمر و الزبيب، و خرصهما، فالاول لمن لا يريد تصرفا في بعضه قبل اوان الصرم، و الثاني لمن يريد.

مع ما في الرواية من الخلل;لان المسئول عنه ان كان وقت وجوب الاخراج، فلا شك في عدم وجوبه عند الخرص على شي‏ء من القولين.

و ان كان وقت تعلق الوجوب، فلا شك في مغايرته لوقت الصرم على القولين، و عدم انطباقه على شي‏ء منهما.

و ايضا لو كان وقت الخرص ما ذكروه لما كان معنى لقوله: «اذا صرم‏» ;لما بين البسرية و العنبية و بين الصرم من المدة.

و من بعض ما ذكر يظهر ضعف ما يستانس به للقول المشهور من بعث النبي صلى الله عليه و آله و سلم الخارص على الناس;اذ على تقدير ثبوته لم يثبت في غير النخل، و لا فيه في حال البسرية و الرطبية.

و قول بعض-بانه كان في حال البسرية-لا يثبت منه شي‏ء، مع انه يمكن ان يكون الغرض منه ان يؤخذ منهم اذا صارت الثمرة تمرا او زبيبا، فاذا لم يبلغ ذلك لم يؤخذ منهم.

و الرابع: بانه عام يجب تخصيصه بالاخبار النافية للوجوب عن غير الاجناس الاربعة.

و قد يظهر من بعضهم قول آخر، و هو القول بتوقف تعلق الوجوب في التمر على اليبس، و اما في العنب فلا، بل يتوقف على العنبية.

و فيه مخالفة للمشهور من وجهين، احدهما: في البسر و الرطب، و الآخر: في الحصرم، و للمختار من وجه، و هو الوجوب في العنب.

و اليه مال صاحب المدارك و الذخيرة (88) ، و نسبه في البيان الى الاسكافي و المحقق (89) .

و هو غير جيد، كما اشار اليه في الروضة (90) ;فان المحقق يصر (91) في كتبه على التسمية بالزبيب (92) ، و هو المحكي عن الاسكافي في غيره من الكتب (93) .

و دليل هذا القول صحيحة سعد: و هل على العنب زكاة او انما تجب عليه اذا صيره زبيبا؟ قال: «نعم، اذا خرصه اخرج زكاته‏» (94) .

و صحيحة سليمان: «ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة اوساق، و العنب مثل ذلك حتى يكون خمسة او ساق زبيبا» (95) ، و نحوها صحيحة الحلبي (96) .

و رواية ابي بصير: «لا تكون في الحب و لا في النخل و لا في العنب زكاة حتى يبلغ وسقين‏» (97) .

و يرد على الجميع: انه ليس في شي‏ء منها دلالة على الوجوب اصلا، فيمكن ارادة الاستحباب، سيما الاولى على ما في بعض نسخ الكافي من تبديل «او» بالواو.

مضافا الى ما في الاولى من دلالتها على عدم الوجوب عند عدم الخرص، و هو ينافي الوجوب المطلق.

و من عدم الوجوب بالخرص اجماعا.

و من احتمال ان يكون التصديق للجملة الاخيرة-اي يجب اذا صيره زبيبا-و الضمير المنصوب راجع الى الزبيب، و ان يكون حرصه-بالحاء المهملة-بمعنى: حرسه، كما ورد: ان للخارص العذقان (98) ، اي الحارس، يعني: اذا حرسه حتى صار زبيبا اخرج زكاته.

و ما في الثانيتين من احتمالهما معنيين، احدهما: اناطة الوجوب بحالة يثبت له البلوغ خمسة اوساق حال كونه زبيبا.

و ثانيهما: اناطته بحالة يقدر له هذا الوصف.

و الاستدلال يتم على الثاني، مع ان الاظهر الاول;اذ اعتبار التقدير خلاف الظاهر.

و لا ينافي الاول (99) زوال العنبية حينئذ;لان مثله شائع، مثل: لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ.

و ما في الرابعة من عدم الوجوب عند بلوغ الوسقين بالاجماع، فهي اما مطروحة، او على الاستحباب محمولة.

المسالة الرابعة:

قالوا: وقت الاخراج اذا صفت الغلة و يبست التمرة، و في التذكرة و المنتهى و المدارك و الحدائق (100) و غيرها (101) : نفي الخلاف فيه، و الاجماع عليه.

فان كان مرادهم الوقت الذي يتعلق وجوب الاخراج حينئذ، فيدل عليه-مضافا الى الاجماع-اصالة عدم الوجوب قبله، و عدم دلالة شي‏ء من النصوص على وجوب الاخراج قبل ذلك.

و كذا ان اريد الوقت الذي يجوز للساعي مطالبة المالك.

و ان اريد الوقت الذي يصير ضامنا بالتاخير كما ذكروه ايضا، فالدليل عليه منحصر بالاجماع، و الا فاطلاق كثير من اخبار الضمان بالتلف مع وجود الاصل (102) يشمل ذلك ايضا.

المسالة الخامسة:

قيل: لا خلاف بين الاصحاب في استثناء حصة السلطان و اخراج الزكاة من غيرها (103) .

اقول: تفصيل المقام: ان ما ياخذه السلطان اما ان يكون من اراضيه المملوكة له، او من غيرها.

و حكمه في الاول حكم سائر الناس في ما ياخذونه من اراضيهم.

و الثاني على قسمين;لان الاراضي اما خراجية او غير خراجية، و على التقديرين اما يكون ما ياخذه حصة من حاصل الارض و يسمى بالمقاسمة، او وجها آخر غيرها، و يسمى بالخراج، و على التقادير اما يكون السلطان من المخالفين او منا.

فان كانت الاراضي خراجية، فالظاهر عدم الخلاف في استثناء ما ياخذه السلطان-سواء كان باسم المقاسمة او الخراج-ان كان السلطان من اهل الخلاف.

و تدل عليه في المقاسمة: صحيحة محمد: عن الرجل يتكارى الارض من السلطان بالثلث او النصف هل عليه في حصته زكاة؟ قال:

«لا» (104) .

و حسنة محمد و ابي بصير: «كل ارض دفعها اليك سلطان فما حرثته فيها فعليك في ما اخرج الله منها الذي قاطعك عليه، ليس على جميع ما اخرج الله منها العشر، انما العشر عليك فما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك‏» (105) .

و في صحيحة صفوان و البزنطي: «و على المتقبلين سوى قبالة الارض العشر و نصف العشر في حصصهم‏» (106) .

و في الاخرى: «و قد قبل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم خيبر، و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر» (107) .

و في الخراج: رواية رفاعة: عن الرجل يرث الارض او يشتريها فيؤدي خراجها الى السلطان، هل عليه عشر؟ قال: «لا» (108) .

و صحيحته: عن الرجل له الضيعة فيؤدي خراجها، هل عليه فيها عشر؟ قال: «لا» (109) .

و رواية سهل: حيث انشا سهل آباد سال ابا الحسن موسى عليه السلام عما يخرج منها ما عليه؟ فقال: «ان كان السلطان ياخذ خراجه فليس عليك شي‏ء، و ان لم ياخذ السلطان منها شيئا فعليك اخراج عشر ما يكون فيها» (110) .

و رواية ابي كهمش: «من اخذ منه السلطان الخراج فلا زكاة عليه‏» (111) .

وجه الاستدلال: انها دلت على انتفاء الزكاة عما يؤخذ منه الخراج مطلقا، خرجت زكاة غير الخراج اذا بلغ النصاب بالاجماع، فيبقى الباقي.

و السلطان في هذه الاخبار و ان كان اعم من المخالف و المؤالف، الا ان المعهود في ازمنة الائمة لما كان سلطان المخالفين، فتنصرف الروايات اليه.

اقول: لا يخفى ان انحصار السلطان في عهد في المخالف لا يقيد اطلاقات الاخبار به، كما لا يقيد اطلاق المسلم و المؤمن في الاخبار النبوية بالعرب او اهل الحجاز لانحصارهما فيهم، بل الظاهر اطلاق السلطان.

الا ان في دلالة اخبار الخراج على المطلوب نظر;اذ الظاهر من هذه الاخبار ورودها في الاراضي المملوكة، و المراد من الخراج فيها غير معلوم، و الحقيقة الشرعية فيه غير ثابتة، و ارادة ما ياخذونه من الزكاة ممكنة، بل هي الظاهرة من سائر الاخبار، فتكون غير دالة على مورد الكلام.

و على هذا، فاللازم في الخراج الاكتفاء بالمجمع عليه، و هو خراج السلطان المخالف من الاراضي الخراجية.

و اما المقاسمة، فالظاهر استثناؤها مطلقا، سواء كان السلطان منا او من المخالفين و ان لم تكن الاراضي خراجية، كالاراضي التي غصبها السلطان من الموقوفات، او المجهول مالكها، او اذا ضرب شيئا على ملك شخص و اخذه منه، و نحو ذلك.فما ياخذ منه اما حصة من الحاصل، او شي‏ء آخر.

فعلى الاول: فان كانت‏حصة الحاصل ملكا للسلطان، كان يكون البذر منه و زرع المالك بقصد الاشتراك، او اشترى البذر له و للسلطان، او غير ذلك من الوجوه الموجبة لشركة السلطان شرعا، فلا شك في استثناء حصته مطلقا، مخالفا كان او مؤالفا.

و كذا ان لم تكن ملكا شرعيا له، و لكن لم يتمكن المالك من ممانعة السلطان او اخفائه كلا او بعضا منه;لتعلق الزكاة بالعين، و ان تمكن و فرط فلا يستثنى شي‏ء.

و ان كان ما ياخذه السلطان غير حصة الحاصل فلا يستثنى مطلقا; لعدم دليل عليه اصلا و ان اخذه لاجل الزراعة;اذ لا دليل على وضع جميع المؤن، كما ياتي.

المسالة السادسة:

اختلف الاصحاب في غير المقاسمة و الخراج من مؤن الزراعة و الضيعة، هل هو على رب المال، فتجب الزكاة في جميع الحاصل؟

او عليه و على الفقراء بالنسبة، فتستثنى المؤن و تخرج الزكاة من الباقي ان بلغ النصاب؟

الاول: مختار الشيخ في المبسوط و الخلاف (112) ، و نسبه في الخلاف الى جميع الفقهاء الا عطا، و لاجل هذه النسبة نقل جماعة عن الخلاف الاجماع (113) ، و ليس بجيد;لان الشائع من الفقهاء عند القدماء: العامة.

و الى هذا القول ذهب الفاضل يحيى بن سعيد في الجامع و ادعى فيه الاجماع (114) ، و هو محتمل اللمعة و الروضة (115) ، و اختاره الشهيد الثاني في فوائد القواعد، و جمع من المتاخرين، كالمدارك و الذخيرة و المفاتيح و الحدائق (116) .

و جدي-قدس سره-في الرسالة، قال: و لا دليل يعتمد عليه على وضع المؤن، بل في تفرقة الشارع بين ما يسقى من السماء و ما يسقى من الدلاء شهادة على عدم وضع المؤن.انتهى.

و الثاني: مذهب الصدوق و المفيد و الشيخ في النهاية و الاستبصار و الاقتصاد و المصباح و السيدين في الجمل و الغنية (117) و الفاضلين و الشهيد في اكثر كتبه و المحقق الثاني و الاردبيلي (118) ، بل هو المشهور، كما صرح به جماعة (119) .

و الحق: هو الاول;لصريح رواية سهل المتقدمة (120) ، و لعموم الاخبار الدالة على العشر و نصف العشر في الغلات الاربع من غير استثناء للمؤن.

ففي الاخبار الغير العديدة-من الصحيحة و غيرها بعبارات متفاوتة- ورد ان في ما سقت السماء العشر، و في ما سقت الدوالي فنصف العشر (121) .

و في مرسلة ابن بكير: «فاذا بلغت‏خمسة اوساق وجبت فيها الزكاة‏» الى ان قال: «و الزكاة فيها العشر في ما سقت السماء او كان سيحا، او نصف العشر في ما سقي بالقرب و النواضح‏» (122) .

و ما مر في حسنة محمد و ابي بصير من قوله: «انما العشر عليك في ما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك‏» (123) .

و ما مر في صحيحة البزنطي من اثبات العشر و نصف العشر في حصصهم.

و في صدر هذه الصحيحة: «من اسلم طوعا تركت ارضه في يده، و اخذ منه العشر مما سقت السماء و الانهار، و نصف العشر مما كان بالرشا في ما عمروه منها» (124) .

و ما سبق في موثقة اسحاق: عن الحنطة و التمر عن زكاتهما، فقال:

«العشر و نصف العشر، العشر في ما سقت السماء، و نصف العشر مما سقي بالسواني‏» الى ان قال: «يزكي ما خرج منه قليلا كان او كثيرا من كل عشرة واحد، او من كل عشرة نصف واحد» (125) .

و الاخبار المتقدمة في صدر البحث الدالة على ان الغلة اذا بلغت‏خمسة اوساق وجبت فيها الزكاة (126) ، و هي باطلاقها شاملة لما اذا بلغت قبل وضع المؤن ايضا.

و مرسلة حماد بن عيسى في الارض المفتوحة عنوة، و الحديث طويل، و فيه: «فاذا خرج منه ما خرج بدا فاخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء او سقي سيحا، و نصف العشر مما سقي بالدوالي و النواضح‏» (127) .

و يؤيده الاجماع المنقول، و ما مر في كلام جدي من تفرقة الشارع بين الامرين.

و رواية النيسابوري: عن رجل اصاب من ضيعته مائة كر مما يزكى فاخذ منه العشر عشرة اكراره، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا و بقي في يده ستون كرا، ما الذي يجب لك حينئذ من ذلك؟ فوقع عليه السلام:

«منه الخمس مما يفضل عن مؤنته‏» (128) .

و المناقشة في دلالة العمومات، بانها واردة لبيان حكم آخر، و هو التفصيل بين ما يجب فيه العشر و نصفه، و لذا لم يستثن في كثير منها ما وقع الاتفاق على استثنائه، كحصة السلطان.

مردودة، اولا: بمنع ورودها لذلك فقط، بل كثير منها يتضمن هذا التفصيل و قدر النصاب و بيان ما فيه الزكاة من الاجناس و ما ليست فيها..

فيمكن ان تكون متضمنة لذلك الحكم ايضا، اي وجوب العشر و نصف العشر في جميع ما سقي من غير استثناء شي‏ء منه، فانه لو كان مراده عليه السلام بيان ذلك الحكم في ضمن ما ذكر ايضا لم يزد شيئا على ذلك الكلام...

فمن اين علم انها واردة لبيان حكم آخر؟ ! بل لعلها واردة لبيان ذلك الحكم او مع غيره ايضا.

نعم، قد يقال ذلك في موضع كان الاطلاق جوابا عن سؤال خاص، فيكون ذلك قرينة على ارادة بيان جواب ذلك السؤال، لا في مثل المقام الخالي عن هذا السؤال.

و ثانيا: انا سلمنا ورودها لبيان ذلك، و لكنه لا ينافي استفادة حكم آخر منه ايضا اذا كان اللفظ مقتضيا له، و مقتضى الاطلاق او العموم ثبوت هذا التفصيل في مطلق ما سقي من غير استثناء شي‏ء...

الا ترى انه لو قيل: ما في يد زيد نصفه مغصوب من عمرو و نصفه مغصوب من بكر، يصح ان يستدل به على عدم كون كل جزء جزء منه حلالا لزيد.

و لا يرد انه في مقام تفصيل قدر المغصوب من كل شخص لا بيان عموم ما في يد زيد.

و اما عدم استثناء بعض ما اجمعوا على استثنائه فلا يضر في العموم بالنسبة الى غيره.

و اضعف منها المناقشة فيها بعدم صراحة العموم في وجوب عشر الجميع، فلعله عشر ما يبقى بعد المؤنة، فان المعلوم ان العشر اذا نسب الى شي‏ء فالمراد عشره، سواء كانت النسبة بالاضافة، او بلفظة في او من او نحوها، فاذا قيل: يجب الخمس في مال زيد، يتبادر خمس ماله، مع ان في موثقة اسحاق المتقدمة (129) العشر مما سقت السماء، و في رواية سهل عشر ما يكون فيها (130) .

و في دلالة الحسنة (131) ، بان دلالتها على الاستثناء اظهر;لان مقاسمة السلطان لا تكون عادة الا بعد اخراج المؤن من نفس الزرع، و على هذا فالحاصل في يده حينئذ ليس الا ما بعد المؤن.

مردودة بان المقاسمة و ان كانت‏بعد المؤن، و لكن لا بعد اخراج المؤن من الزرع، فان (ما قبل انعقاد الحب-من) (132) من اجرة البقر و العملة و غيرها و كذا كثير مما بعده-لا يخرج من نفس الزرع، فيكون ما بازائه داخلا في ما يحصل في يده بعد المقاسمة، و بضميمة الاجماع المركب يتعدى الحكم الى الجميع.

و لا يمكن العكس، اذ لا يقطع باخراج شي‏ء من نفس الزرع في زمان الصدور قبل المقاسمة.

على ان لنا ان نقول: بان معنى ما حصل في يده ما صار ماله و ان صرفه في دين و نحوه، و لا شك ان المؤن من قبيل الدين;اذ لا يتعلق بعين الزرع، فكل ما عدا المقاسمة انما حصل في يده.

و مما ذكرنا يظهر ضعف ما قيل من ان الحاصل في يد المالك انما هو ما بعد المؤن لان المؤن لا تحصل في يد المالك بل يخرج عنها (133) ;فان المؤن و ان خرجت عنها الا ان الحاصل حصل فيها و ان كان يحتاج حصوله الى مؤن.

مع انه لا سبيل لهذه المناقشة في صحيحتي البزنطي المثبتة للعشر في حصص الزارع;اذ لا شك ان المؤن ايضا من حصته.

و في دلالة الموثقة (134) ، بانها نافية للنصاب فيجب حملها على التقية.

مردودة بانه انما هو مع ابقائها على اطلاقها، و اما لو خص بما بعد النصاب فلا، و التخصيص في الاخبار ليس بامر جديد.

و في اكثر ما ذكر (135) ، بعدم الدلالة على الوجوب;لاشتماله اما على مثل قوله: «فيه العشر» ، و هو غير صريح في الوجوب، او الاخبار في مقام الانشاء.

مردودة بعدم قول باستحباب الزكاة قبل المؤن بنفسه، و ان امكن من باب الاحتياط، و لكنه غير مفيد لحمل الرواية عليه، كما ان من يصلي الظهر بعد صلاة الجمعة احتياطا لا يجوز له حمل رواية امره بالظهر على الاستحباب.

مع ان رواية سهل و حسنة محمد و ابي بصير و صحيحة البزنطي (136) تتضمن لفظة «على‏» الدالة على الوجوب، و في مرسلة ابن بكير: «وجبت فيه الزكاة‏» (137) و في صدر الصحيحة: «اخذ منه العشر» ، و مقتضاه انه يؤخذ منه، سواء اعطى بالرضا او لا، و ذلك ينافي الاستحباب.

نعم، قد يناقش في المؤيدات المذكورة اخيرا بوجوه لا باس بها، و لكنها لا تخرجها عن التاييد و ان نفت دلالتها.

احتج الاكثر بوجوه، منها: الاصل.

و منها: الرضوي-المنجبر ضعفه بالشهرتين-: «و ليس في الحنطة و الشعير شي‏ء الى ان يبلغ خمسة اوساق‏» الى ان قال: «فاذا بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤنة العمارة و القرية اخرج منه العشر ان كان سقي بماء المطر او كان بعلا، و ان كان سقي بالدلاء ففيه نصف العشر، و في التمر و الزبيب مثل ما في الحنطة و الشعير» (138) .

و منها: حسنة الفضلاء الثلاثة: في قول الله تعالى: «و آتوا حقه يوم حصاده‏» (139) ، «هذا من الصدقة يعطى المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجداد (140) الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ، و يترك للخارص (141) قدرا معلوما، و يترك من النخل معافاره و ام جعرور (142) ، و يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه له‏» (143) .

و حسنة محمد: اقل ما تجب فيه الزكاة؟ قال: «خمسة اوساق، و يترك معافارة و ام جعرور لا يزكيان و ان كثرا، و يترك للحارس العذق و العذقان، و الحارس يكون في النخل ينظره، فيترك ذلك لعياله‏» (144) .

و اخصيتهما من المدعى مجبورة بعموم التعليل في الاولى بل الثانية ايضا، مع عدم القائل بالفرق بين مؤنة الحارس و غيرها، كما صرح به في المنتهى (145) .

و منها: ان النصاب مشترك بين المالك و الفقراء، فلا يختص احدهم بالخسارة عليه، كغيره من الاموال المشتركة.

و منها: ان الزكاة في الغلات انما تجب في النماء و الفائدة، و هو لا يتناول المؤنة.

اما ان الزكاة في النماء فتدل عليه حسنة محمد و ابي بصير المتقدمة، فان قوله: «فتاجرته فيها» شاهد على ارادة المنافع لا راس المال، و كذا قوله: «في ما اخرج الله‏» فان ما يصرف في المتاجرة لا يقال انه اخرجه الله من هذه المعاملة، بل قوله: «في ما يحصل في يدك‏» (146) كما مر;و قوله في مرسلة حماد المتقدمة: «فاذا خرج منها نماء» (147) .

و منها: ان ذلك حيف و ضرر و عسر و حرج، و كل ذلك منفي بالكتاب و السنة، سيما اذا كانت الضيعة مستاجرة باجرة كثيرة، فربما لا يحصل منها ازيد من الاجرة.

و منها: انه يستفاد من الاخبار ان العلة في الزكاة هي المواساة، و عدم وضع المؤن ينافي ذلك غالبا.

و منها: انه لا بد من القول بعدم تعلق الزكاة بما قابل البذر;ضرورة عدم تكرر (148) الزكاة في الغلات، و حيث ثبت استثناء البذر ثبت غيره;لعدم القائل بالفرق.

و في الكل نظر..

اما الاول، فلاندفاعه بما مر.

و اما الثاني، فلاجمال مؤنة العمارة و القرية اولا، فان ارادة مؤن الزراعة منها غير معلومة، بل يصدق على ما لا يستثنى (149) اجماعا ايضا، و لا يعلم المراد.

و لا يتوهم انه يلزم تخصيص العمومات بالمجمل، و هو مخرج لها عن الحجية;لان الرواية بنفسها ضعيفة غايته، و حجيتها انما هي اذا انجبرت بالشهرة، و هو اذا كان المراد منها معلوما.

سلمنا صدق مؤنة العمارة و القربة على بعض مؤن الزراعة، و لكن لا شك في عدم صدقها على الجميع، كاجرة الحصاد و الحمال و نحوهما، فلا يفيد.

و ضم عدم القول بالفصل ينعكس;لانه يدل على ثبوت العشر في جميع ما عدا الخراج و مؤن العمارة و القرية، مع ان اثبات الاجماع على عدم الفصل في هذه المسائل شطط من الكلام.

و لعدم الدلالة على المطلوب ثانيا;لان المطلوب اثبات ان المخرج عشر ما بقي بعد الخراج و المؤن، و مدلول الرواية انه اذا بلغ النصاب بعدهما يخرج منه العشر، و اما انه عشر ما عداهما او عشر الجميع فلا.

نعم، يكون دالا على ان اعتبار النصاب انما هو بعد المؤن، و هو بعض المطلوب، و الاجماع المركب في امثال المقام غير ثابت.

هذا كله، مع ان نسخ الرواية مختلفة، و الموجود في نسختي-التي هي من النسخ المصححة غاية الصحة-: «بغير خراج السلطان و مؤنة العمارة‏» مكان: «بعد خراج السلطان‏» ، و هكذا نقله بعض مشايخنا المحققين في شرحه على المفاتيح عن نسخته (150) ، و كذا وجد منقولا في بعض نسخ رسالة كتبها بعض الفضلاء في المسالة.

و على هذا، فيمكن ان يكون قوله: «بغير» الى آخره، متعلقا بقوله فيما بعد: «اخرج منه العشر» ، يعني: اذا بلغ النصاب و حصل اخرج منه بغير الخراج و المؤنة العشر، فيكون تقييدهما دفعا لتوهم انه اذا اخرج منه الخراج او المؤنة لا يخرج منه العشر، كما ورد في بعض الروايات في خصوص الخراج (151) .

و على هذا، فيكون المراد: ان الخراج او المؤنة لا توجب اسقاط العشر، بل يجب هو معهما.

و اما الثالث، فلاختصاصه بالحارس و بالعذق و العذقان له، فالتعدي الى غيره باطل، و عدم القول بالفصل غير ثابت، كيف؟ ! و صرح في المدارك و الذخيرة بعدم ثبوته (152) ، بل في الاخير: ان هذا الحكم منصوص فيه ثابت عند الجميع حتى من لا يعتبر المؤنة.

و اما التمسك بعموم التعليل فعليل جدا;لان العلة المذكورة هو الحفظ، و هو غير متحقق في غير الحارس، فانه لا يجري في البذر و الحصادة و الحمالة و اجرة الارض و غير ذلك.

نعم، لو كانت العلة تضرر المالك او صرف المؤنة و نحوهما لكان له وجه.و لكنه ليس كذلك.

مع ان هذا التعليل منحصر بالاولى، و اما الثانية فخالية عن التعليل.

و لو سلم كون الجملة الاخيرة تعليلية فغاية ما تثبته ان نظر الحارس علة للترك له، اي لما كان ينظره و يراه فكان طبعه يميل اليه و يتمناه لعياله فلذلك يترك له، و اين تلك العلة مما هو بصدده؟ !

نعم، لو جعل النظر بمعنى الحفظ لكان مثل الرواية الاولى، و لكنه غير معلوم.

هذا كله، مضافا الى انه لم يعلم ان ترك العذق و العذقين انما هو من باب المؤنة و وجه الاجرة، بل الظاهر انه من باب حق الحصاد و الجداد، كما يستفاد من عدم تعيين المقدار، و لذلك رواه الكليني في باب حق الحصاد و الجداد (153) .

و ايضا غاية ما يستفاد من الروايتين ترك هذا القدر للحارس، لا انه لا يزكى ذلك، فيمكن ان يكون المراد انه كما يخرج حق الحصاد او العشر يترك ذلك للحارس ايضا من غير تعرض لاخراج العشر منه و عدمه.

بل لا دلالة و لا اشعار في الرواية الاولى الى كون الترك لعدم اخراج العشر اصلا.

و اما الرابع، فلان الزكاة و ان تعلقت‏بالعين، و لكن تعلقها ليس على وجه الاشاعة حتى يكون الفقير شريكا في كل جزء كما ياتي، بل القدر الثابت وجوب اخراج المالك عشرا واحدا من المال من اي جزء شاء.

و لا نسلم ان مثل تلك الشركة تقتضي الشركة في النفع و الخسارة، كما ياتي، و لذا لو نذر احد ان يعطي عشر هذا الزرع للفقراء لا نقول باستثناء البذر و سائر المؤن، بل نقول: يجب اعطاء عشر الجميع.

سلمنا الاشتراك و كونه كسائر الاموال المشتركة، و لكن تشريك الله سبحانه للفقراء انما هو بعد الزرع و صرف البذر و مؤن كثيرة، و هو حين صدق الاسم.

فاذا كان التشريك حينئذ فلم تستثن المؤن التي قبل ذلك، و هل هذا الا مثل ان يبيع احد نصف زرعه حين صدق الاسم لغيره مطلقا، فهل يجوز احد استثناء شي‏ء منه مما صرفه قبل ذلك؟ !

و اما ما بعده، فمقتضى الشركة و قياسه على سائر الاموال ان يكون الفقير شريكا في التلف و الخسارة المتلفة، دون مؤنة الحصاد و الحمال و نحوهما مما يكون الكلام فيه;اذ لم يقل احد بان لاحد الشريكين توزيع هذه الاخراجات على الشريك الآخر لو فعله بدون اذنه، و ليس مقتضى قاعدة الشركة الشركة في امثال تلك المؤن و لو تحملها احد الشريكين بدون اذن الآخر، و هذا فعله بدون اذن الفقير، فاي تسلط له على حصته؟ ! غاية الامر انه لو اذن الفقير في التصرف قبل ذلك كان ذلك له، مع ان فيه ايضا كلاما;لانا نقول: ان اوامر اخراج الزكاة ايجاب من الشارع للمالك اعطاء العشر للفقير، و لتوقفه على الحصاد و نحوه يجب عليه من باب المقدمة، الا ان يبذله للفقير قبل الحصاد، فانه لا كلام حينئذ، و لا تكون المؤونة على رب المال اذا رضى الفقير، و اما لو لم يرض فليس للمالك اجباره;لانه ليس حقا لفقير معين.

و اما الخامس، فظاهر;لان تمام الزرع نماء ليس غيره، و صرف شي‏ء في تنميته و تصفيته و تحصيله لا يخرجه عن كونه نماء.

نعم، لو دل دليل على ان الزكاة انما هي في المنافع لكان لما ذكره وجه، و لكن لم نعثر على مثل ذلك.

و اما ما ذكره من حسنة محمد و ابي بصير (154) ، فالموجود في اكثر النسخ المصححة: «فما حرثته فيها» و ليس: «فتاجرته فيها» ، مع انه ليس في المتاجرة ايضا دلالة.

و اما قوله: «فما اخرج الله‏» فلا شك ان جميع محصول الزرع مما اخرجه الله، و اما حمله على ما جعله الله نفعا لك زائدا على راس مالك فمما لا يفهمه منه احد.

و اما السادس، فلمنع كون مثل ذلك ضررا و حيفا، فان ما بازائه ثواب موعود، سيما ما يضاعف الى سبعمائة ضعف لا يكون ضررا و حيفا.

سلمنا، و لكن تخصص عمومات نفي الضرر و الضرار (155) و العسر و الحرج بادلة العشر (156) كما بينا في موضعه، كيف؟ ! مع انه اذا خصص بها ضرر عشر ما بعد المؤنة فلم لا يخصص بها ضرر عشر الجميع؟ ! فانه لو فرض ان الحاصل مائة كر، فالمؤن التي تستثنى منها على القول به لا تزيد غالبا على ثلاثين كرا، بل الادلة التي يذكرونها على فرض تماميتها لا تثبت الازيد;لعدم ثبوت الاجماع المركب و لا الشهرة الجابرة في غيرها...فعلى الاستثناء تجب سبعة كرور و على عدمه عشرة، فما يصلح لتخصيص السبعة يصلح لتخصيص العشرة ايضا.

و اما مثل اجرة الارض و نحوها، فالظاهر ان القائل بالاستثناء لا يقول باستثنائها، و لذا ترى صاحب التنقيح يصرح بعدم استثناء دين اجرة الارض و دين البذر (157) ، فمثل ذلك الضرر مشترك بين القولين;مع ان للمستاجر دفع هذا الضرر عن نفسه بجبر ذلك بنقص الاجرة حين الاستئجار.

و اما السابع، فلمنع منافاة اخراج العشر من الجميع للمواساة، بل هو اقرب اليها غالبا.

و اما الثامن، فلعدم وجود عين البذر في الحاصل اصلا، بل الحاصل ليس الا نماؤه.

و لو منع من تحقق الزكاة على ما نمى و حصل من البذر لزمه عدم تعلق الزكاة بشي‏ء من الحاصل;لان كل حبة فانما هي من نماء البذر.

سلمنا وجود البذر، و لكن نمنع عدم تكرر الزكاة في الغلات مطلقا، و انما هو في غير البذر، و اما فيه فهو عين النزاع.

ثم اذا عرفت ان الحق عدم وضع المؤن مطلقا، فلا فائدة في التعرض لذكر بعض ما يتفرع على وضعها، من بيان المؤن، و اعتبار النصاب قبله او بعده، و نحو ذلك.