بان يتردد ذهنه بين امرين، و كان احدهما راجحا عنده.
و حكمه البناء على الظن، بمعنى جعل الواقع ما ظنه من غير احتياط، و تقدير الصلاة كانها وقعت على هذا الوجه، سواء اقتضى الصحة او الفساد.
فان ظن الاقل بنى عليه، و ان ظن الاكثر من غير زيادة في عدد الصلاة كالاربع، تشهد و سلم، و ان ظن الزيادة كالخمس فكانه زاد ركعة، فتبطل ان لم يكن جلس في الرابعة او مطلقا، و هكذا.
بلا خلاف يوجد اذا تعلق ذلك بعدد الركعتين الاخيرتين من الرباعية.
لا لدفع العسر كما قيل (1) ، اذ لا عسر الا مع الكثرة، و معها يرتفع حكم الشك.
بل للنبويين العاميين:
احدهما: «اذا شك احدكم في الصلاة فلينظر احرى ذلك الى الصواب فليبن عليه» (2) .
و الآخر: «اذا شك احدكم في الصلاة فليتحر الصواب» (3) .
و لموثقة البقباق، و صحيحتي الحلبي، و ابن ابي العلاء، المتقدمة جميعا في المسالة السادسة من الفصل الاول (4) .
و قد يستدل ايضا بمفهوم صحيحة صفوان المتقدمة في الرابعة منه (5) .
و لا يخفى انها مختصة بما كان متعلق الشك جميع الركعات لا الاخيرتين.
و اثبات الحكم فيهما بعدم الفصل انما يفيد لو تم الحكم في الاصل، و سياتي عدم تماميته فيه.فالدليل ما مر.و لكنه لا يشمل جميع صور الشك بين الاخيرتين، و انما يتعدى الى الجميع بالاجماع المركب.
و على هذا، فيشكل الحكم فيما اذا كان احد طرفي الشك ما زاد على الاربع، الا اذا ثبت عدم القول بالفصل فيه ايضا كما هو الظاهر.و امر الاحتياط واضح.
و على الاشهر-كما صرح به جمع (6) -اذا تعلق باعداد الركعات مطلقا، بل قيل: انه اجماع (7) .
للشهرة.
و نقل الاجماع.
و عموم النبويين.
و مفهوم الصحيحة الاخيرة.
و استقراء اعتبار الظن في غير الاوليين، فيعتبر فيهما ايضا.
و مفهوم مثل قوله: «اذا شككت في الفجر فاعد» (8) .
و يرد الاولان: بعدم الحجية، سيما مع ظن مخالفة جمع من الاجلة (9) .
و الثالث: بالضعف سندا، و عدم فائدة الانجبار في الاخبار العامية، و القصور بل الاجمال دلالة، لعدم صراحتهما في المطلوب، لاحتمال ان يكون المراد سيما في الثاني منهما التروي لنيل الصواب.
و الرابع-بعد تسليم دلالته بالمفهوم على المطلوب-: بمعارضته مع ما هو اكثر عددا، و اصرح دلالة، و اوفق بما نهي عن متابعة الظن و غير العلم من الكتاب و السنة، من الروايات الدالة على البطلان في صورة عدم اليقين و عدم الدراية في عدد الاوليين او الثنائية او الثلاثية، و وجوب التحفظ فيها، كما مر، بل جميع الروايات الدالة على الاعادة بالشك فيها، لانه لغة ما قابل اليقين، بالعموم من وجه.
و مع صحيحة زرارة: «كان الذي فرض الله على العباد من الصلاة عشر ركعات، و فيهن القراءة و ليس فيهن وهم» الى ان قال: «فمن شك في الاوليين اعاد حتى يحفظ و يكون على يقين، و من شك في الاخيرتين عمل بالوهم» (10) .
المؤيدة بالاخرى: «عشر ركعات-الى ان قال-: لا يجوز الوهم فيهن، و من وهم في شيء منهن استقبل الصلاة» (11) .
بالعموم و الخصوص المطلق، فان قوله في الاولى: «عمل بالوهم» اي اذا وقع وهمه على شيء، و الا لما كان للعمل بالوهم معنى، فيكون معنى صدره: من شك في الاوليين وقع وهمه على شيء لم يعمل به، بضميمة كون التفصيل قاطعا للشركة، و موردها خاص بالاوليين.
فان قيل: المراد من قوله: «كم صلى» في صحيحة صفوان اما الشاك في الجميع بخصوصه، او من لم يدر قدر ما صلى مطلقا.و الاول لا يشمل الشك في غير الاخيرتين، و على الثاني ايضا يختص بغيرهما، للاجماع على عدم وجوب الاعادة بالشك فيهما، فلو وجبت الاعادة مع وقوع الوهم على غيرهما يصير التقييد لغوا بالمرة.
قلنا: هذا انما يفيد على حجية مفهوم الوصف، لان مرجع الكلام انما هو اليها.
الا انه يمكن ان يقال: ان اخصية صحيحة زرارة مطلقا انما هي بعد ارادة الظن من الوهم في قوله «عمل بالوهم» و هو ليس باولى من ان يراد بالعمل بالوهم العمل بمقتضى الشك من البناء على الاكثر.مضافا الى ان مقتضاها العمل بالظن في المغرب ايضا، و هو مخالف لما يضم مع اعادة الاوليين من الاجماع المركب.و الى احتمال ان يكون قوله: «فمن شك» من كلام الفقيه.
و الخامس: بعدم حجية هذا الاستقراء.
و السادس: بانه مبني على كون المراد بالشك ما يتساوى طرفاه، و هو خلاف ما ذكره اللغويون و ما تساعده الاخبار، فمنطوقه على خلاف المطلوب ادل.مع انه على فرض الشمول يعارض ما مر.
و على هذا فالقول بعدم مساواة غير الاخيرتين لهما في ذلك الحكم، بل بطلان الصلاة في غيرهما قوي جدا، كما عن الحلي (12) ، بل قيل (13) : هو ظاهر الكليني و الفقيه و المقنعة و النهاية و المبسوط و الخلاف و المنتهى و النافع (14) ، و هو ظاهر الانتصار او محتمله (15) ، و اختاره بعض مشايخنا المتاخرين (16) .و ظاهر الاردبيلي و الذخيرة و الكفاية التردد (17) .
و هذا القدر كاف في عدم ثبوت الاجماع في المسالة.و لا يضر شيء من الاضطراب في بعض كلمات هؤلاء الموجب لاحتمال موافقة المشهور، لان عدم ثبوت الموافقة لهم كاف لجواز مخالفتهم بالدليل.
لا يقال: رواية ابن عمار: «اذا ذهب وهمك الى التمام، ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع» (18) .
تشمل بعمومها الثنائية و الثلاثية ايضا، فتكونان صحيحتين مع الوهم.
قلنا: وهم التمام لا يكون الا مع الفراغ، و لا اعتبار بشك و لا ظن حينئذ اصلا.مع انها ايضا اعم مطلقا مما مر.
و مما ذكر ظهر الحكم في الافعال ايضا، و ان الحق ان الظن فيها كالشك، وفاقا لظاهر كل من لم يذكر حكم الظن الا في الاعداد، و منهم المحقق في النافع (19) .
و لا يرد ان اخبار حكم الشك في الافعال متضمنة للفظ الشك، و صدقه على الظن غير معلوم.
لانا نجيب باعميته لغة عن الظن.و الحقيقة الشرعية غير ثابتة و ان لم تثبت الاعمية في عرف الشارع ايضا كما هو الظاهر من الاخبار.مع ان الحكم في بعضها متعلق بعدم الدراية الشامل للظن قطعا.و اختصاصه ببعض الصور-بعد عدم القول بالفرق-غير ضائر.
و خلافا للمشهور، لبعض ما مر مع ضعفه، و للقياس على الاعداد بالطريق الاولى.و الاولوية ممنوعة جدا.
و عن علي بن بابويه قول آخر و هو: البطلان في الشك في الاوليين اولا، و البناء على ظنه فيهما ثانيا، مع صلاة الاحتياط عند البناء على الثانية (20) ، للرضوي المصرح بذلك (21) .
و هو ضعيف لا يصلح لمعارضة ما مر.و مع ذلك موافق-على ما حكي- لقول ابي حنيفة (22) .مضافا الى شذوذه المخرج للخبر الصحيح عن الحجية ايضا.
كما ان قوله الآخر، و هو: البناء على الثلاث مع صلاة الاحتياط و سجدة السهو اذا شك بينها و بين الاثنتين فظن الثلاث (23) ، ايضا كذلك.و مع ذلك خال عن المستند.و توهم دلالة موثقة ابي بصير (24) عليه فاسد.بل هي دالة على حكم آخر شاذ ايضا لم يعمل به احد، كبعض اخبار اخر دالة على صلاة الاحتياط، او سجدة السهو في بعض صور البناء على المظنون، او كلها (25) .فكل ذلك بالشذوذ مطروح، و حملها على الاستحباب ممكن، بل منها ما لا يفيد ازيد منه ايضا.
هل يجب التروي عند حصول الشك ليحصل الياس عن الترجيح،او يترجح احد الطرفين فيبني عليه، ام لا؟
قيل: لا (26) ، للاصل، و الاطلاقات، و عدم تقدير حد التروي.
و قيل: نعم (27) ، لجريان العادة بالتروي في استحصال المطالب، بل لعدم صدق الشاك و لا ادري و نحوهما الا بعد التروي.و به يدفع الاصل.و الاطلاق ينصرف الى الكامل، و هو المستقر لا بمجرد الخطور و البدار.و يقدر حده بما يبني عليه اهل العرف امرهم في حكمهم بانا شاكون في كذا و كذا، و هو حد معروف يبنى عليه في المحاورات كثيرا.
و هو الاقوى، لما اشير اليه من عدم معلومية صدق الموضوع بمجرد الخطور ما لم يترو شيئا ما.
و يؤيده استلزام عدمه الهرج في الصلاة، و الاشارة اليه في بعض الاخبار، كالاخبار المتضمنة لقوله: «وقع رايك على الثلاث» و قوله: «و ان ذهب وهمك»«و ان وقع شكه» و امثال ذلك.فتامل.
ثم المتروي لا يرتكب شيئا من افعال الصلاة حال التروي حتى يبنى امره على طرف، لعدم معلومية وظيفته.الا اذا كانت الوظيفة مشتركة.و لو اتى بغير المشترك بقصد الصلاة تفسد الصلاة ان كان مما يفسدها.
تعليقات:
1) في الذكرى: 222.
2) صحيح مسلم 1: 400-90، سنن النسائي 3: 28.
3) صحيح مسلم 1: 400-90، سنن النسائي 3: 28، سنن ابي داود 1: 268-1020.
4) راجع ص 143.
5) راجع ص: 134.
6) انظر: الذخيرة: 368، و الحدائق 9: 206، و الرياض 1: 217، و في الجميع: على المشهور.
7) كما في مجمع الفائدة 3: 128.
8) انظر: الوسائل 8: 193 ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2.
9) كما سياتي في ص: 184.
10) الفقيه 1: 128-605، مستطرفات السرائر: 74-18، الوسائل 8: 187 ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.
11) الكافي 3: 273 الصلاة ب 4 ح 7، الوسائل 4: 49 ابواب اعداد الفرائض و نوافلها ب 13ح 12.
12) في السرائر 1: 245.
13) انظر: الرياض 1: 217.
14) الكليني في الكافي 3: 359، الفقيه 1: 225، المقنعة: 145، النهاية: 90، المبسوط 1: 121، الخلاف 1: 447، المنتهى 1: 410، النافع: 44.
15) الانتصار: 48.
16) قوى صاحب الحدائق 9: 208، القول بالبطلان، و قال البهبهاني في شرح المفاتيح (المخطوط)
و صاحب الرياض 1: 217: بالاحتياط بالاتمام و الاعادة، فراجع.
17) الاردبيلي في مجمع الفائدة 3: 128، الذخيرة: 368، الكفاية: 25.
18) التهذيب 2: 183-730، الوسائل 8: 211 ابواب الخلل ب 7 ح 2.
19) النافع: 44.
20) حكاه عنه في المختلف: 132.
21) فقه الرضا (عليه السلام) : 117، مستدرك الوسائل 6: 401 ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.
22) انظر: بدائع الصنائع 1: 165.
23) حكاه في المختلف: 132.
24) التهذيب 2: 185-735، الوسائل 8: 218 ابواب الخلل ب 10 ح 7.
25) انظر: الوسائل 8: 211 و 218 ابواب الخلل ب 7 ح 2 و ب 10 ح 8 و 9.
26) انظر الذخيرة: 368.
27) روض الجنان: 340.