بسم الله الرحمن الرحيم
و الكلام فيه اما في منافيات الصلاة، او في الخلل الواقع في الصلاة و السهو في شرائطه او افعاله و الشك.فها هنا بابان.
و هي امور:
و هو يبطل الصلاة و يقطعها ان كان حدثا اكبر مطلقا بالاجماع.
و كذا ان كان اصغر و صدر عمدا، و استفاض عليه نقل الاجماع ايضا (1) .
و كذا لو صدر من غير اختيار، او سهوا عن كونه في الصلاة مع اختيارية الحدث، على الاظهر الاشهر.بل في الناصريات: الاجماع على الاول (2) .و في التذكرة و نهاية الاحكام و شرح الجعفرية على الثاني (3) .و في شرح الارشاد للاردبيلي فيهما اذا كانت الطهارة المنتقضة مائية (4) .و حكي نفي الخلاف في ذلك عن التهذيب ايضا (5) .
و في الامالي: ان قطع الصلاة بخروج ما ينقض الوضوء-الشامل لجميع ما ذكر بعمومه-من دين الامامية (6) .
لا لبطلان الصلاة بالفعل الكثير اجماعا.
او لشرطية الطهارة في الصلاة.
او لاصالة الاشتغال.
او توقيفية العبادة المستلزمة للاقتصار بما نقل عن الشارع.
لضعف الاول: بمنع كون مجرد الطهارة-الذي هو محل الكلام خصوصا اذا كانت تيمما-فعلا كثيرا اولا.و منع ابطال كل فعل كثير ثانيا، فان مستنده الاجماع و هو منتف في محل النزاع.
و الثاني: بان اللازم منه عدم وقوع شيء من اجزاء الصلاة من غير طهارة، لا عدم تخلل الحدث في الاثناء.
و القول بان الصلاة ليست تلك الاجزاء بالخصوص، بل هي و ما بينها من الانتقالات.
كلام واه، و الا لكان غسل الرعاف و رد السلام و صفق اليدين للتنبيه، منها.
و دعوى خروجها بالدليل فاسد، لان الدخول محتاج اليه، و لا دليل على كون غير الاجزاء المخصوصة صلاة.و لذا ترى جماعة (7) يصرحون بعدم بطلان الصلاة بنية القطع او المنافي لو رجع عنها و لم يشتغل حينئذ بشيء من اجزاء الصلاة.
و ايضا: ثبوت اجزاء الصلاة انما هو بالشرع، و اجزاؤها معدودة، و لم يعد منها السكوت بقدر التطهر لو احدث.
فان قيل: قوله: «تحليلها التسليم» يدل على انه في الصلاة، اذ الانصراف انما هو بالتسليم.
قلنا: الكون في الصلاة و عدم الانصراف عنها غير التلبس باجزائها، الا ترى ان الجالس في اثناء طريق السفر، و المتكلم في خلال الاكل، و الساكت قليلا في اثناء القراءة، غير منصرف عنها، مع انه غير متلبس به؟
و الثالث: بمنع العلم بالاشتغال بالزائد عما فعله، مع ان حرمة ابطال ما فعل محتملة، فلا يتيقن بالبراءة-بترك البناء و الاستئناف-عن جميع ما اشتغلتبه الذمة.
و الرابع: بان لازم توقيفية العبادة الاقتصار في اجزائها او شرائطها بما ورد من الشرع، و لم يرد منه ان اتصال الطهارة ايضا من الاجزاء او الشرائط.و عدم فعل الشارع نحو المدعى لعله لعدم سبق حدث منه.
بل (8) للاجماع فيما اذا كان المنتقض الطهارة المائية، لعدم ظهور مخالف فيه -كما ياتي-و عدم قدح من نسب الخلاف اليه-لو كان مخالفا-في الاجماع.
و للنصوص المستفيضة المعتضدة بالشهرة العظيمة مطلقا، منها: موثقة الحضرمي: «لا يقطع الصلاة الا اربع: الخلاء، و البول، و الريح، و الصوت» (9) .
و الساباطي: عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: «ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شيء و لم ينقض وضوءه، و ان كان متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء، و ان كان في صلاته قطع الصلاة و اعاد الوضوء و الصلاة» (10) .
و رواية ابن جهم الواردة فيمن احدث حين جلس في الرابعة، و فيها: «و ان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد» (11) .
و الكناني: عن الرجل يخفق و هو في الصلاة، قال: «ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان، فعليه الوضوء و اعادة الصلاة» (12) .
و الحسين بن حماد: «اذا احس الرجل ان بثوبه بللا و هو يصلي فلياخذ ذكره بطرف ثوبه فيمسه بفخذه، فان كان بللا ينصرف فليتوضا و يعيد الصلاة» (13) الحديث.و المراد ما اذا لم يستبرىء.
و المرويين في قرب الاسناد و المسائل: عن رجل يكون في صلاته فعلم ان ريحا قد خرجت عنه و لا يجد ريحا و لا يسمع صوتا، قال: «يعيد الوضوء و الصلاة، و لا يعتد بشيء مما صلى اذا علم ذلك يقينا» (14) .
و ضعف بعضها سندا منجبر بما مر، و قصور بعض عن افادة الوجوب مجبور بعدم القول باستحباب اعادة الصلاة، بل القائل بين محرم لها و موجب.
خلافا للمحكي عن السيد في المصباح (15) ، و الشيخ في المبسوط و الخلاف (16) في صورة سبق الحدث، فقالا بالتطهير و البناء.
للاستصحاب و الاصل.
و صحيحة الفضيل: اكون في الصلاة فاجد غمزا في بطني او اذى او ضربانا، فقال: «انصرف ثم توضا و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، فان تكلمت ناسيا فلا شيء عليك، فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا» قلت: و ان قلب وجهه عن القبلة؟ قال: «نعم و ان قلب وجهه عن القبلة» (17) .
و رواية القماط: عن رجل وجد غمزا في بطنه او اذى او عصرا من البول -الى ان قال-: «فقال اذا اصاب شيئا من ذلك فلا باس ان يخرج لحاجته تلك فيتوضا، ثم ينصرف الى مصلاه الذي كان يصلي فيه، فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام» قال، قلت: و ان التفتيمينا و شمالا، او ولى عن القبلة؟ قال: «نعم، كل ذلك واسع» (18) .
و حسنة زرارة (19) و موثقته (20) و موثقة ابنه (21) ، الواردة في الحدث بعد السجدة الاخيرة و قبل التشهد، الآمرة بالوضوء و البناء.
و يجاب عن الاصلين: بالاندفاع بما مر.
و عن الاخبار: اولا: بمعارضتها مع ما مر، مع اختصاص اكثره بمورد الكلام بحيث لا يمكن التخصيص فيه بغيره، فان الثلاثة الاخيرة مخصوصة بمن سبقه الحدث.بل و كذلك الثانية، اذ الظاهر ان خروج حب القرع لا يكون في الصلاة اختياريا.
و يرجح ما مر عليها، لموافقتها للعامة، فان ذلك مذهب مالك و ابي حنيفة، و الشافعي في قوله[القديم] (22) كما في الناصريات و في الخلاف و التذكرة و المنتهى (23) ، و غيرها (24) .
و ثانيا: بعدم حجيتها، لشذوذها و مخالفتها لشهرة القدماء و المتاخرين.بل لمذهب ناقليها.بل للاجماع، لاطباق العلماء قديما و حديثا على خلافها.
و مخالفة من ذكر-سيما في بعض الكتب بعد الموافقة في سائر كتبه (25) -لا تقدح في الاجماع.
مع ان المخالفة في الخلاف ايضا غير معلومة، بل صرح الشيخ فيه بعد نقله الروايتين الاولى البطلان، و الثانية البناء و جعله الاول احوط، بان الذي اعمل و افتي به هو الاولى (26) .
و لا ينافيه جعلها احوط اولا، لان الاحتياط-و المراد تحصيل البراءة اليقينية- عنده دليل شرعي.و لذا استدل على ما افتى به في الخلاف بتيقن البراءة، و لذا تراه كالسيد و تابعيه يستدلون على مذاهبهم بطريقة الاحتياط.
و من هذا يظهر حال المبسوط ايضا، لتصريحه فيه باحوطية البطلان (27) ، بل السيد ايضا، لذلك.
هذا مع عدم مطابقة الروايتين الاوليين للدعوى، لانها في صورة سبق الحدث بغير اختيار، و مدلولهما الحدث اختيارا، حيث امر بالانصراف و قضاء الحاجة.و لو لم تحملا على ذلك يكون عدم المطابقة اظهر، لان الغمز و اخويه ليس احداثا.
و الثلاثة الاخيرة اخص، لورودها قبل التشهد الاخير خاصة.و لا اجماع مركب، لان الصدوق قد افتى في الفقيه بمضمونها (28) .و قواه المحدث المجلسي في البحار حتى في صورة العمد ايضا (29) ، و كذا والد شيخنا البهائي في شرح الالفية.
و هذا قول ثان مخالف للمشهور، و هو الفرق بين ما بعد السجدة الاخيرة و بين ما قبلها، فالبناء في الاول، و الاعادة في الثاني.
و دليله ما مر، و جوابه قد ظهر، سيما ان الموافقة للعامة هنا اشد و اظهر، حيث ان ابا حنيفة و مالك و جمعا آخر من فقهائهم ينفون وجوب التشهد الاخير (30) .
مع ان الظاهر ان البطلان في صورة العمد اجماعي، بل قيل: كاد ان يكون ضروري المذهب (31) .
و هنا خلاف ثالث للمشهور، و هو: القول بالبناء فيما اذا كان المنتقض الطهارة الترابية خاصة، حكي عن العماني و الشيخين و ابن حمزة في الواسطة (32) ، و مال اليه في المعتبر (33) ، و قواه في المدارك (34) ، و نفى عنه البعد في شرح الارشاد للاردبيلي (35) .
لصحيحة زرارة و محمد: رجل دخل في الصلاة و هو متيمم، فصلى ركعة ثم احدث فاصاب الماء، قال: «يخرج و يتوضا ثم يبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم» (36) .
و نحوها صحيحة زرارة الاخرى (37) .
و هما اخصان من المدعى على ما يظهر من نهاية الشيخ (38) ، و ما حكاه الحلي في السرائر (39) من وجوب الطهارة و البناء على المتيمم اذا احدث مطلقا.
نعم تنطبقان عليه على ما نقله في المنتهى و المدارك من انه اذا احدث فوجد الماء (40) .
فيجاب عنهما: بانهما تعارضان ما مر، و توافقان العامة (41) .
و مع ذلك لا بد من ارتكاب تخصيص او تجوز فيهما، اذ لا شك في البطلان في صورة العمد، و التخصيص بالسهو ليس اولى من حمل الركعة على الصلاة، كما عن المختلف (42) ، فيكون المراد من قوله: «يبني على ما مضى» اي: يجتزىء بتلك الصلاة السابقة، فانه لم يثبت للبناء حقيقة شرعية في هذا المعنى المدعى، كما مر في مسالة واجد الماء في اثناء الصلاة من بحث التيمم.
او تخصيص الرجل بمن صلى صلاة بالتيمم ثم دخل في الاخرى، كما عن المنتقى (43) ، فيكون المراد بالصلاة في قوله: «يبني على ما مصى من صلاته» هو صلاته التي صلاها بالتيمم تامة قبل هذه الصلاة التي احدث فيها، و مرجعه الى انه يخرج من هذه الصلاة و لا يعيد ما صلاها بهذا التيمم و ان كان في الوقت، و يشعر بهذا المعنى قوله: «التي صلى بالتيمم» .
بمعنى وضع اليمين على الشمال، كما فسره به في صحيحة محمد (44) ، او هو او عكسه، كما به فسره في المروي في الدعائم (45) .
و حرمته في الصلاة مشهورة، صرح بها في الانتصار و الخلاف و النهاية و الجمل و السرائر و الوسيلة و الغنية و النافع و المنتهى و التذكرة و نهاية الاحكام و التحرير و الارشاد و القواعد و شرحه و الروضة (46) ، و غيرها، بل عامة المتاخرين كما قيل (47) .
الا ان بعضهم عبر بالمعنى الاول، و بعضهم بالثاني، و بعضهم بالتكفير، و في الانتصار و الغنية الاجماع عليها في المعنى الاول مطلقا (48) ، و في الخلاف على الثاني كذلك (49) .
و عن الحلبي و الاسكافي و المعتبر عدمها بشيء من المعنيين (50) .
و الحق هو الاول بمعنى حرمته، سواء فسر بالمعنى الاول او بالثاني، للمروي في كتاب المسائل لعلي، عن اخيه عليه السلام: عن الرجل يكون في صلاته يضع احدى يديه على الاخرى بكفه او ذراعه، قال: «لا يصلح ذلك، فان فعل فلا يعودن له» (51) .
فان نفي الصلاحية يستلزم الحرمة، كما بينا وجهه في عوائد الايام (52) .و لا ينافيه ما بعده، لان معناه انه ان كان فعل ذلك قبل هذا فلا يعود اليه بعد ذلك، و هذا ملائم للحرمة لا مناف لها.
و ضعفه منجبر بدعوى الشهرة على تحريم الاصل و العكس في طائفة من العبارات، منها في شرح الجعفرية، بل الاجماع في الخلاف (53) .
و تؤيده روايات مستفيضة اخرى، كصحيحة محمد (54) ، و مرسلة حريز (55) ، و المرويات في الخصال (56) ، و الدعائم (57) ، و قرب الاسناد (58) .
و عدم الاستدلال بها-كالاكثر-لخلوها عن الصريح في التحريم، لانها بين الفاظ اخبارية او محتملة لها.
و اما قوله في رواية الدعائم: «و لكن ارسلهما ارسالا» و ان كان امرا، الا انها -لضعفها و عدم حصول الانجبار لها في وجوب ارسالها، لاحتمال جواز وضع اليدين على الثديين او الضلعين، او احداهما-لا تصلح لاثبات الحرمة.
و اما المروي في تفسير العياشي: ايضع الرجل يده على ذراعيه في الصلاة؟
قال: «لا باس» (59) .
فضعيف غير منجبر، و مع ذلك للعامة موافق.
و لا فرق في الحرمة بين كون الوضع فوق السرة او تحتها، وضع الكف على الكف او على الساعد، لاطلاق الرواية و الاجماعات المنقولة الجابرة لها، بل صرح بالاجماع في الخلاف على عموم فوق السرة و تحتها (60) .
ثم انه هل هو موجب لبطلان الصلاة؟ كما صرح به كثير من المحرمين (61) ، و منهم والدي-رحمه الله-في بحث المنافيات من التحفة الرضوية.
او لا؟ كما في شرح الارشاد للاردبيلي، و الروضة و المسالك (62) ، و والدي -رحمه الله-في بحث القيام من الكتاب المذكور.
الحق هو الثاني، للاصل الخالي عن المعارض مطلقا، الا ما استدل به من الاجماع البسيط المنقول في الخلاف (63) ، و المركب المصرح به في كلام الثانيين (64) ، و كونه فعلا كثيرا، و اصل الاشتغال، و توقيفية العبادة، و لزوم الزيادة في الصلاة.
و الكل ضعيف، يظهر وجهه مما مر مرارا.
و لا يحرم ذلك في حال التقية مطلقا اجماعا، بل يجب، و معها لو تركه لم تبطل صلاته قطعا.
و تحقيقه: ان الالتفات اما يكون خطا في القبلة مع التقصير او بدونه.
او جهلا بوجوب مراعاتها.
او ظنا بتمام الصلاة كمن سلم في غير موقعه.
او عمدا.
او سهوا من انه في الصلاة، او من انه لا يجوز الانحراف، و منه الغفلة كان يسمع صوتا من خلفه فيلتفت من غير شعور.
او مكرها.
و الاولان قد مضيا في باب القبلة.
و الثالثياتي في مسالة السلام في غير موضعه.
و الكلام هنا في الثلاثة الاخيرة.
فان كان عمدا فهو اما يكون بالبدن كله او الوجه خاصة، و على التقديرين اما يكون الى الخلف، و المراد به ما يجاوز عن احد الجانبين و ان لم يبلغ مقابل القبلة، و لذا تراهم قابلوه باليمين و الشمال، او الى احد الجانبين، او الى ما بينه و بين القبلة.
فعلى الاول، فان كان الى الخلف يبطل بالاجماع، و المستفيضة من الصحاح و غيرها الآتية.
و الا فعلى الاقوى، ان بلغ احد الجانبين، وفاقا لنهاية الشيخ و المعتبر و روض الجنان و الذكرى و البيان و الروضة و شرح الجعفرية و شرح القواعد و الحدائق (65) و المعتمد، بل للاكثر، بل للجميع كما يظهر من اشتراطهم في بحث القبلة عدم الانحراف عمدا و لو يسيرا، و هو قرينة على ان مرادهم من الالتفات الغير المبطل هنا هو الالتفات بالوجه خاصة، كما صرح به بعضهم ايضا (66) ، و قد استعمل كثيرا مطلقا فيه كما يظهر للمتتبع، و ان امكن حمل كلامهم في القبلة على ما اذا صلى على غير القبلة، و هنا على ما اذا التفتبدون ايقاع شيء من الصلاة حينئذ.
للمستفيضة من الصحاح و غيرها، كصحيحة ابن اذينة: عن رجل رعف و هو في الصلاة و قد صلى بعض صلاته، فقال: «ان كان الماء عن يمينه او عن شماله او عن خلفه فليغسله من غير ان يلتفت، و ليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة» (67) .
و زرارة: «الالتفات يقطع الصلاة اذا كان بكله» (68) .
و محمد: عن رجل يلتفت في الصلاة؟ قال: «لا» (69) .
و حسنة الحلبي: «اذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة اذا كان الالتفات فاحشا» (70) .
و المروي في الخصال: «الالتفات الفاحش يقطع الصلاة» (71) .
و مرسلة الفقيه: «و لا تلتفت عن يمينك و لا عن يسارك، فان التفتحتى ترى من خلفك وجب عليك اعادة الصلاة» (72) .
و المستفيضة الآتية المصرحة بالبطلان بتقلب الوجه و صرفه و تحويله، اللازمة للالتفات بالجميع.
و اما رواية عبد الحميد: عن الالتفات، ايقطع الصلاة؟ قال: «لا، و ما احب ان يفعل» (73) .
فهي عامة مطلقة بالنسبة الى ما مر من جهة الالتفات و الصلاة حيث تشمل النافلة ايضا، فتخصص بما مر، سيما مع ان الاخبار المبطلة معاضدة باشهريتها رواية، و بالموافقة لقوله سبحانه: «و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره» (74) .
و اما مفهوم خبري قرب الاسناد و المستطرفات، و صحيحة علي الآتية (75) فلا يفيد الجواز في غير الخلف، لان مفهومها ما ذكر فيها بقوله: «و ان كانت نافلة»و بقوله: «ان كان في مقدم ثوبه او جانبيه» و مثل ذلك لا يعتبر فيه مفهوم آخر، لانتفاء التبادر المثبت للمفهوم، مع ان الصحيحة مختصة بالالتفات بالوجه كما ياتي.
و اما مفهوم الحسنة و المرسلة، فلا ينافي ما مر، لان الالتفات الى احد الجانبين فاحش جدا و موجب لرؤية الخلف قطعا.
و ان لم يبلغ حد احد الجانبين (76) فمع الاشتغال بشيء من اجزاء الصلاة قطع صلاته اجماعا، له، و لادلة اشتراط الاستقبال في اجزائها.
بل لولاه للغى شرط الاستقبال في الصلاة، اذ لا فرق في الاجزاء بين قليلها و كثيرها اجماعا.
و ان لم يشتغل به فالظاهر عدم البطلان، لتعارض مفهوم المرسلة مع بعض المبطلات بالخصوص المطلق، فيخصصه، و مع بعض آخر بالعموم من وجه، و حيث لا مرجح يرجع الى الاصل و هو مع الصحة.
نعم لو التفت الى قريب من احد جانبيه بحيثيعد فاحشا عرفا، و يكون موجبا لرؤية الخلف-حيث ان الخلف لا يختص بنقطة مقابل القبلة و يمكن رؤية الخلف قبل البلوغ حد احد الجانبين ايضا-يمكن القول ايضا بكونه مبطلا.
و لا يلزم منه الابطال في غير هذه الصورة بالاجماع المركب، لانه غير ثابت.
نعم لو ثبت لكان مفيدا.و لا يعارضه حينئذ ضم الاجماع المركب مع ما دون ذلك و الحكم بالصحة، لان هذا الحكم يكون حينئذ بالاصل، فلا يعارض ما ثبت من جهة الدليل.
و على الثاني (77) ، فان كان الى الخلف-و هو امر جائز على ما ذكرنا من تعميم الخلف، سيما مع ان الالتفات بالوجه الى خصوص شيء يحصل بميله اليه و ان لم ينقلب كله اليه-فيبطل ايضا، وفاقا لظاهر النهاية و الجمل و الخلاف و السرائر و الوسيلة و الغنية و الشرائع و النافع و التذكرة و المنتهى و التحرير و الارشاد و نهاية الاحكام و القواعد و الذكرى و شرح القواعد للمحقق الثاني (78) ، و غير ذلك، بل هو مذهب الاكثر حيث ذكروا البطلان بالالتفات الى ما وراءه، و هو يصدق على الالتفات بالوجه و ان لم يكن صريحا، و لذا قال المحقق الثاني: لا تصريح للاصحاب فيه (79) .
لخصوص صحيحة علي: عن الرجل يكون في صلاته فيظن ان ثوبه قد انخرق او اصابه شيء، هل يصلح له ان ينظر فيه او يفتشه؟ قال: «ان كان في مقدم ثوبه او جانبه فلا باس، و ان كان في مؤخره فلا يلتفت، فانه لا يصلح» (80) .
و لغير الصحيحة الثانية من الاخبار المتقدمة.
و صحيحة زرارة: «ثم استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك» (81) .
و قريبة منها حسنته (82) ، و مرسلة الفقيه (83) .
و حسنة الحلبي: «و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه او يتكلم فقد قطع صلاته» (84) .
و رواية ابي بصير: «ان تكلمت او صرفت وجهك عن القبلة فاعد» (85) .
و محمد، و فيها: «فاذا حول وجهه فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا» (86) .
و المرويات في قرب الاسناد، و المسائل، و المستطرفات: «اذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلى و لا يعتد به، و ان كانت نافلة فلم يقطع ذلك صلاته» (87) .و غير ذلك.
خلافا لثاني الشهيدين في شرح الالفية ناسبا له الى ظاهر الاصحاب، و للمحكي عن ظاهر المعتبر (88) ، فلا يبطل، لصحيحة الفضيل، و رواية القماط، المتقدمتين في النقض بالحدث (89) ، و مفهوم صحيحة زرارة الاولى (90) ، و رواية عبد الحميد (91) .
و يجاب عن جميع ذلك: بعدم حجية الاولتين، لورودهما في حق المحدث، و صلاته باطلة كما مر.
و تعارض باقييها مع كثير مما ذكر و ان كان بالعموم من وجه، الا ان صحيحة علي اخص مطلقا منهما، اذ المراد بالالتفات فيها الالتفات بالوجه قطعا-اذ لو كان بكل البدن لما امكن التفتيش، لانتقال الثوب بانتقاله ايضا-فهو المراد قطعا بل خاصة، فيخصصان بها.
و ان كان الى غيره (92) لا يبطل مطلقا، سواء بلغ احد الجانبين او لا، وفاقا لصريح اكثر من ذكر، بل ظاهر الجميع، لصحيحة علي، و مفهومي الحسنة و صحيحة زرارة (93) .
خلافا للمحكي عن فخر المحققين، فقال بالبطلان بالالتفات بالوجه مطلقا (94) ، و قواه الاردبيلي في شرح الارشاد (95) ، و مال اليه في المدارك (96) ، و استجوده في الحدائق (97) ، و حكي عن جمع آخر من المتاخرين ايضا (98) ، للعمومات المتقدمة.
و يرد: بوجوب تخصيصها بما ذكر، لكون الاكثر اخص مطلقا منها حيث ان غير الفاحش يختص بهذه الصورة على الظاهر، و الصحيحة ايضا مخصوصة بالالتفات بالوجه خاصة، كما مر.
هذا كله في العمد.
و اما السهو فهو ايضا كالعمد على الاقوى في جميع الصور، الا اذا لم يبلغ الالتفات بالبدن كله الى احد الجانبين، فلا يبطل حينئذ و ان اشتغل بالصلاة حين الالتفات، و التفتبالوجه الى الخلف (99) .
اما الاول فلاطلاق اكثر الادلة المذكورة بالنسبة الى العمد و السهو، فيتحد مقتضاها في الحالين.
و ليس دليل آخر مخالف في الحكم يختص بصورة السهو سوى ما قد يتوهم من بعض الاخبار الواردة في الصلاة على غير القبلة، الفارقة بين الوقت و خارجه في الاعادة (100) ، المتقدمة في بحث القبلة.
و هو خطا، لانها اما صريحة في خطا القبلة او ظاهرة فيه، و لا دخل لها بالسهو.
مع انها ايضا لا تنافي شيئا مما ذكر، لان موردها الانحراف بكل البدن، لانه معنى الصلاة على غير القبلة، و قد حكم فيها بالاعادة.و اما نفي القضاء في بعضها فلا يضر، لانه بامر جديد.
و اما رواية ابن الوليد: عن رجل تبين له و هو في الصلاة انه على غير القبلة، قال: «يستقبلها اذا اثبت ذلك» (101) فلاجمالها-حيثيحتمل ارجاع الضمير في «يستقبلها» الى كل من الصلاة و القبلة-لا يصلح منشا لحكم.
و اما الثاني فلموثقة الساباطي: في رجل صلى على غير القبلة، فيعلم و هو في الصلاة قبل ان يفرغ من صلاته، قال: «ان كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه الى القبلة حين يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه الى القبلة، ثم يفتتح الصلاة» (102) .
فانها مختصة بالساهي و الخاطىء بقرينة قوله: «فيعلم....» و هي اما اخص مطلقا من عمومات القطع بالالتفات ان قلنا بشمولها ايضا للخاطىء كما تشمل الساهي و العامد، فتخصص بها، او من وجه، فيرجع الى اصل الصحة.
و اما الثالث فلانك قد عرفت ان الابطال فيه مستند الى صحيحة علي، و هي مخصوصة بالعمد.
و اما ان كان مكرها، فان كان بالاختيار-كان يامره قاهر بالالتفات-فهو كالسهو ايضا، لاتحاد الدليل.
و ان كان اضطرارا-كان يقلبه متغلب عن القبلة-فان كان بالوجه مطلقا، و البدن الى غير احد الجانبين و ما وراءه، لم يبطل قطعا، للاصل السالم عن المعارض، لعدم شمول غير صحيحة زرارة: «الالتفات يقطع الصلاة اذا كان بكله» (103) و رواية الخصال (104) من المبطلات لهذه الصورة قطعا.
و هما و ان شملتاها الا انهما معارضتان في غير ما كان بالكل، فيرجع فيه الى الاصل.و كذا فيما كان بالكل من غير تفاحش.
مع ان عدم الابطال حينئذ عمدا يوجب عدمه هنا بطريق اولى.
و ان كان بالكل الى احد الجانبين او ما وراءه فمقتضى اطلاق الصحيحة و الرواية الابطال، و بهما تخصص رواية عبد الحميد (105) .
الا ان هذا اذا لم نقل بظهور لفظ الالتفات فيما كان بعمل الملتفت و اختياره، و الا فلا تبطل بالالتفات الاضطراري من حيث هو مطلقا، الا ان يترتب عليه امر آخر من فعل كثير، او خروج عن صورة الصلاة، او نحوهما.
ثم ان كثيرا من الاخبار المتقدمة و ان كان اختص بواسطة التقييد او الامر بالاعادة بالفرائض، الا ان بعضها يشمل النوافل ايضا.
و لكن ورد في جملة من النصوص الفرق بينهما بتخصيص الحكم بالاولى، كما في المرويات في قرب الاسناد و المسائل و المستطرفات (106) .و فيما خص البطلان بالمكتوبة ايضا ايماء اليه.
فالقول بعدم البطلان فيها ما لم يمح صورة الصلاة و لم يشتغل حين الالتفات بالكل باجزاء الصلاة اجود.
بغير اجزاء الصلاة الواجبة او المستحبة الا ما يجيء استثناؤه، اجماعا محققا، و محكيا في كلام جماعة، منهم: الخلاف و التذكرة و المنتهى و الذكرى و غيرها (107) ، له، و للنصوص المتقدم بعضها.
و منها: صحيحة محمد و فيها: «فان تكلم فليعد الصلاة» (108) .
و مرسلة الفقيه: «من تكلم في صلاته ناسيا كبر تكبيرات، و من تكلم في صلاته متعمدا فعليه اعادة الصلاة، و من ان في صلاته فقد تكلم» (109) .
و مقتضى اطلاقها بطلان الصلاة بما يصدق عليه التكلم مطلقا، و منه ما تركب من حرفين فتبطل به ايضا، كما صرح به في الخلاف و السرائر و الشرائع و النافع و القواعد و المنتهى و التذكرة و شرح القواعد و الذكرى (110) ، و غيرها، بل في الثلاثة الاخيرة الاجماع عليه.
و هل يشترط التركب منهما، فلو نطق بحرفين من غير تركيب كان يقول: ب ت لم يبطل، او لا يشترط؟ .
الظاهر الاول سيما مع قليل فصل، لعدم ثبوت الصدق و لا الاجماع.
و الظاهر عدم اشتراط الافهام و الوضع للمعنى فيهما، فلو تكلم بالمهمل بطلت، كما صرح به في نهاية الاحكام (111) ، لصدق التكلم عرفا.
و لا تبطل بالحرف الواحد الغير الموضوع، على ما قطع به الاصحاب كما في المدارك (112) ، بل بلا خلاف كما في التذكرة (113) ، بل اجماعا كما في المنتهى و الذكرى (114) ، للاصل، و عدم صدق التكلم، و لا اقل من الشك فيه.
و اما الموضوع منه فيبطل، وفاقا لصريح جماعة، منهم: المنتهى و المدارك و الذكرى ، و حكي عن شمس العلوم (117) ، و نسبه في الحدائق الى ظاهر الاصحاب (118) .فانه لو قال احد: ق، بعد سؤال غيره عنه: هل اقيه ام لا؟ يقال: تكلم.
و استشكل فيه في نهاية الاحكام و التذكرة (119) ، و تردد في القواعد (120) .
و هو للشك في الصدق.
و مفهوم قولهم: النطق بحرفين فصاعدا.
و يدفع الاول: بما مر.
و الثاني: بانه في اعم من المفهم و غيره، مع ان كلامهم وارد في الغالب الشائع.
و المراد بالموضوع الموضوع لمعنى و لو كان لفظا، فتبطل بالتكلم بلفظة ف و ب و ت و نحوها، لكونها موضوعة للباء و الفاء و التاء.
و لا يشترط في الوضع كونه وضعا لغويا او عرفيا عاما، بل يكفي الوضع مطلقا و لو عند المتكلم و شخص آخر، او في لغة غير معروفة، لصدق التكلم في الجميع.
نعم يشترط قصد المتكلم منه الحرف الموضوع، بل معناه الموضوع له، لعدم معلومية الصدق بدونه.
و لا تبطل بالحرف الواحد الممدود و لو بقدر خمسة احرف، و لا بالمشبع ما لم يحصل من الاشباع حرف آخر ظاهر، للشك في الصدق.
و تبطل بحرف بعده حرف مد، لصدق الحرفين.
ا: يستثنى من الكلام المبطل كل ما كان ذكر الله سبحانه او دعاء و طلبا منه، للمستفيضة من النصوص، منها مرسلة حماد: «كل ما كلمت الله به في صلاة الفريضة فلا باس و ليس بكلام» (121) .
و مرسلة الفقيه: «كل ما ناجيتبه ربك في الصلاة فليس بكلام» (122) .
و صحيحة ابن مهزيار: عن الرجل، يتكلم في صلاة الفريضة بكل شيء يناجي ربه؟ قال: «نعم» (123) .
و رواية عبد الله بن هلال، و فيها: فادعو في الفريضة و اسمي حاجتي؟
فقال: «نعم قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فدعا على قوم باسمائهم و اسماء آبائهم، و فعله علي عليه السلام بعده» (124) .
و صحيحة الحلبي: «كل ما ذكرت الله و النبي صلى الله عليه و آله و سلم فهو من الصلاة» (125) .
و صحيحة اسماعيل بن الفضل: عن القنوت و ما يقال فيه، فقال: «ما قضى الله على لسانك، و لا اعلم فيه شيئا موقتا» (126) .
و صحيحة الحلبي (127) ، المتقدمة في القنوت ايضا.
و الاخبار المصرحة بجواز التسبيح لارادة الحاجة، كموثقة الساباطي (128) ، و صحيحتي علي (129) و الحلبي (130) ، الى غير ذلك.
و تؤكده عمومات الامر بالذكر و الدعاء و التمجيد في كل حال، او في السجود (131) .
و مقتضى اطلاق الجميع جواز ذلك في كل حال من حالات الصلاة، سواء كان قائما او قاعدا، راكعا او ساجدا، قائما او متشهدا، ما لم يخل بشيء من الصلاة، كالدعاء الطويل في خلال القراءة.
و الظاهر-كما صرح به بعضهم-انه اجماعي ايضا اذا كان ذلك بالعربية (132) .
و مقتضى الاصل و عموم كثير من الاخبار المذكورة جوازه بغير العربية ايضا، كما حكى القول به بعض من تاخر (133) .
بل هو مختار الشيخ في النهاية (134) ، و ان قيده بمن لم يحسن العربية، و لكن لعدم ايجاب العجز عن العربية في غير الواجبات لتجويز ما لا يجوز، يفهم تجويزه مطلقا.
و الفاضل في المنتهى و التذكرة و التحرير و القواعد و المختلف، و التنقيح و كنز العرفان و الدروس و البيان و الكفاية و شرح الارشاد للاردبيلي (135) .
و هو المحكي عن الشيخ المتقدم محمد بن الحسن الصفار و ابن بابويه (136) ، و المحقق (137) ، و غيرهم.
و نسبه في شرح القواعد الى الشهرة بين الاصحاب، بل قال: انه لا يعلم قائل بالمنع سوى سعد (138) .
و كلام اكثر هؤلاء و ان كان في القنوت، الا ان الظاهر عدم الفرق، بل غيره اولى منه بالجواز، حيث انه امر موقف.
خلافا للمحكي عن سعد بن عبد الله فمنعه (139) ، و نقله والدي-طاب ثراه- عن جماعة و اختاره، كطائفة من مشايخنا المعاصرين (140) .
للاقتصار في الكلام المنهي عنه، على الظاهر حصول الرخصة فيه (141) .
و انصراف الاخبار المجوزة الى الكلام المتعارف عندهم.
و توقيفية العبادة.
و قوله: «صلوا كما رايتموني اصلي» (142) .
و الكل ضعيف جدا:
اما الاول، فلحصول الرخصة بما مر.و لو شك فيه من جهة انصراف المرخصات الى الكلام المتداول عندهم-مع كونه ممنوعا غايته سيما مع شيوع سائر اللغات بين اهل الاسلام في زمن الصادقين و من بعدهما-لجرى مثله في الناهيات ايضا، فيبقى غير العربي تحت اصل الجواز.
ثم منه يظهر ضعف الثاني ايضا.مع ان الانصراف الى الشائع انما هو في المطلقات، و اكثر ما ذكر عمومات، و ارجاع عمومها الى المعاني دون الالفاظ-كما قيل-تخصيص بلا دليل.
و اما الثالث، فلتحقق التوقيف بما مر.مع ان المحتاج الى التوقيف من العبادات هو اجزاؤها و شرائطها، و هي معلومة في الصلاة، لا ما يخرج منها.
و منه يظهر ضعف الرابع ايضا، فان مورد النزاع ليس من الصلاة.
هذا كله انما هو في غير الاذكار الواجبة.
و اما الواجبة منها فلا تجوز بغير العربية، و ان قلنا بكفاية مطلق الذكر في الركوع و السجود، بالاجماع بل الضرورة الدينية.
و هل يشترط في جواز الاذكار و نحوها قصد القربة بها، و قصد كونها ذكر الله سبحانه، ام لا؟ .
الظاهر الثاني، لعدم توقف صدق الذكر عليه، و للتصريح به في صحيحة علي: عن الرجل يكون في صلاته، و الى جنبه رجل راقد، فيريد ان يوقظه، فيسبح و يرفع صوته، لا يريد الا ان يستيقظ الرجل، ايقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: «لا يقطع ذلك صلاته، و لا شيء عليه» (143) .
ب: ذكر جماعة من الاصحاب اشتراط جواز الدعاء بعدم كونه سؤال شيء محرم، فلو طلب محرما بطلت صلاته (144) .قيل: بلا خلاف اجده (145) ، و عن التذكرة: الاجماع عليه (146) .
و استدل له بعموم النهي عن التكلم (147) ، فيقتصر في التعدي عنه على المتيقن، و هو ما جاز طلبه، لاختصاص اكثر مجوزات الدعاء به، باعتبار تجويز تكلمه، او الامر به، او نفي الباس عنه، و شيء منها لا يتحقق في المحرم.
اقول: ان ثبت الاجماع فهو.و الا فان ثبتحرمة طلب المحرم من الله سبحانه فكذلك ايضا، لما ذكر.و الا-كما هو الظاهر، اذ لا دليل اجده يوجب حرمة سؤال المحرم من الله سبحانه-فللنظر فيه مجال، لصدق التكلم مع الله، او المناجاة معه، الا ان يدعى تبادر غير سؤال المحرم منه، و لكنه للمنع قابل، و امر الاحتياط واضح.
نعم لو كان نفس السؤال محرما فلا شك في الابطال به، لما ذكر.
ثم انه هل يتقيد الحكم بالبطلان فيما يبطل بصورة العلم بحرمة المدعو به او الدعاء، ام لا؟ .
الظاهر التفصيل بالتقصير و عدمه، فان كان مقصرا في تحصيل العلم تبطل، و الا فلا.
ج: لو قرا دعاء غلطا فلو اخرجه عن كونه دعاء بطلت الصلاة، بان يغير المعنى الى ما لا معنى له، او له معنى غير الدعاء، سواء كان الغلط في الكلمة، او الحرف، او الاعراب.و الا فلا تبطل.و كذا الكلام في الغلط في الاذكار المستحبة في الصلاة.
د: الظاهر الاجماع على استثناء القرآن ايضا، فتجوز قراءته في جميع حالات الصلاة ما لم يتحقق بها القرآن بين السورتين.
و تدل عليه ايضا عمومات الامر بقراءة القرآن فيها (148) ، تعارض ما نهى عن التكلم، و يرجع في موضع التعارض الى الاصل.
و يدل على جواز ما كان منه ذكر الله او دعاء ما مر من الاخبار، و حيث كان الدليل في غير ما كان كذلك الاجماع و العمومات، فيقتصر فيه على ما يدلان عليه.
فلو قرا آية لمحض الافهام، كما اذا قال مستفهما ما بيد شخص اسمه موسى:
«و ما تلك بيمينك يا موسى» لم يجز، لعدم الاجماع، و لا قصد التقرب حتى يشمله الامر.
و بما ذكر يظهر اشتراط كون القراءة مما لم يمنع منه الشرع، كآية السجدة في الفريضة، او القران بين السورتين فيها.
ه: لا فرق في الكلام بين ما كان لمصلحة الصلاة و بين غيره، بالاجماع، كما عن الخلاف و المنتهى و التذكرة (149) ، لاطلاق الادلة.
و: في حكم العمد الجهل بالابطال، او بكون هذا الكلام مبطلا، لعموم الادلة، و ظاهر المنتهى الاجماع عليه، حيث نسب الخلاف الى الشافعي (150) .
و كذا الاكراه على الاقوى، وفاقا لنهاية الاحكام و التذكرة و التحرير (151) ، و الجعفرية، لعموم النصوص و الفتاوى.
و خلافا للقواعد، و ظاهر الذكرى و المدارك و شرح الجعفرية، فترددوا (152) .
للاصل.
و حصر وجوب الاعادة في الخمسة.
و رفع ما استكرهوا عليه.
و تبادر الاختيار من الاطلاق.
و يرد الاول: بالاطلاقات.
و الثاني: باعمية ما عدا موضع الحصر عن التكلم مطلقا، فيخص بادلة ابطاله.
و الثالث: بعدم الدلالة، اذ غاية ما يسلم رفع المؤاخذة.
و الرابع: بالمنع.
و الفرق بين ضيق الوقت و اتساعه، و البطلان في الثاني، لما مر، و الصحة في الاول، لانه مع الضيق مضطر الى فعله مؤد لما عليه.
مردود: بانه مع السعة ايضا كذلك، و لا دليل على ان الضيق شرط في الاضطرار، و لا على اعادة المضطر اذا بقي الوقت.
ز: و ان كان التكلم سهوا عن كونه في الصلاة، او غفلة بان يسبق على لسانه من غير قصد، او ظنا لخروجه عنها، لم تبطل الصلاة، اجماعا في الاولين، و على الاصح الاشهر في الثالث.
و في الناصريات و التذكرة و المنتهى و غيرها: الاجماع على الاول (153) .
فهو الحجة فيه، مضافا الى النصوص المستفيضة كصحيحة الفضيل، و مرسلة الفقيه المتقدمتين (154) .
و صحيحة البجلي: عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة، يقول: اقيموا صفوفكم، قال: «يتم صلاته، ثم يسجد سجدتين» (155) الحديث.
و زرارة: في الرجل يسهو في الركعتين، و يتكلم، قال: «يتم ما بقي من صلاته تكلم او لم يتكلم، و لا شيء عليه» (156) .
و بما ذكر يقيد اطلاق بعض الاخبار ان شمل الساهي ايضا (157) .
و منه تظهر الحجة في الثاني، لصدق السهو.مضافا الى ظهور رواية عقبة:
في رجل دعاه رجل و هو يصلي، فسها، فاجابه لحاجته، قال: «يمضي على صلاته، و يكبر تكبيرا كثيرا» (158) فيه بخصوصه.
و اما حجة الثالث: فصحيحة محمد: في رجل صلى ركعتين من المكتوبة، فسلم، و هو يرى انه قد اتم الصلاة، و تكلم، ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين، فقال: «يتم ما بقي من صلاته، و لا شيء عليه» (159) .
و المستفيضة الواردة في سهو النبي صلى الله عليه و آله و سلم و اتمامه مع تكلمه، و استفهامه عن ذي الشمالين او غيره، كصحيحة الاعرج (160) ، و موثقة سماعة (161) ، و غيرهما.
خلافا للمحكي عن الشيخ في بعض اقواله (162) ، و عن الحلبي (163) ، و بعض آخر (164) .
و لم اعثر لهم على دليل معتبر، و لعله لبعض الاطلاقات (165) ، الواجب تقييده بما مر لو سلم شموله لمثله.و ان لم يشمله-كما قيل (166) -حيث ان الظاهر من التكلم عمدا في الصلاة ان يعلم انه فيها، و من ظن خروجه منها لم يتعمد الكلام في الصلاة، ارتفع الاشكال راسا، و لا يحتاج الى تقييد.
و منه يظهر انه لو تكلم بعد السلام مع احتماله عدم الاتمام، كان يسال عن التمام و نحوه، لم تبطل الصلاة ايضا، و ان لم اعثر على مصرح بالصحة هنا.و لكن يحتمل شمول ظن الاتمام في كلماتهم له ايضا، لعدم صدق التكلم عمدا في الصلاة.
و تدل عليه اخبار سهو النبي صلى الله عليه و آله و سلم صريحا.و لا يوجب اشتمالها على سهوه ضعفا، لان المسلم امتناع سهوه لا اسهائه.
و اما لو تكلم عمدا بعد العلم بعدم تمامية الصلاة فتبطل صلاته قطعا، لصدق التعمد بالتكلم في الصلاة، و كانه اجماعي ايضا.
و اما صحيحة الرازي: كنت مع اصحاب لي في سفر، و انا امامهم، و صليتبهم المغرب، فسلمت في الركعتين الاوليين، فقال اصحابي: انما صليتبنا ركعتين، فكلمتهم، و كلموني، فقالوا: اما نحن فنعيد، فقلت: لكني لا اعيد و اتم بركعة، فاتممتبركعة، ثم سرنا، فاتيت ابا عبد الله عليه السلام فذكرت له الذي كان من امرنا، فقال: «انت كنت اصوب منهم فعلا» (167) .
-حيث صوب عليه السلام فعله، مع قوله: لكني لا اعيد و اتم بركعة- فمحمول على قوله ذلك في نفسه لا بلسانه، او بفعله اي: فعلت ذلك، او على سبق اللسان من غير قصد.
و اما كون القوم مصيبين ايضا-كما يدل عليه التفضيل-فلانهم كلموا بالاجنبي كما صرح به قوله: «فقال اصحابي» فكان حكمهم الاعادة.
و اما اصوبية الرازي فلانه لم يتكلم و اتم، و هذا اصوب ممن تكلم و اعاد.
فان قلت: بناء على وجوب الاتمام-كما هو المذهب-يكون التكلم حراما لا صوابا، و لذا جرد الصيغة بعضهم عن معنى الافضلية (168) ، و رخص آخر في الاعادة (169) .
قلت: لعل تكلمهم كان جهلا من غير تقصير، فلا يكون حراما و تجب عليهم الاعادة، و يكون هذا حكمهم، و لكن الاصوب ما فعله الرازي.
و يمكن ان يكون تصويبهم في مجرد الاعادة بعد التكلم يعني: انهم اصابوا في الاعادة لتكلمهم، و هو في[الاتمام] (170) و لكنه اصوب، لان ما فعل هو الواجب عليه ابتداء، و ما فعلوا وجب عليهم بفعل محرم، فتامل.
ح: لا تبطل الصلاة بالتنحنح، و التنخم، و التاوه، و الانين، و نفخ موضع، بالاجماع، له، و للاصل و الاخبار.
و اما ما في رواية طلحة و غيرها «من ان في صلاته فقد تكلم» (171) .
فلا يدل على البطلان، لعدم كونه كلاما حقيقة.و يمكن ان يكون مجازه المراد ان: من ان عرض نفسه معرض التكلم، فيقرب ان يصدر منه كلام.
و هل تبطل لو خرج من احد هذه الامور حرفان، ام لا؟
صرح جماعة بالاول، لصدق التكلم (172) .
و فيه نظر، لمنع الصدق في مثل هذين الحرفين.فالحق عدم البطلان.
و خصه في المعتبر بما اذا كان التاوه من خوف الله (173) .
و اعترض بانه ان كان الجواز من حيث عدم صدق الكلام عليه فلا اختصاص له بما كان من خوفه سبحانه، و ان كان من حيث الخوف مع صدق الكلام، فلا دليل على التخصيص (174) .
و فيه: انه لصدق الكلام، و مع الخوف يكون مما ناجى به ربه فيكون مستثنى، فتامل.
و هي مبطلة للصلاة مع العمد، اجماعا محققا و محكيا في كلام جماعة، منهم المعتبر و المنتهى و نهاية الاحكام و التذكرة و الذكرى (175) ، له، و للمعتبرة من النصوص، كصحيحة زرارة: «القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة» (176) .
و موثقة سماعة: عن الضحك هل يقطع الصلاة؟ قال: «اما التبسم فلا يقطع، و اما القهقهة فهي تقطع الصلاة» (177) .
و بمعناها مرسلة الفقيه (178) ، و رواية الخصال (179) .
و اطلاقها يشمل الجاهل بالمسالة، و بكونه قهقهة، و المختار، و غيره، كمن سبقه الضحك بحيث لا يمكنه دفعه، فيبطل مع الاضطرار ايضا، كما صرح به في الذكرى و شرح القواعد و البيان (180) ، بل قيل: يظهر من التذكرة انه مجمع عليه (181) .
و عن جمل العلم و العمل احتمال عدم البطلان (182) ، و ظاهر الروضة التردد (183) ، و لا وجه لهما.
و ظاهر الاطلاق و ان شمل السهو ايضا الا انه خرج بالاجماع المحقق و المحكي في الذكرى و شرح القواعد و نهاية الاحكام و شرح الجعفرية و التذكرة و غيرها (184) .
ثم المراد بالقهقهة هل هو الضحك المتضمن لصدور قه قه؟ كما عن الديوان و الصحاح و الاساس (185) .
او المشتمل على المد و الترجيع؟ كما عن العين (186) و ابن المظفر، و هو يشمل بظاهره ترجيع النفس او الصوت في الصدر او الحلق.
او المشتمل على الصوت مطلقا؟ كما عن القاموس (187) و المفصل و المصادر للزوزني و البيهقي، و قريب منها ما عن المجمل و المقاييس من انها الاعراب في الضحك (188) -ان قرىء بالمهملة-و هو يشمل بظاهره ظهور الصوت في الحلق او الخيشوم و ان كان في صدق الصوت على الثاني نظر.
او المبالغة في الضحك و الشدة فيه؟ كما عن شمس العلوم و القاموس ايضا، بل المجمل و المقاييس، ان قرىء الاغراب بالمعجمة.
او الترجيع مع الشدة كما عن روض الجنان (189) ؟
كل محتمل، الا ان العرف يوافق احد الاولين.و الاصل يقتضي الاول، فعليه العمل.و ترك الثاني ايضا احوط سيما اذا اشتمل على الصوت و الشدة ايضا.
بل لا بعد في اتحاد ذلك مع الاول، اذ لا يبعد ان يكون المراد بقه قه ما فيه التكرار و الشدة، لا ما تضمن خصوص لفظي القاف و الهاء، فيكون ذلك اسما لهذا النوع من الضحك، كطق طق لضرب شيء له صوت.
و مقابلة القهقهة للتبسم-الذي هو ما لا صوت له-لا تدل على انه يراد بها ما له صوت مطلقا، اذ لا يفيد الانحصار فيهما، لجواز الواسطة.
و لو سلم فلا دليل على دخول ما له صوت من غير ترجيع و شدة في الاول مجازا، لجواز ان يدخل في الثاني كذلك.
و التبسم لا يبطل اجماعا نصا و فتوى.
، ذكره اكثر الاصحاب، بل استفاضت على البطلان به عمدا حكاية الاجماع و الوفاق، حكاه الاردبيلي و الكركي نافيا عنه الخلاف بين علماء الاسلام (190) ، و المنتهى ناسبا له الى اهل العلم كافة (191) ، و التذكرة و نهاية الاحكام (192) ، و شرح الجعفرية، و عن المعتبر (193) ، و غيرها.و هو المستند لهم في الحكم.
و قد يراد ايضا الخروج به عن كونه مصليا، كما في المنتهى (194) ، و شرح الارشاد للاردبيلي، قال: كان دليله الاجماع و العقل الدال على ان في الصلاة اذا اشتغل بفعل، يخرجه العرف عن كونه مصليا (195) .
كما قد يضاف المرويان في قرب الاسناد:
احدهما: في التكتف في الصلاة: «انه عمل في الصلاة، و ليس فيها عمل» (196) .
و ثانيهما: عن الرجل يقرض اظافيره او لحيته و هو في صلاته، و ما عليه ان فعل ذلك متعمدا؟ قال: «ان كان ناسيا فلا باس، و ان كان متعمدا فلا يصلح له» (197) .
و بعض الاخبار الناهي عن قتل الحية بعد ان يكون بينه و بينها اكثر من خطوة (198) ، او عن الايماء في الصلاة (199) ، و نحو ذلك.
ثم انهم بعد ذلك اختلفوا في حد الكثير المبطل:
فمنهم من ارجعه الى العرف و العادة، ذكره في السرائر و نهاية الاحكام و الدروس و شرح القواعد و التذكرة (200) ، و نسبه فيه الى علمائنا، قال: و الذي عول عليه علماؤنا البناء على العادة، فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير، و الا فلا.
و استدل له تارة: بان المرجع فيما لم يبين الشارع معناه العرف.و اخرى:
بان عادة الشارع رد الناس فيما لم ينص عليه الى عرفهم.
و منهم من جعله ما يخرج المصلي عن كونه مصليا، و هو المراد من محو صورة الصلاة، و هو صريح الروضة (201) ، و ظاهر كل من استدل لابطاله بايجابه الخروج عن وصف الصلاة، كالمنتهى (202) ، و غيره.
و لا بد فيه ايضا من الرجوع الى العرف، قال الاردبيلي: و الظاهر ان المحتاج الى الحوالة الى العرف ما يخرج عن كونه مصليا، لانه المبطل عقلا (203) .
و منهم من قال بان مستند الحكم لما كان هو الاجماع فتجب اناطة الحكم بمورد الاتفاق، فكل فعل ثبت الاتفاق على كونه فعلا كثيرا فهو مبطل، و متى ثبت انه ليس بكثير هو ليس بمبطل.و متى اشتبه الامر فلا يبعد القول بعدم كونه مبطلا، لان اشتراط الصحة بتركه يحتاج الى دليل.و يحتمل البطلان، لتوقف البراءة اليقينية عليه (204) .
و من العامة من حد القليل بما لا يسع زمانه فعل ركعة، و الكثير ما اتسعه (205) .
و بعضهم بما لا يحتاج الى فعل اليدين، و ما يحتاج اليه (206) .
اقول: لا شك للمتتبع في انعقاد الاجماع على ابطال الفعل الكثير للصلاة في الجملة.
و لا في انعقاده على ان للصلاة جزءا صوريا زائدا على اجزائها المادية، اذ لا شك في اشتراط الترتيب بل نوع توال و تركيب لاجزائها، بل الزائد على ذلك ايضا، ضرورة خروج الشخص عن كونه مصليا عند جميع العلماء بافعال صادرة من بعض الجوارح، و لو لم يخل بالترتيب او التوالي، كالمشتغل بالرياضة او الحياكة او الضرب الطويل و نحوها.
و لا في ان ما يخرج المصلي عن كونه مصليا يبطل الصلاة، لايجابه انتفاء جزئها الصوري.و الى هذا يشير قول من جعله مبطلا عقلا.
و المراد بالاخراج عن كونه مصليا-كما اشرنا اليه-محو صورة الصلاة عنه بحيث لم يصدق عليه انه صلى، لا مجرد صدق عدم اشتغاله بالصلاة حين ارتكابه ذلك الفعل و لو عاد اليها بعد تركه الفعل، فان الساكت لحظة في الاثناء ليس حينئذ مصليا، و لكن لو عاد و اتم الصلاة يقال: انه صلى.
و الحاصل: انه لو اتى بافعال الصلاة مع شغله بهذا الفعل لم يصدق عليه المصلي و المشتغل بالصلاة ايضا، او لم يصدق عليه انه صلى لو اتى معه بجميع اجزاء الصلاة ايضا.
ثم انه ليس امر آخر وراءهما نافع في المقام.
و اما الاخبار: فبين غير دال، كالخبر الاول، حيث انه لا يتعين معنى قوله:
ليس عمل في الصلاة، انه ليس مامورا به فيها، او مستحبا، او مباحا، او جائزا.
و مع ذلك فما يتضمن ذلك خبر ضعيف لم يثبت انجباره بتمام ما يفيده.
و بين معارض بما هو اقوى منه سندا و عملا.
و بين مخصوص بفعل خاص لا ينفع للمقام.
فاللازم متابعة الامرين، و بعد ما عرفت من الاجماع عليهما لا يبقى اشكال في ايجابهما الابطال، انما الاشكال في تعيينهما.
اما الاول فقد عرفت تحديده تارة بالعرف، و اخرى بالخروج به عن الصلاة، و ثالثة بما اجمع على انه كثير.
و رد الاول تارة: بانه انما يكون فيما اذا ثبت من الشارع لفظ، و كان مستنده النص، و اما اذا كان مستنده الاجماع فلا وجه للرجوع الى العرف قطعا (207) .
اقول: يمكن ان يكون الثابتبالاجماع هو مصداق هذا اللفظ، فيجب تعيين معناه بالعرف.و لكن البيان في اثبات ذلك، فان كلام اكثر القدماء خال عن ذكر الفعل الكثير.نعم ذكر جماعة منهم خصوص بعض الافعال، و الثابتبالاجماع ليس الا هذا المدلول في الجملة.
و اخرى: بان العادة المحكوم بالرجوع اليها ان كان المراد بها ما يرادف العرف العام ففساده واضح، اذ لا اطلاع لغير المتشرعة على ذلك.و ان كان المراد بها عرف المتشرعة فهو فرع ثبوته، و هو في حيز المنع لو اريد بهم العلماء خاصة، لاختلافهم في الكثير المبطل، و معه لا تتحصل الحقيقة، و كذا لو اريد بهم العوام مع انهم ليسوا المرجع في شيء (208) .
اقول: يمكن ان يقال: ان المراد العرف العام.و لا فساد فيه، اذ لا شك ان للفعل الكثير في العرف العام معنى، و لا حاجة في تعيين معناه الى علمهم بالابطال ايضا.
فان قيل: الكثير له معنى بنفسه، و معنى بالنسبة الى غيره، كما انه يقال:
في القدر حنطة كثيرة، اذا كان فيه نصف من، و لا يقال: في البيتحنطة كثيرة، الا اذا كان فيه الف من مثلا، و لا يقال في البلد الا اذا كان اضعاف ذلك بكثير، و كذا المال الكثير بالنسبة الى الاشخاص، و نحو ذلك.
و لا شك ان الاول ليس منضبطا في حد خاص و ان اهل العرف لا يفهمون من الحنطة الكثيرة قدرا معينا، و الثاني-و هو الكثير بحسب كل شيء-فيلاحظ هنا بالنسبة الى الصلاة، و لا شك ان الفعل الكثير بحسب الصلاة لا يعين الا بعد العلم بالصلاة و شرائطها، و لا اطلاع للعرف العام في ذلك، و انما يعلمها المتشرعة.
قلنا: لا يشترط في تعيين العرف العام الكثير بحسب الصلاة اعتقادهم بوجوبها، و علمهم بشرائطها، بل يكفي ان يعرض اجزاء الصلاة عليهم، و نسبة الفعل اليها، فما يحكمون بكثرته بحسبها يكون كثيرا.
و من هذا ظهرت صحة الحوالة في تحديدها الى العرف و العادة.و لكن قد عرفت انها انما تتم لو ثبت الاجماع على هذا المصداق و هو غير معلوم، لخلو كلام اكثر القدماء عن هذا العنوان.مع انه لو فرض وجوده في جميع الكلمات لا يفيد الاجماع على العنوان، لجواز ان يكون التعبير بالعنوان باعتبار معتقدهم، و كان المبطل عند كل طائفة نوعا من الفعل اعتقده كثيرا فعبر به.
و من هذا يظهر بطلان ما قيل-بعد رد الحوالة على العادة بالوجهين-من لزوم الاقتصار على مورد الاجماع على كونه كثيرا: فانه لو ثبت الاجماع على البطلان بما يصدق عليه الكثير، فما الضرر في الحوالة على العرف؟ و ان لم يثبت فما الفائدة في الاجماع على كون فعل كثيرا؟ و اذ عرفت عدم الثبوت فلا يفيد شيء منهما.
نعم لما ثبت الاجماع على البطلان ببعض الافعال الكثيرة، فالصواب الاناطة بالاجماع على البطلان، فكل فعل ثبت الاجماع على البطلان به يحكم بالبطلان، و يحكم فيما عداه بمقتضى الاصل.
و من هذا يظهر حال التحديد الثالث ايضا، و لكن لا يبعد اتحاد مقتضى الاجماعين، فان كل ما كان كثيرا اجماعا يبطل اجماعا و بالعكس، فتامل.
و اما التحديد الثاني-و هو جعل الكثير ما يخرج به عن كونه مصليا-فصحته موقوفة على ثبوت التلازم بين الوصفين، و هو ممنوع جدا.
مضافا الى ما في هذا الوصف ايضا من الاجمال الموجب للاقتصار على موضع الاجماع، و ذلك لانك قد عرفت ان المراد ليس ما يخرج به عن الصلاة حين الاشتغال به، اذ لا ملازمة بين هذا الخروج و بين بطلان الصلاة، كما في الغسل الترتيبي، فانه يخرج الغاسل عن كونه غاسلا ببعض الافعال المتخللة بين اجزائه، مع انه يصح الغسل.
بل المراد ما يخرج به عن كونه مصليا مطلقا، حتى لو اتى بتمام الاجزاء ايضا يقال: انه ما صلى، و الحاصل ان يكون الآتي بافعال الصلاة مع هذا الفعل بحيث لم يصدق عليه انه مصل، فانه اذا كان كذلك تبطل به الصلاة، لانتفاء جزئها الصوري، كما مر.
و لكن لعدم انضباط ذلك عرفا، بل لا سبيل للعرف الى فهم ذلك اصلا، فانه يتوقف على فهم الصورة الموضوعة لها، فالمرجع في فهم ذلك ايضا الى الاجماع، فكل ما يبطل الصورة بالاجماع يكون مبطلا، و لا يبعد اتحاد ذلك ايضا مع مورد الاجماعين المتقدمين.
و من ذلك ظهر انه لا حاجة الى بعض الابحاث في المسالة، مثل انه هل يشترط في الكثرة التوالي ام لا؟ و انه هل يكون غيره بالعدد ام لا؟ و نحو ذلك.
و ظهر ايضا عدم بطلان الصلاة بالفعل الكثير اذا صدر ناسيا او ساهيا، لعدم كونه مورد الاجماع.بل ظاهر بعضهم-كالتذكرة و الذكرى و غيرهما (209) - الاجماع على عدم كونه مبطلا.نعم لو انمحتبه الصورة قطعا و خرج به عن كونه مصليا اجماعا، اتجه البطلان و لو كان سهوا، لانتفاء الجزء الصوري، و اصالة بطلان المامور به بانتفاء جزئه و لو سهوا.
لا يخفى ان ها هنا افعالا نطقت الروايات بجوازها في الصلاة، فيحكم به فيها ما لم يثبت الاجماع على خلافه، و ان كان كثيرا، بل و لو ماحيا للصورة، اذ يكون ذلك خروجا عن تحت القاعدة بالدليل.
فيجوز غسل الرعاف و غسل الثوب منه و من النجاسة الطارئة في الاثناء، لاخبارهما كما مر في موضعه.
و عد الصلاة بالخاتم او حصى ياخذها بيده، و تسوية الحصى في موضع السجود، و مسح التراب عن الجبهة، و نفخ موضع السجود ما لم يظهر منه حرفين، و ضرب الحائط او الفخذ باليد لاعلام الغير، و صفق اليدين لذلك، و الايماء و رمي من يمر بالحصى لاشعاره، و مناولة العصا للغير، و حمل الصبي مطلقا، و ارضاعه في التشهد، و احتكاك الجسد، و التقدم بخطوة بل خطوتين، و قتل الاسودين و البرغوث و البقة و القملة، و دفنها، و قطع الثواليل، و مسح الدماميل، و اخذ الذكر، و نزع المتحرك من الاسنان، و حك خرء الطير، و رفع القلنسوة و وضعها، و رفع اليد من الركوع او السجود لاحتكاك الجسد، و ادارة السبحة.
كل ذلك للمعتبرة من الروايات (210) .
عند جماعة من الاصحاب، منهم: الخلاف و المبسوط و التذكرة و نهاية الاحكام و السرائر و القواعد و الارشاد (211) ، و غيرها، بل الشيخ ادعى عليه الاجماع (212) ، و نسبه في كفاية الاحكام الى المشهور (213) ، و نسب الى نهاية الشيخ ايضا (214) ، و لم اعثر عليه الا تصريحه بجواز ما ورد في الوتر (215) ، كما ياتي، و ظهوره في المنع عن غيره ممنوع، لاشتماله على امور اخر ايضا.
و منعه المحقق في المعتبر (216) ، و اختاره الاردبيلي (217) ، و والدي-رحمه الله-في المعتمد ناسبا له الى اكثر الثالثة، و صاحب الحدائق (218) ، و غيرهم (219) ، فلم يبطلوا به من حيث هو.
و هو مذهب من قيد الابطال بهما بحصول الفعل الكثير، كالذكرى و المنتهى (220) ، او الاعراض عن الصلاة، كما نقله الكركي عن بعض كتب الشهيد (221) .
و هو الحق، للاصل الخالي عن المعارض، سوى: ما مر من الاجماع المنقول، الممنوع انصرافه الى القليل، ثم حجيته، سيما مع مخالفة الفحول.
و ما قيل من استلزامه الفعل الكثير لاحتياجه الى الاخذ و الوضع و الازدراد و الابتلاع (222) ، الممنوع احتياجه اليها مطلقا، ثم كونها فعلا كثيرا باطلاقها جدا.
و تؤيده النصوص المجوزة لكثير من الافعال، المتقدمة في بحث الفعل الكثير، و الاجماع المدعى في المنتهى على عدم البطلان بابتلاع نحو ما بين الاسنان، و بوضع سكرة في فيه، فتذوب و تسوغ مع الريق (223) .
الى ان يبلغ حدا تنمحي به صورة الصلاة قطعا، او يكون في الكثرة حدا يبطل الصلاة اجماعا.
ثم انه قد استثني الشرب في الوتر لمريد الصوم، اذا لم يستدع منافيا غيره، بلا خلاف بين الاصحاب كما قيل (224) ، بل بالاجماع.
لرواية الاعرج المنجبرة بالعمل: اني ابيت و اريد الصوم، فاكون في الوتر، فاعطش، فاكره ان اقطع الدعاء و اشرب، و اكره ان اصبح و انا عطشان، و امامي قلة، و بيني و بينها خطوتان او ثلاثة، قال: «تسعى اليها و تشرب منها حاجتك، و تعود في الدعاء» (225) .
و الاستثناء انما هو على مذهب الشيخ، او كون ما ذكر فعلا كثيرا عند من يبطل بمطلق الكثير، و اما على ما ذكرنا فلا حاجة اليه.
و على قول الشيخ هل يتعدى الى مطلق النافلة، و الى الوتر لغير مريد الصوم، و خائف العطش؟ .
قيل: لا، لاختصاص النص (226) .حتى قيل بالاقتصار على دعاء الوتر، لذلك (227) .
و يضعف بان هذا انما يصح لو كان له دليل مطلق على الابطال، حتى يلزمه الاقتصار على مورد النص.و ليس كذلك، بل دليله الاجماع، فلعله غير ثابت في غير الفريضة، بل صرح بذلك في المبسوط، قال: لا باس بشرب الماء في صلاة النافلة، لان الاصل الاباحة، و انما منعناه في الفريضة بالاجماع (228) .