و الكلام اما في سببها، او وقتها، او كيفيتها، او احكامها، فها هنا ابحاث اربعة.
و هو: ما يوجبها.
اجمع علماؤنا كافة على وجوب الصلاة لكسوف الشمس، و خسوف القمر.
و ادعاء الاجماع عليه قد استفاض، بل تواتر، و هو دليله، مضافا الى النصوص المستفيضة:
ففي صحيحة جميل (1) ، و روايتي ابي اسامة (2) ، و محمد بن حمران (3) ، و مرسلة المقنعة (4) : «صلاة الكسوف فريضة» .
و في رواية علي بن عبد الله: «ايها الناس، ان الشمس و القمر آيتان من آيات الله» الى ان قال: «فاذا انكسفتا او واحدة منهما فصلوا» (5) .
و في مرسلة الفقيه: «فاذا انكسف احدهما فبادروا الى مساجدكم» (6) .
و في مكاتبة الواسطي: اذا انكسفت الشمس او القمر، و انا راكب لا اقدر على النزول، قال: فكتب الي: «صل على مركبك الذي انت عليه» (7) الى غير ذلك.
و كذا تجب لزلزلة الارض، و كانه ايضا اجماعي، كما في شرح الارشاد (8) بل في المنتهى (9) ، و عن الخلاف و المعتبر و التذكرة: الاجماع عليه و كل مخوف (10) .
نعم، لم يتعرض الاسكافي و ابن زهرة و الحلبي لها، بل الاخير لم يتعرض لغير الكسوفين (11) ، و لكن الاولين ذكرا كل مخوف سماوي (12) ، و اندراجها تحته محتمل.
و في الحدائق عن المفاتيح حكاية القول باستحباب صلاة الزلزلة (13) ، و ليس كذلك، بل حكاه في الرياح و نحوها (14) .
و تدل على وجوبها لها رواية الديلمي: «ان الله تعالى و كل بعروق الارض ملكا، فاذا اراد الله ان يزلزل ارضا اوحى الى ذلك الملك ان يحرك عرق كذا و كذا الى ان قال: قلت: فاذا كان ذلك فما اصنع؟ قال: «صل صلاة الكسوف» (15) .
و الرضوي: «و اذا هبت الريح صفراء او سوداء او حمراء فصل لها صلاة الكسوف، و كذلك اذا زلزلت الارض فصل صلاة الكسوف» (16) .
و صحيحة محمد و العجلي: «اذا وقع الكسوف او بعض هذه الآيات صليتها ما لم تتخوف ان تذهب وقت الفريضة، فان تخوفت فابدا بالفريضة، و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فاذا فرغت من الفريضة فارجع الى حيث كنت، و احتسب ما مضى» (17) .
فان «بعض هذه الآيات» يشمل الزلزلة ايضا، و قوله «فارجع» يدل على وجوبها و ان لم يدل قوله «صليتها» عليه.
و ان امكن الخدش في الاول: بمنع الشمول، لعدم تعين المشار اليه اولا، و عدم تحقق معنى الآية ثانيا.و في الثاني: بان لعل وجوبها حينئذ لتتميم العمل، فتامل.
ثم مقتضى الاخيرة-ان تمت دلالتها-وجوب الصلاة لكل مخوف سماوي من ريح عاصف، او ظلمة عارضة، او حمرة شديدة، او صاعقة عظيمة، او رعد شديد، او صوت قوي، كما هو مذهب المفيد و السيد و الصدوقين و العماني و الاسكافي و الحلي و الديلمي و القاضي و الخلاف (18) ، و جمهور المتاخرين، بل عن الخلاف اجماع الفرقة عليه (19) .
و هو المختار، لما ذكر، و لصحيحة زرارة و محمد: ارايت هذه الرياح و الظلم التي تكون هل يصلى لها؟ قال: «كل اخاويف السماء-من ظلمة او ريح او فزع- فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن» (20) .
و يؤيده الصحيح المروي في الفقيه: «انما جعلت للكسوف صلاة لانه من آيات الله تبارك و تعالى» (21) الحديث.
و المروي في الدعائم: «يصلى في الرجفة و الزلزلة، و الريح العظيمة، و الظلمة، و الآية تحدث، و ما كان مثل ذلك، كما يصلى في صلاة كسوف الشمس و القمر سواء» (22) .
و انما جعلناهما مؤيدين، مع كون مفهوم التعليل في الاول حجة، و الآية في الثاني-سيما مع قوله «و ما كان مثل ذلك» -لجميع المطلوب شاملة، و ضعفه بما ذكر مجبورا، لعدم صراحة الجعل في الاول و الجملة في الثاني في الوجوب.
و لمثل ذلك لم يستدل هنا ببعض ما استدل به بعض آخر ايضا.مع كفاية ما ذكر في المطلوب، لكونه صريحا صحيحا، و بعمل معظم الطائفة، و دعوى الاجماع و الشهرة معتضدا.
و لا يضر قوله فيه: «حتى يسكن» حيث انه لا يجب فعل الصلاة الى هذه الغاية.
لان لفظة «حتى» اما للتعليل او الغاية، و على الثاني اما لغاية الوجوب او الصلاة بمعنى ان يصلي متصلا حتى يسكن، و عدم الوجوب-ان كان قائما-هو على الاخير خاصة و هو احتمالي، و بمحضه لا يرفع اليد عن حقيقة الامر.
فالقول باستحباب الصلاة لغير الثلاثة الاولى كما نقله في الشرائع (23) ، او الترديد في وجوبه له كما فيه و في المعتبر و النافع (24) ، او عدم وجوبه كما هو محتمل من لم يتعرض له كلا او بعضا كجماعة من الاصحاب، لا وجه له.
ا: المصرح به في النص المثبت للوجوب هو: المخوف السماوي، اي الناشئ من جهة العلو. و شموله للاخاويف الارضية كالصوت الشديد الخارج من الارض، و الخسف المجرد عن الزلزلة ان امكن، و سقوط جبل و نحوها، في الاخبار غير معلوم، و لو سلم ظهورها في ذلك فانما هو في بعض عبارات الفقهاء (25) ، فالقول بعدم الوجوب لها-كما هو ظاهر بعض الاجلة (26) ، بل المفيد و الخلاف (27) - متعين.
ب: لا صلاة لانكساف سائر الكواكب بعضها ببعض، او باحد النيرين، او احدهما ببعضها، وفاقا لنهاية الاحكام و التذكرة و الموجز و الدروس و البيان و الروضة و الجعفرية و حواشي الارشاد للمحقق الثاني و الذخيرة و شرح الروضة (28) ، للاصل، و عدم النص، و خفائه غالبا عن الحس، و عدم ترتب خوف عليه للعامة.
و خلافا للمحكي عن شرح الارشاد لفخر المحققين و الذكرى (29) ، لاندراجه تحت الاخاويف.
و ضعفه ظاهر، كيف؟ ! و لا يطلع عليه غالبا الا بقول المنجمين الغير المورث للخوف للمعظم.
ج: المذكور في الرواية هو الاخاويف، و لا بد لها من خائف و هو غير فهو اما خائف مطلقا و لو كان واحدا، او معظم الناس لو اطلعوا عليه.
كلهم فليس مرادا بالاجماع و عدم امكان العلم.
و لكن الاول غير معلوم فيقتصر فيه على الثاني، للاصل، و به صرح جماعة من الاصحاب (30) .
هذا في غير الثلاثة الاولى، للتنصيص بها بخصوصها، فتجب الصلاة لها و لو لم يوجب خوفا.و النص و ان وقع في بعض من غيرها ايضا الا انه مع درجه في الاخاويف، الا في بعض ما لا دلالة له على الوجوب (31) .
د: المناط التخويف لو لا العارض.فلو لم يحصل الخوف من بعضها لكثرة وقوعه و تكرره في بلدة تجب الصلاة، لصدق المناط و الاستصحاب.و بذلك يمكن درج الثلاثة الاولى في الاخاويف ايضا.
تعليقات:
1) التهذيب 3: 290-875، الوسائل 7: 485 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 9.
2) التهذيب 3: 127-269، الوسائل 7: 484 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 8.
3) التهذيب 3: 155-331، الوسائل 7: 484 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 7.
4) المقنعة 209، الوسائل 7: 484 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 6.
5) الكافي 3: 208-7 و 463-1، التهذيب 3: 154-329، المحاسن: 313-31، الوسائل 7: 485 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 10.
6) الفقيه 1: 341-1510، الوسائل 7: 491 ابواب صلاة الكسوف ب 6 ح 2.
7) الكافي 3: 465 الصلاة ب 95 ح 7، الفقيه 1: 346-1531، التهذيب 3: 291-878، الوسائل 7: 502 ابواب صلاة الكسوف ب 11 ح 1.
8) مجمع الفائدة 2: 413.
9) المنتهى 1: 349.
10) الخلاف 1: 682، المعتبر 2: 329، التذكرة 1: 163.
11) الحلبى في الكافي في الفقه: 155.
12) حكاه عن الاسكافي في المختلف 1: 116، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية) : 562.
13) الحدائق 10: 300.
14) الموجود في المفاتيح 1: 30 حكاية القول باستحباب الصلاة في الزلزلة و الرياح و غيرها من اخاويف السماء.فراجع.
15) الفقيه 1: 343-1517، العلل: 556-7، الوسائل 7: 486 ابواب صلاة العيد ب 2 ح 3.
16) فقه الرضا «ع» : 135، مستدرك الوسائل 6: 165 ابواب صلاة الكسوف ب 2 ح 1.
17) الفقيه 1: 346-1530، الوسائل 7: 491 ابواب صلاة الكسوف ب 5 ح 4.
18) المفيد في المقنعة: 210، السيد في جمل العلم (رسائل الشريف المرتضى 3) : 46، الصدوق في المقنع: 44 حكاه عن العماني و الاسكافي في المختلف: 116، الحلي في السرائر 1: 321، الديلمي في المراسم: 80، القاضي في المهذب 1: 124، الخلاف 1: 682.
19) الخلاف 1: 682.
20) الكافي 3: 464 الصلاة ب 95 ح 3، الفقيه 1: 346-1529، التهذيب 3: 155-330، الوسائل 7: 486 ابواب صلاة الكسوف ب 2 ح 1.
21) الفقيه 1: 342-1513، الوسائل 7: 483 ابواب صلاة الكسوف ب 1 ح 3.
22) الدعائم 1: 202، مستدرك الوسائل 6: 165 ابواب صلاة الكسوف ب 2 ح 2.
23) الشرائع 1: 103.
24) الشرائع 1: 103، المعتبر 2: 330، النافع: 38.
25) كما في المختلف: 116، و مجمع الفائدة 2: 414.
26) انظر: كشف اللثام 1: 266.
27) المفيد في المقنعة: 210، الخلاف 1: 682.
28) نهاية الاحكام 2: 76، التذكرة 1: 165، الدورس 1: 191، البيان: 206، الروضة 1: 311، الذخيرة: 324.
29) الذكرى: 247.
30) كالشهيد الثاني في الروضة 1: 311، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 265، و صاحب الرياض 1: 198.
31) كالرضوي و المروي في الدعائم، المتقدمين في ص 224-225.