ا: اذا تم الذهاب ثمانية فراسخ و لم يشرع بعد في الرجوع، لا يجب القصر، للاصل، و عدم دليل على الوجوب.و لا يجوز ايضا اذا لم يكن قاصدا لمسافة ذهابية قبله لعدم قصد مسافة قبله و لا الشروع فيها بعد، لظاهر الاجماع، و رواية صفوان.و بها يخص عموم الموثقة المذكورة هنا، لاختصاص النهي فيها بحال ارادة الرجوع اي حال البقاء، و عموم الموثقة له و للعود.
و لو ضمتبقية معه جاز القصر حينئذ، كما مر.
ب: يعتبر في هذا الشرط استمراره الى حد المسافة، بمعنى ان لا يرجع عن قصده المسافة و لا يتردد فيه قبل بلوغ المسافة، فلو رجع قبله او تردد لم يقصر، بلا خلاف فيه كما قيل (163) ، بل قيل: انه اجماع (164) .
لرواية اسحاق بن عمار في منتظر الرفقة، و صحيحة ابي ولاد المتقدمتين (165) ، و رواية المروزي و فيها: «فاذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا، و ذلك اربعة فراسخ، ثم بلغ فرسخين، و نيته الرجوع او فرسخين آخرين قصر، و ان رجع عما نوى عند ما بلغ فرسخين و اراد المقام فعليه التمام، و ان كان قصر ثم رجع عن نيته اعاد الصلاة» (166) .
قيل: في دلالة الاخيرتين نظر:
اما الاولى فلعدم تصريح فيها بالقصر بعد نية الرجوع قبل بلوغ المسافة، و انما صرح فيها بقضاء ما صلاه بالتقصير لو رجع عن النية قبل بلوغها، و ذلك و ان استلزم الحكم الاول الا ان الملزوم-و هو وجوب قضاء ما صلاه مطلقا-باطل اجماعا، مخالف لصريح صحيحة زرارة المتضمنة لقوله «تمت صلاته و لا يعيد» (167) فيبطل اللازم، اذ لا بقاء للدلالة التبعية بعد فساد متبوعها.و لا يتوهم دلالة قوله «فان كنتسرت...» بالمفهوم على المطلوب، لان مع تعقيبه بقوله «و ان كنت لم تسر...» لم يبق له مفهوم غيره عرفا.
و اما الثانية فلان محل دلالتها اما قوله «فعليه التمام» او امره بعده باعادة الصلاة، و الاول لا يفيد، لان الاتمام لعله لقصد المقام دون نية الرجوع، و كذا الثاني، لما مر في السابقة.
اقول: وجوب قضاء الصلاة مطلقا و ان كان مخالفا للاجماع، الا ان وجوبه في لوقتخاصة ذكره الشيخ في الاستبصار (168) ، و استحبابه مطلقا مما اختاره بعضهم (169) ، و ليس ببعيد كما ياتي، و كل منهما ايضا يستلزم المطلوب.مع ان في آخر الصحيحة الاولى: «و عليك اذا رجعت ان تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك» و هو ايضا مثبت للمطلوب.
ج: لو صلى قبل نية الرجوع قصرا، ثم رجع عن قصد المسافة قبل بلوغها، تستحب اعادة الصلاة المقصورة، لصحيحة ابي ولاد، و رواية المروزي.و لا تجب، لمعارضتهما مع صحيحة زرارة السابقة، الموجبة لحمل الاوليين على الاستحباب لاجل كونها قرينة له، او حملهما على التخيير المستلزم للرجحان في العبادات، مع ان الرواية عن افادة الوجوب قاصرة.
د: المعتبر-كما صرح به في روض الجنان (170) ، و غيره (171) -قصد المسافة النوعية لا الشخصية. فلو نوى السفر الى احد البلدين او البلدان مع بلوغ كل مقدار المسافة كفى، بشرط اتحاد اصل الطريق الخارج من بلده، لصدق قصد المسافة، و صدق ان بينه و بين ما يؤم بريدان، كما صرح به في مرسلة ابن بكير (172) .
و كذا لو قصد مسافة معينة، فسلك بعضها، ثم رجع الى قصد موضع آخر تكون نهايته الى محل الرجوع عن القصد مسافة اجماعا.
و كذا لو كان بحيث تكون نهايته مع ما مضى مسافة، على الاظهر، فانه يمضي على التقصير ايضا، للاستصحاب، و صدق السفر الى المسافة المقصودة و ان تغير شخصها الذي لا دليل على اعتباره اصلا، مع اختصاص ما دل من النص و الفتوى على التمام اذا لم يقصد المسافة او رجع عن قصده-بحكم التبادر بل في بعضه التصريح-بغير محل البحث، و هو ما لم يقصد فيه المسافة اصلا او قصد الرجوع في اثنائها الى منزله.
و احتمل بعضهم (173) عدم التقصير في الاخير، لبطلان المسافة الاولى بالرجوع عنها، و عدم بلوغ المقصود الثاني مسافة.
و يرد: بمنع بطلان الاولى ان اريد مطلق المسافة، اذ لا دليل على بطلانها بمجرد الرجوع عن شخصها مع بقاء نوعها، فيرجع الى استصحاب وجوب القصر، و منع مدخلية الشخص في الحكم ان اريد بطلان الشخص.
ه: قد عرفت وجوب التمام لو رجع عن عزم السفر قبل بلوغ المسافة، و المراد بها مسافة جواز التقصير و هي الاربعة.اما لو بلغ الاربعة فلا يجب الاتمام -على ما اخترناه من التخيير-قطعا، لبلوغه المسافة التخييرية، و لاختصاص الاجماع و الاخبار المتقدمة الآمرة بالاتمام لو نوى الرجوع بما قبل الاربعة.
و هل يتخير في هذه الصورة ايضا، او يجب القصر و لو في الاياب ايضا ما لم يقطع سفره في الاربعة؟
اختار الشيخ في النهاية الثاني (174) ، و نفى عنه البعد بعض مشايخنا (175) ، مع ان مذهبهما في الاربعة اذا قصدت في مبدا السفر من غير اتمام الثمانية عدم وجوب القصر ما لم يرجع ليومه، بل جوازه.
و وجه الفرق بينهما عدم ثبوت ما يوجب تحتم القصر في الثاني، من ثبوته و استصحاب وجوبه، بخلاف الاول، فانه حصل موجب القصر الاتفاقي-و هو قصد الثمانية الذهابية في مبدا السفر-في الاول دون الثاني، اذ المسافة المقصودة فيه اولا انما هي الثمانية الملفقة من الذهاب و الاياب.
و هو قوي جدا، للاستصحاب المتقدم، و الامر في رواية اسحاق و صحيحة ابي ولاد بالقصر مع بلوغ الاربعة في المورد (176) ، و سائر اخبار تحتم القصر في الاربعة (177) ، الخالية في المورد عن الشذوذ و مخالفة الاجماع و معارضة الرضوي (178) ، فيجب اتباعها.
و: هل اللازم في قصد المسافة العلم العادي و الجزم، او يكفي الظن مطلقا، او اذا كان قويا؟
الاول للاكثر، للاصل.و استقوى في الروضة الاخير (179) .
و اللازم الرجوع الى العرف في القصد و الارادة المذكورتين في الاخبار، كمرسلة ابن بكير و رواية صفوان و غيرهما، و سياتي بيانه عند تحقيق قصد اقامة العشرة.
ز: التابع للمسافر-كالعبد و الزوجة و الخادم و الاجير و الاسير-في حكم المتبوع اذا علموا غرضه، فيقصرون ان جزموا على المتابعة و علموا جزم متبوعهم المسافة، لاستلزامه قصدهم المسافة الموجب للتقصير و فقد المعارض.
و ان لم يكونوا عازمين على المتابعة، بل قصدوا الرجوع لو تمكنوا منه بالعتق او الطلاق، او ولوا بالنشوز و الاباق، فظاهر جماعة التقصير مطلقا، بل كلام المنتهى يشعر بكونه اتفاقيا عند الفريقين في الاولين، و عند الامامية في الاسير (180) .
و قال في نهاية الاحكام بالاتمام، لعدم القصد (181) .
و فصل الشهيد فقال: ان لم يحتمل التمكن منه قبل المسافة عادة و لم تظهر امارة التمكن لهم قصروا وجوبا ايضا، لكونهم قاصدين للمسافة بالعلم العادي، و لو احتمل ذلك بظهور اماراته اتموا (182) .و هو الصحيح.
اما القصر في الاول فلما مر.و لو كان ذلك منافيا للقصد لكان عزم كل مسافر للرجوع قبل المسافة لو مرض او قطع الطريق او نحو ذلك مخلا للقصد و لو لم تظهر اماراته، فلا يقصر احد لكون كل احد عازما على ذلك.و بالجملة هو يعزم جزما عاديا على المسافة و هو المناط للتقصير.
و اما الاتمام في الثاني فلعدم القصد.و اصالة عدم التمكن و بقاء الاستيلاء لا تفيد، لان الحكم منوط بالقصد و هو لا يختلف بالاصل و الاستصحاب، و لذا [يتم] (183) طالب الآبق و مستقبل المسافر اذا احتمل الوصول قبل المسافة مع ان الاصل عدم الوصول.
ح: المكره في السفر كالتابع اذا لم يسلب الاكراه الاختيار.
و لو سلبه كان تشد يداه و رجلاه و حمل الى السفر و علم حمله الى المسافة فقد ختلجبالبال فيه الاشكال، اذ القصد انما يكون على العمل و لا يصدر عنه عمل حتى يكون قاصدا له، و لعدم شمول كثير من اخبار القصر لمثله، و عدم تبادره من شيء من اخباره، و اجمال نحو قلوه «التقصير في بريدين» لاحتمال ارادة قصد بريدين او سيره، و مثل ذلك لا يقصد و لا يسير، الا ان الظاهر الاجماع على وجوب القصر عليه.
و يمكن الاستدلال له ايضا بقوله سبحانه «و من كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر» (184) فان ذلك كائن في السفر و ان لم يكن مقصودا له، و لا معارض له، فيجب عليه التقصير ايضا.
باحد القواطع، فلو انقطع اتم.
و هذا الشرط تارة يكون لاصل شرعية التقصير، و الاخرى لاستمراره.
فعلى الاول يكون المراد انه يشترط في شرعية التقصير ان ينوي مسافة لا ينقطع سفره في اثنائها قبل وصوله حد مسافة التقصير.فلو نوى مسافة منقطعة في الاثناء باحد القواطع لا يجوز له التقصير لا في الطريق و لا في المنزل.
و على الثاني يكون المراد: انه يشترط في استمرار التقصير ان لا ينقطع سفره في اثنائه بعد بلوغ المسافة باحد القواطع.فلو انقطع يتم حين الانقطاع هذه الى ان يستانف قصد مسافة جديدة، و يقصر قبله.
و مراد الاكثر في هذا المقام حيث ذكروا هذا الشرط هو المعنى الاول، و لذا لم يذكروا في القواطع هنا تردد ثلاثين يوما، لانه في الاول غير متصور، اذ لا معنى لعزم التردد في الاثناء ثلاثين يوما، بل اقتصروا على عدم عزم دخوله الوطن او موضعا يعزم فيه اقامة العشرة.
و اما المعنى الثاني فقد ذكروه في مطاوي احكام السفر، لانه ليس حقيقة من شروط التقصير بل شرط استمراره.
و نحن نذكر هنا الامرين في مقامين:
المقام الاول: في بيان ما يتعلق بهذا الشرط بالمعنى الاول.
فنقول: انه يشترط في شرعية التقصير-جوازا او وجوبا-ان لا يقصد الدخول في وطن له في اثناء المسافة الشرعية، و لا يعزم على اقامة العشرة في موضع في اثنائها.فلو قصد احد الامرين لم يجز له القصر في الطريق ان كان الوطن او الموضع في خلال الاربعة، و لم يجب ان كان ما بينها و بين الثمانية، و كذا في نفس الوطن او ذلك الموضع، و لا في ما بعد ذلك الموضع ما لم ينو مسافة جديدة بعده، و لا يكفي في القصر انضمام ما بقي من المسافة بعد الانقطاع اليها قبله، و كذا لا يقصر في المسافة، بلا خلاف في الجميع كما صرح به غير واحد (185) ، بل بالاجماع كما نقله جماعة (186) .
و استدل له بالاخبار المستفيضة الآتية المصرحة بانقطاع السفر بوصول احد الموضعين و وجوب الاتمام فيه.و هو غير واف بتمام المدعى، لانه لا يثبت الا وجوب التمام في نفس احد الموضعين، اما قبله و بعده فلا.
و لذا استدل لهما بعضهم (187) بالاجماعات المنقولة.
و بان ما دل على القصر في المسافة يدل عليه اذا كانت المسافة سفرا واحدا، و هي هنا تسار في سفرين.
و باستصحاب وجوب التمام الثابت في البلد في الاول و في احد الموضعين في الثاني، مدعيا انه ليس في اطلاق ما دل على وجوب القصر في المسافة عموم يشمل نحو هذه المسافة المنقطعة بالتمام في اثنائها، لاختصاصه-بحكم التبادر-بغيرها.
اقول: يضعف الاول: بعدم حجية الاجماع المنقول.
و الثاني: بمنع تعدد السفر عرفا، فانه لا وجه لكون المسافة المتخللة في اثنائها اقامة تسعة ايام و نصف سفرا واحدا و اقامة عشرة ايام سفرين عرفا، و كذا لا يفرق العرف بين ما اذا مر بمنزله الذي يتوطنه سيما اذا مر راكبا سيما عن حواليه، و بين ما اذا لم يمر.
و الثالث: بعدم امكان منع شمول اكثر اخبار التقصير لمثل ذلك، بل الظاهر شمول الاكثر، سيما على القول بكون مطلق الملك وطنا حيث انه يكثر افراده ايضا.و تسليم شمولها للمقيم في الاثناء تسعة ايام و منعه للمقيم عشرة لا وجه له.
و لذا قال في الذخيرة-بعد ذكر هذا الحكم و قوله: لا اعرف فيه خلافا- لكن اقامة حجة واضحة عليه لا تخلو عن اشكال (188) ، و هو كذلك.
الا ان يستدل للاتمام في المسافة التي بعد المنزل بعموم التعليل بقوله: «لانه خرج من منزله لا يريد السفر ثمانية فراسخ» في رواية صفوان السابقة (189) ، و له في التي قبل ما يريد الاقامة فيه عشرة ايام بعموم نحو صحيحة الخزاز: «ان حدث نفسه باقامة عشرة ايام فليتم الصلاة» (190) خرج عنه ما خرج فيبقى الباقي و منه المورد، و لتمام المطلوب بالاجماع المركب.
ا: لو لم يقصد اولا الوطن المتخلل او اقامة العشرة و عزم عليه في الاثناء، كان يقصد سفرا له طريقان يشتركان في بعض الطريق، احدهما مار بوطنه دون الآخر، فعزم اولا الآخر و سلك الطريق المشترك، ثم رجع عن قصده و سلك في الباقي ما يمر بالوطن، او لم يكن قاصدا لاقامة العشرة في راس ثلاثة فراسخ مثلا، ثم عزم عليها بعد الوصول الى راس الثلاثة، فلا شك في لزوم القصر ما لم يقصد الطريق المار بالوطن و لا الاقامة، و وجهه ظاهر.و كذا في لزوم الاتمام فيما بعد الوطن او موضع الاقامة لو لم يكن مسافة مستانفة، لما مر.
و اما فيما بعد قصد الوطن او الاقامة و قبل دخول الوطن او موضع الاقامة لو حصل القصد قبل الوصول اليهما ففيه اشكال.
و الظاهر هو الاتمام، لعموم صحيحة ابن يقطين: عن رجل خرج في سفر، ثم تبدو له الاقامة و هو في صلاته، قال: «يتم اذا بدت له الاقامة» (191) .
و نحوها رواية سهل (192) ، الا انها خالية عن قوله «و هو في صلاته» فتامل.
ب: لو تردد اولا في سلوك الطريق المار الى الوطن او اقامة العشرة في موضع من اثناء المسافة و احتملهما احتمالا غير بعيد، لا يقصر اصلا، لعدم قصد المسافة الموجبة للتقصير و هي الغير المتخللة للاقامة.
ج: حكم التوقف مع التردد ثلاثين يوما عند احتماله في اول السفر او حصوله من غير قصد في اثناء المسافة حكم اقامة العشرة و تخلل الوطن في الاثناء، فيتم في الاول مطلقا، و في الثاني فيما بعد موضع التوقف لو لم يكن مسافة، بل الاتمام فيه اظهر من الاولين، لكون ذلك من الافراد النادرة كثيرا، فيشك في شمول اطلاقات التقصير له.
ثم انه لا ينافي ما ذكرناه هنا ما تقدم في صدر المقام من عدم تصور قطع السفر بتردد ثلاثين يوما في هذا الشرط، لان ما مر انما هو في عزم تخليل القاطع في بدء السفر، و ما ذكرناه انما هو في احتماله فيه او حصوله في الاثناء.
المقام الثاني: في بيان ما يتعلق بهذا الشرط بالمعنى الثاني.
فنقول: انه يشترط في جواز التقصير-جوازا او وجوبا-ان لا ينقطع سفره بوصوله الى الوطن، و لا الى موضع ينوي فيه الاقامة عشرة ايام، و ان لا يبقى مترددا في بلد في الاثناء ثلاثين يوما.
فهذه ثلاثة قواطع للسفر، يجب على المسافر الاتمام بحصول كل واحد منها، نذكرها في ثلاث مسائل:
فنقول: ان انقطاع السفر به و وجوب الاتمام معه في الجملة مجمع عليه، و في الاخبار المستفيضة بل المتواترة معنى-الآتية طائفة منها-تصريح به.
و مقتضى اطلاق بعضها-كصحيحة ابن بزيع الآتية في بيان الوطن (193) ، و موثقة اسحاق و رواية المحاسن الآتيتين في حد الترخص للعائد من السفر (194) -شمول الحكم للواصل الى البلد مطلقا، مجتازا كان ام غير مجتاز، نزل منزله ام لم ينزل.
خلافا للاسكافي و الحلبي، فاوجبا القصر على المجتاز.
قال الاول: من وجب عليه التقصير في سفره، فنزل منزلا او قرية ملكها او بعضها، اتم و ان لم يقم المدة التي توجب التمام على المسافر.و ان كان مجتازا بها غير نازل لم يتم (195) .
و قال الثاني: و ان دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام (196) .حيثشرط النزول في المصر فيتم غير النازل.
و العمومات المذكورة تردهما، مع انه يمكن ان يكون خلاف الاسكافي فيما له ملك من غير ان يكون وطنا شرعيا او عرفيا، فيكون موافقا للمشهور في المجتاز عن الملك مخالفا له في غير المجتاز.
و منهم من جعل قول الحلبي قولا غير قولي الاسكافي و المشهور، فارجع الضمير في قوله: «فيه» الى الوطن، و حمل الوطن على داره في المصر، فعزا اليه انه لو لم يكن مجتازا و دخل دارا غير داره في المصر يقصر.
و فيه: ان رجوع الضمير الى المصر هو الظاهر، مع ان المراد من الوطن يمكن ان يكون التوطن فينحصر المرجع بالمصر.
و كيف كان فالقولان شاذان مردودان بما ذكر، و ينقطع السفر بالوصول الى الوطن مطلقا.
و اللازم هنا تحقيق الوطن القاطع للسفر و انه ما هو؟
فنقول: اختلفوا في الوطن اي الموضع الذي يجب الاتمام و الصيام بمجرد الوصول اليه و لو لم ينو فيه اقامة العشرة على اقوال:
الاول: انه ما له فيه ملك مطلقا.و هذا القول ظاهر الاسكافي، قال: من وجب عليه التقصير في سفره، فنزل منزلا او قرية ملكها او بعضها، اتم و ان لم يقم المدة التي توجب التمام على المسافر.و ان كان مجتازا بها غير نازل لم يتم.
الثاني: انه ما له فيه ملك مطلقا مع استيطان ستة اشهر مطلقا.و هو صريح المبسوط و السرائر و الشرائع و الارشاد (197) ، بل سائر كتب الفاضل و من تاخر عنه كما في المدارك (198) ، بل هو المشهور بين المتاخرين كما في الذخيرة و الحدائق (199) ، بل عن روض الجنان و التذكرة: الاجماع على كفاية الستة اشهر مطلقا (200) .و قال بعض الاجلة: لا اعرف فيه خلافا الا من الصدوق على وجه.
و مراد هؤلاء ان كان من الاستيطان الاقامة و الاسكان-كما هو الظاهر- يكون شرط الوطن عندهم امرين: الملك و اقامة ستة اشهر.و ان كان اسكانا يعد وطنا عرفا يكون الشرط امورا ثلاثة: الامران، مع التوطن العرفي في ستة اشهر.
ثم مقتضى ذلك القول اشتراط دوام الملك في حال الصلاة، و حصول الاستيطان المذكور و لو في وقت.
الثالث: انه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه ستة اشهر، فهو اخص من سابقه باعتبار المنزل دون مطلق الملك ان قلنا ان مرادهم بالمنزل المملوك، و الا فيكون اعم من وجه منه من هذه الجهة.اختاره في النافع و الروضة (201) .
الرابع: انه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه ستة اشهر في السنة.
و هو مذهب الصدوق في الفقيه (202) .و هو اخص من سابقه باعتبار الستة اشهر، فانها في السابق مطلقة، و في ذلك مقيدة بالسنة، و ظاهره ان تكون الستة اشهر من سنة، فلا تكفي الستة من سنين متعددة، بخلاف الاول.و قد فهم بعضهم منه ستة اشهر من كل سنة (203) ، و هو بعيد من ظاهره، بل هو غير مستقيم.
الخامس: انه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه فعلا، فهو اعم من سابقيه باعتبار الاستيطان، فانه فيه مطلق، و فيهما مقيد بستة اشهر، و يحتمل الاتحاد باعتبار تفسير الاستيطان في بعض الصحاح الآتية بذلك، و اخص منه من جهة فعلية الاستيطان.و هو ظاهر الشيخ في النهاية (204) ، و القاضي في الكامل، حيث عبرا بقولهما: كان له فيها موضع يستوطنه و ينزل فيه.و لا شك ان ظاهره الفعلية.
السادس: ما يكون له فيه وطن مطلقا.و هو مذهب الحلبي (205) ، و ظاهره انه ما كان وطنا له فعلا، و الظاهر اتحاده مع السابق، لعدم انفكاك الوطن عن المنزل، سيما اذا لم يشترط في المنزل الملكية.
السابع: ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه عرفا.اختاره في الذخيرة و الكفاية (206) ، و بعض آخر من متاخري المتاخرين (207) ، فان كان مراد سابقه من الوطن العرفي يتحد معه، كما يتحدان مع سابقهما ان كان مراده من الاستيطان ذلك، و ان كان سكنى ستة اشهر حصل الاختلاف.
الثامن: ان يكون له فيه ملك اقام فيه ستة اشهر، او يكون وطنا له عرفا، و حاصله كفاية احد الوطنين الشرعي او العرفي.اختاره بعض متاخري اصحابنا، و صرح بعض مشايخنا بعدم الخلاف نصا و فتوى في كفاية الاخير.
و محصل الاقوال: ان بناء الاقوال الاربعة الاولى على الوطن الشرعي و ان اختلفوا فيما يتحقق به، و بناء الخامس و السادس يحتمل ان يكون على الشرعي و على العرفي، و بناء السابع على العرفي، و بناء الثامن على كل منهما.
حجة الاول: المستفيضة من الاخبار، مثل صحيحة عمران بن محمد المتقدمة (208) ، و صحيحة الهاشمي: عن رجل سافر من ارض الى ارض و انما نزل قراه و ضيعته، قال: «اذا نزلت قراك و ضيعتك فاتم الصلاة، و ان كنت في غير ارضك فقصر» (209) .
و موثقة الساباطي: في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له او دار، فينزل فيها، قال: «يتم الصلاة و لو لم يكن له الا نخلة واحدة، و لا يقصر و ليصم اذا حضره الصوم و هو فيها» (210) .
و رواية البزنطي: عن الرجل يخرج الى ضيعته و يقيم اليوم و اليومين و الثلاثة، ا يقصر او يتم؟ قال: «يتم الصلاة كلما اتى ضيعة من ضياعه» (211) .
و رواية موسى بن الخزرج: اخرج الى ضيعتي، و من منزلي اليها اثنا عشر فرسخا، اتم الصلاة ام اقصر؟ قال: «اتم» (212) يعني في الضيعة.
اقول: كانت الحجة تامة لولا تعارضها مع غيرها، و لكنه تعارضها مستفيضة اخرى، كرواية موسى بن حمزة: ان لي ضيعة دون بغداد، فاخرج من الكوفة اريد بغداد، فاقيم في تلك الضيعة، اقصر ام اتم؟ قال: «ان لم تنو المقام عشرا فقصر» (213) .
و رواية ابن سنان: «من اتى ضيعته ثم لم يرد المقام عشرة ايام قصر، و ان اراد المقام عشرة ايام اتم الصلاة» (214) .
و مرسلة التهذيب: «انه صلى في ضيعته فقصر في صلاته» (215) .
و الصحاح الثلاث لابن يقطين:
الاولى: عن الرجل يمر ببعض الامصار، له بالمصر دار، و ليس المصر وطنه، ايتم الصلاة ام يقصر؟ قال: «يقصر الصلاة، و الضياع مثل ذلك اذا مر بها» (216) .
و الثانية: ان لي ضياعا و منازل بين القرية و القرية الفرسخان و الثلاثة، قال:
«كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير» (217) .
و الثالثة: الرجل يتخذ المنزل فيمر به ا يتم ام يقصر؟ فقال: «كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل، فليس لك ان تتم فيه» (218) .
و صحيحة سعد: عن الدار تكون للرجل بمصر او الضيعة فيمر بها، قال:
«ان كان مما سكنه اتم الصلاة فيه، و ان كان مما لم يسكنه فليقصر» (219) .
و صحيحة الحلبي: في الرجل يسافر فيمر بالمنزل[له]في الطريق، يتم الصلاة ام يقصر؟ قال: «يقصر، انما هو المنزل الذي توطنه» (220) .
و صحيحة ابن بزيع: عن الرجل يقصر في ضيعته، قال: «لا باس ما لم ينو مقام عشرة ايام الا ان يكون له فيها منزل يستوطنه» فقلت: و ما الاستيطان؟
فقال: «ان يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة اشهر، فاذا كان كذلك يتم فيها متى يدخلها» (221) .
و هذه الاخبار اكثر من الاولى.و طائفة منها تعارضها بالتباين كالروايتين الاوليين و المرسلة الاخيرة.و اكثرها اخص منها مطلقا من جهة اشتراط الاستيطان و السكنى.مضافا في صحيحتي الحلبي و ابن بزيع من جهة اشتراط المنزل ايضا.
هذا اذا حمل مطلق المنزل على المملوك، و الا فيكون التعارض مع الصحيحتين بالعموم من وجه، و مع البواقي-كما مر-بالعموم المطلق، فيجب تخصيص الاخبار الاولى بما نوى فيه العشرة، كما هو مقتضى الروايات الثلاث المعارضة للاولى، و بما فيه منزل يستوطنه، كما هو مقتضى البواقي، سيما مع ندرة القائل بمضمونها و موافقته لمذهب جمع من العامة.
و منه يظهر سقوط ذلك القول جدا.
دليل القول الثاني على اعتبار الملك: صحيحة الهاشمي، و مفهوم رواية البزنطي.
و على كفاية مطلقه من غير حاجة الى المنزل: جميع الروايات الاربع الاولى، و صحيحة سعد المكتفية بالضيعة و السكنى فيها.
و على اعتبار الاستيطان: الصحاح الست الاخيرة.
و على اعتبار ستة اشهر: اعتبارها في تحقق الاستيطان شرعا، للصحيحة الاخيرة.
اقول: ما استدلوا به للجزء الاول و ان لم تعارضه الروايات التسع الاخيرة، اذ لا تدل الاربع الاولى منها الا على عدم كفاية مطلق الملك و هو لا ينافي اعتباره، و كذا السابعة.
و اما الخامسة فهي ايضا كذلك، الا ان يعتبر مفهوم الوصف في قوله: «كل منزل من منازلك لا تستوطنه» و جعل المنزل اعم من المملوك و غيره، و الاول ممنوع، و الثاني محل خدشة و كلام.
و المستفاد من قوله: «فليس لك ان تتم فيه» تفريعا على قوله: «فليس لك بمنزل» في السادسة انتفاء الاتمام بانتفاء المنزل، لا وجوده مع وجوده مطلقا حتى اذا لم يكن المنزل مملوكا، فلا ينافي اعتبار الملك ايضا.
و اما الثامنة فانما تفيد عدم اعتبار الملك اذا جعل المنزل اعم من المملوك، و جعلنا مرجع ضمير «هو» ما يتم الصلاة فيه.و الاول قد عرفت انه محل كلام، و الثاني ممنوع، لاحتمال ان يكون المرجع ما يتوقف عليه الاتمام، فيدل على اشتراط منزل و هو لا ينافي اشتراط الملك ايضا.
مع ان فيها احتمالا آخر بعيدا، لجواز ان يكون المرجع المنزل الذي في الطريق، فيكون المعنى: قال: يقصر في ذلك المنزل، لانه المنزل الذي يسكنه، لا الذي يتم فيه الصلاة.
و اما التاسعة فموضوعها ما فيه الملك، حيث ان السؤال فيها عن الضيعة، و قيدها في الجواب ايضا بقوله «فيها» اي في الضيعة في موضعين.
و لا يضره ايضا ما قيل من ان المذكور في الصحيحة و الرواية «ارضك»و «ضيعته» و يكفي في تحقق الاضافة مطلق الانتساب و الاختصاص و لو بالاستيجار او الاستيعار او الاستيداع، فلا يفيدان اعتبار الملكية.
لانا نقول: ان المتبادر من ارض الشخص وضيعته و قريته ما يكون ملكا له، و لا يصح السلب عن المملوك، و هما امارتان للحقيقة.و لا يتبادر غيره من الارض المستاجرة و نحوها، و يصح السلب عنها، و هما امارتان للمجاز، و يجب حمل اللفظ على حقيقته. و لا ما قيل من ان ما فسره اللغويون به الوطن لا يتضمن الملك اصلا، و لا يعتبره اهل العرف ايضا (222) .
لانا نقول: ليس المراد اعتباره في معنى الوطن عرفا او لغة بل و لا شرعا بل نقول: ان المستفاد من الاخبار اعتبار الملك في اتمام الصلاة و ان اعتبر غيره فيه ايضا.
الا انه تعارضه الاخبار المستفيضة من الصحاح و غير الصحاح الآتية، المصرحة بوجوب الاتمام في الدار و البيت و المنزل و الاهل و ان اهل كل بلد يتمون فيه، بالعموم من وجه، و الترجيح للاخبار الآتية من جهة الاكثرية و المخالفة للعامة، لانهم يقولون بالاتمام في الملك دون غيره فعندهم يشترط الملك، و الموافقة لمفهوم قوله سبحانه: «و من كان مريضا او على سفر» (223) اذ من يدخل وطنه العرفي الذي لا ملك له فيه ليس على سفر.
هذا كله مع ان قوله «و ان كنت في غير ارضك» في الصحيحة لا يمكن ابقاؤه على حقيقته، و الا لوجب كونه في نفس الموضع المملوك دون غيره كالمسجد، و هو باطل اجماعا غير مراد قطعا، فلا بد من تجوز اما في الكون في الارض بان يراد القرب منها، او الكون في حواليها و نحوهما، او في لفظ «ارضك» بان يراد ماله علاقة فيها من نحو ملك او توطن او منزل، كما يقال: ارض العدو و ارض الحبيب، و لم يتعين المجاز، فلا يمكن الاستناد اليه في الاشتراط.
و منه يظهر ما في الاستناد الى مفهوم رواية البزنطي ايضا، مع ان اعتبار مفهومها ايضا محل نظر، اذ ليس من المفاهيم المعتبرة.
و منه يظهر سقوط الجزء الاول من ذلك القول و عدم اشتراط الملك اصلا.
و اما ما استدلوا به للجزء الثاني فيرد عليه: انه تعارضه صحيحة ابن بزيع المشترطة للمنزل، بل صحيحة الحلبي الدالة على اشتراطه، بالخصوص المطلق، فيجب تخصيصه بهما قطعا.بل يعارضه كل ما دل على اشتراط الاستيطان و الاهل، لعدم انفكاك صدقهما عن وجود المنزل، سواء اريد الوطن العرفي او الشرعي.بل و كذلك التي اشترطها في صحيحة سعد.فهي ايضا من ادلة المخالفين في ذلك الجزء.
و منه يظهر سقوط ذلك الجزء ايضا و انه لا مناص عن اعتبار المنزل ايضا.
و اما ما استدلوا به على الجزء الثالث من اعتبار الاستيطان فهو كذلك، لدلالة اكثر الاخبار المذكورة عليه.
و اما ما استدلوا به على الجزء الرابع، و هو كفاية استيطان ستة اشهر واحدة و لو ماضية في سوالف الايام و تحقق الاستيطان به، فيتم الصلاة مع تحقق ذلك و لو ترك المنزل و الاستيطان فيه حينئذ للصحيحة الاخيرة، فيرد عليه: ان قوله «ان يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة اشهر» ليس باقيا على معناه الحقيقي الاستقبالي مجردا، لعدم العلم بالمستقبل، الا ان يضم معه القصد و العزم، فيكون اما بمعنى اقام، او يعزم و يريد ان يقيم.
فهو على ذلك يحتمل معنيين:
الاول: ان يكون المعنى: منزل اقام فيه ستة اشهر.
و الثاني: ان يكون المعنى: يعزم على اقامة ستة اشهر.
و كل من المعنيين مما يصلح ارادته منه، بل الثاني اوفق بقوله «يستوطنه»المتبادر منه الفعلية، اي فعلية القصد و ان لم تكن الاقامة فعلية حتى يلائم قوله «ما لم ينو...» .
و ليس الثاني مخالفا للاجماع، لاحتمال كونه مراد ارباب القولين الرابع و الخامس، و ان كان حمله على المعنى الاستقبالي مطلقا من غير تفسيره بالعزم اي عزمه بان يقيم في الزمان المستقبل و لو في برهة من الازمنة الآتية-كما قيل-مخالفا له.
و على هذا فتكون الصحيحة مجملة غير صريحة في كفاية الماضي. و قد يقال بدلالة قوله «توطنه» و «سكنه» في الصحيحة بضميمة هذه الصحيحة عليه.
او يقال: دلتا على كفاية التوطن و السكنى الماضيين مطلقا، خرج ما دون ستة اشهر بالاجماع، فيبقى الباقي.
و يرد على الاول: ان لفظ «توطنه» يمكن ان يكون بصيغة المضارع من باب التفعل محذوفة منها احدى التاءين، او من باب التفعيل من دون حذف.
و على الثاني: انه ليس المراد بقوله: «سكنه» معناه اللغوي قطعا، و مجازه يمكن ان يكون جعله مسكنا عرفا او وطنه او نحو ذلك، فلا يفيد شيئا.
و توهم استدلالهم في كفاية الماضي بعدم اشتراط مبدا الاشتقاق في صدق المشتق و نحوه خطا، اذ الخلاف في المشتقات ليس في صيغ الماضي و المضارع، و الالفاظ الدالة على اشتراط الوطن هنا منهما، و لم يذكر الوطن الا في لفظ بعض السائلين فيما لا يترتب عليه حكم.
و من ذلك يظهر سقوط هذا القول كسابقه ايضا.
دليل الثالث اما على لزوم المنزل: فدلالة الاخبار عليه، و اشتراط صدق الاستيطان به.
و اما على لزوم الاستيطان و تحققه بستة اشهر فما مر.
و الجزء الاول تام لا بحث عليه، و كذا اشتراط الاستيطان.
و اما الاكتفاء بستة اشهر و لو ماضية فقد عرفت ما فيه.
حجة الرابع اما على اعتبار المنزل و الاستيطان ستة اشهر فما مر.
و اما على اعتباره في السنة، فان اريد به اشتراط كون الستة في سنة، و لا تفيد الستة المتفرقة في السنين المتعددة بان يقيم في كل سنة شهرا او اقل، و كان مرادهم ستة اشهر في سنة و لو من السنين الماضية، فدليلهم على اعتبار كونها في السنة: ان المتعارف في ذكر الشهور كونها منسوبة الى السنين، فيقال: انه اقام شهرا اي من السنة.و على كفاية الماضي: ما مر. و ان اريد اقامة ستة اشهر من كل سنة فدليلهم: ورود اعتباره بصيغة المضارع المفيدة للتجدد الاستمراري، فلا بد من استمرارها في كل سنة.
فان كان مرادهم الاول، فاكتفاؤهم بالسنة الماضية و ان كان مردودا بما مر، و لكن اشتراطهم كون الستة في السنة صحيح، بل الظاهر اعتبار كونها فيما دون السنة ايضا، اذ الستة اشهر و ان صدقت على المتحققة في السنة او الاكثر الا ان الظاهر من استيطان ستة اشهر و سكون ستة اشهر و نحوهما كونها متوالية، و لذا لو قال احد: كنتستة اشهر في البلد الفلاني، و اقمت فيه كذا، تتبادر منه المتوالية.
و ان كان مرادهم الثاني، ففيه اولا: ان تقييد التجدد بكل سنة اي بتجدد اقامة ستة اشهر في كل سنة تقييد بلا دليل، و ارادة تجدد اقامة كل ستة اشهر تفيد دوام الاقامة، و لا يقول به احد.
و ثانيا: انه ان اريد من التجدد الاستمراري تجددها مستمرا دائما، فدلالة المضارع عليه غير مسلمة، و ان اريد حصوله كذلك متكررا عرفا، فهو مسلم و لكنه غير التكرر كل سنة.
و ثالثا: ان المسلم لزوم تكرر المبدا خاصة دون متعلقه، و لذا لو قال احد:
فلان يكرم العلماء، يستفاد منه تكرر الاكرام و لو بواسطة تعدد العلماء، لا تكرر اكرام العلماء حتى يلزم اكرام كل عالم متكررا، فاللازم هنا تكرر الاقامة و لو بتوسط تعدد ايام ستة اشهر او شهورها، و لا يلزم تكرر اقامة ستة اشهر.
و رابعا: يمنع كون مطلق صيغة المضارع مفيدا للتجدد الاستمراري، و لذا لو قال احد: اذا جاءك من يبيع حنطة فاشتر منه، يجب الاشتراء اذا تراه يبيع و لو مرة، و هو امر يختلف باختلاف القرائن و الموارد.
و التحقيق انه استعمل في المعنيين، و كونه حقيقة في التجدد الاستمراري غير مسلم جدا.
حجة الخامس و السادس على اعتبار المنزل: ما تقدم ذكره.
و على اعتبار الاستيطان بمعنى ان يقيم فيه ستة اشهر اي يعزم على ذلك: صحيحة ابن بزيع باحد معنييها، ان كان مرادهم من الاستيطان ذلك، و سائر الاخبار المتقدمة المتضمنة للاستيطان، و ما ياتي من الاخبار الدالة على الاتمام في الاهل مع ضميمة رفع اليد عن الصحيحة لاجمالها، او حملها على ما لا ينافي ذلك، ان كان مرادهم بالاستيطان العرفي.
و هو كان صحيحا لولا ايجابه لطرح الصحيحة راسا او حملها على ما يوجب اخراجها عن ظاهرها.
حجة السابع: ما مر من الاخبار المتضمنة للاستيطان، المحمولة على المعنى العرفي بعد عدم ثبوت معنى له شرعا اما لاجمال الصحيحة او حملها على ما لا ينافيه، و الاخبار الدالة على اتمام اهل كل بلد فيه او في الاهل، كصحيحة زرارة:
«من قدم قبل يوم التروية بعشرة ايام وجب عليه اتمام الصلاة، و هو بمنزلة اهل مكة» (224) .
و موثقة اسحاق: عن اهل مكة اذا زاروا عليهم اتمام الصلاة؟ قال:
«نعم» (225) .
و اخرى فيها: «بل يكون مقصرا حتى يدخل اهله» (226) .
و صحيحة اسماعيل بن جابر: يدخل علي وقت الصلاة و انا في السفر فلا اصلي حتى ادخل اهلي، فقال: «صل و اتم الصلاة» (227) الحديث.
و معنى اهل بلد: المتوطن فيه، كما ان الظاهر من اهله: وطنه الذي فيه اهله.
اقول: هذا القول كان حسنا لولا ما ذكر من رفع اليد عن الحسنة (228) ، او حملها على خلاف ظاهرها.
حجة الثامن اما على اعتبار الوطن العرفي و كفايته: فهذه الاخبار الاخيرة.
و اما على اعتبار الوطن الشرعي و هو ما اقام فيه ستة اشهر: فالصحيحة المذكورة مع عدم تعارض بينهما كما ياتي.
و هو كان حسنا لولا احتمال الصحيحة للمعنى الثاني المتقدم.
و من هذا ظهر ادلة جميع الاقوال و ما يرد عليها.
ثم اقول لتحقيق الحال و بيان الحق من الاقوال:
انه قد ظهر لك مما مر ذكره بطلان كفاية الملك او اشتراطه، و كذا ظهر عدم وضوح دليل على الاكتفاء باقامة ستة اشهر ماضية مطلقا، او في السنة، او اشتراط استيطانها في كل سنة مع الملك او المنزل.
و منه ظهر سقوط جميع الاقوال الاربعة الاولى، بل الخامس و السادس على ارادتهما اقامة ستة اشهر و لو فعلا بمعنى قصدها و العزم عليها.
و اما ان ارادا الاستيطان العرفي فقد عرفت دلالة اخبار الاهل على كفايته، بل سائر اخبار الاستيطان لولا الصحيحة، فلا مناص عن القول بكفايته، فهما يتمان من هذه الجهة، الا ان عدم اعتبار غيره و عدم كفايته محل نظر، لان الصحيحة و ان كانت مجملة باعتبار احتمال المعنيين، و لكنه لا اجمال فيها من جهة القدر المتيقن منهما و هو المعنيان معا، فانه تثبت منهما كفاية اقامة ستة اشهر في الزمان الماضي، و قصدها و العزم عليه في المستقبل، سواء صدق معه التوطن العرفي ام لا، فتركها و عدم اعتبارها اصلا مما لا وجه له.
و منه يظهر سقوط هذين القولين على ذلك المعنى، و كذا القول السابع من جهة عدم اعتبار الاستيطان بهذا المعنى اي المعنى الشرعي، و ان كانت الثلاثة صحيحة باعتبار الاكتفاء بالوطن العرفي.
فبقي القول الثامن المعتبر للوطنين العرفي و الشرعي، و هو الحق المطابق للجمع بين الاخبار، الا ان في تفسيره الوطن الشرعي بما اقام فيه ستة اشهر و لو ماضية ما عرفت من عدم صراحة الصحيحة فيها، و ان القدر الثابت منها تحقق الاستيطان الشرعي بتحقق المعنين جميعا بان اقام ستة اشهر في الزمان المتقدم على حال الصلاة، و العزم على اقامتها بعد حال الصلاة ايضا متصلة بها، او غير متصلة بشرط تحقق العزم في الحال.
فالحق ان يقال بكفاية احد الامرين في انقطاع السفر:
اولهما: ما كان اهلا و وطنا عرفا، و المراد بالوطن العرفي مكان اتخذه مسكنا، و هو يحصل بقطع العلاقة عن غير ذلك المكان و ارادة الاستقرار و الاستمرار و الكون في ذلك المكان، و الشروع في الاستقرار و التمكن و ان لم يستمر بعد الا زمان قليل، بل لا يشترط قطع العلاقة الكلية عن الغير ايضا.
و اعتبار ذلك المعنى ليس لاخبار الاستيطان المتقدمة، لاحتمال ارادة الاستيطان الشرعي منها بل هو الظاهر، بل لاخبار الاهل الاخيرة، فان كل ما كان وطنا و مسكنا عرفا و يعد وطن شخص، يصدق على هذا الشخص انه اهله و انه دخل على اهله.
و الثاني: ما كان وطنا شرعيا، و القدر المتيقن منه ما تحقق معه اقامة الستة اشهر الماضية و العزم على اقامتها في الآتية، فيكفي كل من هذين المعنيين.
و لا تعارض بين اخبار الاهل و الصحيحة، لعدم المنافاة و التعارض بين كفاية كل من الامرين.
و لا يتوهم معارضة مفهوم الحصر في الصحيحة مع احاديث الاهل، حتى يدل على انه لا يقصر فيما لم يكن له فيه منزل يقيم فيه ستة اشهر و ان كان وطنا عرفا.
و معارضة مفهوم الغاية في موثقة اسحاق الثانية من اخبار الاهل مع الصحيحة، لدلالته على انه ما لم يدخل اهله يقصر و ان دخل الوطن الشرعي. لاندفاع الاول بانه قد عرفت عدم تعيين خصوص معنى للصحيحة، و اما ما انتفى فيه المعنيان فلم يقم فيه ستة اشهر و لم يقصد اقامتها بعد ذلك ايضا لا يكون البتة وطنا عرفا حتى يحصل التعارض.
و الثاني بمنع عدم صدق اهله على الوطن الشرعي بالمعنى الذي ذكرنا، فان اهل كل شخص ليس غير عياله و عشيرته، و كني هنا به عن وطنه، فيمكن ان يراد به الوطن الشرعي ايضا.
ثم لا يخفى انه يشترط وجود المنزل على كل من الوطنين، و وجهه ظاهر.
و لا يتوهم كفاية مطلقه من غير اعتبار الوطنية من جهة دلالة اخبار كثيرة على الاتمام في المنزل و البيت و الدار، اذ لا شك انه يجب تقييدها بالوطن، لاخباره التي هي منها اخص، خصوصا صحيحة ابن يقطين الثالثة (229) .
ا: اللازم في الموطن العرفي صدق كونه من اهله، فلو كان قبل ذلك، كان يكون اول امره و اراد حينئذ السكنى فيه دائما، و لكنه لم يدخل بعد تحت اسم اهله، لا يجوز له الاتمام فيه، بل يرجع الى قواعد السفر، للاستصحاب، و عدم صدق الاهل الذي هو مناط الوطن العرفي، و لا ثبوت الوطن الشرعي.نعم لو مضى على ذلك ما يصدق معه الوطن الشرعي اتم.
ب: لا تشترط في المنزل الملكية، لصدق المنزل على المستاجرة و المعارة و نحوهما، و المنزل اعم من المملوك و غيره.نعم في بعض الاخبار قيد بمنزل له او منزله او بيته او داره، و المتبادر من هذه اللام و الاضافة الاختصاص دون الملكية.
و منه يظهر عدم الاكتفاء بالوقوف العامة، كما صرح به في الذخيرة (230) ، لعدم تبادر هذا النوع من الاختصاص.و اما الخاص به فلا شك في دخوله فيه، كما نقله في الذخيرة عن جماعة من الاصحاب (231) ، و الظاهر انه لا تشترط الخصوصية به، بل اذا كان وقفا على محصور هو منهم كان كافيا ايضا.
ج: هل يجب التتابع و التوالي في الاشهر؟
قال في الذخيرة: الظاهر لا، و نسبه الى جماعة (232) ، و ممن نفاه الفاضل و الشهيدان (233) ، للعموم، و اصالة عدم الاشتراط.
و عن ظاهر المعتبر اعتباره (234) ، و قواه بعض الاجلة قال: لانه المتبادر، و العموم الذي ادعوه ممنوع.
اقول: و هو الاظهر عندي في تحقق الوطن الشرعي، للتبادر الذي ادعاه كما مرت اليه الاشارة (235) ، و لا اقل من الشك في صدق ستة اشهر بالمتفرقة سيما في خلال السنين المتكثرة، فلا يعلم ترتب ما يترتب عليه من الحكم.
د: اللازم في صدق اقامة الستة اشهر المتوالية الاقامة العرفية، فلا يضر الخروج في بعض الايام الى حدود البلد، بل لا يبعد عدم الضرر في الخروج الى اكثر منها مع العود سريعا بحيث لا يضر في تحقق الاقامة، و تاتي زيادة تحقيق له في بيان معنى اقامة العشرة.
ه: لا تشترط الاقامة في الستة اشهر في خصوص المنزل، بل تكفي الاقامة في بلده، لانه معنى الاقامة في المنزل شرعا، الا ان لا يدخل المنزل اصلا او في الاغلب، فانه يشك في الصدق حينئذ فيرجع الى الاصل.
و: هل يشترط في الاقامة في ستة اشهر كون هذه المدة كلها مما يتم فيه الصلاة لاجل الاقامة؟
او يكفي الاتمام و لو لاجل البقاء ثلاثون يوما مترددا او الاتمام سهوا او لكونه كثير السفر او عاصيا بسفره؟
الظاهر الاول، لا لاجل اشتراط اتمام الصلاة فيه لعدم دليل عليه، بل لاجل عدم صدق العزم على اقامة ستة اشهر بدون ذلك.
نعم يشكل ذلك في الستة اشهر الماضية حيث تصدق اقامتها و لو لم يكن ناويا لها، و الظاهر عدم الاشتراط فيها، للاصل.
ز: المراد بكون شخص اهل بلد: كونه اهله و من قاطنيه عرفا في الحال، فلا تكفي الاهلية السابقة المسلوبة عرفا حينئذ، و لا تكفي النسبة المتحققة باعتبار التولد و نشوء الآباء و الاجداد.
ح: لا شك في امكان تعدد الوطن الشرعي، و كذا الظاهر امكان تعدد العرفي ايضا، فانه اذا كان لاحد منزلان في بلدين، يقيم في كل منهما بعض السنة و ينوي الاستدامة على ذلك يقال: انه من اهلهما و متوطن فيهما.
ط: يمكن التوطن في مكان عرفا و زواله بعد مدة.
و وجوب الاتمام فيه.
و هو ثابتباجماعنا، و الضرورة من مذهبنا، و المتواترة من اخبارنا.
منها: صحيحة زرارة: ارايت من قدم بلدة الى متى ينبغي له ان يكون مقصرا و متى ينبغي له ان يتم؟ فقال: «اذا دخلت ارضا فايقنت ان لك بها مقام عشرة ايام فاتم الصلاة، و ان لم تدر ما مقامك بها تقول: غدا اخرج او بعد غد، فقصر ما بينك و بين ان يمضي شهر، فاذا تم لك شهر فاتم الصلاة و ان اردت ان تخرج من ساعتك» (236) .
و منصور: «اذا اتيتبلدة فازمعت المقام عشرة ايام فاتم الصلاة، فان تركه رجل جاهلا فليس عليه شيء» (237) .
و الخزاز: عن المسافر ان حدث نفسه باقامة عشرة ايام، قال: «فليتم الصلاة، و ان لم يدر ما يقيم يوما او اكثر فليعد ثلاثين يوما، ثم ليتم و ان كان اقام يوما او صلاة واحدة» فقال له محمد: بلغني انك قلت: خمسا، فقال: «قد قلت ذاك» (238) .
و ابن وهب: «اذا دخلتبلدا و انت تريد المقام عشرة ايام فاتم الصلاة حين تقدم، و ان اردت المقام دون العشرة فقصر، و ان اقمت تقول: غدا اخرج و بعد غد، و لم تجمع على عشرة، فقصر ما بينك و بين شهر، فاذا تم الشهر فاتم الصلاة» (239) .
و علي: عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان اعليه صوم؟ قال: «لا حتى يجمع على مقام عشرة ايام، و اذا اجمع على مقام عشرة ايام صام و اتم» (240) .
و رواية ابي بصير: «اذا قدمت ارضا و انت تريد ان تقيم بها عشرة ايام فصم و اتم، و ان كنت تريد ان تقيم اقل من عشرة ايام فافطر ما بينك و بين شهر، فاذا بلغ الشهر فاتم الصلاة و الصيام و ان قلت: ارتحل غدوة» (241) الى غير ذلك.
و مقتضى صريح الثلاثة الاخيرة و مفهوم البواقي انه لو نوى دون العشرة قصر و لو كان خمسة ايام او اكثر، كما هو الاقوى الاشهر، بل عليه عامة اصحابنا كما عن المنتهى (242) .
خلافا للاسكافي، فيتم في خمسة (243) ، لذيل صحيحة الخزاز المتقدمة، القاصرة عن افادة الحكم، لشذوذها و معارضتها مع ما هو اكثر و اصح و اصرح و اشهر منها، مع ما فيها من الاحتمالات التي ذكروها من الحمل على التقية، او الاستحباب، او التخصيص بالحرمين، او ارجاع الاشارة في قوله «ذاك» الى الاتمام في العشرة.
ا: لا فرق في موضع الاقامة بين كونه قرية او بلدا او بادية، و لا بين العازم على السفر بعد المقام و غيره، لاطلاق الفتاوى و النصوص.نعم يشترط في البادية ان يقصد الاقامة في موضع معين منها مما يعد موضعا واحدا عرفا، كمجتمع الخيام او قطعة ارض معينة، و لم يثبت الحكم في ازيد من ذلك، كما يظهر وجهه مما نذكره في بيان معنى اقامة البلد.
ب: المراد بنية الاقامة تحقق قصد المقام في نفسه، كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، و على هذا فيدخل من نوى الاقامة اقتراحا، او علقها على قضاء حاجة يعلم عادة توقف انقضائها على العشرة، او على شرط فوجد الشرط، و لكنه يقصر قبل وجوده.
و بالجملة المناط ارادة الاقامة، و هي تحصل باحد الامرين:
الاول: قصد الاقامة الى حصول وصف، بشرط العلم بعدم حصوله قبل العشرة عادة.و لا يكفي الظن هنا، لعدم صدق قصد العشرة.
و ثانيهما: قصد الاقامة الى خصوص العشرة فصاعدا.
و لا بد هنا من عدم الالتفات الى احتمال حصول المانع، او الالتفات اليه مع ظن عدم حصوله و لو بالاستصحاب، في المانع الغير الموجود.و اما المانع الموجود فلا بد مع الالتفات اليه من العلم بارتفاعه، و لا يكفي الظن به، و كذا وجود المقتضي.
كل ذلك لدوران الصدق العرفي مداره، فمن دخل بلدا و اراد اقامة عشرة يتم و لو كان بحيث لو بلغ خبر موت والده او زوجته لا يقيم، لان امثال ذلك لا يضر في صدق القصد و العزم العرفيين، و الا لم يكن مقام يتم فيه لاقامة العشرة.
ج: لا شك في اشتراط التوالي في الايام العشرة لتحقق اقامة عشرة ايام، لانه المتبادر، بل هو اتفاقي.فلو اقام خمسة ثم خرج و سافر اياما ثم اقام خمسة اخرى لم يكن كافيا اجماعا، و يجب ان تكون ايام الاقامة في بلد متتالية.
نعم اختلفوا في انه هل يشترط في تحقق الاقامة في موضع عدم الخروج منه اصلا، او لا بل لا يضر فيه الخروج عنه في زمان يسير؟ و لو سلم اشتراط عدم الخروج منه فهل يشترط عدم الخروج عن حد ترخصه، او عدم البلوغ حد المسافة؟
و الحاصل انه لا شك في تعليق الحكم على اقامة العشرة المتتالية في بلد، انما الكلام في معنى الاقامة في بلد.
فقيل: معناها ان لا يخرج عن محل الاقامة الى حد الترخص فما فوقه، كما عن الشهيدين (244) .
و قيل: ان لا يخرج الى المسافة فما فوقها، فلا يضر فيها ان يخرج الى ما دون المسافة مع رجوعه ليومه و ليلته، كما عن فخر المحققين (245) .
و قيل: يناط ذلك الى العرف، فيشترط فيه انتفاء ما يضر عرفا باقامة البلد عرفا، و لا يشترط غير ذلك كما ذهب اليه جمع من افاضل المتاخرين (246) .
دليل الاول: ان معنى الاقامة في البلد ان لا يخرج عن حدود ذلك البلد، و المستفاد من الاخبار ان الحدود الشرعية لكل بلد منتهى سماع اذانها و رؤية بيوتها و جدرانها، و هو الذي يحصل به الترخص من جميع اطرافها، فما دام يكون فيما دون حد الترخص يكون في البلد، و اذا تجاوز عنه يكون خارجا عنه.
او يقال: ليس المراد بالاقامة معناها اللغوي، و لم تثبت فيه حقيقة شرعية، فيقتصر فيه على موضع الاجماع، و هو ما لم يتجاوز حد الترخص.
او يقال: معنى الاقامة في البلد الاقامة فيه عرفا، و عدم الخروج عن حد الترخص عن بلد اقام فيه عرفا، دون ما تجاوز عنه.
و يرد على الاول: منع كون الحدود لبلد هو حد الترخص.و اعتباره في كل من الخروج و الدخول من السفر لا يستلزم اعتباره في معنى الاقامة او البلد او الموضع، فانه امر شرعي لا مدخل له في امر عرفي مستفاد من اللفظ المترتب عليه الحكم الشرعي.و تقديم الشرع على اللغة او العرف انما هو فيما اذا افاد الشرع حقيقة شرعية لذلك اللفظ الذي نيط به الحكم، دون ما اذا افاد شرطا شرعيا لحكم في بعض الموارد كما نحن فيه، فان غاية ما يستفاد من الشرع اعتبار حد الترخص حال خروج المسافر و دخوله في القصر و الاتمام، لا صيرورة الاقامة حقيقة شرعية فيما لم يحصل معه الخروج الى حد الترخص للفظها.
و على الثاني: منع عدم ارادة المعنى اللغوي عن الاقامة في موضع، بل هو المراد، و هو ما يصدق عليه ذلك عرفا فانه لا يعلم للاقامة في موضع لغة معنى سوى ما يفهمه العرف، و على هذا فلا حاجة الى الاقتصار على موضع الاجماع، بل يرجع الى العرف، مع ان اصل الاجماع الذي ادعاه ممنوع.
و على الثالث: ان بعد الاناطة الى العرف لا يتفاوت فيه التجاوز عن حد الترخص بقليل او عدم البلوغ اليه كذلك، و الحاصل انه لا وجه لاناطة العرف بخصوص حد الترخص.
دليل الثاني: ان الاقامة انما تنقطع بالسفر الشرعي، و السفر الى ما دون المسافة ليس سفرا شرعيا فلا يقدح في اتصال الاقامة.و بعبارة اخرى: المراد بالاقامة ترك السفر، فلا ينافي قصد ما دون المسافة فيه.
و رواية الحضيني: استامرت ابا جعفر عليه السلام في الاتمام و التقصير، قال: «اذا دخلت الحرمين فانو عشرة ايام و اتم الصلاة» فقلت له: اني اقدم مكة قبل التروية بيوم او يومين او ثلاثة، قال: «انو مقام عشرة ايام و اتم الصلاة» (247) .
و لا ريب ان القادم بيومين او ثلاثة قبل التروية من نيته الخروج الى عرفة قبل العشرة، و لا يتم معه الحكم بالتمام الا على هذا القول.
و صحيحة ابن مهزيار و فيها: «اذا توجهت من منى فقصر الصلاة، فاذا انصرفت عن عرفات الى منى و زرت البيت و رجعت الى منى فاتم الصلاة تلك الثلاثة الايام» (248) .
فان اتمام الصلاة في منى في الايام الثلاثة لا يتم الا على عدم ضرر ما دون المسافة في قصد الاقامة، لانه بعد الثلاثة يقصد مكة.
و صحيحة زرارة: «من قدم قبل التروية بعشرة ايام وجب عليه اتمام الصلاة و هو بمنزلة اهل مكة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فاذا زار البيت اتم الصلاة، و عليه اتمام الصلاة اذا رجع الى منى حتى ينفر» (249) .
فان اتمام الصلاة في منى لا يتم الا على القول المذكور، و لذا قال في الوافي بعد ذكر الرواية و الكلام فيها: الا ان يقال ارادة ما دون المسافة لا تنافي عزم الاقامة، و عليه الاعتماد (250) .انتهى.
و ظاهره-كما ترى-موافقته لهذا القول لاجل هذه الروايات.
و يرد على الاول: منع توقف انقطاع الاقامة بالسفر الشرعي، بل ينقطع عرفا بغيره ايضا.و حمل الاقامة على ترك السفر الشرعي لا يوافق حقيقة لغوية و لا شرعية و لا عرفية.
و على الرواية الاولى: انها معارضة مع الصحيحتين الاخيرتين، فانهما تدلان على ان قصد عرفات يوجب التقصير و يهدم قصد الاقامة، فهما حجتان على المستدل لو قال بعدم كون اربعة فراسخ مسافة، و لا تصلح حجة له لو قال بكونها مسافة.مع ان لزوم خروج كل من يرد مكة الى عرفات ممنوع، و من اين علم خروج الراوي؟
و على الاخيرتين: انهما صرحتا بهدم الاقامة الاولى بقصد عرفة و لم يعلم ان الحكم بالتمام فيهما لمن ياتي منى لاجل قصد اقامة مستانفة قبل الاتيان بمنى ثانيا بمكة، لخلوهما عن هذا التقييد، و ليس منه فيهما عين و لا اثر، بل مقتضاهما التمام و لو لم يقصد الاقامة المستانفة ايضا.
و دعوى اكثرية عزم الاقامة بمكة بعد الفراغ من الحج-كما في الوافي- (251) ممنوعة جدا، سيما في زمان الامام لاهل مدينة و نحوهم.
بل الاخيرة صريحة في انه ليس لذلك، لجعلها غاية التمام النفر المستلزم لعدمه بعد النفر و دخول مكة مع انه لو كان السبب ذلك لوجب التمام بعد النفر في مكة ايضا، و حمل النفر على النفر الى بلده يوجب بطلان الاتمام للقصد في مكة اجماعا.
و منه يظهر تقييد الصحيحة الاولى بما قبل النفر ايضا و تخرجان بذلك عن مفروض المسالة، غاية الامر انه لا يكون سر الاتمام في منى فيهما معلوما لنا، فلا تفيدان لنا في المسالة شيئا.
و يمكن ان يكون الاتمام لقصد اقامة مستانفة بعد النفر من منى في مكة، حتى تكون ايام منى محصورة بين قصد اقامتين بان لا تضر مسافة التخيير في ذلك.
و دليل الثالث: انه لم يرد نص في معنى اقامة الارض و البلد، فيرجع فيه الى ما تعد اقامة البلد عرفا، لانه الحاكم في امثال ذلك.و فرعوا عليه انه لو نوى ما يقال له في العرف: انه اقامة ذلك البلد، فهو يكفي و ان انضم اليه التردد الى البساتين المتصلة بالبلد و المحلات الخارجة عن سوره، الغير المنفصلة عن البلد عرفا، ما لم يصل الى موضع بعيد يخرجه عن المقيمين في البلد.
و بالجملة ليس معنى الاقامة و لا البلد و نحوه امرا تحقيقيا، بل هما امران عرفيان، فالاقامة هي عدم الخروج عرفا، و قد لا يضر الخروج في دقيقة او ساعة في اقامة مدة طويلة، و البلد و نحوه هو ذلك الموضع عرفا و قد لا يضر البعد عن بيوته بنصف ميل و نحوه فالمناط فيهما العرفيان.
و الظاهر عدم الخروج عن اقامة بلد بالتردد الى بساتينه و مزارعه، المتصلة به القريبة منه المعدودة عند اهل البلد من بساتين البلد و مزارعه، ما لم تعد في العرف موضعا على حدة مقابلا لذلك البلد، فيقال: هذا في البلد، و هذا في الموضع الفلاني و هذا بستان البلد، و هذا بستان القرية الفلانية.
اقول-و من الله التوفيق-: ان لنا لفظين، احدهما: الاقامة، و ثانيهما:
موضع الاقامة من الارض او البيت او المكان او البلد او نحوها، و ليس شيء منهما مبينا شرعا، فيجب في تعيين معناهما الرجوع الى العرف.و لكن اللفظ الاول واحد في الاخبار و هو لفظ الاقامة، و اما الثاني فيجب اولا تعيين المضاف اليه للاقامة ثم الرجوع في استخراج معناه الى العرف، فان اقامة البيت غير اقامة المحلة، و هي غير اقامة البلد و القرية، و هي غير اقامة الرستاق و المملكة و هكذا.
فنقول اولا لبيان ذلك: ان اخبار الاقامة منها ما لم يذكر فيه محل الاقامة و ما يقيم فيه، بل يتضمن حكم الاقامة مطلقة كصحيحة الخزاز و نحوها، و منها ما يتضمن الاقامة بارض كصحيحة زرارة و رواية ابي بصير، و منها ما يتضمن الاقامة بمكان كصحيحة علي، و منها ما يتضمن الاقامة بالبلدة كصحيحتي منصور و ابن وهب المتقدمتين (252) ، و صحيحة ابي ولاد و غيرها الآتية في مسالة الاتمام في المواطن الاربعة (253) و غير ذلك.
و الصنف الاول مجمل من حيث محل الاقامة، و الثانيان شاملان لاقامة البيت و المحلة و البلد و الرستاق و المملكة و نحوها، و لا شك في تفاوت حكم الخارج بقصد كل منها، الا ان الصنف الاخير اخص مطلقا من الجميع، فيجب الحمل على اقامة البلدة و نحوها من القرية، لانها ايضا بحكمها اجماعا، حملا للمطلق على المقيد، و المجمل على المبين.
و حمل الاقامة على ترك السفر حتى لا يحتاج الى المضاف اليه لا دليل عليه، لانه ليس معنى الاقامة لغة و لا شرعا و لا عرفا، مع ان ناوي الاقامة مسافر عرفا ايضا، و ايضا نرى انه لو كان يقول: من اقام في بيت عشرة ايام يتم، كان يختلف حكمه مع قوله: من اقام في محلة او اقام في بلد، و لو كان المراد ترك السفر لم يختلف البتة، و يحصل من ذلك ان متعلق حكم الاتمام هو قصد اقامة البلد او القرية او المصر او المدينة او نحوها.
و على هذا فلا بد من الرجوع في معنى المضاف و المضاف اليه الى العرف.
و معنى الاول عرفا واضح، و هو التوقف في ذلك الموضع و عدم الخروج منه، و هو يختلف باختلاف المدة، فلو قال: اقم في البيت الدقيقة الفلانية، يعصى بالخروج منه بنصف دقيقة، و لو قال: اقم فيه شهرا، لا يعصى بالخروج الى حواليه دقيقة عرفا على الظاهر، بل و لا ساعة او ساعات اذا لم يبعد المسافة كثيرا.
و اما الثاني فلا شك في صدقه على ما احاط به سور البلدة او القرية او ما تجمعه حدود بنيانها و دورها، و لكن قد يقتصر على ذلك في العرف كما يقال لمن اقام عند درب بغداد: ما دخل بغداد و اجتاز منها، و لذا لو نذر احد ان لا يدخل بغداد لا يحنث لو ذهب الى قرب سوره.
و قد استعمل ذلك في بعض الاخبار الآتية في بيان حد الترخص، بل هذا هو الاستعمال الاكثري كما يستفاد من الاخبار ايضا، و لذا اعتبروا ابتداء المسافة من خارج البلد بهذا المعنى، و لذا يصح ان يقال: فلان خرج من البلد، اذا تجاوز عن دربه و سوره.
و قد يتجاوز عن ذلك فيستعمل فيما ذكر و في حدوده المتصلة به و بساتينه، كما مرت الاشارة اليه.
و قد يتجاوز عن ذلك ايضا فيستعمل في بلدة و قراها و قرية و مزارعها البعيدة، فيقال: فلان ساكن بغداد، و ان سكن بعض قراها.
و نحن لا نعلم المراد من البلدة و القرية التي اضيفت اليها الاقامة، و لا شك ان ذلك ليس منوطا الى قصد المقيم حتى لو نوى المقام بالبلدة بالمعنى الاخير لم يضر الخروج الى قراها البعيدة التي منها اليها عشرة فراسخ و اكثر و يكون المجموع في حكم الوطن، بل القدر الثابت ان قصد الاقامة في البلدة و القرية موجب للاتمام، و البلدة تستعمل في معان، و القدر المعلوم ان قصدها بالمعنى الاول-و هو ما جمعته الدور و البنيان و حفته السور و الجدران-يوجب الاتمام قطعا، و الباقي غير معلوم لنا، فلا يعلم تعلق الحكم به ايضا.
فان قلت: معنى البلدة في اقامة البلدة مركبة غير معناها مفردة.
قلنا-مع انه خلاف الاصل للعلم بالمعنى التركيبي لغة-: انه لو قال: اقم في داخل السور، فهل يفهم جواز التجاوز عنه؟ بل لا شك في عدم جوازه، فاذا احتمل كون المراد بالبلدة ذلك المعنى كيف يتفاوت معنى اقامة البلدة؟ !
نعم في معنى الاقامة عشرة ايام عرفا توسع لا يضر الخروج ساعة او ساعتين او ساعات حتى لو قال: اقم داخل السور عشرة ايام، لم يضر هذا القدر من الخروج اذا لم يبعد المسافة كثيرا، و هو توسع في معنى الاقامة مختلف باختلاف مدته قصرا و طولا او في معنى عشرة ايام، لا في معنى البلدة.
و من هذا يظهر ان ما نقله في الحدائق ناسبا له الى الغفلة، و هو انه اشتهر في هذه الازمنة المتاخرة ان من اقام في بلدة او قرية مثلا فلا يجوز له الخروج من سورها المحيط بها او عن حدود دورها و بنيانها (254) ، هو الحق الحقيق بالاتباع، و عليه الفتوى و الاعتماد.و لا يتوهم ان ذلك قول مغاير للقول الثالث، بل هو عينه، الا انا نقول: ان هذا هو المعنى العرفي لاقامة البلد.
نعم لا يضر خروج ساعة او ساعتين او نحو ربع يوم الى حوالي البلد، لا لصدق البلد على الحوالي، بل لعدم منافاته لصدق الاقامة عشرة حتى لو قال:
اقم داخل السور عشرة ايام، لم يضر ذلك ايضا.
و بهذا ينضبط امر الاقامة، و الا فيحصل الاضطراب في الرستاق القريبة القرى و في نحو ذلك.
فاللازم في قصد الاقامة قصد التوقف في مجتمع البنيان و الدور من بلد عرفا، و عدم الخروج منها خروجا عرفيا لا بنحو عشرة اقدام و عشرين و نحوهما مما لا يخل بالاقامة من خروج زمان يسير.
و حمل الاقامة على ترك السفر الشرعي كان معنى حسنا منضبطا لو كان على ارادته و الحمل عليه دليل، و لكن لا دليل عليه اصلا.
د: قال في المنتهى: لو عزم على اقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية الى قرية، و لم يعزم على الاقامة في واحدة منها المدة التي يبطل حكم السفر فيها، لم يبطل حكم السفر، لانه لم ينو الاقامة في بلد بعينه، فكان كالمنتقل في سفره من منزل الى منزل (255) .
قال في المدارك: و هو حسن (256) و تبعه جمع آخر (257) .
و هو كذلك، و وجهه واضح، فان الثابت هو تعلق الاتمام على من قصد الاقامة في قرية دون رستاق او مملكة.و على هذا فيضر في قصد الاقامة قصد الخروج الى قرية اخرى و لو كانت قريبة جدا، و لا يضر الخروج عن دورها بقليل او في زمان يسير.
ه: لو نوى المسافر الاقامة في بلدة و اقام العشرة او صلى فيها صلاة تامة، ثم بدا له الخروج، فان كان الى المسافة فحكمه واضح.
و ان كان الى ما دونها: فاما لا يريد العود الى موضع الاقامة، او يريده.
فان لم يرد: فاما يقصد المسافرة من ذلك الموضع بغير قصد اقامة في الموضع الثاني فيقصر، او يقصد فيه الاقامة، فيتم في ذلك الموضع و الطريق ان لم يبلغ الاربعة، و يتخير في الطريق ان بلغها، و الكل ظاهر.
و ان اراد العود: فاما يكون بعد قصد اقامة في ذلك الموضع الثاني او قبله.
فان كان بعده يتم في الطريق ذهابا و ايابا وجوبا مع عدم كونه اربعة، و تخييرا مع كونه اربعة، و في ذلك الموضع و الموضع الاول وجوبا ان اراد قصد اقامة مستانفة في الموضع الاول، و يقصر حين الخروج من ذلك الموضع الثاني في الطريق و في الموضع الاول ان لم يرده.
و ان كان قبله: فاما بلغ المسافة اربعة، ام لا.
فان بلغ: فان اراد العود ليومه يقصر في الطريق ذهابا و ايابا و في ذلك الموضع وجوبا و كذا في محل الاقامة مع عدم قصد اقامة جديدة فيه.
و ان لم يرد العود ليومه بل عاد بعد يوم و نحوه: فان قصد اقامة مستانفة بنى على ضم الاياب مع الذهاب في وجوب القصر او جوازه او عدم الضم اصلا، و المشهور هنا الاخير، و قيل: بلا خلاف ظاهر، بل قيل: انه اجماع (258) .و الحق الثاني، لما مر في المسالة الثالثة من الشرط الاول (259) ، بل الاول، لعدم معلومية شذوذ القول بالضم هنا.
و لو لم يقصد اقامة مستانفة فالمشهور وجوب القصر بالخروج عن الموضع الاول، و نسب الى الشيخ و الحلي و الفاضل (260) .و قيل باختصاصه بحال الاياب فيتم في الذهاب، حكي عن الشهيدين (261) ، و نسبه بعضهم الى الاكثر ايضا، بل نسب القول بالتمام مطلقا-حتى في الاياب-اليهم.
و على هذا فهو قول ثالث، و افتى به الفاضل في جواب المسائل المهنائية (262) .
و هنا قول رابع و هو القصر ذاهبا و جائيا و في الموضعين، الا اذا قصد اقامة جديدة او اراد تكميل الاقامة الاولى، نسب الى ظاهر المختلف (263) .
و قد يحكى قول خامس ينسب الى البيان، و هو الفرق في العود بين عدم اقامة اصلا و بين الاقامة في الجملة و ان كان دون العشرة، فيقصر ذاهبا و جائيا في الاول و عائدا خاصة في الثاني (264) .
دليل الاولين: ضم الذهاب مع الاياب، و اطلاقات وجوب القصر على المسافر، خرج موضع الاقامة حال الاقامة فيبقى الباقي.
و دليل الثاني: عدم ضمه، و كون الاصل في الصلاة التمام كما يستفاد من الغلبة، و استصحاب حال المكلف، خرج حالة الاياب لقصد المسافة، فبقي الباقي.
و دليل الثالث: ذلك الاصل، و كون محل الاقامة بمنزلة الوطن.
و دليل الاخيرين: اعتبارات ضعيفة.
و اذ قد عرفت ان الحق الضم في جواز القصر تعرف ان القوة مع جواز القصر ذهابا و ما دام في الموضع الاول، له و لجواز القصر في الاربعة مطلقا، و وجوبه ايابا.بل الظاهر الاقوى الوجوب في الذهاب في هذه المسالة ايضا، لما عرفت من ان رفع اليد عن ادلة وجوب الضم انما كان لشذوذها، و هو في المسالة مفقود، و لما مر من اطلاقات قصر المسافر، و لما ياتي مما يدل على القصر فيما دون الاربعة.
و اصالة التمام في كل صلاة ممنوعة، و لو سلمت فبما مر مدفوعة، و كون محل الاقامة بمنزلة الوطن في جميع الاحكام لا دليل عليه، و عموم المنزلة التي ادعي مما لا ينبغي الركون اليه.
و ان لم يبلغ المسافة اربعة فمع قصد اقامة مستانفة في محل الاقامة لا يقصر مطلقا، اذ لا موجب له.
و مع عدم قصدها فكالاربعة، فيقصر ذهابا و ايابا و في الموضعين، باعتبار ضم الاياب مع الذهاب هنا وجوبا، و تدل عليه بالتصريح صحيحة ابي ولاد الآتية في حكم الصلاة في المواطن الاربعة (265) ، و رواية الجعفري الآتية في الفرع التاسع (266) .
و لا يخفى ان المراد بعدم قصد الاقامة المستانفة في محل الاقامة هنا عدم قصدها في ذلك السفر مطلقا و لو بعد التردد الى الموضع الثاني مرات.فلو قصدها و لو بعد التردد يتم ذهابا و ايابا و في الموضعين وجوبا، كمن قصد الاقامة في بغداد ثم اراد الذهاب الى الكاظمين عليهما السلام، فان لم يرد اقامة ثانية في بغداد اصلا في هذا السفر يقصر وجوبا ذهابا و ايابا و في الموضعين.و ان اراد اقامة ثانية فيها و لو بعد التردد الى الكاظمين مكررا بان تكون تلك الترددات محصورة بين قصد اقامتين يتم في الجميع وجوبا، لما ذكرنا سابقا من ان الثابت ضم اياب واحد مع الذهاب لا التردد مكررا.
هذا اذا لم تكن المسافة بين الموضعين اربعة، و الا فكما عرفتيجب القصر مع قصد الاقامتين في طرفي الترددات.
و: اليوم و ان كان حقيقة فيما بين الطلوعين الا انه يدخل هنا الليالي اجماعا، لا بمعنى اشتراط عشرة ليال ايضا، بل بمعنى ان يقيم في الليالي المتخللة بين العشرة ايام، فلو اقام الايام و خرج الليالي لم يكن اقامة عشرة اجماعا، و لكن لو دخل اول طلوع الشمس من يوم و خرج اول غروبها من العاشر كفى و ان لم يقم الا تسعة ليال، للاجماع ايضا و صدق اقامة العشرة.
ز: تجب اقامة عشرة ايام تامة، لانها مقتضى اللفظ، فلو نقص عنها بعض يوم و لو نصف ساعة لم يكن اقامة العشرة.
و يظهر من بعضهم احتساب يوم الدخول و الخروج منها و لو كانا بعض يوم (267) .
و لا وجه له، و الصدق العرفي الذي ادعاه ممنوع.
و لو دخل في اثناء يوم و خرج في اثناء يوم آخر ففي احتسابهما اربعة اوجه بل اقوال:
الاول: عدم احتسابهما مطلقا لا يوما و لا يومين و اشتراط عشرة تامة غيرهما، اختاره في المدارك (268) .
و الثاني: احتسابهما يوما واحدا بالتلفيق، استقر به في الذكرى و روض الجنان و البحار (269) ، و بعض مشايخنا (270) .
و الثالث: احتسابهما يومين مطلقا، فيتم العشرة بهما و بثمانية اخرى، يظهر من بعضهم القول به.
و الرابع: احتسابهما يومين ان دخل قبل الزوال كثيرا و خرج بعده كذلك، و لو عكس او دخل و خرج عند الزوال فيسقطهما او يلفق (271) .
و الحق هو الاول، لان اليوم حقيقة في ذلك الزمان الممتد المتصل تاما، و لا يصدق على نصف من يوم و نصف من آخر او غير معلوم صدقه عليه، فما لم يتحقق هذا الزمان الممتد عشر مرات لم يعلم صدق عشرة ايام.و التلفيق مطلقا او احتساب الناقص كذلك خلاف الاصل و الحقيقة، فيحتاج الى دليل.
و مستند المخالفين و دفعه ظاهر، و اقوى اعتمادهم على الصدق العرفي الممنوع جدا.
ح: لو حصل له قصد الاقامة عشرة في اثناء صلاة مقصورة يتم الصلاة، بلا خلاف ظاهر، بل من بعضهم الاجماع عليه (272) ، و تدل عليه صحيحة ابن يقطين: عن رجل خرج في سفر ثم تبدو له الاقامة و هو في صلاته، قال: «يتم اذا بدت له الاقامة» (273) .
و نحوها حسنة سهل بن اليسع (274) .
ط: ان رجع ناوي الاقامة عن قصده فان لم يصل صلاة تامة رجع الى التقصير، و ان صلى صلاة تامة و لو واحدة اتم سائر ما يصلي في ذلك المقام و لو صلاة واحدة، بلا خلاف في شيء من الحكمين، بل عن جماعة الاجماع عليه (275) .
و تدل عليه صريحا صحيحة ابي ولاد الآتية في حكم الصلاة في المواطن الاربعة (276) ، و الرضوي المنجبر (277) ، و هو ايضا بمعناها.
و اما رواية الجعفري: لما ان نفرت من منى نويت المقام بمكة، فاتممت الصلاة حتى جاءني خبر من المنزل، فلم اجد بدا من المصير الى المنزل، و لم ادر اتم ام اقصر، و ابو الحسن عليه السلام يومئذ بمكة، فاتيته فقصصت عليه القصة، فقال: «ارجع الى التقصير» (278) .
فهي غير منافية لما ذكر، لان المراد الرجوع الى التقصير بعد الخروج من مكة، و هو كذلك ما لم يقصد اقامة جديدة.
و ظاهر قوله في الصحيحة: «حتى بدا لك ان لا تقيم» ان الموجب للرجوع الى التقصير قبل الصلاة هو قصد عدم الاقامة.فلو حصل له التردد بعد القصد لا يقصر، لعمومات التمام في موضع قصد فيه الاقامة، و استصحاب وجوب التمام.و لا تعارضها عمومات قصر المتردد، لظهورها فيمن كان كذلك ابتداء.
و كذا ظاهرها ان الموجب للرجوع هو قصد عدم الاقامة سواء قصد المسافة او مادونها، فيقصر لو كان رجوعه قبل الصلاة الى قصد ما دون المسافة، وفاقا لجماعة (279) ، و خلافا لآخرين لوجه ضعيف (280) .
ثم ان الحكم بالاتمام فيها وقع معلقا بالصلاة، فلا يكفي الصوم الواجب و لو اتمه قبل الرجوع، لعموم الصحيحة.
و قيل: يكفي ان رجع بعد الزوال (281) ، لما دل من العمومات على وجوب المضي في الصوم اذا سافر بعد الزوال (282) ، فاذا صح فلا بد ان لا تبطل اقامته، و الا فيلزم وقوع الصوم في السفر.
و فيه اولا: ان شمول العمومات لما نحن فيه ممنوع، لانها الظاهرة فيمن سافر من المكان الذي يتحتم فيه الصوم.و ثانيا: ان بطلان وقوع الصوم مطلقا في السفر ايضا ممنوع، انما هو اذا كان مجموعه حاصلا في السفر.
و قيل: يكفي مطلقا، لصحة الصوم قبل الزوال، فتكون اقامته صحيحة، و الا لزم جواز الصوم في السفر (283) .
و فيه: انه مراعى بعدم الرجوع او باتمام فريضة تامة للصحيحة، و ذلك واسطة بين الصحة الحتمية و البطلان الحتمي، فالصوم صحيح ما لم يرجع او يصلي فريضة تامة.
و كذا علق الحكم على وقوع الصلاة، فلا يكفي مضي زمانها مع تركها عمدا او سهوا او لاغماء او جنون.
و على اتمامها، فلا يكفي بعض الصلاة، فلو رجع عن العزم في اثناء الصلاة يقصرها، وفاقا لجماعة (284) .
و قيل: لا يرجع لان الصلاة على ما افتتحت عليه (285) .
و قيل: يرجع ان لم يتجاوز محل القصر، و ان تجاوز لم يرجع، لاستلزامه ابطال العمل-المنهي عنه-لو رجع، فيتم ثم يصدق انه صلى صلاة تامة (286) .
و فيه: منع انه ابطال، بل هو بطلان.سلمنا و لكن لا نسلم النهي عن الابطال هنا.
و على كون الصلاة فريضة، فلا تكفي النافلة التي تسقط في السفر.
و ان تكون الصلاة بتمام، فلا تكفي الفريضة الغير المقصورة، و لا المقصورة اذا اتممت لشرف البقاع.
و يمكن الخدش فيه بان من صلى المغرب او الصبح مثلا يصدق انه صلى فريضة بتمام، و تقييدها بالمقصورة لا دليل عليه، و تبادر ان الاتمام لنية الاقامة ممنوع.نعم يتبادر ان تكون الصلاة تامة مع الاختيار و القصد، فلو تم المقصورة بغير نية الاقامة سهوا لم يكن كافيا.و بالجملة مقتضى الصحيحة كفاية الصلاة التامة الواقعة بقصد المكلف كيف ما كان، و التقييد بتامة مخصوصة لا دليل عليه.
و على هذا فلو ترك الصلاة حتى مضى وقتها بنية الاقامة، ثم قضاها تامة ثم رجع لا يقصر.
ثم انه بعد ايقاع الصلاة الواحدة تامة لو رجع، كما يصلي باقي الصلوات تامة يصوم ايضا، لمفهوم قوله: «اذا قصرت افطرت» (287) و يجبر عدم دلالته على الوجوب بالاجماع المركب.