و قد عرفت عدم دلالتها (116)
فان الجمعة كانت واجبة في زمن النبي صلى الله عليه و آله و خلفائه فيستصحب.
و يرد اولا: بمعارضته باستصحاب وجوب الظهر و عدم وجوب الجمعة، فان قبل ايجاب الجمعة كان الظهر واجبا، و الجمعة غير واجبة، فانه علم انتفاء لاول و ثبوت الثاني الى زمان تمكن المعصوم، و لم يعلم فيما بعده، فيستصحب وجوب الاول و عدم وجوب الثاني.
و ثانيا: بمعارضته باستصحاب وجوب الظهر في زمان نزول الجمعة على من لم يتمكن من حضور جمعة المعصوم.
فان قلت: لا ينافي ذلك عند من يشترط المعصوم في عهده لكل احد، و لو لم يتمكن الحضور الى جمعته.
قلنا: فيسقط استصحابك راسا;اذ على هذا يكون الاشتراط في عهده مسلما، و لا يجري الاستصحاب في الواجب المشروط.
و ثالثا: بان الاصل في الواجب ما دام الوصف كونه بشرطه، فلا يجري الاستصحاب.الا ان تمامية ذلك انما هي على ما ياتي من عدم تمامية دلالة الظواهر على وجوب الجمعة مطلقا.و الا فلا يتم;لان الواجب ما دام الوصف لو بتبالاطلاق، فالاصل فيه ليس كونه بشرطه.
و رابعا: بانتفاء الاستصحاب بما مر من الادلة على الاشتراط.
و قد يجاب عن الاستصحاب ايضا: بتغير الموضوع، فان موضوع الوجوب الموجودون في زمانهم، و النزاع في غيرهم.
و يضعف: بفرض الكلام في شخص واحد مدرك للزمانين، و يتم المطلوب بالاجماع المركب.
فانه لا خلاف في اشتراط امام الجماعة، و الشك في اشتراط الزائد، فينفى بالاصل.
وجوابه اولا: انه ان اريد اجراء الاصل من دون ملاحظة ما يدعيه من اطلاقات وجوب الجمعة الآتية، فالاصل مع الاشتراط;لاصالة عدم الوجوب بدون الشرط.
و ان اريد اجراؤه بملاحظة الاطلاقات، فهو انما يتم ان تمت دلالتها على وجوب صلاة الجمعة مطلقا، ثم على ثبوت ان صلاة الجمعة صادقة على ما يقتدى فيه بغير امام الاصل، و سياتي عدم التمامية.
و ثانيا: ان الاصل انما يعمل به اذا لم يكن هناك دليل يخرج عنه، و انا قد بينا الدليل على اشتراط امام الاصل او نائبه، و لو منع صراحة ما مر فيه فغايته الاجمال، و به تخرج مطلقات وجوب الجمعة عن الحجية.
سلمنا حجية المخصص بالمجمل، و لازمه حجية مطلقات الظهر ايضا، كالمروي في الكافي في باب التفويض: ان الرسول زاد ركعتين في الظهر و العصر و العشاء، فلا يجوز تركهن الا في سفر، و لم يرخص رسول الله لاحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما، بل الزمهم الزاما واجبا، و لم يرخص لاحد في شيء من ذلك الا للمسافر (117) .
و صحيحة زرارة: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر، و ركعتان من العصر، و ركعتا الصبح، و ركعتا المغرب، و ركعتا العشاء الآخرة، لا يجوز الوهم فيهن» -الى ان قال-: «و هي الصلاة التي فرضها الله على المؤمنين في القرآن، و فوض الى محمد صلى الله عليه و آله، فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات» (118) .
و موثقة سماعة: «اذا زالت الشمس فصل ثماني ركعات، ثم صل الفريضة اربعا، فاذا فرغت من سبحتك، قصرت او طولت، فصل العصر» (119) .
و صحيحة محمد بن احمد: «اذا زالت الشمس، فقد دخل وقت الصلاة، و بين يديها سبحة، و هي ثمان ركعات، فان شئت طولت و ان شئت قصرت، ثم صل الظهر» (120) الى غير ذلك.
فتتعارضان بالعموم من وجه، و يرجع في مورد التعارض الى التخيير.
كصحيحة زرارة: «فرض الله تعالى على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة[واحدة] (121) فرضها الله عزوجل في جماعة، و هي الجمعة» (122) .
و صحيحة ابي بصير و محمد: «ان الله فرض في كل سبعة ايام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة» (123) .
و اخرى لزرارة: على من تجب الجمعة؟ قال: «على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين، احدهم الامام، فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا امهم بعضهم و خطبهم» (124) .
و ثالثة له قد تقدمت (125) : «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على اقل من خمسة رهط: الامام و اربعة» .
و رابعة له قد تقدمت ايضا (126) : «صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع اليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل ثلاث جمع من غير علة فقد ترك ثلاث فرائض» .
و صحيحة منصور: «يجمع القوم اذا كانوا خمسة فما زاد» -الى ان قال-:«الجمعة واجبة على كل احد، و لا يعذر الناس فيها الا خمسة» (127) .
و صحيحة زرارة ايضا: «الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في اهله ادرك الجمعة» (128) .
و صحيحة عمر بن يزيد: «اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة» (129) .
و صحيحة اخرى لابي بصير و محمد: «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه» (130) و قريبة منها روايات اخر.
و النبوي المروي في بعض الكتب: «كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة الى يوم القيامة» (131) .
و الآخر: «لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات، او ليختمن الله على قلوبهم» (132) .
و الثالثخطبته عليه السلام: «ان الله فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي او بعد مماتي و له امام عادل، استخفافا بها او جحودا لها، فلا جمع الله شمله، و لا بارك له في امره» (133) الحديث.
و صحيحة محمد المتقدمة: «تجب الجمعة على من كان منها على راس فرسخين، و معنى ذلك اذا كان امام عادل» (134) .
و صحيحة زرارة السابقة ايضا، المصدرة بقوله: حثنا ابو عبد الله...» (135) .
و موثقات البقباق، و سماعة، و عبد الملك المتقدمة جميعا (136) ، و غير ذلك مما هو بمضمون ما مر او قريب منه.
و الجواب عنها-مع ان بعض هذه الاخبار خطاب مشافهة، و لا يثبت العموم فيها-اما بالخصوص او الكلية.
اما الاول: فاما عن الاولى: فبعدم دلالتها على ازيد من ان بعضا من الخمسة و الثلاثين الواجبة من الجمعة الى الجمعة صلاة الجمعة، و هو اعم من ان يكون واحدا منها، او فردا من واحد، فانه اذا كانت الجمعة واجبة في بعض الاوقات، و الظهر في بعض، او الاول على بعض الاشخاص-كما في زمن الغيبة على من يحضر عند الامام الغائب من اولاده و اصحابه-و الثاني على بعض آخر، فلا محالة تكون الجمعة بعضا من الخمسة و الثلاثين.
و لو لم تصدق البعضية على مثل ذلك، لم تصدق على صلاة الجمعة اصلا; لعدم وجوبها في شيء من الازمنة على قرية ليس فيها من لا يصلح للامامة، او طائفة كذلك، و لا على المراة و المسافر، و المملوك و المريض و غير ذلك.
و الحاصل: انا نسلم وجوب الخمسة و الثلاثين صلاة في كل جمعة الى الجمعة على الناس، و ان بعضا منها صلاة واجبة تجب فيها الجماعة، و لكن لا نسلم ان هذا البعض واجب على الكل;لصدق البعضية بوجوبه (137) في الجملة.
بل لا يمكن ان يراد انه واجب على الكل;ضرورة عدم وجوبه على كثير من الناس.و لا يمكن ان يقال: خرج ما خرج بالدليل;لان هذا انما هو على تقدير وجود لفظ عام، كان يقول: منها صلاة واجبة على الكل، و ليس كذلك، بل يجب التقدير، فلا يقدر الا ما علم وجوب تقديره، فمن اين يقدر ما يعم فاقد الامام ايضا؟ .
مع ان في كثير من النسخ هكذا: «فرض الله تعالى على اولئك الناس» و على هذا، فيسقط الاستدلال راسا;لجواز ان يكون اشارة الى اهل زمانه عليه السلام.
و اما عن الثانية: فبانا نسلم ان بعضا من الخمسة و الثلاثين مما يجب على كل مسلم ان يشهدها و يحضرها، و لكن بين لنا ذلك البعض، هل هو الركعتان الصادرتان من مطلق امام الجماعة، او من امام الاصل؟ .
و وجوبه على كل مسلم لا يدل الا على وجوبه عليهم عند تحقق شرائطه، الا ترى انه يصح ان يقال: ان الصلوات الواجبة كثيرة، منها ما يجب على كل مسلم، و هو صلاة الزلزلة، مع انه قد لا تتحقق الزلزلة في مائة سنة الا مرة واحدة، و لا تقع في بعض الاصقاع اصلا.
مع ان قوله: «كل مسلم» متعلق بقوله: «ان يشهدها» و الشهود يتوقف على التحقق، فالمعنى: يجب على كل مسلم ان يشهدها لو تحققت.و لا نزاع في ذلك.
و تفسير «يشهدها» بان يفعلها خلاف الحقيقة.
و اما عن الثالثة و الرابعة و الخامسة: فبتعليق الوجوب فيها على الامام و هو لو لم يكن ظاهرا في امام الاصل، يكون محتملا له قطعا، فلا يعلم الوجوب بدونه.
و لا يفيد اطلاق البعض في قوله: «امهم بعضهم» في اولاها;اذ ظاهر ان الاضافة فيه للعهد، اذ هذا البعض هو الامام الذي ذكره بقوله: «احدهم الامام» مضافا الى احتمال كون الذى من كلام الصدوق.
مع ان ما يدل على الوجوب في الاولى و هو قوله: «على سبعة نفر» لا عموم فيه، و ما فيه العموم و هو قوله: «فاذا اجتمع...» لا دلالة فيه على الوجوب.
و في الثانية لا دلالة الا على نفي الوجوب على الاقل من خمسة، و اما الوجوب على كل خمسة فلا.
و اما عن السادسة: فبعدم دلالة صدرها على وجوب اصلا;لخلوه عن الدال عليه، مع ما فيه من اجمال التجميع، لما ياتي.
و اما ذيلها فلم يوجب الا الجمعة، و هي حقيقة في اليوم المعهود مجاز في غيره، و المعنى المجازي المراد له عليه السلام غير معلوم لنا، فكما يمكن ان يكون الركعتين مع امام الجماعة، يمكن ان يكون ما كان مع امام الاصل، او ما كان يصلى في زمان الظهور، و هو ما كان مع الخلفاء و الولاة.و ظهورها في هذا الزمان في مطلق صلاة الجمعة-لو سلم-لا يفيد;لاصالة عدم الظهور في زمان الصدور.
و منه يظهر الجواب عن السابعة ايضا، مضافا الى ان الوجوب فيها غير باق على معناه الحقيقي;ضرورة عدم الوجوب على كل من ان صلى الغداة في اهله ادرك الجمعة.
و تخصيص الوجوب بمن كان على اقل من فرسخين، ليس اولى من التجوز في الوجوب، مع انه لا يلائم تتمة الحديثحيث قال عليه السلام: «و كان رسول الله صلى الله عليه و آله انما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الايام كي اذا قضوا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه و آله رجعوا الى رحالهم قبل الليل» .
فان مع التخصيص المذكور لم يكن الرجوع موقوفا على التاخير.
و اما عن الثامنة: فبعدم عموم فيها اصلا;لعدم تعين المرجع في قوله: «كانوا» و «ليلبس» عندنا، فلعله كان من فيهم امام الاصل، و ارجاعه الى المسلمين او الناس لا دليل عليه، مضافا الى ان عطف ما ليس بواجب قطعا على قوله «فليصلوا» يوهن في وجوبه ايضا.
و اما عن التاسعة و ما بمعناها: مع ضعف اكثرها سندا، فبعدم الدلالة على الوجوب اصلا;اذ قد تحصل من ارتكاب المكروه او ترك المستحب كدرة في القلب ايضا، و لذا ورد اشد من ذلك في ترك بعض المستحبات ايضا، سيما مع انه رتب الطبع و ما بمعناه على ترك ثلاث جمع المتصفة بالمتوالية، و سيما مع التقييد في بعض تلك الروايات بتركها تهاونا بها.
مضافا الى ان ارادة الركعتين مع الخطبتين من لفظ الجمعة-الحقيقة في اليوم- غير معلومة بل ارادتهما مع صدورهما عن الامام ممكنة، بل يمكن ان يكون المراد غسل الجمعة ايضا.
و منه يظهر الجواب عن العاشرة و الحادية عشرة، مع انهما خاليتان عن العموم جدا، بل ذكر الودع في الثانية صريح في حصوله، فهو مخصوص بايام حياته.
و عن الثانية عشرة: مع ما مر، ان فيه قيد الامام العادل، و قد عرفت ظهوره في المعصوم، و قيد الاستخفاف و الجحود، و هو مسلم. و اما عن الثالثة عشرة: فبما مر ايضا، من قيد الامام العادل.
و اما عن البواقي: فبانها على نفي الوجوب ادل، و لذا النافي له بها استدل، كما مر في دليل القول الاول.
مع ان شيئا منها لا يدل على الوجوب على الجميع:
اما الثلاثة الاولى، فلخلوها عن لفظ الوجوب، او الامر الدال عليه، بل اولاها متضمنة للفظ «الحث» الظاهر في الاستحباب.
و اما الاخيرة، فلعدم دلالتها على عموم الوجوب، فلعله على من كان يتمكن من الائتمام بامام الاصل، او الاستئذان منه.
و مما ذكر يظهر الجواب عن سائر ما لم يذكر ايضا، فانها بين ضعيفة و خالية عن الدال على الواجب او عمن تجب عليه، و متضمنة للفظ الجمعة المحتملة لان يكون تجوزها ما وقع مع الامام او نائبه و نحو ذلك.
و اما الثاني-اي: الجواب عن الجميع كليا-فتارة بعدم حجية شيء منها على فرض الدلالة;لمخالفتها الشهرة القديمة الموجبة لخروجها عن الحجية.
و اخرى: بخروجها عن الحجية لتخصيصها بما مر من الاخبار الدالة على اشتراط الامام، او من يخطب زائدا على من يصلح للجماعة، و قد عرفت احتمالهما لامام الاصل لو لا تعينهما له، و المخصص بالمجمل ليس بحجة في مقام الاجمال قطعا، فيعمل فيه باصالة عدم الوجوب.
و ثالثة: بعدم افادتها لمطلوبهم;اذ غايتها وجوب صلاة الجمعة (على كل احد) (138) عينا و هو مما لا شك فيه، و انما الكلام في صلاة الجمعة انها ما هي؟ .
و الخصم يقول: انها ما وقع مع الامام، او باذنه، و لا تفيد هذه الاخبار في رده.
اما على القول بكون العبادات اسامي للصحيحة فظاهر.
و اما على القول بالاعم فبعد بيان مقدمة، هي:
ان اجزاء العبادات على القول بكونها اسامي للاعم على قسمين: ما يعلم انتفاء المسمى بانتفائه قطعا، كالركوع و السجود بالنسبة الى الصلاة، و ما يعلم عدم انتفائه بانتفائه كذلك، كذكر الركوع.
و قد يكون هنا قسم ثالث، و هو: ما يشك في كونه مما ينتفي المسمى بانتفائه ام لا، كما اذا لم ينضبط المعنى العرفي في لفظ في زمان، او انضبط فيه و شك في معناه في الزمان السابق و لم تجر اصالة الاتحاد، كما في ما نحن فيه على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ صلاة الجمعة، لو سلم فيها الحقيقة المتشرعة في هذا الزمان في الاعم مما كان مع الامام.
فما كان من القسمين الاولين فحكمه ظاهر.
و ما كان من الثالث فتجري فيه اصالة عدم الجزئية بواسطة اصالة عدم الوجوب ان لم يكن موقوفا عليه لوجوب سائر الاجزاء، و اصالة الجزئية بواسطة اصالة عدم وجوب السائر بدونه ان كان موقوفا عليه له، كما في ما نحن فيه.
و الحاصل: ان الوضع للاعم انما هو في ما اذا لم يكن الجزء مما احتمل كونه سببا للتسمية، و اما معه فلا.
الا ترى انه اذا وضع اسم لعبد، ثم تغير لون العبد، و اصفر بعد الحمرة، لا يتغير الموضوع له؟ بخلاف ما اذا وضع لفظ لعبد احمر من جهة انه احمر، فلا يطلق اللفظ بعد زوال الحمرة، و كذا لو شك انه هل هو موضوع لمطلق العبد او للاحمر منه.نعم لا يختلف الاطلاق لو تغير حمرة يده مثلا.
فانا نعلم ان اطلاق الصلاة على الاركان المخصوصة و الاجزاء المعلومة ليس لاجل خصوص السورة او ذكر الركوع مثلا، و لكن نعلم انه موضوع لمعنى هما جزءان له، فيختلف في انه هل المعنى القدر المشترك او مع هذا الجزء، فالحق القدر المشترك.
و الملخص: ان النزاع في الوضع للصحيح او الاعم انما هو فيما اذا علم وضع لفظ لشيء او استعماله فيه مجازا، و شك في ان المستعمل فيه او الموضوع له هو بتمام اجزائه او لا;و اما لو شك في ان الموضوع له او المستعمل فيه هل هو هذا الشيء لاجل هذا الجزء او الشرط فلم يقل احد بانه للاعم.
و لو شئت التوضيح فانظر الى لفظ وضع لكتاب، فانه لا تتغير التسمية لو وجد فيه اغلاط و تروك و لا يقال انه موضوع للصحيح، بخلاف ما اذا وضع لفظ له من جهة انه صحيح غاية الصحة.
اذا عرفت ذلك نقول: انا لو سلمنا كون صلاة الجمعة حقيقة في الاعم مما كان مع الامام في هذا الزمان، فلا نسلمه في زمان الشارع;لجواز ان يكون معناه حينئذ ما كان معه، و لم تثبت فيها الحقيقة الشرعية حتى يحكم باتحادها مع عرف هذا الزمان باصالة عدم النقل، فلا نعلم انها هل هي ما كان مع الامام ام لا، و لا بعد في ذلك، كما ان صلاة الجماعة لا تصدق الا مع الائتمام بامام و لو تحقق جميع الاجزاء من اقامة الصفوف و غيرها، بل قد ينتفي المسمى بانتفاء اقل من ذلك، كمجرد قصد الصلاة، فان بانتفائه ينتفي المسمى و لو تحقق جميع سائر الاجزاء.
و الحاصل: انه يمكن ان يكون المستعمل فيه ما كان مع الامام لاجل انه كذلك، و على هذا فلا يدل ما دل على وجوب صلاة الجمعة على وجوب ما لا امام فيه او نائبه اصلا;اذ لا نسلم انه صلاة جمعة.
و رابعة: بانه لا دخل لهذه الاخبار بالمطلوب اصلا;اذ لا نزاع لاحد في وجوب صلاة الجمعة، بل هو من ضروريات الدين، و لا في عدم اختصاصه بزمان دون زمان من حيث هو زمان، بل الكل قائلون بوجوبها في كل زمان من حيث هو هذا الزمان، و انما الاختلاف في شرط من شرائطها انه هل هو الاقتداء بالمعصوم او نائبه، ام لا.
و هل الاستدلال بهذه الاخبار على مطلوبكم الا كمن استدل على عدم اشتراط العدالة في امام الجماعة بعمومات مرغبات الجماعة؟ او كمن استدل بعمومات وجوب الحج على وجوبه مع سد الطريق ايضا؟ الا ترى انا نقول بوجوب الحج الى يوم القيامة، و لا ينافيه لو فرض سد الطريق او منع التقية عن الحج في الف سنة.
و الحاصل انا نقول: ان الله سبحانه جعل لنا اماما بعد امام الى يوم القيامة، بحيث لم يخل زمانا عنه، و نهى عباده عن الاتيان بما يقتضي غيبته و استتاره، و امرنا بصلاة معه كذلك;و حصول الحرمان عن خدمته بعصيان الامة و ايجابه تعطيل واجب مشروط به بسوء اعمالنا لا ينافي دوام وجوبه، و لا ادري ما يقول الموجب في حق عدم وجوبها في بلاد التقية-التي هي اكثر بلاد الاسلام- و ازمنتها.
فان قيل: لا شك ان مفاد تلك الاخبار وجوبها في كل جمعة و على كل مسلم، سواء حضر المعصوم ام لا، و مقتضى الاشتراط اختصاص الوجوب بحال الحضور، فعموم الروايات يدفع الاشتراط.
قلنا: هذا اشتباه نشا من الخلط بين شرط الوجوب و شرط الصحة، و كذا بين كون الشيء مخصصا للعام ام لا، و كونه من افراد مخصصه القطعي ام لا.
بيان ذلك: ان الشيء ان كان شرطا لوجوب شيء يكون موجبا لتخصيص عمومات وجوبه و مقيدا لاطلاقاته لا محالة، بخلاف ما اذا كان شرطا لصحته، فانه لم يقل احد بان قوله تعالى «اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا...» مخصص لقوله سبحانه: «اقيموا الصلاة» نعم لما كان انتفاء شرط الصحة مستلزما لانتفاء المشروط الصحيح، فبانتفائه ينتفي التمكن عن الاتيان بالمطلوب، و وجوبه مخصوص بحال التمكن قطعا، فيكون انتفاء الشرط من افراد عدم التمكن الذي خص العام به عقلا و شرعا قطعا.
و الحاصل: انا لا ندعي ازيد من ان الائتمام بالمعصوم او نائبه شرط لصحة الجمعة، فاذا لم يتمكن المكلف منه فنقول: ان عمومات وجوب الجمعة مخصصة -باعترافك-بحال التمكن من صحيحها قطعا، و لذا لا يقول بوجوبهها عند فقد امام عادل او من يخطب او العدد اللازم و نحوها، و نحن ايضا لا ندعي ازيد من ذلك.
نعم نحن نقول: انه يشترط في صحتها الائتمام بالمعصوم، فاذا لم يتمكن منه ينتفي التمكن من الجمعة الصحيحة، و انت لا تقول به.
فليس النزاع الا في انتفاء امكان الائتمام بالمعصوم، هل هو من افراد عدم التمكن من الجمعة المخصوصة عموماتها بغيره قطعا ام لا؟ و ليس ذلك نزاعا في التخصيص اصلا، فلا وجه للتمسك بالعمومات في دفعه.
فنحن و انتم متفقون في اختصاص العمومات بحال التمكن من الجمعة الصحيحة، و مختلفون في ان حال عدم امكان الائتمام بالمعصوم هل هي حال التمكن ام لا؟ فانت تقول بالتمكن، لعدم اشتراط الصحة به، و نحن نقول بعدمه، للاشتراط، و ليس في يدك شيء يتمسك به سوى اصالة عدم الاشتراط، و قد عرفتحالها.
و الحاصل: ان الاخبار المتقدمة و ما لم يذكر منها باجمعها-على فرض الحجية و الدلالة على الوجوب-بين دالة على وجوب الجمعة في الجملة، او على وجوبها المطلق، او على وجوبها على كل احد، او وجوبها ابدا.
و الاحتجاج بالاولى انما يصح في مقابلة من ينفي وجوبها راسا.
و بالثانية في مقابلة من قال: انها واجبة مقيدة، نحو: ان كنت متوضئا فتجب عليك الصلاة.
و بالثالثة في مقابلة من قال: انها واجبة على طائفة خاصة، نحو: تجب الصلاة على المتطهرين.
و بالرابعة في مقابلة من قال: انها واجبة في زمان، ثم نسخ، او كان وجوبها مخصوصا ببعض الازمنة، نحو: تجب الصلاة في زمان النبي.
و نحن لا نقول بشيء من ذلك، بل نقول: انها واجبة مطلقة على كل احد الى يوم القيامة، و لكنه مثل الصلاة بالنسبة الى الوضوء، حيثخلق الله سبحانه الماء ثم امر كل احد الى يوم القيامة بالصلاة، و شرط فيها الوضوء، اي: امر به عندها، و نفى صحتها بدونه، فكذلك جعل الله سبحانه للامة اماما بعد امام الى يوم القيامة و امر الناس بطاعته و الاجتناب عما يوجب غيبته و استتاره.ثم امر كل احد الى يوم القيامة بصلاة الجمعة، و شرط فيها الاقتداء بذلك الامام، و نفى صحتها بدونه.
بل نسبته الى صلاة الجمعة كنسبة الترتيب في الوضوء بالنسبة الى الصلاة; لاتفاق الكل على اشتراط الامام، و انما النزاع في وصف منه، فكما لا يعقل عن العالم الاحتجاج باوامر الصلاة على من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، فكذا ها هنا.و هل يصح الرد على الخصم هنا الا بنص يصرح بعدم وجوب الترتيب، او باصالة عدم وجوبه؟ .
و ليس هنا نص يصرح بعدم وجوب الائتمام بالامام او نائبه، فلم يبق الا اصالة عدم وجوب الائتمام به.و هل يصح من فاضل الاستدلال في مقابل ذلك الخصم بالآيات و الروايات؟ ! .
نعم كما انه لو لم يتمكن احد من الطهارة المائية، او من الترتيب فيها، و لم تثبتبدلية التيمم عنها، ينتفي التمكن من الصلاة المامور بها، و لذا يسقط وجوبها، كذلك نقول: لو لم يتمكن احد من الائتمام بالامام او نائبه، ينتفي التمكن من صلاة الجمعة المامور بها، و لذا تسقط.و هذا ليس من باب تخصيص مخصوص بعموماتها، بل هو من التخصيص بالتمكن و القدرة الثابتباعتراف الخصم شرعا و عقلا فيها و في كل امر.
فليس شيء ينفع للخصم هنا الا ان يقول: انه لم يثبت الامر بالاقتداء بالامام او نائبه، و هو اصل عدم اشتراط الصحة;اذ عدم الثبوت لا يفيد بدون ضم الاصل.او يقول: انه ثبت الامر بالاقتداء بغير الامام، و ليس له شيء يدل على ذلك.
و بعبارة اخرى في اصل الجواب: المراد من هذه الاخبار و معناها:
اما وجوب الجمعة في الجملة، فهو مما لا كلام فيه. او وجوبها بشرائطها مجملة، فلا ينفع لك اصلا;اذ الواجب حينئذ الكلام في الشرائط، و ليس لك شيء في رد هذا الشرط الا الاصل.
او وجوبها بشرط عدم شرط، مطلقا او الا بعض الشروط المذكورة، فيكون منافيا لمطلوبك من اشتراط كثير من الشرائط الغير المذكورة فيها، سيما انتفاء التقية (139) و نحوها، فكيف لا يضر ذلك و يضر عدم ذكر شرط واحد آخر؟ ! فان الفريقين قائلان بالوجوب و الكل يشترطون شروطا الا انا نشترط شرطا واحدا آخر، فكيف تصير هذه الاخبار ردا علينا دون الباقين؟ ! و كيف يمنع شرط واحد عن الشمول دون شروط كثيرة؟ ! .
فان قيل: سلمنا جميع ذلك، و لكن نقول: انه لا شك ان بواسطة عدم التمكن من الشرط في غير زمان النبي و الولي و قليل من زمان مولانا الحسن عليه السلام و ازمنة ظهور القائم، على القول بالاشتراط ينتفي التمكن عن صلاة الجمعة المامور بها، فيسقط وجوبها في جميع تلك الازمنة التي هي اكثر بكثير من زمان التمكن، فهل تحسن تلك التسديدات و التعميمات مع وجود مثل هذا التخصيص؟ ! .
قلنا;بعد النقض باوامر الجهاد و عموماته، و الحدود، و وجود الامام في كل عصر لدفع الشبهات و اقامة الحجج و الردع عن الباطل و نحو ذلك;اولا: انك تقول باشتراط الامام العادل و العدد و المذكورة و الحرية و الحضر و الصحة، مع انه ليس الجامع لجميع هذه الشرائط مساويا للفاقد لها البتة، بل تقول باشتراط انتفاء التقية، و تسند عدم وقوع الجمعة من العلماء في جميع الازمنة السالفة الى التقية، مع ان التقية كانت قائمة في غير زمان النبي و الولي و قليل من زمان الحسن الى قريب من هذه الازمنة في جميع البلاد، بل الى هذا الزمان في معظم بلاد الاسلام، بل غير شرذمة من ولايات العجم، فكيف لا يضر هذا التخصيص لك و يضر لنا؟ ! .
مع انا نقول: انه لا علم لنا بلزوم خروج الاكثر ايضا، لامكان كون ازمنة ظهور القائم عليه السلام اكثر بكثير من جميع تلك الازمنة، بل هو الظاهر من الاخبار، بل يحتمل ان تكون في جميع ازمنة الغيبة للامام بلاد و اصحاب كثيرة يقيمون الجمعة، كما يستفاد من بعض الحكايات (140) .
هذا كله مع ان كل ذلك اذا قلنا بوضع صلاة الجمعة للاعم.و لكن اذا قلنا بالوضع للصحيحة، كما هو مذهب كثير من الاصحاب، او قلنا بان خصوص الجمعة اسم لما فعل مع الامام، كما عن القاضي و بعض آخر، و هو المحتمل، فلا ينفع الاستدلال بالآية و الاخبار اصلا، بل اللازم ابطال هذين الامرين، و يكون جميع تلك الاستدلالات تطويلا بلا طائل، و سكوتا عما يقول الخصم.
و قد يستدل ايضا بروايات اخر بينة الوهم لا فائدة في التعرض لها.