بسم الله الرحمن الرحيم
و هي عدة صلوات تذكر في مطالب:
و الكلام اما في حكمها، او شرائطها، او من تجب عليه، او كيفيتها، او وقتها، او لواحقها، فهاهنا ستة ابحاث.
و فيه ثلاث مسائل:
صلاة الجمعة واجبة في الجملة، باجماع الامة، بل الضرورة الدينية.
و تدل عليه-مضافا اليهما-السنة المتواترة (1) .
بل الآية الشريفة (2) -على ما ذكره الاكثر-و ان كان فيه نظر على الاظهر;
لعدم صراحتها في صلاة الجمعة، لعموم الذكر، و عدم المخصص الا ما قيل: من اتفاق المفسرين (3) .
و اشعار المروي في العلل: «اذا قمت الى الصلاة فاتها سعيا-الى ان قال: - فان الله عزوجل يقول: «يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله» و معنى فاسعوا هو الانكفاء» (4) .
و عدم وجوب السعي الى غيرها حين النداء، بل و لا استحبابه مترتبا عليه.
و الاول ممنوع، كيف؟ ! و فسره في الكشاف و تفسير البيضاوي بمطلق الصلاة (5) .و بعض المفسرين منا بالحجج عليهم السلام.و عن صاحب التيسير (6) عن المفسرين: ان المراد اما الصلاة، او الخطبة، او سماع الوعظ.و قال بعض المفسرين: «اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله» فبادروا الى وظائفه من الغسل و قص الاظافر و الشوارب و التطيب و التنوير و حلق الراس، و غير ذلك (7) و لو سلم فلا دليل على حجيته، كيف؟ ! مع ان اكثرهم من اهل الخلاف; و لا ادري من لا يقبل الاجماعات المتواترة من العلماء على عدم الوجوب العيني، كيف يقبل دعوى اتفاق المفسرين! ؟
و الثاني غير مشعر;لصحة تعليل رجحان السعي الى الصلاة-التي هي من افراد الذكر-بامر الله سبحانه بالسعي الى مطلقه.
بل في المروي في الكافي اشعار على خلافه، حيث قال: قلت له: قول الله عزوجل «فاسعوا الى ذكر الله» قال: «اعملوا و عجلوا فانه يوم مضيق على المسلمين» (8) الحديث.
فان ظاهره الامر بالتعجيل الى مطلق العمل.
و الثالث: بعدم لزوم حمل الامر على الوجوب;لان ارتكاب التجوز في الذكر ليس باولى منه في السعي، فيحمل على الاستحباب و يكون ترتبه على النداء لكثرة ما رغب فيه من الوظائف و الاعمال فيما بعد الزوال.
مع ان ارادة الاذان عند الزوال من النداء غير معلومة;لجواز ان يراد به اذان الفجر، الذي هو ايضا للصلاة من يوم الجمعة-كما نقل بعض المتاخرين في رسالته في صلاة الجمعة عن بعض المفسرين، و هو ظاهر من حمل الذكر على وظائف يوم الجمعة كما مر-لعدم دليل على ارادة الصلاة المعهودة، سيما عند نزول الآية.
فيكون اشارة الى ما ورد في الروايات من كثرة اعمال يوم الجمعة، حتى ان اصحاب النبي صلى الله عليه و آله كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخميس لانه يوم مضيق، لكثرة وظائفه و اعماله (9) .
سلمنا ان المراد بالذكر صلاة الجمعة، و لكن لا تدل الآية على وجوبها الا بعد ثبوت ترجيح التجوز في مادة فاسعوا على التجوز في الهيئة;ضرورة عدم وجوب السعي الذي هو السير بالتعجيل.
اذا عرفت انها واجبة في الجملة، فاعلم انه لا خلاف عندنا في وجوبها عينا على كل من استجمع الشرائط الآتية، مع حضور الامام المعصوم، او من ينصبه بخصوصه-عموما او لصلاة الجمعة-و تمكنه من اقامتها، و انما الخلاف في صورة عدم حضوره و لا حضور منصوبه المذكور، او عدم تمكنه-كزمان الغيبة-في انتفاء الوجوب العيني، و ثبوته.
فالاول مختار كل من شرط في وجوبه او جوازه، الامام او نائبه، او جعله منصب الامام.
و منهم: العماني و المفيد في الارشاد (10) ، و الشيخ في الخلاف و المبسوط و الجمل و النهاية و المصباح و التبيان (11) ، و السيد في الناصريات في المسالة الحادية عشرة و المائة و الميافارقيات (12) ، و الفقه الملكي، و الديلمي في المراسم و رسالته و القاضي و الكفعمي (13) ، و الوسيلة و السرائر و الغنية و المجمع و الجامع و المعتبر و الشرائع و النافع (14) ، و الموجز و شرحه للصيمري، و المنتهى و التذكرة و التحرير و الارشاد و القواعد و النهاية و المختلف (15) ، و الايضاح و المهذب و التنقيح (16) ، و الذكرى و النكت و الدروس و البيان و اللمعة (17) ، و روض الجنان و الروضة و شرح القواعد للمحقق الثاني (18) .
و جماعة من المتاخرين منهم: المحقق الخوانساري و والده، و الشيخ البهائي، و سلطان العلماء، و المدقق الشيرواني، و مولانا خليل القزويني، و المولى عبد الله الشوشتري، و رفيع الدين النائيني، و صالح الجيلاني، و الفاضل الهندي (19) ، و التوني، و الكاظمي، و والدي العلامة اخيرا، و اكثر مشايخنا (20) ، و معاصرينا (21) .
و هو ظاهر الكراجكي، و محتمل الحلبي (22) ، و نسبه صريحا في الايضاح و النكت و البيان و روض الجنان الى الاخير (23) .
بل هو ظاهر الشيخين الجليلين الصدوق و الكليني (24) ، بل مذهب كافة القدماء ظاهرا، حيث لم ينقل احد مع بذل جهد طائفة من المتاخرين في نقل الاقوال في هذه المسالة و الفحص عن القائل بالوجوب العيني الا عن ثلاثة او اربعة منهم (25) ;و هو ايضا ليس كذلك كما ياتي.
و توهم عدم صراحة كلام العماني و ارشاد المفيد و الخلاف-كما اتفق لبعض المتاخرين-فاسد غايته: لتخصيص الاول فرضية الحضور الى صلاة الجمعة بالبلد الذي فيه الامام، او المكان الذي فيه امراؤه، و لو لا انتفاء الوجوب بدونه لما كان للتخصيص وجه.
و استدلال الثاني على وجوب وجود الامام في كل عهد بان يجمع الجمعات و العيدين، و لو وجب مع غيره ايضا، لما كان للدليل معنى.و ذكره بعض امور اخر قد تصدر من الفقهاء ايضا، ممنوع;اذ كل ما ذكره بعمومه الذي هو مقتضى الفاظه لا يمكن صدوره الا من امام مبسوط اليد.
و تصريح الثالثبعدم انعقاد الجمعة بدون الامام او اميره، و بانه لم يفعله من زمان النبي الى زماننا غيرهما، و بان الامامية اجمعوا على اشتراط الامام فيه بقول مطلق.
و اما ما ذكره في اثناء كلامه من ان ما روي من جواز الجمعة لاهل القرى و السواد فهو ماذون فيه فجرى مجرى نصب الامام.
فهو توجيه للاخبار المروية بحملها على الاستحباب;لحصول ما يجري مجرى النصب و ان لم يحصل حقيقة النصب الذي هو شرط الوجوب.ففي الحقيقة هو تاويل لتلك الاخبار، و هو لا يدل على انه فتواه، كما ارتكب في التهذيب كثيرا، مع انه لو كان فتواه ايضا لم يضر، هذا.
ثم انه على اشتراط الامام او نائبه-في وجوبها او جوازها-الاجماع في كثير من كلمات الاصحاب، كما في الخلاف و السرائر و الغنية و كلام القاضي و الديلمي و المعتبر و المنتهى و التحرير و النهاية (26) ، و ثلاثة مواضع من التذكرة (27) ، و مثلها من الذكرى (28) ، و موضعين من شرح القواعد للمحقق الثاني (29) ، و مثلهما من رسالته و كنز العرفان و روض الجنان و الروضة (30) ، و شرحي الالفية و الجعفرية، و عيون المسائل للسيد الداماد، و الرسالتين للفاضل التوني و المحقق الخوانساري، بل جعل ثانيهما القول بالوجوب بدون الامام بدعة مخترعة.
و في شرح الهندي على الروضة نفي الشك عن وقوع الاجماع على اشتراط الوجوب العيني بالامام عليه السلام، و دعوى تواتر الاخبار بالاجماع، بل قيل: قد اطبق الاصحاب على نقل الاجماع عليه لا راد له في الاصحاب (31) .و صرح الاردبيلي في شرح الارشاد بان القول بالوجوب العيني في زمان الغيبة قول مع عدم الرفيق (32) ، الى غير ذلك.
و التشكيك في دعاوي الفاضل الاجماع-لمنعه اياه في المختلف (33) -ليس في محله قطعا;لان الممنوع فيه الاجماع على اشتراطه في مطلق الوجوب الشامل للتخييري ايضا، لا خصوص العيني.
و كذلك لا يضر في هذه الدعاوي ذهاب طائفة من المدعين الى التخيير في زمن الغيبة (34) ;اذ لا منافاة بين التخيير و نفي العينية.و استلزام الاشتراط لانتفاء المشروعية-لو سلم-لا يوهن في دعوى الاجماع;لاحتمال الغفلة عن الملازمة او ثبوت مطلق المشروعية بدليل آخر.
، و تبعه اولاده (36) ، و تلاميذه (37) ، و جماعة ممن تاخر عنهم، كالمجلسيين (38) ، و صاحب الذخيرة (39) ، و اكثر الاخباريين اللاحقين لهم (40) ، و اليه كان يذهب والدي العلامة اولا، و الف فيه رسالة مبسوطة لم ار احسن منها، و قد كتب عليها التصديق جمع من الاخباريين من معاصريه.
و نسب هذا القول الى ظاهر المفيد في الاشراف و الحلبي في الكافي، و الصدوق في الهداية و المقنع و الامالي بل الفقيه، و الكليني (41) ، و ابي الفتح الكراجكي و عماد الدين الطبرسي (42) .
اقول: ظاهر الاولين و ان كان ذلك.الا ان ذهاب الاول الى خلافه في الارشاد بل المقنعة (43) ، حيثشرط كون الامام مامونا، و ليس الا المعصوم او نائبه.و قال ايضا: صادقا في خطبته، و لا يعلم ذلك الا من الامام او من ينصبه..
و تركه لصلاة الجمعة-و الا لنقل قطعا و لم يخف على تلامذته المدعين للاجماع على حرمته-مع وفور الشيعة في عهده، و رفعه ستر التقية، و مجادلته في المذهب مع المخالفين، و تصريحه في كتبه بما ينافي التقية، و تسلط سلاطين الديالمة الذين هم من الشيعة في بلده..
مضافا الى ما قيل: من ان نسبة كتاب الاشراف الى المفيد غير ثابتة، و في الاجازات غير منقول، و لم ينقل الا في الرسالة المنسوبة الى الشهيد الثاني و من تبعه بعده.
و نسبة خلافه الى الثاني في الايضاح و النكت و البيان (44) .
مما (45) يقدح في النسبتين جدا;لعدم ثبوت الكتابين بعينهما منهما باقوى مما يخالفهما، او يحكم لهما بالقولين معا.
مع ان ما نقل عن الحلبي في المختلف (46) لا يدل الا على انعقاد الجمعة بامام الجماعة ايضا، لا وجوبه.و اما ذيل كلامه الظاهر في ذلك فهو غير مذكور، و انما ذكر في الرسالة المنسوبة الى الشهيد الثاني (47) .
و اما البواقي فلا ظهور لكلماتهم في هذه النسبة اصلا: اما الهداية و المقنع، فلتصريحهما باشتراط الامام، و سياتي ظهوره في المعصوم، سيما في الاول، حيث عطف عليه قوله: و قاضيه، و لا اقل من احتماله.
و اما الامالي، فلعدم ذكره فيه الا وجوب الجمعة، و هو مما لا كلام فيه، كما يقولون بوجوب الجهاد ايضا، بل يعدونه من فروع الدين، مع انه مشروط بالامام.
و منه يظهر عدم ظهور كلام الفقيه ايضا، مع انه ذكر فيه صحيحة محمد الآتية المتضمنة لذكر الامام وقاضيه (48) ، و سائر اخبار اشتراط الامام، و اخبار من يخطب، و سياتي اجمالها، و نقل في ذلك الباب صحيحة عبد الرحمن: «لا باس ان يدع الجمعة في المطر» (49) و لا شك ان هذا ليس شان الواجب، و حمله على ما يستلزم الحرج لا وجه له.و كذا كلام الكليني.
مع ان الصدوق لو اوجبها لما تركها مع ما له من العز و الاحترام عند سلاطين الشيعة و وزرائهم، و لو فعلها لنقل البتة، و لم يقل الشيخ: ان الى زماننا هذا لم يصلها الا الخلفاء و الامراء (50) .
و اما الكراجكي، فلتصريحه باشتراط الامام المرضي المتمكن.و شيوع اطلاق الامام المرضي على الامام المعصوم-كما صرح به المحقق الخوانساري- واضح، و لا اقل من الاحتمال;مع ان كتاب تهذيب المسترشدين الذي نقل عنه ليس موجودا و لم ينقل عبارته الا في الرسالة الشهيدية التي انكر جماعة كونها منه، و نقل بعض العلماء عن صاحب المعالم انكار الرسالة، و لا بعد فيه، كما يظهر لمن تامل فيها و في سائر ما ذكره الشهيد الثاني في سائر كتبه في صلاة الجمعة.
و اما الطبرسي، فلعدم ذكره الا وجوب الجمعة عند الامامية، و كونهم اشد ايجابا لها من المخالفين، و لا دلالة له على عدم اشتراط الامام بوجه اصلا.
و من هذا يظهر سر ما ذكرناه سابقا، من عدم ظهور مخالف من القدماء في انتفاء الوجوب العيني.
و قد نسب بعض الاخباريين القول بالوجوب الى جماعة من المتاخرين، استنادا الى مواظبتهم على هذه الصلاة (51) ، مع انه لا دلالة لها عليه اصلا.
و الحق هو الاول.
لنا: اشتراط الوجوب العيني بالامام المعصوم او نائبه الخاص، و اذا انتفى الشرط انتفى المشروط.اما الثاني فظاهر.
و اما الاول فلوجوه من الادلة:
كاصالة البراءة عن الخطبة و الاصغاء اليها، و الركعتين، عند فقد من ذكر.
و لا يضر لنا هنا معارضتها بمثلها في ركعتي الظهر من القراءة و الركوع و السجود و غيرها مما يجب في الركعتين، اذ غاية التعارض الرجوع الى التخيير فينتفي الوجوب العيني.
و كذا اصالة عدم توقيف الجمعة-على كون الفاظ العبادات اسامي للصحيحة-متعارضة مع اصالة عدم توقيف الظهر ايضا، حيث انه لا تتحقق الظهر الصحيحة مع الجمعة، و يرجع الى التخيير.
و اما على المختار من انها الفاظ للاعم فتبقى اصالة عدم توقيف الجمعة بلا معارض، حيث انه لا يعلم تحقق صلاة الجمعة و لو بالمعنى الاعم اذا لم يكن الامام او نائبه كما ياتي، بخلاف الظهر بالمعنى الاعم.
-المعلوم من تطابق فتاوى الفقهاء جيلا بعد جيل الى زمن الشهيد الثاني-على الاشتراط، من غير ظهور مخالف، او الا شاذ نادر، حتى ان صاحب مصائب النواصب (52) -مع شدة اهتمامه في الرد على الناصبي الطاعن علينا بترك الجمعة-لم ينقل القول بالوجوب الا عن الشهيد الثاني.و حتى ان في المختلف لم ينقل الا القول بالحرمة و التخيير (53) .و جعل الاردبيلي الشهيد بلا رفيق (54) .و الخوانساري الوجوب من البدع المحدثة في هذه الازمان، مع عموم البلوى في المسالة.
و تكثر دعوى الاجماع عليه بل تواتره، و قد صرح بالتواتر جماعة (55) ، بل قيل:
اطبق الاصحاب على نقل الاجماع عليه (56) ، و قد نقلنا فيما سبق خمسة او ستة و عشرين ، و عد بعضهم ازيد من اربعين دعوى عليه (58) ، و في بعضها: اجمع علماؤنا قاطبة، و في آخر: اجمع علماؤنا الامامية طبقة بعد طبقة من عصر ائمتنا عليهم السلام الى عصرنا على انتفاء الوجوب العيني في زمان الغيبة (59) ، و في ثالث: غب دعوى الاجماع و عمل الطائفة على عدم الوجوب في سائر الاعصار و الامصار، و في رابع: بلا خلاف بين اصحابنا (60) ، و في خامس: و ذلك اجماع اهل الاعصار، فان من عهد النبي صلى الله عليه و آله الى زماننا ما اقام الجمعة الا الخلفاء و الامراء (61) .الى غير ذلك.
مضافا الى كون ظهوره عندنا بحيث عده النواصب من معايبنا، قال صاحب نواقض الروافض: من هفواتهم لزوم ترك الجمعة.
و الى اطباق علمائنا على تركه الى زمن الشهيد الثاني مع تمكنهم من الاتيان به في كثير من الازمنة، كازمنة الصفارية، و الديالمة، و سلاطين المغول لا سيما الجايتو و ما بعده، و ازمنة آل مظفر، و غيرها، بل في كثير من الامكنة مطلقا، كسبزوار و قم و الحلة، سيما مع عدم تقاعدهم عما هو اعظم و اشد من ذلك بكثير، حتى ظهر منهم و شاع، كسب الشيخين، و تحليل المتعتين، و مسح الرجلين.
و لو لا ثبوت الاجماع في ذلك لما ثبت اجماع في الفروع اصلا و ابدا;و لا سيما مع انه لو لا اشتراط الامام او منصوبه، لشاع فعله بدونهما في زمن النبي و الولي و الحسن، حيث انهم لم يعينوا اميرا لكل بلدة بلدة، و قرية قرية، و كان يتخلل بين عزل المنصوب و قيام الآخر زمان كثير لا محالة، فلو لا الشرط لفعله الفاقدون للمنصوب، و لو فعلوه لم يخف بهذه المثابة جدا.
منها: رواية حماد بن عيسى: «اذا قدم الخليفة مصرا من الامصار جمع بالناس، ليس لاحد ذلك غيره» (62) .
نفى التجميع عن غير الخليفة عن الرسول، و نائبه الخليفة عنه;و تخصيص النفي بحال الخليفة حتى يكون بيانا للحكم حال قدومه خلاف الاصل، كما ان عطفه على «جمع» بحذف العاطف حتى يكون مقيدا بالشرط كذلك من وجهين (63) .
و حملها على التقية-لاشتراطها المصر الدال على عدم التجميع في غيره- مدفوع، بان ذكر المصر هنا وارد مورد الغالب فلا اعتبار بمفهومه.
و ضعفها سندا-لو سلم-مجبور بالشهرة المحققة و الاجماعات المحكية.
و منها: رواية حفص: «ليس لاهل القرى جمعة» (64) .
فان نفيها عنهم عموما لا يمكن ان يكون لعدم تمكنهم من الصلاة جماعة; لامكانها فيها غالبا، كما ورد في بعض الاخبار الآتية ايضا.و لا لعدم وجود قادر على الخطبة;لوجوده ايضا في الاغلب، سيما ادنى الخطبة التي يقدر عليه كل من يصلي و لو بالتلقين، و هو: الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد و آل محمد، حي على الفلاح، و سورة خفيفة.فلم يبق الا لعدم حضور الامام عليه السلام او نائبه، حيث انه لا يكون الا في الامصار، كما هو ظاهر.
و منها: موثقة ابن بكير-الذي اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه-: عن قوم في قرية ليس من يجمع، ايصلون الظهر يوم الجمعة جماعة؟ قال:
«نعم اذا لم يخافوا» (65) .
اي من عدم حضور جماعة المخالفين حيثيقرب قريتهم مصر الجمعة، صرحتبمغايرة امام الجمعة لامام الجماعة.و ليس التغاير في مجرد القدرة على الخطبة، لتلازم القدرة على الجماعة و على اقل الواجب من الخطبة غالبا، بل دائما كما ذكرنا.فلم يبق الا العصمة او النيابة بالاجماع.و لو منع، فيحصل الاجمال في الشرط، الموجب للاجمال في مخصص عمومات الجمعة، و العام المخصص بالمجمل ليس بحجة.
و منها: مرسلة الكافي: عن صلاة الجمعة[فقال]: «اما مع الامام فركعتان، و اما من يصلي وحده فهي اربع ركعات و ان صلوا جماعة» (66) .
و التقريب ما تقدم، و معنى قوله وحده اي: بدون الامام.
و منها: موثقة سماعة: عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: «اما مع الامام فركعتان، و اما من يصلي وحده فهي اربع ركعات بمنزلة الظهر.يعني اذا كان امام يخطب، و اما اذا لم يكن امام يخطب فهي اربع ركعات و ان صلوا جماعة» (67) .
وجه الاستدلال: ان من المعلوم ان المراد بامام يخطب ليس من كان مشتغلا بالخطبة، بل من من شانه ذلك، و لا يمكن ان يكون المراد شانه بواسطة القدرة، لما عرفت من التلازم، فلا يكون الا باعتبار الصلاحية شرعا، و اطلاق مثل ذلك شائع، و ليس بعد القدرة و سائر ما يشترط في امام الجماعة ما ينفي الصلوح الا فقد العصمة او النيابة، و لو لم نقل بذلك فلا اقل من حصول الاجمال، المستلزم لوجوب الاقتصار على المتيقن.
و منها: صحيحة زرارة الآتية: «انما وضعت الركعتان اللتان اضافهما النبي يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام، فمن صلى بقوم يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها اربعا كالظهر في سائر الايام» (68) .
اي في غير جماعة خاصة كما في شرح الروضة للهندي، او في غير صلاة الجمعة كما في الوافي (69) ، فتكون في الجمعة جماعة معتبرة غير المعهودة، و ليس الا مع الامام، او يكون مجملا.
و منها: موثقة البقباق: «اذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات، فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا اذا كانوا خمسة نفر» (70) .
و التقريب ما مر، مع ان في الاتيان بقوله: «لهم من يخطب» الدال على نوع اختصاص دون: فيهم من يخطب، اشعارا بعدم شمول من يخطب لكل من يقدر عليه.
و منها: صحيحة محمد: عن اناس في قرية، هل يصلون الجمعة جماعة؟
قال: «نعم، يصلونها اربعا اذا لم يكن لهم من يخطب» (71) .
وجه الاستدلال ما مر ايضا، هذا اذا جعلت لفظة «نعم» تصديقا لما قبلها و يجعل جملة «يصلونها» مستانفة، و اريد بالجمعة صلاة الجمعة.و لو جعلت تصديقا لقوله: «يصلونها» بان يراد بالجمعة الظهر دلت الرواية بتقريب آخر مر ايضا، و هو دلالتها على مغايرة امامي الجمعة و الجماعة.
و منها: رواية طلحة: «لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود» (72) .
و ليس ذلك الا فيما كان فيه الامام او نائبه.و حمله على التقية لاجل اشتراط المصر، مردود بانه لاجل ان الامام او اميره لا يكون غالبا الا فيه;على ان ارادة مجتمع الناس عنه ممكنة، و كونه مجازا-لو سلم-لا يضر، لاولويته عن الحمل على التقية.
و منها: الاخبار المتكثرة المشترطة لصلاة الجمعة بالامام، كموثقة سماعة، و صحيحة زرارة، و مرسلة الكافي المتقدمة (73) .
و صحيحة زرارة: «لا يكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على اقل من خمسة رهط، الامام و اربعة» (74) .
و الاخرى: «صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع اليها فريضة مع الامام» (75) .
و صحيحة محمد: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، و معنى ذلك اذا كان امام عادل» (76) .
و الاخرى: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، و لا يجب على اقل منهم: الامام، و قاضيه، و المدعي حقا، و المدعى عليه، و الشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الامام» (77) .
و صحيحة ابن عمار في قنوت الجمعة: «اذا كان اماما قنت في الركعة الاولى، فان كان يصلي اربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (78) .
و المروي في رجال الكشي بسنده المتصل من اصحابنا الامامية الى النبي صلى الله عليه و آله: «اذا اجتمع خمسة احدهم الامام فلهم ان يجمعوا» (79) .
دل بالمفهوم على نفي الجواز بدون الامام، الى غير ذلك.
دلت هذه الاخبار على اشتراط وجوب الجمعة بوجود الامام، و المتبادر منه حين اطلق: المعصوم، كما صرح به جماعة منهم التوني و الخوانساري.و لذا ترى جماعة من علماء العرب-منهم الفاضل في المنتهى (80) -قد حملوه عليه، و جماعة اخرى كالعماني و السيد و الشيخ و الحلي اطلقوه (81) و ارادوا به امام الاصل.و لذا لو فرض وجود المعصوم في بلد فقال احد: كان الامام في بيتي، يتبادر هو قطعا، و اما عدم التبادر حينئذ فللقرينة الحالية، و لذا لو قال احد: رايت الامام في المنام يتبادر المعصوم، انظر الى انه لو حكي عن زمان الظهور حكايات فقيل: قال الامام وجاء الامام و ذهب الامام، لم يتبادر غير المعصوم.
و الظاهر-كما صرح به بعضهم (82) -ان الامام لا يطلق على غيره الا بالقرينة، فيقال: امام المسجد، و امام الصلاة، و امام البلد، و لذا ترى يطلق على الاثنا عشرية الامامية، و لذا ورد في الاحاديث ان الامام امامان: امام هدى و امام ضلالة (83) .
و قد اريد منه ذلك في الاخبار بحيثيثبت منه تبادره عنه في تلك العهود، كما في صحيحة محمد المتقدمة (84) حيث اطلقه و اراد به امام الاصل بقرينة قوله «و قاضيه» .
و في رواية ابن سيابة: «و على الامام ان يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة الى الجمعة، و يوم العيد الى العيد، و يرسل معهم، فاذا قضوا الصلاة ردهم الى السجن» (85) .
و في رواية الرقي: «ان الحجة لا تقوم لله على خلقه الا بامام، حتى يعرف» (86) .
و رواية اسحاق: «ان الارض لا تخلو الا و فيها امام» (87) .
و في صحيحة ابن ابي العلاء: تكون الارض ليس فيها امام؟ قال: «لا» (88) .
و في رواية ابي حمزة: «لو بقيت الارض بغير امام لساخت» (89) .
و في رواية ابي هراسة: «لو ان الامام رفع من الارض ساعة لماجتباهلها» (90) .
و في رواية يونس: «لو لم يكن في الارض الا اثنان لكان الامام احدهما» (91) .
و في الحديث المشهور: «من مات و لم يعرف امام زمانه...» (92) .
بل في الآية الشريفة: «و نريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة» (93) .
و قال في حق ابراهيم: «اني جاعلك للناس اماما» (94) .
بل صرح بعض العلماء ان الامام في مقابل الرعية.
سلمنا عدم تبادر مطلق الامام، و لكن لا شك ان المراد من الامام العادل -المذكور في صحيحة محمد (95) -حيثيطلق في الاخبار هو امام الاصل، كما لا يخفى على المتتبع في الاخبار.
ففي التهذيب عن الباقر عليه السلام: فيمن قتل ناصبيا غضبا لله تعالى [و لرسوله، ايقتل به؟ ]قال: «اما هؤلاء فيقتلونه، و لو رفع الى امام عادل لم يقتله به» (96) .
و في الكافي و الفقيه عن الصادق عليه السلام: في امراة قتلت من قصدها بحرام انه: «ليس عليها شيء، و ان قدمت الى امام عادل هدر دمه» (97) .
و في الكافي عن الرسول صلى الله عليه و آله: «ساعة امام عادل افضل من عبادة سبعين سنة، و حد يقام في ارضه افضل من مطر اربعين صباحا» (98) .
و في الكافي ايضا، عنه: «لا غزو الا مع امام عادل» (99) .
و في التهذيب في باب قتال اهل البغي، عن امير المؤمنين عليه السلام: انه قال: «ان خرجوا على امام عادل فقاتلوهم، و ان خرجوا على امام جائر فلا تقاتلوهم» (100) .
و في التهذيب في باب حد السرقة: «اذا سرق السارق من البيدر من امام جائر فلا قطع عليه، فاذا كان من امام عادل عليه القطع» (101) .
و في المحاسن عن الباقر عليه السلام: «من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه بلا امام عادل فهو غير مقبول» (102) .
و في رواية ثواب زيارة الحسين عليه السلام: «من اتى الحسين عارفا بحقه» الى قوله: «و عشرين حجة مقبولة و عمرة مع نبي مرسل او امام عادل» (103) .
و في رواية ابي بصير: «ان الله اجل و اعظم من ان يترك الارض بغير امام عادل» (104) .
سلمنا عدم تبادر الامام في امام الاصل، و لكن لا شك في وجوب الحمل عليه مع القرينة، و اي قرينة اقوى و ادل مما ذكر من فهم الاصحاب، و الاجماعات المنقولة متواترة، و الاخبار المتقدمة الظاهرة او المشعرة بذلك، و سائر ما تقدم.
مع ان قوله في صحيحة محمد: «الامام و قاضيه» صريح في امام الاصل، و هذه الصحيحة بنفسها كافية في اثبات المطلوب.و لا يضر اشتمالها على غير الامام ممن لا نقول باشتراطه;لان خروج بعض الحديثبدليل عن ظاهره او الحجية لا يوجب خروج الباقي.مع ان المحكي عن صاحب نوادر الحكمة و الفقيه و الهداية الفتوى بمضمون الجميع (105) .
سلمنا عدم القرينة، فيكون الامام مجملا، فيجب الاقتصار فيه على المتيقن، مضافا الى انه بعد الاجمال-فحيثخص وجوب الجمعة به-تخرج اخبار الوجوب في غير موضع الاجماع عن الحجية.
فان قيل: لا اجمال فيه، بل المراد منه من يقتدى به و يتبع او يقصد، و هذا امر معلوم.
قلنا: من اين علم انحصار معناه في ذلك لغة حتى يجب الاخذ به فيما لا قرينة فيه، و الاصل يجزي لو لم يعلم استعماله في غير ذلك المعنى ايضا، مع العلم بالوضع لذلك، و قد فسره في القاموس بمعان، منها: قيم الامر المصلح له، و النبي، و الخليفة، و الدليل (106) ، و قد فسر اللغويون الام بالاصل (107) ، فيمكن ان يكون ماخوذا منه.
سلمنا، و لكن لا شك انه لم يوضع لكل متبع و مقصود و لو لامر سهل، كمن قصد رؤيته او التكلم معه، او من يتبع و يقتدى به في جلوس في مكان، او التكلم بكلام و نحو ذلك;بل يلزم فيه شيء آخر اما اتباع اكثري بل مع وجوبه، او غير ذلك، فمن اين ثبت اطلاقه حقيقة في عهد المعصومين على من يتبع في ركوع و سجود و تسليم؟ .
فان قيل: استعمل لفظ الامام في الاخبار في امام الاصل و الجماعة، و الاصل عدم التجوز، فيكون للقدر المشترك.
قلنا: فيكون مجازا في الخصوصيات مع استعماله فيها، فالتجوز لازم على ذلك ايضا، و هذا ليس باولى من التجوز في امام الجماعة خاصة.
و منها: المروي في العلل و العيون: فان قال قائل: فلم صارت الجمعة اذا كان مع الامام ركعتين و اذا كان بغير امام ركعتين و ركعتين؟ قيل: لعلل شتى -الى ان قال-: و منها ان الصلاة مع الامام اتم و اكمل، لعلمه و فقهه و فضله و عدله -الى ان قال-: فان قال قائل: فلم جعلت الخطبة؟ قيل: لان الجمعة مشهد عام، فاراد ان يكون للامير سبب الى موعظتهم، و ترغيبهم في الطاعة، و ترهيبهم عن المعصية، و توقيفهم على ما اراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق-الى ان قال-: و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة.فان قال: فلم علتخطبتين؟ -الى ان قال-: و الاخرى للحوائج و الاعذار و الانذار و الدعاء و ما يريد به ان يعلمهم من امره و نهيه ما فيه الصلاح و الفساد (108) .
جعل عليه السلام اولا علة الركعتين علم الامام وفقهه و فضله، و ظاهر ان مجرد كونه كذلك في بعض الاوقات لا يصلح علة للسقوط دائما، فلا بد من اشتراط هذه الاوصاف في الامام، و لا يشترط في امام الجماعة اتفاقا، فيكون امام الجمعة غيره، فهو اما الفقيه او امام الاصل، لعدم الفصل، ثم بملاحظة ما يلحقه من الكلام يتعين الثاني.
و ثانيا علة الخطبة حصول سبب للامير، و ليس هو الا الامام او نائبه الخاص، ثم قال: «و توقيفهم على ما اراد» و ليس هذا شان كل امام جماعة.ثم قال: «و ليس بفاعل غيره» ثم قال: «و ما يريد ان يعلمهم من امره و نهيه» .
و اثبات شيء من العلم و الفقه و الفضل لكل امام جماعة-مع انه ممنوع- يجعل العلة لغوا.
و كون العلل الشرعية معرفات انما هي في الادلة و الاسباب، دون ما يعلل به الاحكام، فان الاصل فيها العلية الحقيقية التامة.
و تعميم الامير لكل من يصلح لامر و لو للامر بالمعروف، خلاف الظاهر، بل هو جدا بارد.
و ضعف بعض هذه الاخبار-لو سلم-بما مر مجبور.
و هنا امور اخر، كل منها يؤيد المطلوب قويا، بل باجتماعها يحصل العلم به، كعبارة الصحيفة السجادية في دعاء الجمعة و الاضحى (109) .
و ما روي عن اهل البيت عليهم السلام: «ان في كل جمعة وعيد يتجدد حزن لآل محمد صلى الله عليه و آله، لانهم يرون حقهم في يد غيرهم» (110) .
فانه لو لا ان صلاة اليومين من حق الامام فاي حق يرى في اليومين لا يرى في غيرهما من الايام.و تداول ابراز الامراء عظمتهم و شوكتهم فيهما لا يفيد;لان الشوكة ليستحقا لشخص، مع انها ترى في سائر الايام ايضا.
فذلك صريح في المطلوب، الا انه لما كان المروي في التهذيب بدون لفظ الجمعة، و انما روي معه في طائفة من كتب الاصحاب جعلناه مؤيدا.
و النبويين (111) : احدهما: «اربع الى الولاة: الفيء، و الحدود، و الجمعة، و الصدقات» و الآخر: «ان الجمعة و الحكومة لامام المسلمين» .
و استمرار عمل النبي و الولي و غيرهما من المتمكنين في تعيين امام الجمعة.
و صحيحة زرارة: حثنا ابو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان ناتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: «لا، انما عنيت عندكم» (112) .
و موثقة عبد الملك: قال: «مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها الله تعالى»فقلت: كيف اصنع؟ قال: «صلوا جماعة، يعني صلاة الجمعة» (113) .
دلتا على ترك زرارة و عبد الملك لها، و مثلهما لا يتركان الفريضة الكذائية لو لا لها شرط لم يتمكنا منه، سيما مع قراءتهما سورة الجمعة، و رواية زرارة اكثر اخبار وجوبها.و لا يمكن ان يكون تركهما للتقية;لانها ان امكن لهما بدونها فلا معنى للتقية، و الا فلا معنى للحث على ترك التقية.
مع ان في قول زرارة: حتى ظننت انه يريد ان ناتيه، دلالة واضحة على المطلوب، اذ لو لا انها منصبه لما كان لذلك الظن و قوله: «نغدو عليك» وجه، بل كان المناسب ان يقول: حتى ظننت انه يجوز فعلها عقيب الفاسق ايضا.
و اظهر منه قول عبد الملك: فكيف اصنع، حيث تحير و اضطرب، و لو لا اشتراط اذن الامام لم يكن لذلك وجه.و ظاهر انه لم يكن مراده كيف اصنع مع وجود التقية، اذ لم يكن جوابه حينئذ «صلوا جماعة» .
و حسنة محمد و زرارة: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين» (114) .
و نحوها حسنة محمد، و زاد فيها: «فان زاد على ذلك فليس عليه شيء» (115) .
و غيرهما مما دل على انها لا تجب على من كان بينه و بينها ازيد من فرسخين;فانه لو لا كون الجمعة منصب شخص معين لم يكن لها موضع معين، و لم يكن لنفي وجوبها عمن بعد عنها بالزائد عن الفرسخين على الاطلاق وجه.
و ايضا: من الامور البديهية وقوع الاختلاف بين الفقهاء في نفس العدالة، و موجباتها، و نواقضها، و الكبائر، و اصالة الفسق و العدالة، بحيث لا يكاد يتحقق فقيهان متفقان في جميع ذلك.و لا شك ان الفاقد للمرتبة العليا فاسق عند المشترط لها في العدالة، و الاغلب في البلاد سيما الكبيرة و ما حواها وجود فقهاء كثيرة، و لا اقل من فقيهين، او وجود مقلدي فقهاء اخر.
و على هذا فنقول: لو لم يشترط الامام، و وجب عينا على الاعيان، فلا يخلو اما يجب على الجميع الائتمام بواحد، و لو كان فاسقا عنده، او لا.
و الاول باطل.
و على الثاني فاما يجب على الجميع الائتمام بصاحب المرتبة العليا، او لا.
و الاول فاسد;للاجماع القطعي على عدم اشتراط ذلك الشرط.
و على الثاني فاما تجب على كل اقامة جمعة مع مقلديه، او مع من يقلد مجتهده في بلد واحد، او لا.
و الاول غير جائز اجماعا، و كذا الثاني;للاجماع على عدم الاشتراط بعدم اقامة جمعة ممن ليس هو بعادل عنده، فلم يبق الا انتفاء الوجوب العيني.
و لو قلنا بعدم جواز ائتمام المجتهد او مقلده بمجتهد آخر او مقلده، المخالف له في بعض مسائل الصلاة-كما اختاره بعضهم-سيما مع ظهور انه لا يتفق مجتهدان متفقان في جميع مسائل الصلاة و مقدماتها، يصير المحذور اشد، و المطلوب اوضح.
و ايضا: من البديهيات وجود عدول عديدة صالحين لامامة الجماعة و الخطبة في اكثر البلاد و ما يقربها الى فرسخين، حتى نشاهد اقامة قريب من مائة صلاة الجماعة في المدن الكبيرة و قراها.
و على هذا فنقول: لو وجبت الجمعة عينا، و لم تكن منصبا لمعين يجب على الكل الحضور الى جمعته، فاما ان يكون بناء احد هؤلاء العدول على امامة الجمعة، ام لا.
فعلى الاول اما يجب على الباقين الحضور الى جماعته، ام لا.
و الاول باطل قطعا;ضرورة عدم دليل على ان ارادة واحد لها و بناءه يوجب تعيينه و عدم جواز امامة غيره ممن هو مثله. و على الثاني-و كذا على عدم بناء واحد منهم على الامامة-اما لا يجب عليهم تعيين امام لها قبل الزوال، او يجب.
و الاول باطل;لانه اذا لم يجب عليهم ذلك، فاذا دخل الزوال اما تجب امامة الجمعة على كل هؤلاء العدول، او على واحد مع عدم امكان درك الجميع جمعته من راس الفرسخين او الفرسخ، بل الاقل ايضا سيما مع عدم الاطلاع و القسمان باطلان.
و على الثاني، اي وجوب التعيين قبل الزوال-فمع عدم دليل عليه، و استلزامه مفاسد لو اختلفوا في التعيين، و لا دليل على ما يرفع شيئا منها-اما يجتمعون على تعيين واحد، او لا، بل يتركون ذلك الواجب.
فعلى الاول اما لا يتعين شرعا بهذا التعيين، او يتعين.
و الاول باطل;لاستلزامه انتفاء فائدة وجوب التعيين، بل عود المحذورات اللازمة على عدم وجوب التعيين.
و ان تعين شرعا فاما لا تبطل جمعة غيره لو شرع فيها بعد التعيين، او تبطل.
و الاول ينفي فائدة وجوب التعيين، و تعود المحذورات، و الثاني يوجب زيادة شرط في امام الجمعة لم يقل به احد.
و ان لم يجتمعوا على التعيين حتى دخل الزوال، فاما تجوز لكل منهم اقامة الجمعة، او لواحد منهم.
و القسمان باطلان كما مر.
فلم يبق الا عدم وجوب الجمعة الا مع من عينه الله سبحانه.
و ايضا: من الضروريات اشتراط العدالة في امام الجمعة، و على هذا فاما يجب على كل من في البلد و ما دون الفرسخ من القرى تحصيل العلم بعدالة واحد معين شرعا، او لا.
و الاول باطل، سيما في المدن الكبيرة الكثيرة القرى، كاصبهان و شام و قسطنطنية و نحوها;اذ حصول ذلك ليس اختياريا، سيما مع اختلاف العلماء في العدالة و منافياتها، فالتكليف به تكليف بغير الاختياري.
فتعين الثاني، و حينئذ فاذا لم تظهر عدالة الامام لجماعة بل للاكثر، كما هو الاغلب، فاما تجب عليهم اقامة جمعة اخرى، او تسقط الجمعة عنهم.
و القسمان باطلان، اما الاول، فللزوم اقامة جمعتين فيما دون فرسخ، بل في مسجد و هو باطل، سيما مع عدم العلم ببطلان جمعة اخرى، و اما الثاني فظاهر.
فان قيل: يجب عليهم الخروج الى ما فوق الفرسخ.
قلنا-مع انه لا دليل عليه، و انه في الاكثر يورث الفتنة-: قد لا يمكن الخروج لحر او برد او خوف، او تقام الجمعة ايضا من مجهول لهؤلاء فيما فوق الفرسخ، او لم يياسوا من ظهور عدالة الاول الى اول الزوال، او لم يعين الامام الا حينئذ، مع ان اجتماع جميع هؤلاء على واحد ايضا قد لا يتيسر، فيلزم خروج جماعات الى اطراف، الى غير ذلك من المفاسد.فيلزم ان يكون منصب امامة الجمعة معينا من جانب الله سبحانه.
و الانصاف ان هذه الوجوه من الادلة القوية على نفي الوجوب العيني في زمن الغيبة.
و مما يؤكد نفيه: انه كان النبي و الخلفاء بعده يعينون لصلاة الجمعة، كما كانوا يعينون للامارة و الحكومة.
و مما يؤكده ايضا: كثرة الاخبار الدالة على الوجوب بزعم الموجبين، مع ذهاب اكثر المتقدمين و المتاخرين الى نفيه، و عدم العمل بها مع اطلاعهم على هذه الاحاديث.
و ايضا: يحكم العرف و العادة بان صلاة الجمعة لو كانت واجبة كصلاة العصر، و سائر الصلوات اليومية لشاع ذلك، بحيث لا يشك فيه احد، بل صار من الضروريات كسائر الصلوات، و لم يكن بهذه المثابة حتى انه لم يفعلها من العلماء الامامية في قريب من الف سنة الى زمن الشهيد الثاني، و لم يشتهر وجوبها، بل ذهب كثير منهم الى حرمتها.
فان قيل: لعل التقية كانت مانعة.
قلنا: هل التقية فيه كانت اشد منها في امر المتعة؟ مع كونها مستحبة، و مع ذلك صار ضروريا.و كذا مسح الرجلين، و السجود على الارض، و عدم جواز التكفير، الى غير ذلك.
احتج المثبتون للوجوب العيني بوجوه: