البحث الثاني: في بيان احكام القضاء

و فيه مسائل:

المسالة الاولى:

هل يجب قضاء الفائتة من الفرائض فورا او يجوز التاخير؟.

المحكي عن السيد و الحلي و الحلبي: الفورية (1) ، حتى حكي عنهم المنع عن الاكل و الشرب و النوم الا ما لا بد منه و التكسب، و هو ظاهر المفيد و الديلمي ايضا (2) .

و يظهر من طائفة من المتاخرين انه مذهب كل من يقول بوجوب تقديم القضاء على الفريضة الحاضرة، و لذا لم يذكروا الا مسالة واحدة و استدلوا بما يدل على كل منهما للآخر، و انكره بعض مشايخنا المحققين و جعلهما مسالتين، و قال:

من حكم بوجوب تقديم الفائتة فانما هو من حيث هو هو مع قطع النظر عن الفورية، ثم قال: سلمنا عدم ظهور الاتحاد (3) و لكن ظهور كون وجوب تقديم الفائتة من جهة خصوص الضيق من اين؟ و كذا لو ادعي الاجماع المركب بان كل من قال بالوجوب قال بالفور البتة، بحيث‏يكشف عن قول المعصوم؟ .

و نعم ما قال.

و يشعر به كلام الفاضل في التذكرة حيث قال: ان اكثر علمائنا على وجوب الترتيب، ثم قال: و جماعة من علمائنا ضيقوا الامر في ذلك و شددوا على المكلف غاية التشديد (4) .

فان نسبة الترتيب الى الاكثر و التضييق الى جماعة مشعرة باختلاف المسالتين.

و كيف يعلم اتحاد المسالتين و كون القول بالترتيب مترتبا على القول بالفورية و التضيق مع ان كثيرا من علمائنا عنونوا المسالة بوجوب تقديم الفائتة و عدمه، و لم يتعرضوا للفورية و ما يترتب عليها، كما في نهاية الشيخ و التحرير و الارشاد و القواعد و النافع و غيرها (5) ؟ ! .

بل يشعر التفصيل بين الفائتة الواحدة و المتعددة و فائتة اليوم و غيرها ان الكلام في مسالة الترتيب غير الكلام في التضيق و الفورية.

نعم لما كانت طائفة من القائلين بالترتيب كانوا يقولون بالفور ايضا، بل كان الترتيب عندهم لاجل الفورية و استدلوا بكون الامر للفور، فلاجله توهم بعضهم اتحاد المسالتين.

و بالجملة الظاهر-كما قلنا-اختلاف المسالتين، و على هذا فلا يمكن دعوى الشهرة على الفورية ايضا، بل الظاهر انها على المواسعة، اذ لم يتعرض لفورية القضاء الا من ذكر، او مع نادر غيرهم، و ظاهر بعض القدماء كون المواسعة اجماعية (6) ، و نسبها في الذخيرة ظاهرا الى شهرة القدماء (7) ، كما ياتي في المسالة السابعة.

و كيف كان، فالحق عدم الفورية و جواز التاخير، للاصل الخالي عما يصلح للمعارضة راسا، و لزوم العسر و الحرج المنفيين، بل التكليف بما لا يطاق عادة في بعض الاحيان لولاه، و عمل المسلمين من السلف و الخلف، اذ قل من لم تتعلق ذمته بفائتة و لو لاخلال شرط او ترك تقليد سيما في اوائل بلوغه، و مع ذلك ينامون و يجلسون و يكتسبون و يصلون في اوائل الاوقات، مع ان المشهور عندهم ان الامر بالشي‏ء نهي عن ضده، و ما ياتي من المستفيضة المجوزة لتاخير الفائتة عن الحاضرة، مع ان كل من يقول بجواز تاخيرها عنها يقول بعدم الفورية.

و صحيحة ابن سنان: «ان رسول الله صلى الله عليه و آله رقد فغلبته عيناه و لم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس، ثم استيقظ فعاد ناديه ساعة و ركع ركعتين ثم صلى الصبح‏» (8) .

قوله «فعاد ناديه ساعة‏» اي: عاد الى مكانه الذي فيه اصحابه فمكث‏ساعة، و لو كان فوريا لما اخر ذلك القدر، و كذا لم يحول من مكانه قبل القضاء، مع ان في مضمرة سماعة تنحيه عنه قبله (9) ، و في صحيحة زرارة مع ذلك مخاطبته لبلال و استماع جوابه و امر الاصحاب بالتنحي عن مكان الغفلة (10) .

و القدح في هذه الاخبار، بايجابها القدح في النبي باعتبار رقوده عن فرض، سيما مع انه لا ينام قلبه، و سيما مع تضمن بعضها لقوله عليه السلام: «انما نمتم بوادي الشيطان‏» الدال على ان منشا نومهم تسلط الشيطان مع ان سلطانه على الذين يتولونه لا على المؤمنين الذين معه.

مخدوش جدا، لمنع كون رقوده قدحا فيه بل رحمة للامة كما ورد في بعض هذه الاخبار (11) .و انامته سبحانه له لمصلحة لا توجب قدحا فيه اصلا، و لا ينافي تيقظ قلبه.و كونه وادي الشيطان لا يدل على تسلطه على الجميع، غايته انامته لبعض منهم، و هذا ليس بمنفي، اذ لم يكن الجميع من اهل العصمة بل لعل اهل النفاق كانوا فيهم ايضا.

و تدل على المطلوب ايضا صحيحة زرارة الطويلة، و في آخرها: «ايهما -اي: اي العشاءين-ذكرت فلا تصليهما الا بعد شعاع الشمس‏» قال، قلت: لم ذلك؟ قال: «لانك لست تخاف فوتها» (12) .

يعني: انها ليست موقتة و لا فورية حتى يجب التعجيل فيها و فعلها في الاوقات المكروهة.

و لا يضر الامر بتقديم الفائتة على الحاضرة في صدر هذه الصحيحة، لعدم ملازمة بين انتفاء الترتيب و المواسعة.

و القدح فيها بعدم مرجوحية قضاء الفرائض في الاوقات المكروهة عند الامامية بالاجماع، و مع ذلك تعارضها اخبار كثيرة كما مرت في بحث الاوقات، فيتعين حملها على التقية.

مردود بان مقتضى الاجماع عدم المرجوحية، و هو لا ينافي جواز التاخير، فيمكن ان يكون قوله «لا تصلهما» مجازا في الاباحة، كما قالوا في النهي الواقع عقيب الوجوب، بل هو هنا ايضا كذلك، لتقديم الامر بتقديم الفائتة على الحاضرة، و يؤكده التعليل لانه انما يلائم علة لجواز التاخير، فيكون مطلوبه عليه السلام بيان جواز التاخير عن شعاع الشمس، حتى لا يتوهم الراوي حرمته فيوجب ذلك وقوعه في موقع نفيه.

مع انه لو سلمنا عدم دلالة قوله «فلا تصلهما» على المطلوب لمخالفته الاجماع او وجود المعارض له، فلا شك في دلالة التعليل عليه، و لا معارض له من اجماع او خبر.

و تدل على المطلوب ايضا موثقة الساباطي و فيها: عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها و هو مسافر؟ قال: «نعم يقضيها بالليل على الارض، و اما على الظهر فلا» (13) .

دلت على رجحان فعل ما يجب على المسافر من قضاء الحضر بالليل، و ان امكن في النهار بعد النزول (عن الظهر، بل و ان امكن النزول) (14) في اثناء الطريق، و لو كان القضاء فوريا لما كان ذلك جائزا فضلا عن الرجحان.

فان قيل: رجحان التاخير الى الليل مناف للاجماع على رجحان التعجيل.

قلنا: لا نسلم ذلك الاجماع بالاطلاق، لجواز ان يكون الراجح للمسافر التاخير الى الليل، ليستريح غب نزوله عن مشقة الركوب و يهيئ ما يحتاج اليه، مع انه يمكن ان يكون قوله «يقضيها» للارشاد دون الرجحان.

و من هنا يظهر جواز الاستدلال للمطلوب برواية الساباطي ايضا: عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر، كيف يصنع؟ ايجوز له ان يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لا يجوز له و لا يثبت له، و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل‏» (15) .

فان المراد ان الرجل المسؤول عنه-الذي هو في السفر-لا يقضي بالنهار، اي حال الركوب، حيث انه الغالب للمسافر في النهار، بل في حال النزول ايضا، لكونه كسلا متعبا حينئذ، بل يؤخرها الى الليل، و يكون التاكيد محمولا على غاية الكراهة للمسافر، و على هذا ليس خلاف اجماع في الرواية كما قيل (16) .و كون رجحان التعجيل في القضاء حتى من المسافر في النهار اجماعيا ممنوع جدا.

و يدل على المطلوب ايضا تقديم رسول الله صلى الله عليه و آله قضاء ركعتي النافلة على قضاء الفريضة كما ورد في اخبار رقوده، المتقدم صدرها.

و رواية ابي بصير: عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، قال:

«يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة‏» (17) .

دلت على جواز تقديم النافلة-قضاء كما في الاول او مطلقا كما في الثاني- على قضاء الفريضة، و هو مناف للفورية قطعا.

و الخدش في الاخيرة بانها تدل على استحباب تقديم ركعتين على القضاء و ان لم تفت عنه ركعتا النافلة، و هو مما لم يقل به احد.

مردود بانه من اين يثبت الاجماع على عدم استحباب ذلك، و عدم ذكره لا يدل على العدم.

و على هذا فيمكن ان يستدل للمطلوب بموثقة الساباطي: «اذا اردت ان تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة او غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدا فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة لها، ثم اقض ما شئت‏» (18) .

و قد يستدل ايضا بما دل على استحباب الاذان و الاقامة لقضاء الفرائض (19) .

و فيه نظر، لانهما من مقدمات الصلاة، غاية الامر كونهما من المقدمات المستحبة، و الاشتغال بمقدمات الشي‏ء لا ينافي فوريته، لانها تعد معه فعلا واحدا.

احتج اهل المضايقة بوجوه:

الاول: الامر بالقضاء و هو للفور.

الثاني: قوله سبحانه: «اقم الصلاة لذكري‏» (20) .

فانها واردة في الفائتة، كما ورد في صحيحة زرارة في رقود رسول الله صلى الله عليه و آله (21) ، و في رواية اخرى له: «اذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى فان كنت تعلم انك اذا كنت صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت فابدا بالتي فاتتك، فان الله تعالى يقول: «اقم الصلاة لذكري‏» (22) .

فيكون المعنى: اقم الصلاة وقت ذكر صلاتي، على ان يكون اللام للظرفية و يقدر المضاف، او: وقت ذكرى اياك لما نسيت من الصلاة، فيكون الذكر مضافا الى الفاعل، فيكون القضاء وقت التذكر واجبا فورا.

الثالث: الاخبار الدالة على وجوب فعل القضاء حين التذكر و انه وقته، كصحيحة زرارة: عن رجل صلى بغير طهور او نسي صلاة ان يصليها او نام عنها، فقال: «يقضيها اذا ذكرها في اي ساعة ذكرها من ليل او نهار، فاذا دخل وقت صلاة و لم يتم ما فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت‏» (23) .

و موثقة البصري: عن رجل نسي صلاة حتى دخل في وقت صلاة اخرى، فقال: «اذا نسي الصلاة او نام عنها صلى حين يذكرها، و ان ذكرها و هو في صلاته بدا بالتي نسي، و ان ذكرها مع امام في صلاة المغرب اتمها بركعة ثم صلى المغرب‏» (24) الحديث.

و صحيحة زرارة: «اربع يصليهن الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك متى ذكرتها اديتها» (25) الحديث.

و صحيحة ابن عمار: «خمس صلوات لم تترك على كل حال: اذا طفت‏بالبيت، و اذا اردت ان تحرم، و صلاة الكسوف، و اذا نسيت فصل اذا ذكرت، و صلاة الجنازة‏» (26) .

و صحيحة يعقوب: عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، ايصلي حين يستيقظ او ينتظر حتى تبسط الشمس؟ قال: «يصلي حين يستيقظ‏»قلت: يوتر او يصلي الركعتين؟ قال: «يبدا بالفريضة‏» (27) .

و رواية الرازي: عن رجل فاته شي‏ء من الصلاة فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها، قال: «فليصل حين ذكرها و لو بعد العصر» (28) .

و صحيحة زرارة و الفضيل: «فان استيقنت فعليك ان تصليها في اي حال كنت‏» (29) .

و قوله عليه السلام: «من نام عن صلاة او نسيها فليقضها اذا ذكرها» (30) .

و يزيد فيه دلالة انه متضمن للفاء المفيدة للتعقيب بلا مهلة.

و قد زيد في بعض الروايات: «فذلك وقتها» (31) و في بعضها: «ان من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها» (32) .

و حديث زرارة: «اذا نسي الرجل صلاة او صلاها بغير طهور و هو مقيم او مسافر فليقض الذي وجب عليه، لا يزيد على ذلك و لا ينقص، و من نسي اربعا فليقض اربعا حين يذكرها مسافرا كان او مقيما، و ان نسي ركعتين صلى ركعتين اذا ذكر مسافرا كان او مقيما» (33) .

و صحيحته و فيها: «و ان كنت قد صليت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصل الغداة اي ساعة ذكرتها» (34) .

و الجواب عن الاول: بمنع كون الامر للفور.

و عن الثاني: بان للآية محتملات كثيرة كان يكون الذكر بمعنى وقت الصلاة، او بمعنى الآذان، او قصد القربة، او يكون اللام للتعليل اي لتذكري فيها، او لذكري لها و امري بها، او لاذكرك كما قال جل شانه: «فاذكروني اذكركم‏» (35) او لذكري خاصة غير مشوب برياء، او ليكون ذاكرا لي.

و ليس في الحديثين دلالة على ارادة المعنى الاول، اذ يمكن ان يكون التعليل لمطلق الامر بالقضاء و الحث عليه، و بعض المحتملات يلائم التعليل بذلك.او يكون مبنى التعليل على امر لا نعلمه، فان تطبيق الآية على معنى يلائم تعليل التضيق به يحتاج الى ارتكاب تخصيصات و تقديرات و تاويلات ليس باقرب من ارتكاب خلاف ظاهر في التعليل.

مع ان الصلاة تشمل النوافل ايضا و تعجيل قضائها مستحب، و ليس حمل الامر على الاستحباب بابعد من تخصيص الصلاة.

و مع ان هذا التعليل ورد في صحيحة زرارة ايضا مع ان رسول الله صلى الله عليه و آله لم يعجل بالقضاء، بل تحول من مكانه و تنفل و تكلم ثم قضى (36) .

و على فرض تسليم جميع ما ذكر لا يدل على ازيد من ان وقت الذكر وقت القضاء، و اما الفورية و التضيق فلا.

و عن الثالث: بان اكثر اخباره بين متضمن للجملة الخبرية الغير الدالة على الوجوب صريحا، او للفظ الصلاة الشاملة للنوافل، فلا يكون تخصيصها بالواجبة اولى من حمل الامر فيها على مطلق الرجحان او الجواز الذي هو ايضا من مجازات الامر، او للامرين معا، مع ان منها ما هو عامي لا يصلح للحجية.

و ما خلا عن احد هذه الوجوه-و ليس هو الا رواية زرارة و صحيحته الاخيرتين-ففي دلالته على الفورية نظر.بل يدل على وجوب القضاء حين يذكرها او اي ساعة ذكرها سواء كان اول حال الذكر او بعدها، فانه يصدق على الكل انه حين يذكرها و ساعة كذلك.

مضافا الى ان الاولى منهما منساقة لبيان كيفية القضاء من القصر و الاتمام، فالمعنى انه يجب القضاء على نحو نسيها حين التذكر.

و الى ان الامر في الاخيرة بل في الجميع وارد مورد توهم الحظر او الكراهة، حيث نهي عن الصلاة في اوقات مخصوصة، و كان ذلك شائعا معروفا، و هذه الاوامر لدفع هذا التوهم كما يشعر به قوله «في اي ساعة‏» و قوله «و لو بعد العصر»بل ذكر بعض هذه الاوقات، و في مثل ذلك الامر الف كلام.

و لو قطع النظر عن جميع ذلك فتعارض تلك الاخبار ما مر من اخبار المواسعة، و اخبارا كثيرة اخر واردة في موارد غير عديدة من مجوزات النوافل و قضائها في اي وقت، و مرغبات الصلاة في اول الوقت و مجوزاتها تخييرا، و مجوزات سائر الافعال، فيرجع الى الاصل او التخيير.مع ان اخبار المواسعة تصلح قرينة لحمل هذه على الندب او الجواز، فيجب الحمل عليه.

و ترجيح اخبار التضيق بموافقة الكتاب و مخالفة العامة ممنوع.

لمنع التوافق للاول كما عرفت، بل اخبار المواسعة اوفق لمثل قوله: «اقم الصلاة لدلوك الشمس‏» (37) كما ياتي.

و منع التخالف للثاني.مع ان المرجح هو المخالف لروايات العامة، و بعض ما مر من اخبار المضايقة عامي، فرواياتها لاخبارهم موافقة.بل الظاهر ان ذلك معنى قوله «خذ بما خالف العامة‏» .

بل القول بالمضايقة و الترتيب مذهب اكثر العامة ايضا (38) ، كما صرح به بعض مشايخنا المحققين، قال بعد ترجيحه المضايقة و الترتيب: و يخدشه كون ذلك مذهب اكثر العامة، فلعلهم ذكروا ذلك في اخبارهم الصحاح الكثيرة اتقاء للشيعة (39) .

هذا كله مع ان في دلالة اكثر اخبار المضايقة عليها تاملا من وجوه اخر ايضا.

المسالة الثانية:

لا خلاف نصا و لا فتوى في وجوب تقديم الحاضرة على الفائتة مع ضيق وقت الحاضرة، و الاخبار مع ذلك به مستفيضة.

و اما مع سعته، ففي عدم وجوب تقديم الفائتة الواجبة مطلقا، او وجوبه كذلك، او التفصيل فالاول مع تعدد الفائتة و الثاني مع وحدتها، او الاول ان صلى القضاء في غير يوم الفوات و الثاني ان صلاها في يوم فواتها، اقوال.

الاول-و هو الحق-مذهب عبيد الله بن علي الحلبي في اصله الذي عرض على الصادق عليه السلام و اثنى عليه.

و ابي الفضل محمد بن احمد بن سليم، قال في كتابه الفاخر: و الصلوات الفائتة يقضين ما لم يدخل وقت صلاة، فاذا دخل بدا بالتي دخل وقتها و قضى بالفائتة متى احب.

بل يظهر منه انه اجماعي حيث قال في خطبته لهذا الكتاب: انه ما روى فيه الا ما اجمع عليه و صح من قول الائمة عليهم السلام.

و ابي عبد الله الحسين بن ابي عبد الله الواسطي، قال في كتابه النقض: ان سال سائل و قال: اخبرونا عمن ذكر صلاة و هو في اخرى ما الذي يجب عليه؟

قال: يتم التي هو فيها و يقضي ما فاته، ثم ذكر خلاف المخالفين.

ذكر هذه الثلاثة السيد ابن طاووس في بعض رسائله (40) .

و القدح في الاخيرين بان ظاهرهما وجوب تقديم الحاضرة، و هو خلاف الاجماع و الاخبار..

فاسد، لعدم دلالة الاول على الوجوب اصلا، فان الجملة الخبرية لم تثبت دلالتها على الوجوب سيما في كلمات القدماء ابدا.و اما الثاني فمقتضاه عدم جواز العدول عن الحاضرة و وجوب اتمامها، و هذا غير وجوب تقديم الحاضرة مطلقا (و اجماعية خلافه بل اشتهاره بل قول احد ممن يقول بالمواسعة به في غير الفريضتين المشتركتين في الوقت ممنوع جدا، بل و كذا اجماعية عدم وجوب تقديم الحاضرة مطلقا) (41) .

و نسب ابن ادريس في رسالة عملها في هذه المسالة هذا القول الى طائفة من العلماء الخراسانيين.

و هو ايضا مختار الصدوقين، و الحسين بن سعيد، و الراوندي، و نصير الدين عبد الله بن حمزة الطوسي، و سديد الدين محمود الحمصي، و يحيى بن سعيد جد المحقق، و نجيب الدين يحيى ابن عمه، و السيد ضياء الدين بن الفاخر، و الشيخ ابي علي بن طاهر الصوري، جميعا من قدماء اصحابنا، نقل عنهم الشهيد (42) .

و هو محتمل الكلام العماني (43) .و نسبة القول بوجوب تقديم الفائتة اليه غير جيد.

و في الذخيرة: و كان القول بالمواسعة كان مشهورا بين القدماء (44) .

و هو مختار الفاضل في اكثر كتبه (45) ، و والده و ولده (46) ، و اكثر من عاصره من المشايخ، نقله في المختلف (47) ، و الشهيدين في اللمعة و الروضة (48) ، بل اكثر المتاخرين و متاخريهم (49) ، و دعوى شهرتهم عليه مستفيضة، و اختاره ابن طاووس و الاردبيلي و صاحب الذخيرة (50) .

و الثاني لكل من قال في المسالة السابقة بالفورية و المضايقة، و هو مذهب الشيخ و الاسكافي و ابن زهرة و الحلي (51) ، و ادعي عليه شهرة القدماء مستفيضة (52) ، بل عن الخلاف و الغنية و السرائر و رسالتي المفيد و الحلي: الاجماع عليه (53) ، و اختاره بعض مشايخنا مع قوله في المسالة الاولى بالمواسعة (54) .

و الثالث للمعتبر و الشرائع و النافع و المدارك (55) ، و قواه الشهيد في بعض كتبه (56) .

و الرابع للمختلف (57) .

لنا وجوه:

الاول: الاصل.

الثاني: اطلاق قوله سبحانه: «اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل‏» (58) .

دلت على جواز صلاة الظهر عند الدلوك مطلقا، فعلى من يقول بعدم الجواز لمن عليه الفائتة الاثبات.

و القول بانه لو تم لدل على وجوب تقديم الحاضرة او رجحانه، و الاكثر لا يقولون به..

مردود بان الامر في الآية مجاز اما في الوجوب التخييري او الجواز، وارد لبيان التوقيف، و الا فلا معنى للوجوب او الرجحان العيني الى غسق الليل.

الثالث: اطلاق الاخبار المبينة لاوقات الصلاة، و المجوزات او الاوامر للصلاة فيها، كقوله: «اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر» (59) .

و صحيحة سعد: «اذا دخل الوقت عليك فصلهما فانك لا تدري ما يكون‏» (60) .

و عمومات الاخبار الدالة على فضيلة اول الوقت او افضليته.

و الايراد عليه بنحو ما مر من ان مقتضاها-بعد ملاحظة الاجماع و الادلة الخارجية الدالة على عدم الوجوب في اول الوقت-رجحان فعل الحاضرة و لو على من كانت عليه فائتة، و هم لا يقولون به، و الحمل على الجواز ليس باولى من التخصيص بمن ليست عليه فائتة.

مردود بانه انما يجري في بعضها دون الجميع مما لا يتضمن امرا او نحوه.

مع انه انما يتم لو سلم الاجماع على عدم رجحان تقديم الحاضرة، و هو بعد غير معلوم.

و قد يرد الايراد ايضا بان غايته ترك افضلية تقديم الحاضرة بسبب المعارض فيبقى الجواز.

و فيه نظر يظهر وجهه مما مر من عدم اولوية التجوز عن التخصيص.

الرابع: العمومات المجوزة لفعل النوافل اداء او قضاء على من عليه قضاء فريضة.

منها: ما مر في المسالة السابقة.

و منها: الاخبار المصرحة بان الصلاة الفائتة-الشاملة لقضاء النوافل- تقضى في كل وقت و في كل ساعة و حين ذكرها (61) ، الشامل للمورد ايضا.

و منها: المصرحة بان خصوص النوافل تقضى في كل وقت، كصحيحة حسان بن مهران (62) ، و مكاتبة محمد بن يحيى (63) ، و رواية سليمان بن هارون (64) .

فانه لو جاز فعل النوافل و قضاؤها قبل قضاء الفريضة جاز فعل الفريضة الحاضرة بالطريق الاولى و الاجماع المركب.

و منع جواز النافلة لمن عليه فريضة، باطل، كما مر في بحث الاوقات.

نعم يمكن منع الاولوية و الاجماع المركب بالنسبة الى قضاء النوافل، كما صرح به بعضهم (65) ، و تدل عليه صحيحة زرارة المتضمنة لاخباره بما سمع لحكم ابن عيينة و اصحابه، فانها تدل على ان الترتب انما هو بين الحاضرة و الفائتة، دون النافلة الفائتة و الفريضة الكذائية (66) .

الخامس: صحيحتا ابن سنان و ابي بصير: «ان نام رجل او نسي ان يصلي المغرب و العشاء الآخرة-الى ان قال-: «و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس‏» (67) الحديث.

و لا تضر دلالتهما على كراهة قضاء الفرائض عند طلوع الشمس، و لا على امتداد وقت العشاءين الى الفجر.

لان مخالفة جزء من الحديث للقاعدة لا تخرج باقيه عن الحجية.

مع ان الثاني-اي امتداد وقتهما الى الفجر في الجملة-هو الاظهر، كما في موضعه قد مر.

بل قد يرجح الاول-و هو ترك القضاء في الاوقات المكروهة-لمصلحة، فيمكن ان يكون المقام منه، فيرجح الترك اتقاء عن العامة.و ليس مرادنا ان ما ذكر في ذلك الخبر تقية حتى لا يكون الحكم واقعيا، بل المراد انه مع تشدد العامة و جعله من علائم الرفض يكون القضاء في هذه الاوقات مرجوحا واقعا، فلا مخالفة في الصحيحين للقاعدة اصلا.

و القدح فيهما بدلالتهما على وجوب تقديم الحاضرة..

مردود بانه لو سلم عدم وجوبه فيكون الدليل عليه قرينة لارادة الرجحان المطلق، و لو كان دليل على انتفائه ايضا يكون ذلك دليلا على ارادة الجواز من الامر او الوجوب التخييري.

السادس: صحيحة الحلبي و رواية محمد:

الاولى: رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: «متى شاء، ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء» (68) .

و الثانية: عن الرجل تفوته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: «متى شاء، ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء» (69) .

و الايراد عليه بان الظاهر من «صلاة النهار» نافلته فاسد، لعدم تحقق شي‏ء يوجب الظهور اصلا.و قياسه على صلاة الليل المختصة بصلاة مخصوصة كما ترى.

و الخدش بان الحوالة على المشية توجب التسوية مع ان تقديم الفائتة راجح، ياتي جوابه.

السابع: مرسلة جميل: تفوت الرجل الاولى و العصر و المغرب و يذكر عند العشاء، قال: «يبدا بالوقت الذي هو فيه، فانه لا يامن[الموت] (70) فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل، ثم يقضي ما فاته الاول فالاول‏» (71) .

و القدح فيها بدلالتها على رجحان تقديم الحاضرة و هو خلاف الاجماع..

مردود بما مر و ياتي من منع الاجماع على خلافه.و لو سلم فيكون هو قرينة على ارادة مطلق الجواز.

و بان (72) وقت العشاء مشترك فلا معنى لتقديم العشاء، ياتي جوابه.

الثامن: موثقة الساباطي: عن الرجل يفوته المغرب حتى تحضر العتمة، فقال: «ان حضرت العتمة و ذكر ان عليه صلاة المغرب فان احب ان يبدا بالمغرب بدا، و ان احب بدا بالعتمة ثم صلى المغرب بعدها» (73) .

و اورد عليها بان المراد بوقت العتمة ان كان وقتها المختص فالحكم بالتخيير غير معقول، لوجوب تقديم العتمة.و ان كان الوقت المشترك فمع عدم وجه لاختصاصه بالحكم لا يعقل التخيير ايضا، لوجوب تقديم المغرب.و الحمل على المغرب السابقة خلاف الظاهر.فالرواية شاذة مطروحة.

و الجواب عنه: اما على ما هو الحق المختار من اختصاص وقت المختار للمغرب بزوال الحمرة المغربية فواضح ظاهر، بل هي ايضا من ادلة ذلك المذهب.

و اما على اشتراك الوقت فبانه لا شك ان اللفظ صالح للمغرب السابقة، و لا قرينة في الكلام على مغرب هذه الليلة اصلا، فلم لا يحمل على السابق بقرينة عدم معقولية غيرها مع انهم يحملون الالفاظ على مجازات ابعد من ذلك بقرائن اخفى من هذه؟ ! و ليس هذا مجازا بعيدا، بل هو من باب استعمال المطلق في فرد، مع ان اللاحقة ايضا ليست الا فردا آخر من المطلق.

و الايراد بان الحوالة على مشتهى المكلف خلاف الاجماع، لان تقديم الفائتة راجح اجماعا.

ففيه: انه لو سلم ذلك الاجماع لم يضر تلك الحوالة، لوقوعها في المستحبات كثيرا، و لم يذكر في الخبر الا جواز الامرين مع ارادته، و ذلك لا يناقض استحباب احد الطرفين اصلا.الا ترى انه ورد في الوتر «انها ليست‏بمكتوبة فان شئت صليتها» (74) ؟ و ورد في الصلاة «فمن اراد استقل و من اراد استكثر» (75) .

التاسع: المروي في قرب الاسناد للحميري: عن رجل نسي الفجر حتى حضر الظهر، قال: «يبدا بالظهر ثم يصلي الفجر» (76) .

العاشر: المروي في كتاب الحسين بن سعيد باسناده عن الصادق عليه السلام: عن رجل نسي او نام عن الصلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى-الى ان قال-: «و ان كانت صلاة العصر فليصل العشاء ثم يصل العصر» (77) .

و الايراد ببعض ما مر عليهما يظهر دفعه مما مر.

احتج القائلون بالقول الثاني:

اولا: بالاجماع المنقول كما تقدم.

و ثانيا: باصل الاشتغال و طريقة الاحتياط المطلوبة في العبادات.

و ثالثا: بجميع ما مر دليلا للمضايقة.

و رابعا: بالمروي عن النبي صلى الله عليه و آله مرسلا: انه قال: «لا صلاة لمن عليه صلاة‏» (78) .

و خامسا: بالاخبار، و هي كثيرة:

منها: صحيحة زرارة الطويلة و فيها: «و ان كنت ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، و ان كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر، و ان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر، ثم قم فاتمها بركعتين ثم سلم ثم صل المغرب، و ان كنت قد صليت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصل المغرب، و ان كنت ذكرتها و قد صليت من العشاء الآخرة ركعتين او قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة، و ان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة، و ان كنت ذكرتها و انت في ركعة اولى او في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة و اذن و اقم، و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدا بهما قبل ان تصلي الغداة ثم ابدا بالمغرب ثم العشاء، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدات بهما فابدا بالمغرب ثم بالغداة ثم صل العشاء، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدات بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب و العشاء» (79) الحديث.

و منها: رواية الحلبي: عن رجل نسي الاولى-الى ان قال-: «و ان هو خاف ان تفوته فليبدا بالعصر، و لا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها، ثم ليصلي الاولى بعد ذلك على اثرها» (80) .

وجه الدلالة: الامر بالاولى بعد الفراغ من العصر على اثرها.

و منها: ما مر في المسالة السابقة من رواية زرارة المتضمنة لقوله «فابدا بالتي فاتتك‏» و صحيحته المشتملة على قوله «فليقض ما لم يتخوف‏» الى آخرها، و موثقة البصري (81) .

و صحيحة صفوان: عن الرجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلى العصر، فقال: «كان ابو جعفر عليه السلام او كان ابي يقول: ان امكنه ان يصليها قبل ان تفوته المغرب بدا بها، و الا صلى المغرب ثم صلاها» (82) .

و رواية ابي بصير: عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر قال: «يبدا بالظهر، و كذلك الصلوات تبدا بالتي نسيت الا ان تخاف ان يخرج وقت الصلاة فتبدا بالتي انت في وقتها، ثم تقضي التي نسيت‏» (83) .

و معمر بن يحيى: رجل صلى الى غير القبلة ثم تبين له و قد دخل وقت صلاة اخرى، قال: «يعيدها قبل ان يصلى هذه التي قد دخل وقتها» (84) .

و صحيحة الحلبي: عن رجل ام قوما في العصر، فذكر و هو يصلي بهم انه لم يكن صلى الاولى، قال: «فيجعلها الاولى التي فاتته، و يستانف بعد صلاة العصر» (85) .

و المروي في قرب الاسناد: عن رجل نسي العشاء ثم ذكر بعد طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: «يصلي العشاء ثم الفجر» و سالته عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر، قال: «يبدا بالفجر ثم يصلي الظهر، كذلك كل صلاة بعدها صلاة‏» (86) .

و الجواب

اما عن الاول: فبعدم حجية الاجماع المنقول جدا، سيما مع مخالفة فحول القدماء، و معارضته بظاهر دعوى الاجماع المتقدم عن كتاب الفاخر (87) ، و استفاضة دعوى الشهرة المتاخرة (88) .

و اما عن الثاني: فبما مر مرارا من ان في مثل المقام يجري اصل البراءة دون اصل الاشتغال، و اما الاحتياط فلو سلم جريانه هنا فليس الا مستحبا.

و اما عن الثالث: فبما مر في المسالة السابقة.مضافا الى عدم استلزام الفورية للترتب المطلوب، لحصول التعارض بين ادلة فوريته و بين ادلة تجويز الحواضر في جميع اوقاتها و ترغيب اول اوقاتها بالعموم من وجه، و الترجيح لادلة الحواضر بالاكثرية و مخالفة العامة و موافقة الكتاب.

و اما عن الرابع: فبضعفه الخالي عن الجابر.و اشتهار القول بالترتب-لو سلم-لا يوجب اشتهار بطلان الحاضرة، كيف؟ ! و من القائلين بالترتب جمع لا يقولون ببطلان الحاضرة لو فعلها (89) .

مع ان نسبته الى الحاضرة و الفائتة على السواء، اذ يصدق على من دخل عليه وقت الفريضة انه عليه صلاة الحاضرة، فلا تتم منه صلاة الفائتة.

هذا كله مع انه معارض برواية علي بن جعفر، و فيها: «لا صلاة في وقت صلاة‏» (90) .

و اما عن الاخبار: فبان غير الاربعة الاولى منها خالية عن الدال على الوجوب بالمرة، بل لا يتضمن الا جملا اخبارية هي عن الدلالة على الوجوب قاصرة، بل لكل من الوجوب و الرجحان بل مطلق الجواز محتملة.

و دعوى افادتها الوجوب ناشئة من عدم حق التامل في المسالة، فانها مستعملة في معان مجازية، فلو سلمت افادتها الوجوب في هذا العصر فهي افادة حادثة، و الاصل في كل حادث التاخر.

مضافا الى ما في موثقة البصري من عدم دلالتها-مع الاغماض عن جميع ما ذكر-الا على وجوب تقديم الفائتة الواحدة، فان قوله: «اتمها بركعة ثم صلى المغرب‏» يدل على ان الفائتة صلاة واحدة، فكيف يستدل بها للقول بالترتب المطلق؟ ! .

و منه يظهر قدح آخر في صحيحتي صفوان و الحلبي و رواية قرب الاسناد.

مع ما في صحيحة الحلبي ايضا من خروجها عن المتنازع فيه البتة، لعدم الخلاف في وجوب تقديم الظهر على العصر، فانه من باب ترتب الحواضر.

و منه يظهر قدح آخر في رواية ابي بصير، لانه ايضا من ذلك الباب.

و لا يتوهم اطلاق قوله: «و كذلك الصلوات‏» .

اذ مقتضى تشبيهها بما تقدم عليه ان المشتركين في الوقت اذا نسي اولهما تقدم على اللاحقة، فيكون اللام في «الصلوات‏» للعهد بقرينة التشبيه.و لا اقل عن تساوي الاحتمالين المسقط للاستدلال.

و لو ابيت الا عن الاطلاق فيكون شاملا للنوافل المنسية ايضا، و لا شك في عدم وجوب تقديمها بل عدم رجحانه، فيعارض التخصيص مع التجوز بارادة الندب او الاباحة، و الحق عدم اولوية احدهما عن الآخر، سيما عن تجوز استعمال الدال على الوجوب-لو كان-في الاستحباب الذي هو في الشيوع بمكان يتوقف في تقديم الوجوب عليه فيما هو حقيقة في الوجوب.

و من ذلك يظهر قدح آخر في رواية معمر، فان الصلاة فيها ايضا مطلقة، مضافا الى مخالفتها لما عليه الفتوى من عدم اعادة الصلاة خارج الوقت مع تبين الخطا في القبلة.

و من ذلك ظهر عدم دلالة غير الاربعة الاولى.

و الاخيرتان منها ايضا مقدوحتان بما مر من اطلاق الصلاة فيهما الشاملة للنافلة و الفريضة، الغير الواجب تقديم الاولى قطعا، الموجب لتعارض التخصيص و التجوز.

فلم يبق الا الاوليين.

و الاخيرة منهما ايضا مختصة بالفائتة الواحدة، فالاستدلال بها على الاطلاق غلط. مضافا الى ان في دلالة قوله «على اثرها» على التعجيل و التقديم على المغرب نظرا.

مع انه لو قطع النظر عن ذلك ايضا فلا شك انها مختصة بالفائتة المقضية في يومها، التي افتى الفاضل باختصاص التقديم بها، فكيف يستدل بها على الاطلاق؟ ! .

و من ذلك يظهر قدح آخر في كثير مما مر، بل في الصحيحة الاولى ايضا ان كان المراد بيوم الفائتة ما يشمل الليلة ايضا او احتمل ذلك حتى يوجب الوهن للاجماع المركب.

مع انه لو قطع النظر عن ذلك غايته تكون هناك صحيحة واحدة دالة معارضة مع اخبار كثيرة، فكيف تقدم عليها؟ ! .

مع انه لو سلمت دلالة الجميع فتحصل المقابلة بين الفريقين من الاخبار، و من البديهيات ان تجويز الترك قرينة واضحة على عدم ارادة الحقيقة من الامر، و يجب صرفه عن الحقيقة.

و لو قطع النظر عن ذلك ايضا لحصل التعارض بين الفريقين، فيجب الرجوع الى المرجح، و لا شك ان اخبار عدم الترتب ارجح من جميع وجوه المرجحات المنصوصة: فانها موافقة لعموم الكتاب الدال على جواز اقامة الصلاة في اول اوقاتها، و الدال على انتفاء العسر و الحرج، و مطابقة للسنة النبوية من كونه مبعوثا بالمللة السهلة السمحة، و مخالفة لروايات العامة و فتواهم، اذ-كما صرح به جمع من علمائنا منهم صاحب الذخيرة و بعض مشايخنا المحققين و غيرهما، و تدل عليه رواياتهم-القول بالمضايقة و الترتب فتوى اكثر العامة.

بل من جهة بعض المرجحات الغير المنصوصة ايضا، كموافقة الاصل، و اوفقية العمومات الكثيرة الغير العديدة، و عمل الناس من الصدر الاول الى زماننا هذا.

و ترجيح اخبار المضايقة و الترتب بالاكثرية و الاصحية غلط واضح.

نعم، قد تترجح بموافقة شهرة القدماء و الاجماعات المنقولة.

و يعارضه ما مر من شهرة المتاخرين المستفيضة حكايتها و دعوى الاجماع من بعضهم على خلافه.

مع انه يستفاد من كلام الحلي الوهن في دعوى اجماعه بل اجماع غيره جدا، حيث انه في الرسالة التي عملها للمسالة قال: اطبقت عليه الامامية خلفا عن سلف-الى ان قال-: لان ابني بابويه و الاشعريين كسعد بن عبد الله و سعد بن سعد و محمد بن علي بن محبوب، و القميين كعلي بن ابراهيم و محمد بن الحسن بن الوليد عاملون بالاخبار المتضمنة للمضايقة، لانهم ذكروا انه لا يحل رد الخبر الموثوق روايته. انتهى.

و لا يخفى ما في تعليله لعمل هؤلاء باخبار المضايقة، فانه بعينه يجري في اخبار المواسعة ايضا.

ثم لو سلمت مكافاة الترجيحين فالعمل اما بالاصل او التخيير، و مقتضاهما ايضا عدم الترتب.

و مما ذكرنا ظهر ان المسالة واضحة جدا و ان توهم بعض مشايخنا الاخباريين الامر بالعكس، و جعل الوضوح للمضايقة، و اطال في المسالة بما اكثره استعجابات و خطابيات لا تسمن و لا تغني من جوع (91) .

احتج كل من المخالفين الآخرين: بالامر بتقديم الفائتة الواحدة او فائتة اليوم في بعض الاخبار، و تجويز تاخيرها في المتعددة او من غير اليوم في بعض آخر.

و ضعفهما ظاهر مما مر، فان كلا من الامر بالتقديم و تجويز التاخير ورد في كل من الواحدة و المتعددة و فائتة اليوم و غيرها، فان صحيحة زرارة الطويلة تتضمن الامر بتقديم الواحدة و المتعددة من غير يوم الفوات (92) ، كما ان موثقة الساباطي و ما بعدها من روايتي قرب الاسناد و كتاب الحسين تتضمن تجويز التاخير في الفائتة الواحدة (93) ، و مرسلة جميل و غيرها تتضمن تجويز التاخير في يوم الفوات ايضا (94) .

و الانصاف انه لا مناص عن القول بالتفصيل بين الواحدة و المتعددة على طريقة صاحب المدارك و من يحذو حذوه من عدم العمل بالموثقات و اخبار غير الكتب الاربعة، اذ ليس ما يصرح بتجويز تقديم الفائتة الواحدة الا العمومات و الموثقة و ما بعدها، و الصحيحة الآمرة بتقديمها خاصة، فعلى اصله لا تقاومها الموثقة و ما يتعقبها، و يجب تخصيص العمومات بها.

نعم، على اصلنا من العمل بالموثقات-سيما على ما اخترنا من انتهاء وقت المغرب بزوال الحمرة-لا يكون للتفصيل دليل تام، لدلالة الموثقة على تقديم العشاء على المغرب مع انتهاء وقتها، مع العمومات و سائر ما مر.

فروع:

ا: اذ قد عرفت ان الحق عدم ترتب الفوائت على الحواضر (95) ، فهل الراجح تقديم الفائتة كما اختاره اكثر المتاخرين القائلين بعدم الترتب (96) ؟ او الحاضرة كما عن الصدوقين (97) ، و مال اليه بعض المتاخرين (98) ؟ .

و التحقيق انه قد ورد الامر بكلا الامرين في الفريقين من الروايات، و يشتركان في عمومات الامر بالاستباق و المسارعة الى الخيرات.

و مزية تقديم الحاضرة بالاخبار الغير العديدة من الصحاح و غيرها الدالة على افضلية اول الوقت، و المرغبة للتعجيل الى الصلاة في اوائل اوقاتها و انها رضوان الله، انما كانت مفيدة لولا معارضتها مع ما مر من تقديم الفائتة من الظواهر في الرجحان او الوجوب، و ادلة الاحتياط.و اشتهار رجحان تقديم الفائتة -لو كانت-شهرة في الفتوى، و هي ليست من المرجحات المنصوصة.

فلولا موافقة اخبار تقديم الفائتة لروايات العامة و فتاوى اكثرهم-التي هي من موجبات مرجوحية الخبر نصا و فتوى-لكانت وظيفيتنا الحكم بتساوي الامرين، لا بمعنى انه الحكم واقعا، بل لكونه حكم من لم يظهر له ترجيح احد الطرفين.و لكن الموافقة المذكورة تمنعنا عن الحكم المذكور، و يترجح عندنا رجحان تقديم الحاضرة لاجل ذلك.

و اما ما يستفاد من كلام بعض مشايخنا من توهم الاجماع على رجحان تقديم الفائتة (99) ..

فليس بشي‏ء، اذ مذهب اكثر من تقدم من القائلين بعدم الترتب لنا غير معلوم، فكيف يمكن دعوى الاجماع فيه، سيما مع مخالفة مثل الصدوقين صراحة؟ ! .

ب: لو قلنا بفورية القضاء يحرم تركها قطعا، و يكون جميع اضداد القضاء الخاصة منهيا عنها على المختار، فيحرم كل ما ليس على جوازه او استحبابه او وجوبه دليل عام يعارض ذلك النهي، و يرجع الى حكم التعارض فيما كان فيه عام كذائي، كما بيناه في الاصول.

ج: لو قدم الحاضرة مع سعة وقتها حال كونه ذاكرا للفائتة، فعلى القول بوجوب تقديم الفائتة تجب اعادتها، لكونها باطلة، لان النهي عن ضد الامر بالابتداء بالفائتة مطلقا او فوائت مخصوصة كالمغرب و العشاء و نحوهما اخص مطلقا عما يتضمنه الامر بالحاضرة في جميع اوقاتها او الترغيب بها في اوائل اوقاتها، فيخص بها، و تبطل به الحاضرة.

و لو فعل ذلك سهوا لم يعد الحاضرة قولا واحدا، لعدم تعلق النهي بالساهي.

د: لو تذكر من عليه فائتة في اثناء الحاضرة عدل الى الفائتة -على القول بالترتب-مع الامكان، و هو حيث لا تتحقق زيادة ركوع، بلا خلاف من القائلين بالترتب، و تدل عليه الصحيحة الطويلة و موثقة البصري (100) .و مقتضى الاولى جواز العدول مع الفراغ من الفريضة، و لم نعثر على قائل به.

المسالة الثالثة:

من فاتته فريضة واحدة حضرا من يوم، و لم يعلمها بعينها، صلى ثنائية و ثلاثية و رباعية بنية قضاء ما في ذمته، على الاقوى الاشهر، كما صرح به جماعة (101) ، و عن الخلاف و السرائر: الاجماع عليه (102) .

لاصالة عدم اشتغال الذمة بالزائد عن ذلك.و لا تعارضها اصالة الاشتغال، لعدم تيقن الشغل بالازيد، و ما علم الشغل به فقد حصل.

فان قلت: اشتغلت الذمة بشي‏ء معين، و الحاصل امر غير معين.

قلنا: لا معنى لحصول غير المعين، اذ الشي‏ء ما لم يتعين لم يوجد.نعم لا يتعين في القصد، و لم يثبت اشتغال الذمة بالمعين في القصد هنا، و التعين الذي كان واجبا في الفائت-من الادائية و الظهرية مثلا-غير ممكن التحقق فيما نحن فيه، فلا يكون مكلفا به قطعا.

و منه يظهر عدم اندفاع الاصل بعموم المماثلة الواردة في بعض الاخبار (103) لو سلم العموم.

فان قلت: ان كان الفائت الظهر مثلا فقد اشتغلت الذمة بقضاء الظهر، و الحاصل ليس ذلك.

قلت: ان اردت اشتغال الذمة بقضاء صلاة بنية كونها ظهرا فهو باطل قطعا، و ان اردت اشتغالها بقضاء صلاة بقصد كونها قضاء ظهر فلا نسلم الاشتغال به، بل المسلم اشتغالها بقضاء اربع ركعات للاربع الفائتة.

و القول بان العبادات توقيفية، و لم يثبت من الشارع الاكتفاء بواحدة.

مردود بانه لم يثبت من الشارع ازيد من وجوب ركعات.

و اضعف منه تايد التعدد في الاربع باصالة عدم التداخل كما في الحدائق (104) ، فان الاكتفاء بالواحدة لاجل عدم ثبوت الزائد، لا لتداخل اكثر من الواحدة.

و تدل على المطلوب ايضا مرسلة ابن اسباط: «من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة و لم يدر اي صلاة هي صلى ركعتين و ثلاثا و اربعا» (105) .

و المروي في محاسن البرقي: عن رجل نسي صلاة من الصلوات ما يدري ايها هي، قال: «يصلي ثلاثا و اربعا و ركعتين، فان كانت الظهر او العصر او العشاء فقد صلى اربعا، و ان كانت المغرب او الغداة فقد صلى‏» (106) .

و ارسالهما غير ضائر، للانجبار بما مر.

خلافا للمحكي عن الحلبي و ابن حمزة، فاوجبا الخمس (107) ، و يستنبط ذلك من باب الوضوء من المبسوط ايضا حيث‏حكم بان من توضا و صلى الظهر، ثم توضا و صلى العصر، ثم ذكر انه احدث عقيب احدى الطهارتين قبل ان يصلي توضا و اعاد الصلاتين معا (108) .

لتحصيل نية التعيين الواجبة اجماعا مع الامكان، و لوجوب الجهر او الاخفات الغير الممكن جمعهما في صلاة واحدة.

و يردان: بانهما اجتهاد في مقابلة النص.

مضافا في الاول الى انه ان اراد الاجماع على وجوبها اذا كان معينا عند المكلف فلا يفيد هنا، و ان اراد الاجماع عليه مع عدم التعيين عند المكلف فهو اول المسالة.

و في الثاني الى ان مقتضاه الاكتفاء بالاربع بزيادة رباعية يجهر في احداهما و يخفت في الاخرى.مع ان ثبوت وجوب الجهر او الاخفات في المورد ممنوع، اذ قد عرفت ان ايجابه في القضاء بالاجماع الغير المتحقق هنا.

و من ذلك يظهر تخير المكلف في الرباعية الواحدة بين الجهر و الاخفات، للاصل، و استحالة التكليف بهما، و عدم الترجيح.

و لو كان في وقت العشاء، يردد بين الاداء و القضاء ان اوجبنا نيتهما.

و لو فاتته الواحدة سفرا يصلي مغربا و ثنائية مطلقة بين الثنائيات الاربع، وفاقا لجماعة (109) ، للاصل المذكور.

لا لفحوى النصين المتقدمين، لعدم انفهام الاولوية اصلا.

و لا لظهور قوله في رواية المحاسن: «فان كانت الظهر و العصر...» في العموم، لانه-لو سلم-لم يفد هنا، لضعف الرواية و عدم ظهور الجابر في المسالة، لاختصاص الشهرة الجابرة بغيره، و جبره بالاعتبار و فتوى طائفة لا اعتبار به.

خلافا للمحكي عن الحلي (110) ، فاوجب هنا الخمس اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النص المنجبر بالعمل.

فرعان:

ا: لا ترتيب هنا بين الثلاث قطعا، للاصل، و عدم المقتضي.

ب: لو تعددت الفائتة المجهولة شخصا مع العلم بالعدد، يقضيها على الوجه المذكور.

فلو علم فوات صلاتين من يوم و لم يعلمهما، صلى ثنائية و ثلاثية و رباعيتين.و لو كانت ثلاثة او اربعة ثلث الرباعية.و لو كان مسافرا صلى ثلاثية مع ثنائيتين في الاول و مع ثلاث ثنائيات في الاخيرتين.و لو كانت الفائتتان من يومين صلى ثنائيتين و ثلاثيتين و رباعيتين، و هكذا.

المسالة الرابعة:

لو فاتته من الفرائض ما لم يحصه عددا فالمشهور انه يجب عليه القضاء حتى يغلب على ظنه الوفاء، بل في المدارك: انه المقطوع به في كلام الاصحاب (111) ، مشعرا بالاجماع.

لصحيحة مرازم: علي نوافل كثيرة، فقال: «اقضها» فقلت: لا احصيها، فقال: «توخ‏» (112) .

و رواية ابن سنان: في رجل فاته من النوافل ما لا يحصى، لا يدري ما هو من كثرته، كيف يصنع؟ قال: «يصلي حتى لا يدري كم صلى من كثرته‏» (113) .

دلتا من باب التنبيه بالادنى على الاعلى على وجوب ذلك في الفرائض ايضا.بل يحتمل وجوب الازيد منه من تحصيل العلم بالبراءة، و لكنه نفي بعدم امكان تحصيل العلم، و استلزامه العسر و الحرج عادة، فبقيت المساواة.

و لاستصحاب شغل الذمة، فلا تحصل البراءة الا مع العلم بها الموجب للاتيان باكثر ما يحتمل فواته.الا انه لما مر من عدم امكان تحصيل العلم يكتفي بالظن، لوجوب الرجوع الى الظن بعد سد باب العلم، و لنحو قوله عليه السلام:

«ما لا يدرك كله لا يترك كله‏» (114) .

و يرد على الروايتين-بعد تسليم الاولوية-: ان الحكم فيهما على الاستحباب قطعا، فغايته استحباب التوخي و لا كلام فيه.

و على الاستصحاب: بان ما علم الشغل به يقينا-و هو ما تيقن بفواته اي الاقل-تحصل البراءة عنه بالاقل، فلا معنى لاستصحاب الاشتغال به، و الزائد لم يعلم به شغل اولا حتى يصح استصحابه.و استصحاب نفس اشتغال الذمة مطلقا لا معنى له، لان الاشتغال لا بد له من متعلق.

و اما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين في توجيه الاستصحاب بان المكلف حينما علم الفوات صار مكلفا بقضاء هذه الفائتة قطعا و كذلك الحال في الفائتة الثانية و الثالثة و هكذا.و مجرد عروض النسيان بعد ذلك لا يرفع الحكم الثابت من الاطلاقات و الاستصحاب، و لا تامل في التكليف بالقضاء قبل النسيان (115) .

فمن اغرب الغرائب، اذ بعد ما اتى بما تيقن فواته لم يبق شي‏ء علم فواته اولا و نسيه بعد ذلك حتى يستصحب، و كيف يعلم الفائت اولا؟ ! .

و كذا ما ذكره ايضا من ان رد صاحب الذخيرة و بعض آخر دليل استصحاب الاشتغال هنا مبني على عدم حجية الاستصحاب عنده مع انه يقول بحجيته فيما يتحقق فيه الاطلاق.

فان ردهم ليس لذلك اصلا، بل لعدم كونه موضع جريان الاستصحاب كما عرفت.

و كذا ما ذكره ايضا من انهم يسلمون استدعاء الشغل اليقيني بامر واقعي البراءة اليقينية مهما امكن و ان وقع الاجمال و تعدد الاحتمال في ذلك الواقعي، فلم لا يقولون به هنا؟ ! .

و ذلك لانه انما هو فيما اذا لم يعلم المكلف به اليقيني، اي كان ما علم التكليف به يقينا مجملا كالصلاة الواحدة الفائتة المترددة بين الخمس، فانه لا صلاة هنا يحكم بالتكليف بها يقينا.

و ما نحن فيه ليس كذلك، اذ ما علم التكليف به يقينا معلوم و هو الاقل، و لا اجمال فيه، و الزائد لا علم به، فيجري فيه اصل البراءة الثابت‏بالشرع و العقل و الاجماع.

و عدم التفرقة في جريان اصل الاشتغال بين هذه المسالة و مسالة الصلاة الواحدة المترددة-كما ذكره بعض الاجلة-ناشى‏ء من عدم التامل.

ثم انا لو سلمنا جريان اصل الاشتغال و الاستصحاب هنا فمقتضاهما وجوب تحصيل العلم، كما عن روض الجنان في بعض الصور (116) ، و بعض آخر (117) ، فالاكتفاء بالظن لا وجه له.

و القول بعدم امكان تحصيل العلم فاسد جدا، اذ كيف لا يمكن مع ان مبدا زمان التكليف معلوم، و منتهاه-و هو زمان ارادة القضاء-ايضا كذلك، و وظيفة كل يوم من الفرائض ايضا معلومة، فلو قضى جميع ما بين الطرفين يحصل العلم.و لو علم قطعا انه لم يترك بعضها كنصف ايام تكليفه او ثلثه او عشره يحصل العلم بفعل ما نقص عنه ذلك ايضا، و لا يلزم ان يكون تحصيل العلم بالاتيان بما فات من غير زيادة و نقصان، بل اللازم فيه الاتيان بما لا ينقص عن الفائت قطعا.

و اما استلزامه العسر و الحرج المسقطين للتكليف فهو ممنوع البتة، كيف؟ !

و لو علم احد انه فاتت صلوات كثيرة منه منذ سنة او سنتين او ثلاث سنين و لم يعلم عددها، فغايته فوت تمام صلوات هذه الايام، فيقضي صلوات ثلاث سنين، و قد ينقص ثلثها او اقل او ازيد ايضا بان علم قطعا الاتيان بالثلث او نحوه، و كثير من الناس يصير اجيرا لازيد من ذلك فيفعله في شهر او شهرين.

و كذا كثيرا ما يحكمون بوجوب قضاء صلوات عشر سنين او عشرين او ازيد -لوقوع خلل او ترك تقليد-لاجل الدليل، و لا ينفونه بالعسر و الحرج.

فاذا كان الاستصحاب هنا ايضا دليلا فلم لا يحكم بمقتضاه لاجل العسر و الحرج لو سلمنا؟ مع ان التفاوت فيما يحصل به الظن و ما به يحصل العلم لا يكون كثيرا غالبا، فاذا وجب الاول بدون عسر و حرج يكون الثاني ايضا كذلك.

ثم لو سلمنا عدم امكان تحصيل العلم و استلزامه العسر و الحرج فمقتضاه سقوط تحصيل العلم و ما يقتضيه الاستصحاب و الاشتغال، و اما الاكتفاء بالظن فلا دليل عليه اصلا.و مثل «ما لا يدرك كله لا يترك كله‏» لا يدل بوجه كما بينا في موضعه، و الرجوع اليه بعد سد باب العلم ممنوع غايته، بل يرجع الى سقوط التكليف فيما ليس فيه علم، و من ذلك ظهر عدم دليل تام لشي‏ء من ذينك القولين.

و هنا قول آخر، و هو: الاكتفاء بقضاء ما تيقن فواته.استوجهه في المدارك و الذخيرة (118) ، و هو ظاهر التذكرة و نهاية الاحكام (119) .

و هو الاقوى، لاصالة البراءة عن الزائد عما علم فواته.و لا يعارضها استصحاب شغل الذمة كما مر.

و اما ما قيل من عدم امكان حصول العلم بالاقل، اذ كل عدد يفرضه مثل ذلك الشخص يحتمل النقصان عنه و الزيادة عليه (120) .

فكلام واه جدا، ظاهر وجهه مع التامل.

و تدل عليه ايضا صحيحة زرارة و الفضيل و فيها: «و ان شككت‏بعد ما خرج وقت الفوات فقد دخل حائل، فلا اعادة عليك من شي‏ء حتى تستيقن، و ان استيقنت فعليك ان تصليها في اي حال‏» (121) .

فانه اذا فعل ما تيقنه من العدد الاقل يكون الزائد مشكوكا فيه بعد خروج الوقت، فلا يكون فيه قضاء.

و الايراد بان المتبادر من الرواية هو الشك في ثبوت اصل القضاء في الذمة و عدمه، و هو غير ما نحن فيه و هو الشك في مقدار القضاء بعد القطع بثبوت اصله في الذمة و الاشتغال به مجملا، و الفرق بينهما واضح..

مردود بان بعد اخراج العدد المقطوع به عن الثاني يكون ثبوت اصل القضاء الزائد عنه موضع الشك، فلا فرق.

و ها هنا قول آخر اختاره الفاضل في الارشاد (122) ، و هو: الاكتفاء بالظن مع تعيين الصلاة الفائتة كيفية و ترديدها عددا، و وجوب تحصيل العلم مع عدم التعيين كما و كيفا.

و وجه التفصيل غير واضح.

المسالة الخامسة:

يستحب قضاء النوافل الرواتب اليومية استحبابا مؤكدا، بالاجماع، كما عن الخلاف و المنتهى و روض الجنان (123) ، و غيرها (124) ، له، و للمستفيضة من الاخبار المتكثرة.

منها: رواية ابن سنان: عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: «فليصل حتى لا يدري كم صلى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر ما علم من ذلك‏» ثم قال: «قلت له: فانه لا يقدر على القضاء، فقال: «ان كان شغله في طلب معيشة لا بد منها او حاجة لاخ مؤمن فلا شي‏ء عليه، و ان كان شغله لجمع الدنيا و التشاغل به عن الصلاة فعليه القضاء، و الا لقى الله تعالى و هو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله صلى الله عليه و آله‏» قال، قلت: فانه لا يقدر على القضاء فهل يجزى‏ء ان يتصدق؟ فسكت مليا، ثم قال: «فليتصدق بصدقة‏» قلت: فما يتصدق؟ قال: «بقدر طوله، و ادنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة‏» قلت: و كم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين؟ قال: «لكل ركعتين من صلاة الليل و لكل ركعتين من صلاة النهار مد»فقلت: لا يقدر، فقال: «مد اذا لكل اربع ركعات من صلاة النهار» قلت: لا يقدر، فقال: «مد اذا لصلاة الليل و مد لصلاة النهار، و الصلاة افضل و الصلاة افضل و الصلاة افضل‏» (125) .

اقول: المراد ان صلاة القاضي افضل من صدقة المتصدق و اكثر ثوابا منه، لا ان الصلاة للمتصدق افضل، لان المفروض عدم قدرته.

و لو فاتت النافلة لمرض لم يتاكد القضاء تاكد غيره، لما في صحيحة مرازم:

كنت مرضت اربعة اشهر لم اتنفل فيها، فقلت: اصلحك الله تعالى، او:

جعلت فداك، اني مرضت اربعة اشهر لم اصل فيها نافلة، فقال: «ليس عليك قضاء، ان المريض ليس كالصحيح، كل ما غلب الله تعالى[عليه]فالله اولى بالعذر فيه‏» (126) .

و يستفاد من التعليل عموم ذلك الحكم لكل معذور من غير اختصاص بالمريض، و لا باس به.

و تستحب الصدقة مع العجز عن القضاء عن كل ركعتين بمد، على التفصيل المتقدم في رواية ابن سنان.

و المذكور في كلام الاصحاب انه ان عجز عن المد لكل ركعتين يتصدق عن كل يوم مدا.و لم اقف على مستنده، و العمل بالرواية اولى.