و وجوب التوجه اليها في الصلاة اجماعي في الجملة.
و الكلام اما في تعيين القبلة، او فيما يستقبل له، او في احكامها، فهاهنا ثلاثة فصول:
و لنقدم مقدمة، و هي: ان معنى كون الشيء قبلة، انه يجب استقباله، بحيثيصدق استقباله و التوجه اليه و المواجهة نحوه عرفا، و هو امر يختلف باختلاف قرب المستقبل و بعده منه سعة و ضيقا.
فقد تشترط المحاذاة الحقيقية لعينه، بحيث لو اخرج خط مستقيم من بين عيني المستقبل او قدميه يقع على عين المستقبل له، و ينتفي صدق التوجه و الاستقبال عرفا بوقوع الخط خارجا عنه و لو بيسير.
و قد لا يضر عدم المحاذاة الحقيقية بكثير ايضا اذا كثر البعد بينهما.فانه لو كانت هناك منارة رفيعة يمكن مشاهدتها من مسافة بعيدة، فان من يكون عندها لا يكون متوجها اليها، مستقبلا لها عرفا، الا مع المحاذاة الحقيقة بالمعنى المذكور، بحيث لو وقع طرف خط المحاذاة خارجا عنها-و لو بيسير-ينتفي صدق الاستقبال، و كلما بعد عنها يتسع ميدان التوجه و الاستقبال، حتى انه اذا زاد البعد كثيرا قد يصدق التوجه العرفي على جميع اشخاص صف واحد متوجه اليها، يزيد طوله عن مائة ذراع، مع انه لا يحاذيها حقيقة الا نحو من اربعة نفر او خمسة منهم مثلا، بل يصدق التوجه على من علم انتفاء التحاذي الحقيقي منه ايضا، فالمناط صدق الاستقبال و التوجه العرفيين.
و ليس المراد بسعة ميدان التوجه ان المتوجه اليها لا يخرج عن التوجه العرفي اليها بالانحراف و الميل عنها عرفا و لو يسيرا، كما يوهمه قول من يقول: امر القبلة سهل (1) .بل المراد انه لا تشترط المحاذاة الحقيقية بالمعنى المذكور.
و ان اردت تصويره فانظر الى القمر عند طلوعه عن المشرق، فاذا واجهتخط المشرق حينئذ، يقال: انك مستقبل للقمر و متوجه اليه، و كذا من قام جنبك موازيا لك، و من قام جنبه كذلك، و هكذا الى ان يحصل صف طوله اكثر من عشرة فراسخ، فالكل له مواجهون و مستقبلون مع ان الفصل بين طرفي الصف اكثر من عشرة فراسخ.
و لكن لو انحرف احد هذه الاشخاص قدرا يسيرا من المشرق الى احدى جهتي الجنوب او الشمال و لو بقدر عشر الدور بل اقل، يقال: مال عن القمر و انحرف عنه، و ليس مستقبلا له.
و لو اختلج في صدرك شيء لاجل سعة جرم القمر في الحقيقة، و قلت: ان الصدق مع الطول الكذائي لهذا السبب، فافرض منارة محاذية لنقطة المشرق على راس جبل بينك و بينه خمسة فراسخ او عشرة مثلا، فانك اذا واجهت نقطة المشرق تكون مستقبلا للمنارة و متوجها اليها، و كذا من قام بجنبك موازيا لك الى نحو من الف شخص، مع ان المحاذاة الحقيقية ليست الا لاربعة او خمسة، و لكن اذا انحرف احدهم عن نقطة المشرق و لو بقدر يسير، يخرج عن الاستقبال للمنارة.
فليس المراد باتساع جهة التوجه بالبعد ان المستقبل لا يخرج عن الاستقبال بالميل اليسير، بل المراد انه يصدق الاستقبال و لو كان المستقبل خارجا عن المحاذاة الحقيقية بكثير، فاذا كانت المنارة على راس فرسخ مثلا، يصدق الاستقبال لها على جميع اهل صف طوله مائة ذراع، و لا يصدق على جميع اهل صف طوله الف ذراع مثلا، و اذا كانت على راس عشرة فراسخ يصدق على جميع اهل صف طوله الف ذراع ايضا، و هكذا...
و تشريحه و السر فيه انه اذا زاد البعد بين المستقبل و المستقبل له، يعد المستقبل لما يقاربه مستقبلا له عرفا، و يكون المحاذي له محاذيا له عرفا، و ليس للفصل بين المتقاربين قدر محسوس مع البعد، فالمحاذي للمنارة المذكورة حقيقة محاذ لها عرفا، و كذا المحاذي لما يبعد عنها بذراع او عشرة اذرع او مائة، و يزيد ذلك بزيادة البعد، و ذلك بخلاف ما لو انحرف المستقبل عنها يسيرا، فانه يزيد البعد بين خط المحاذاة الاول و بين خط الانحراف شيئا فشيئا، حتى انه قد يصير البعد بينهما عند محاذاة المنارة نحوا من فرسخ او اكثر، بحيث لا يعد المتوجه الى جزء البعد متوجها الى المنارة.
و على هذا فالمستقبل اليه في كل حال هو العين، و لكن تتسع جهة استقبالها عرفا بالبعد عنها.
و المراد بجهة استقبالها خط يخرج من جنبتي المستقبل له مقابلا للخط الخارج من جنبتي المستقبل المار على طرفي يمينه و يساره، بحيثيكون المحاذي حقيقة لكل جزء منه متوجها و مستقبلا للمستقبل اليه عرفا.
و المراد باتساعها، انه كلما يزيد البعد يزيد خط الجهة طولا، فمن قام بعيدا عن المنارة بقدر ذراع مثلا، يكون خط الجهة بقدر قطر المنارة الذي هو ذراعان مثلا، فاذا بعد بقدر ميل عنها، يمكن ان يصير الخط بقدر خمسين ذراعا، فان المواجه لكل جزء منه في بعد ميل، مواجه للمنارة عرفا، و اذا بعد فرسخا، يصير الخط اطول، و هكذا...
و تلخص مما ذكرنا: ان استقبال الشيء عبارة عن التوجه اليه و المواجهة له عرفا، بحيثيعد في العرف مستقبلا له، متوجها اليه غير مائل و لا منحرف عنه، و ان العين و الجهة بالمعنى الذي ذكرنا و ان اختلفتا حقيقة، و صارت الجهة اوسع من العين بزيادة البعد، الا انه لا اختلاف في استقبال عين الشيء و جهته عرفا، فان مستقبل العين مستقبل للجهة، و مستقبل الجهة مستقبل للعين، سواء في ذلك القريب و البعيد، فان من له غاية القرب بالمستقبل له و ان اشترط في استقباله المحاذاة الحقيقية، و لكن الجهة حينئذ ايضا هي الخط المساوي لقطر العين، و لذا يقال للقريب المتوجه اليها: ملتفت الى جهتها و جانبها و نحوها و سمتها و طرفها.
و الكل بمعنى واحد.
و لذا قال الشيخ الجليل ابو الفضل شاذان بن جبرئيل في رسالته في القبلة -التي عليها تعويل العلماء المتاخرين منه، كما صرح به في البحار-: ان من كان بمكة خارج المسجد الحرام او في بعض بيوتها وجب عليه التوجه الى جهة الكعبة مع العلم (2) ، الى آخر ما قال، فانه استعمل التوجه الى الجهة في مقام استقبال العين.
اذا عرفت تلك المقدمة، فلنذكر قبلة المكلفين في مسائل:
قبلة كل احد هي الكعبة، سواء كان قريبا منها او بعيدا عنها، متمكنا من مشاهدتها او غير متمكن، داخلا في المسجد او الحرم او خارجا عنهما.
لفعل الحجج، و المستفيضة من النصوص المتضمنة لانها القبلة، كالنبوي المنجبر بالعمل: انه صلى الله عليه و آله صلى الى عين الكعبة و قال: «هذه قبلتكم» (3) .
و موثقة ابن سنان: صليت فوق ابي قبيس العصر، فهل يجزىء ذلك و الكعبة تحتي؟ قال: «نعم انها قبلة من موضعها الى السماء» (4) .
و المروي في العلل و التوحيد و[المجالس] (5) : «هذا بيت الله» الى ان قال:
«جعله محل انبيائه و قبلة للمصلين له» (6) .
و في قرب الاسناد: «ان لله تعالى حرمات ثلاث» الى ان قال: «و بيته الذي جعله قياما للناس، لا يقبل من احد توجها الى غيره» (7) .
و في الاحتجاج عن مولانا العسكري، و في تفسير الامام في احتجاج النبي صلى الله عليه و آله على المشركين: «قال: انا عباد الله-الى ان قال-: امرنا ان نعبده بالتوجه الى الكعبة، اطعنا، ثم امرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فاطعنا» (8) .
و لاستصحاب اشتغال ذمة من صلى الى غيرها بالصلاة، او الصلاة الى القبلة.
و تؤيده المستفيضة المصرحة بتحويل وجه النبي في الصلاة الى الكعبة حين تحويل القبلة و هو في المدينة، و هي كثيرة:
منها: موثقة ابن عمار: متى صرف رسول الله صلى الله عليه و آله الى الكعبة؟ قال: «بعد رجوعه من بدر» (9) الى غير ذلك.
و معنى كون الكعبة قبلة، انه يجب التوجه اليها، بحيثيعد الشخص محاذيا مستقبلا لها، متوجها اليها عرفا، سواء كان محاذيا حقيقة لعين الكعبة، او لجزء من جهتها بالمعنى الذي ذكرنا، فانه لا التفات الى المحاذاة الحقيقية، فان معاني الالفاظ هي المصداقات العرفية.ثم ان شئتسميت ذلك استقبال العين او الجهة، فانهما متحدان عرفا.
خلافا للمفيد (10) ، و ابني شهر آشوب و زهرة (11) ، فقالوا: ان القبلة لاهل المسجد الكعبة، و لغيرهم المسجد، اما مقيدا بالبعد عن الكعبة كالاول، او بعدم مشاهدتها كالثانيين، لظاهر الآية الشريفة (12) ، خرج القريب او المشاهد بالاجماع،فيبقى الباقي.
و فيه: ان شطر المسجد في الآية مطلق شامل لما كان شطر الكعبة ايضا ام لا، و اخبار كون الكعبة قبلة سيما رواية الاحتجاج مقيدة، و المقيد و ان كان خبرا يحمل عليه المطلق و ان كان كتابا.
مع انه يحتمل ان يكون المراد بالمسجد الكعبة، و هو و ان كان مجازا الا انه لو لم يرتكب لزم تخصيص الآية بغير اهل المسجد اجماعا، و ليس احدهما اولى من الآخر، على الاظهر.
هذا، مع انهم لو ارادوا من البعد او عدم المشاهدة حدا يتحد معه سعة جهة الكعبة و المسجد، فيتحد القولان.
نعم، يختلفان لو ارادوا الاعم، فان من يواجه المسجد-و ان كان منحرفا عن الكعبة عرفا-يكون الى القبلة مع البعد او عدم المشاهدة، على قولهم دون قولنا.
و لابي الفضل شاذان بن جبرئيل (13) ، و المبسوط و الجمل و العقود و الاصباح و الوسيلة و المهذب و الصدوق و الخلاف و النهاية و الاقتصاد و المصباح و مختصره و المراسم و الشرائع (14) ، بل عليه الاجماع في الخلاف، و الشهرة في كلام الشهيدين (15) .
فقالوا: الكعبة قبلة لاهل المسجد، و المسجد لاهل الحرم و لو بالانحراف عن الكعبة، و الحرم لمن كان خارجا عنه و لو مع الانحراف عن المسجد، مقيدا بشرط عدم التمكن من مشاهدة الكعبة و لو بمشقة يمكن تحملها عادة، كالستة الاول، او مطلقا، كالبواقي على ما هو مقتضى اطلاق كلماتهم، بل بعض ادلتهم، و ان صرح جمع-منهم صاحب البحار (16) -بان الظاهر عدم مخالفتهم في التقييد المذكور، كما يرشد اليه دعوى جماعة-منهم التذكرة و المعتبر و كنز العرفان (17) -الاجماع على كون الكعبة قبلة مع التمكن عن المشاهدة.
للاخبار المشتملة على ذلك التفصيل، كمرسلة الحجال: «ان الله جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد، و جعل المسجد قبلة لاهل الحرم، و جعل الحرم قبلة لاهل الدنيا» (18) .
و رواية ابي الوليد: «البيت قبلة لاهل المسجد، و المسجد قبلة لاهل الحرم، و الحرم قبلة للناس جميعا» (19) و مثلها في العلل (20) .خرج المتمكن من المشاهدة عند الاولين بالاجماع.
و يضعف: بانها معارضة مع الاخبار المتقدمة، فان رجحنا المتقدمة بالشهرة، و الكثرة، و اعتبار السند، و الاحدثية في بعضها فهو، و الا فيرجع الى الاصل، و هو مع المتقدمة، لاستصحاب الاشتغال المذكور.
و لا يتوهم اخصية تلك الاخبار مطلقا عن المتقدمة، باعتبار المصلي، حيث انه في المتقدمة عام، و في هذه خاص باهل المسجد بالنسبة الى الكعبة، لانه و ان كان كذلك في بعضها، الا انه ليس كذلك في رواية الاحتجاج.
مع ان لهذه الاخبار ايضا جهة عموم باعتبار الموضع، فان كون المسجد او الحرم قبلة اعم من ان يكون باعتبار كل جزء منهما، او باعتبار بعضه.
و لا ينافيه التفصيل، بجعل الكعبة لاهل المسجد، و المسجد لاهل الحرم، و الحرم لاهل البلدان، لانقطاع الشركة بكون بعض اجزاء المسجد و الحرم قبلة لغير اهل المسجد، بخلاف من فيه، و تعارف مثل ذلك في المحاورات، فيقال لمن يسافر من الهند للحج: مقصوده الحجاز، و لمن في الحجاز:
مقصوده مكة، و لمن في مكة: مقصوده البيت، مع ان مقصد الكل واحد.
هذا، مع انقطاع الشركة من جهة اخرى ايضا، لان من بعد كثيرا يكون جميع اجزاء المسجد و الحرم له قبلة، باعتبار ما ذكرنا من صدق المحاذاة العرفية للكعبة للمحاذي لبعض اجزائهما حقيقة، بخلاف من في المسجد.
و لا يتوهم ايضا موافقة اخبارهم للآية، و هي من المرجحات المنصوصة، لما عرفت من جواز كون المراد بالمسجد الكعبة، مع انها-لدلالتها على ان قبلة الخارج من الحرم الحرم-للآية مخالفة، بل مخالفة تلك الاخبار لها اكثر من مخالفة الاخبار المتقدمة، كما لا يخفى.
هذا، مع انهم ان ارادوا عين المسجد و الحرم، بحيث تجب المحاذاة الحقيقية مطلقا-كما هو صريح بعضهم (21) -فالآية غير مثبتة لها، لما عرفت من معنى كون الشيء قبلة. و ان ارادوا الاستقبال العرفي-كما يظهر من بعض آخر حيث زاد الجهة (22) -فيتحد مقتضى هذا القول مع ما ذكرنا في البعيد.
نعم يظهر الخلاف و الثمرة في القريب.
و قال جماعة من الاصحاب، بل لعلهم الاكثرون و منهم السيد و الاسكافي (23) ، و الحلبي و الحلي و المعتبر و النافع (24) ، و جميع كتب الفاضل (25) ، و الدروس و البيان و الذكرى و المدارك و شرح القواعد (26) ، و المعتمد، بل جملة المتاخرين: ان قبلة المتمكن من مشاهدة الكعبة-و لو بمشقة-عينها، لما ذكرنا من الاخبار، مضافا الى عدم انضباط ما كان مسجدا عند نزول الآية، و فعل الحجج.
و لغيره جهتها، لظاهر الآية، و لزوم ارادتها عند تعذر العين، و ظهور ما دل على تحويل القبلة فيها، و المعتبرة المتضمنة لان ما بين المشرق و المغرب قبلة (27) ، و لرواية الاحتجاج، المتقدمة، و لانه لولاها لزم القطع ببطلان صلاة بعض الصف المتطاول زيادة على طول الكعبة او الحرم، و صلاة اهل احدى البلدتين المتفقتين في القبلة.
و يرد على استدلالهم للشق الاول: بانهم ان ارادوا من العين ما توجبه المحاذاة الحقيقية، بحيثيقع الخط الخارج من بين عيني المصلي على نفس الكعبة، و لو كان المتمكن بعيدا بحيثيصدق الاستقبال العرفي بدون المحاذاة المذكورة، فالاخبار-كما عرفت-لا تدل عليها، مع ان مراعاتها لكل متمكن من المشاهدة في كل وقت تستلزم العسر و الحرج.
و ان اريد الاعم منها و من العرفية، فلا يختلف فيه المتمكن من المشاهدة و غيره.
نعم، لو كان قولهم ذلك في مقابلة من يجعل القبلة المسجد او الحرم، و كان استدلالهم للرد عليه-كما يدل عليه استدلالهم بعدم انضباط المسجد ايضا-فيتم ما ذكروه، و ان كان دليلهم هذا غير تام، لان شان الفقيه البحث عن الحكم و ان لم يكن موضوعه مضبوطا في الخارج، و كذا استدلالهم بفعل الحجج، فان صلاتهم خارج المسجد و ان كانت الى الكعبة، و لكنها تكون الى المسجد ايضا لا محالة، فلعلها باعتبار المسجد دون الكعبة.
و اما ما استدلوا به للشق الثاني، فان ارادوا من الجهة ما ذكرناه، فلا تخصيص له بالشق الثاني، و لا حاجة الى تلك الادلة الناقصة، كما ياتي.
و ان ارادوا غيره من المعاني المختلفة المذكورة في كتبهم للجهة، فمع كونها مخالفة لبعض الاخبار الدالة على ما هو التحقيق من اتحاد استقبال العين و الجهة، كما في تفسير العياشي (28) ، عن مولانا امير المؤمنين عليه السلام: في قوله تعالى:
«فول وجهك شطر المسجد الحرام» قال: «معنى شطره نحوه ان كان مرئيا، و بالدلائل و العلامات ان كان محجوبا» الحديث، و كون اكثرها مقتضيا لجواز الالتفات بكل البدن في الصلاة عمدا، و هو منفي اجماعا و نصا، ففي التفسير المذكور: «استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك فتفسد صلاتك» (29) لا ينطبق (30) شيء من تلك الادلة على شيء منها، بل لا دليل على اعتبار شيء منها اصلا، الا ما قيل من ان المراد بالجهة ما تقتضيه العلامات المقررة في الشرع لقبلة البعيد (31) ، و ما قيل من ان المراد بها الطرف الذي يظن باستقباله استقبال الكعبة (32) .
و لكن في الاول: ان العلامات لم ترد الا لبعض البلاد، فلا يصح جعلها قبلة لغير المتمكن مطلقا، و اما ما ذكره الفقهاء من العلامات فغير واردة في الشرع، و اعتبارها موقوف على الدليل.
و في الثاني: انه يختص بغير المتمكن من تحصيل العلم بالاستقبال العرفي، و غير المتمكن من المشاهدة قد يتمكن من تحصيل العلم به.
مع ان منهم من يذكر حكم غير المتمكن من العلم بالقبلة ايضا في مسالة على حدة، و يستدل عليه باخبار التحري لمن لا يعلم وجه القبلة.
و لو كان قولهم ذلك في مقابلة من يجعل القبلة لغير المتمكن من المشاهدة المسجد او الحرم-كما يشعر به استدلالهم ببطلان صلاة بعض اهل الصف المتطاول زيادة عن الحرم-و كان غرضهم الرد عليه، و ارادوا من الجهة ما ذكرنا، فحينئذ و ان كان مطلوبهم صحيحا، و لكن لا يكون وجه للتفصيل المذكور، مع ان بعض ادلتهم لا ينطبق عليه كالاستدلال ببطلان صلاة بعض اهل الصف المتطاول زيادة عن الكعبة.
هذا، مع ما في جميع ادلتهم من القصور، لما عرفت من اجمال الآية، و لو قطع النظر عنه، فعلى جهة المسجد ادل من جهة الكعبة.
و لمنع لزوم ارادة الجهة بالمعاني التي ذكروها مع تعذر العين لو كانت العين هي مقتضى الدليل، لامكان ارادة غيرها كالمسجد او الحرم.و القول بان غير الثلاثة منفية بالاجماع، و استقبال جهة الكعبة يستلزم استقبال المسجد او الحرم و لا عكس، فهي بالاصل اوفق.قلنا: هذا في البعيد بالعكس لو اريد عين المسجد او الحرم.
و لمنع ظهور اخبار التحويل في انه الى جهة الكعبة، فانه يمكن ان يكون الى عينها، او الى المسجد، او الى الحرم.و ورود التحويل الى الكعبة في الاخبار لعله لاستلزامه التحويل اليهما، فعبر باشرف اجزائهما، و ليس هذا من باب الامر و النهي المثبت لما هو مدلول اللفظ، بل اخبار عنه.
و لتعارض ما دل على كون ما بين المشرق و المغرب قبلة مع ما ينفي ذلك، كموثقة عمار: في رجل صلى على غير القبلة، فيعلم و هو في الصلاة قبل ان يفرغ من صلاته، قال: «ان كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه الى القبلة حين يعلم» (33) الحديث.
و لعدم التفرقة لغة و عرفا بين التوجه الى الشيء و نحوه الواردين في رواية الاحتجاج، بل كلاهما متحدان كما ذكرنا.
و اما التفصيل الواقع فيها فيمكن ان يكون باعتبار الاطاعة في الامر بالعبادة في مكة و بالاطاعة في الامر بها في سائر البلدان، لا في الاطاعة في الامر بالتوجه الى العين و الى النحو، بل الاول اظهر و اليق.
و لمنع لزوم بطلان صلاة بعض الصف او اهل احدى البلدتين، لامكان كون تجويز محاذاة العين كافيا عند تعذرها، و هو لكل من المصلين متحقق.
و بالجملة كلام هؤلاء في المقام غير خال عن القصور و الاضطراب و ان جرى عليه اعاظم الاصحاب.
و الصواب ان يتكلم اولا في القبلة، و يجعل هي الكعبة بالاخبار و الادلة كما ذكرنا، و يرد قول من جعلها المسجد او الحرم، ثم يتكلم في وظيفة من لا يتمكن من العلم بها من التحري بالرجوع الى العلامات المقررة شرعا فيما توجد فيه، و بما يحصل الظن باستقبال الكعبة عرفا، لادلة التحري، ثم يتكلم في وظيفة من لا يتمكن من التحري و تحصيل الظن ايضا، و قد ذكرنا المسالة الاولى و نذكر البواقي ايضا.
ا: المراد بالكعبة التي هي القبلة ليس نفس البنية المعمولة من الحجر و المدر، بل الفضاء المشغول بها، بالاجماع، و لانه الكعبة التي جعلت في الاخبار قبلة دون البنية، كما تدل عليه المعتبرة.
ففي رواية عبد الرحمان بن كثير الهاشمي-و هي طويلة-و فيها: «فاخذ جبرئيل عليه السلام بيد آدم حتى اتى به مكان البيت، فنزل غمام من السماء فاظل مكان البيت، فقال جبرئيل عليه السلام: يا آدم خط برجلك حيث اظل الغمام فانه قبلة لك و لآخر عقبك من ولدك، فخط آدم برجله حيث[اظل]الغمام» (34) .
و قريب منها في رواية ابي حمزة (35) .
و في مرسلة الفقيه: «فاول بقعة خلقت من الارض الكعبة ثم مدت الارض منها» (36) .و ظاهر ان اول مخلوق من الارض لم تكن عليه البنية بل هو الفضاء، فهو الكعبة.
و يؤيده ما روي من انه «سميت الكعبة كعبة لانها وسط الدنيا و لانها مربعة» (37) .
ثم الفضاء الذي هو القبلة ليس هو القدر المشغول بالبناء خاصة، بل منه الى اعنان السماء و تخوم الارض، بالاجماع، كما في المدرك و المفاتيح (38) ، و في المنتهى: و لا نعرف فيه خلافا بين اهل العلم (39) ، بل قيل: بالضرورة من الدين فيهما (40) .
و تدل على الاول ايضا موثقة ابن سنان، المتقدمة (41) ، و صحيحة خالد بن [ابي]اسماعيل: الرجل يصلي على ابي قبيس مستقبل القبلة، قال: «لا باس» (42) .
و في دلالتها نظر.
و عليهما مرسلة الفقيه: «اساس البيت من الارض السابعة السفلى الى السماء السابعة العليا» (43) .
ب: المتمكن من تحصيل العلم باستقبال العين عرفا يجب عليه تحصيله ما لم يلزم الحرج، لعدم حصول العلم ببراءة الذمة الواجب تحصيله الا به.فالمصلي في مكة يجب عليه صعود السطح، و في الحرم و نواحيه صعود الجبل، ان امكن بدون حرج، و جعله حرجا مطلقا-كما في المدارك (44) -لا وجه له.
نعم، لو علم بدون الصعود و المشاهدة لكفى، اذ لا تجب عليه المشاهدة بنفسها، لعدم دليل عليه، و على ذلك ينزل كلام من اطلق وجوب المشاهدة للمتمكن منها.
ج: هل الحجر من الكعبة بعضا او كلا، حتى يكفي استقباله كذلك لمن في المسجد ام لا؟ صريح الفاضل في النهاية و التذكرة الاول (45) .
و في الذكرى: ان ظاهر كلام الاصحاب انه من الكعبة، قال: و قد دل عليه النقل انه كان في زمن ابراهيم و اسماعيل الى ان بنت القريش الكعبة، فاعوزتهم الآلات، فاختصروها بحذفه، و كان ذلك في عهده صلى الله عليه و آله، و نقل عنه صلى الله عليه و آله الاهتمام بادخاله في بناء الكعبة، و بذلك احتج ابن الزبير حيث ادخله فيها، ثم اخرجه الحجاج بعده و رده الى مكانه (46) .انتهى.
و رده في المدارك و غيره: بعدم ثبوت ذلك النقل من طرق الاصحاب و ان ذكره العامة (47) . و هو كذلك، الا ان في مرفوعة علي بن ابراهيم و مرسلة الفقيه:
«ان طول بناء ابراهيم كان ثلاثين ذراعا» (48) و هو قد يعطي دخول شيء من الحجر فيه، لان الطول الآن-على ما حكي-خمس و عشرون ذراعا، و لا خلاف في عدم خروج شيء منه عن الطرف المقابل للحجر.
و لكن بازاء ذلك اخبار اخر مستفيضة تدل على خلاف ذلك، ففي صحيحة معاوية بن عمار: عن الحجر امن البيت هو او فيه شيء من البيت؟ قال:
«لا، و لا قلامة ظفر، و لكن اسماعيل دفن فيه امه، فكره ان توطا، فحجر عليها حجرا و فيه قبور الانبياء» (49) و قريبة من صدرها صحيحة زرارة (50) .
و في مرسلة الفقيه: «و صار الناس يطوفون حول الحجر و لا يطوفون فيه، لان ام اسماعيل دفنت في الحجر ففيه قبرها، فطيف كذلك كي لا يوطا قبرها» (51) .
و روي: «ان فيه قبور الانبياء، و ما في الحجر شيء من البيت و لا قلامة ظفر» (52) .
و رواية يونس بن يعقوب: اني كنت اصلي في الحرج، فقال رجل: لا تصل المكتوبة في هذا الموضع، فان في الحجر من البيت، فقال: «كذب، صل فيه حيثشئت» (53) .
و هذه الاخبار اكثر عددا، و اصح سندا، و اوضح دلالة، و اوفق باصالة عدم براءة الذمة، و لذلك افتى الاكثر بعدم جواز استقباله، و هو كذلك.و وجوب كون الطواف خارجه لا يدل على كونه من البيتبوجه.
د: لا خلاف في جواز النافلة مطلقا، و الفريضة مع الاضطرار داخل الكعبة، و عليه الاجماع في المنتهى و المدارك و عن المعتبر (54) .
للاصل، و اطلاقات فضل الصلاة في المسجد الحرام (55) ، مع دلالة المعتبرة على ان الكعبة منه (56) ، و مجوزات الفريضة فيها، الآتية، المثبتة للاولى بعدم الفصل، و للثانية بالاطلاق، و روايات استحباب الصلاة للداخل فيها، في الاولى بانضمام عدم الفرق بين النوافل، و صحيحة محمد في الثانية: «لا تصلح صلاة المكتوبة جوف الكعبة، و اما اذا خاف فوت الصلاة فلا باس ان يصليها في جوف الكعبة» (57) .
و الاظهر عدم جواز الفريضة فيه اختيارا، وفاقا للخلاف و المهذب (58) ، بل عن الكليني (59) ، و غيره، و اختياره بعض مشايخنا المحققين (60) ، و مال اليه بعض آخر من متاخري المتاخرين (61) ، و عليه الاجماع في الاول.
للصحيحة المتقدمة منطوقا و مفهوما، و الصحيحين الآخرين: «لا تصل المكتوبة في الكعبة» كما في احدهما (62) ، و «في جوب الكعبة» كما في الآخر (63) ، و لوجوب استقبال الكعبة التي هي اسم للمجموع، بمعنى وقوع الجميع في القدام كما هو المتبادر من استقبالها و ان لم يكن الجميع محاذيا للمصلي، و هو في جوفها غير ممكن، و لذا ورد في بعض الاخبار: «الصلاة فيه الى الاربع» (64) ، و في آخر: «الى الفضاء ايماء» (65) ، و في ثالث: «ان القائم فوق الكعبة ليس له قبلة» (66) .
خلافا للشيخ في النهاية بل سائر كتبه (67) ، و الحلي مدعيا عليه الاجماع (68) ، بل معظم المتاخرين (69) ، لدعوى الاجماع، و الاصل، و موثقة يونس: حضرتالصلاة المكتوبة و انا في الكعبة فاصلي فيها؟ قال: «صل» (70) .
و يضعف: بان الاجماع المنقول ليس بحجة، مع انه بمثله معارض.
و الاصل بما مر مندفع.و الموثق-مع كونه اقل مما مر عددا، و اضعف سندا، و موافقا لجماعة من العامة منهم ابو حنيفة (71) -اعم من الصحيحة المتقدمة، بل جميع الاخبار المانعة، لتخصيصها بغير المضطر اجماعا، فليخص بها (72) .
ثم المضطر هل يصلي قائما مستقبلا لاي جزء منه اتفق كما هو ظاهر الاصحاب، او مستلقيا، او الى الاربع، كما ورد بهما الرواية؟ !
الظاهر الاول، لظاهر الاجماع، و وجوب القيام و الركوع و السجود، و الاصل، و انتفاء الاستقبال الثابت على جميع الاحوال.و الروايتان شاذتان.
ه: لو استطال صف المامومين في المسجد الحرام حتى خرج بعضهم عن محاذاة الكعبة، بطل صلاة ذلك البعض، و كذا لو خرج بعض شخص عن المحاذاة.
قد عرفت ان الواجب هو استقبال الكعبة، اي التوجه اليها عرفا، الذي هو عبارة عن المحاذاة العرفية لها، و انه بعينه معنى التوجه الى جهتها.
ثم الواجب هو تحصيل العلم بتلك المحاذاة و التوجه، كما هو مقتضى الاصول و النصوص و الفتاوى، من غير خلاف يعرف، و لكن وجوبه مقيد بامكانتحصيله قطعا، فان لم يمكن-كمن بعد عن مكة-وجب عليه ان يجتهد في تحصيل الظن بالمحاذاة العرفية-التي هي الاستقبال-من الامارات المفيدة له، بلا خلاف فيه، بل هو اتفاق اهل العلم كما في المعتبر (73) ، و عليه الاجماع كما في المنتهى و التحرير و التذكرة و الذكرى (74) .
للمستفيضة، كصحيحة زرارة: «يجزىء التحري ابدا اذا لم يعلم اين وجه القبلة» (75) .
و موثقة سماعة: عن الصلاة بالليل و النهار اذا لم تر الشمس و لا القمر و لا النجوم، قال: «اجتهد برايك و تعمد القبلة جهدك» (76) .
و صحيحة اخرى: في الاعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة، قال: «يعيد و لا يعيدون، فانهم قد تحروا» (77) .
و مرسلة ابن المغيرة: في الرجل يكون في السفينة فلا يدري اين القبلة، قال:
«يتحرى فان لم يدر صلى نحو راسها» (78) .
و الاخبار الآتية الدالة على عدم الاعادة بعد خروج الوقت في صورة التحري (79) ، اذ لو لم يكن كافيا لكانت صلاته باطلة.
و لا ينافيه الامر بالاعادة في الوقت، لانها غير منحصرة في بطلان الصلاة، فلعلها تعبد على حدة.
و اما مرسلة الفقيه: قلت: اين حد القبلة؟ قال: «ما بين المشرق و المغرب قبلة كله» (80) و صحيحة ابن عمار: الرجل يقوم في الصلاة، ثم ينظر بعد ما فرغ، فيرى انه قد انحرف من القبلة يمينا و شمالا، قال: «قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة» (81) فهما غير مكافئين لما مر، لعدم قائل بمضمونهما في حق العالم و المتمكن عن الاجتهاد، مع معارضتهما لموثقة عمار، المتقدمة في المسالة السابقة (82) .
مع انه لا يمكن ان يكون المراد منهما ان ما بين المشرق و المغرب جنوبا و شمالا، لان معناه انتفاء القبلة راسا، و هو مخالف لضرورة الدين.
بل المراد اما انه من احد الطرفين قبلة للمصلي في الطرف الآخر.و هو ايضا لا يمكن ابقاؤه على الاطلاق، لعدم قائل به كذلك، فان صلاة من تنحرف قبلته عن الجنوب بقليل-كالعراقي-الى قريب المغرب غير جائز قطعا، و مخالف لطريقة المسلمين، بل هو مناف لضروري الدين.
او المراد ان كل جزء منه قبلة للمجتهد، بمعنى ان كل جزء ادى اليه ظنه قبلة له.او ان كل جزء منه قبلة لغير المتمكن من الاجتهاد، حيث انه يصلي على اي جانب شاء.
و كل من هذين المعنيين اولى من الاول، لما فيه من اقلية التخصيص.غاية الامر التساوي، فلا تثبت المنافاة لما ذكرنا.
مضافا الى انه يمكن ان يكون المراد من الاولى عدم امكان تحديد القبلة الذي سئل عنه، يعني ان كل جزء مما بين المشرق و المغرب قبلة لموضع من الارض، فلا يمكن تحديدها بحد.
و بالجملة: المسالة واضحة جدا.
نعم، نقل نادر هنا المخالفة عن المبسوط، و انه اوجب الصلاة الى اربع جهات.و عبارته-كما قيل (83) -غير ظاهرة في المخالفة (84) ، لاحتمال ارادة صورة فقد امارات الظن بالكلية، و لو سلمت مخالفته فهي شاذة مخالفة للاجماع المحقق و المحكي مستفيضا، بل على خلافه اجماع المسلمين على ما صرح به بعضهم حيث قال: و هل له الاجتهاد اذا امكنه الصلاة الى اربع جهات؟ الظاهر اجماع المسلمين على تقديمه وجوبا على الاربع قولا و فعلا، و ان فعل الاربع حينئذ بدعة، فان غير المشاهد للكعبة و من بحكمه ليس الا مجتهدا او مقلدا، فلو تقدمت الاربع على الاجتهاد لوجبت على عامة الناس و هم غيرهما ابدا، و لا قائل به...الى آخر ما قال (85) .
و ما يستدل لقوله من كون لزوم الاربع موافقا لاصل الاشتغال، و مرسلة خراش: جعلت فداك، ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون: اذا اطبقت السماء علينا او اظلمت فلم نعرف السماء كنا و انتم سواء في الاجتهاد، فقال: «ليس كما يقولون، اذا كان ذلك فليصل الى اربع وجوه» (86) حيث انها ظاهرة في نفي الاجتهاد من اصله.
ففيه: ان الاصل المذكور مع ما ذكر من الاخبار لا يفيد شيئا.و المرسلة غير دالة، اذ يمكن ان يكون المراد بالاستواء في الاجتهاد حينئذ الاستواء في كيفيته، او في الاجتهاد في مسالة قبلة فاقد العلم و الظن، و هو سقوط اعتبار القبلة، و بالجملة ليس فيها دلالة واضحة على ما ذكره.
فائدة: و اذ عرفت وجوب التحري في تحصيل الظن لغير المتمكن من العلم، فلا بد له من معرفة الطرق المحصلة للظن.
فمنها: القواعد الهيوية، و هي محصلة للظن القوي بجهة القبلة بالمعنى الذي ذكرنا، اي بالمسافة التي يكون البعيد المحاذي لاي جزء منها حقيقة محاذيا للكعبة عرفا، و هي كما عرفت تتسع بزيادة البعد عنها.
و ما في كلام جماعة من انها محصلة للظن بالعين و القطع بالجهة (87) ، كلام غير محصل جدا، فانه لا سبيل للقواعد الهيوية الى تحصيل العين التي هي لا تزيد طولا و عرضا عن نحو من ثلاثين ذراعا بوجه من الوجوه، و كيف يظن بتلك القواعد خصوص موضع هذا القدر من المكان في البعد؟ ! فانه امر لا سبيل اليه منها.
و كذا القطع بالجهة، فان تلك القواعد ماخوذة من كلام اهلها الذي يجوز على كل منهم الخطا، و مبنية على الارصاد المختلفة عن بعض الآحاد، مع بعض اختلاف فيها ايضا.و مع ذلك فيها وجوه اخر من منافيات القطع.
فالحاصل من تلك القواعد: تعيين الموضع الذي يظن المستقبل له المحاذاة العرفية للكعبة، لكونه اما عينها او ما يقاربها، بحيث لا يخرج المحاذي له في البعد عن محاذاة الكعبة عرفا، و يعد المتوجه اليه متوجها اليها كذلك.
و مقابل هذا القول ما قيل من انها غير مفيدة للظن ايضا، لابتنائها على كروية الارض التي ليس عليها دليل، بل لا توافق ظواهر الآيات.مضافا الى انها خالية عن الدليل التام و ماخوذة من كلام الهيويين الذين لا وثوق لنا باسلامهم فضلا عن عدالتهم، فلا يفيد كلامهم علما و لا ظنا (88) .
و هو ضعيف غايته، فانها و ان كانت مبتنية على الكروية و لكن دعوى انه لا دليل عليها ان اريد القطعي فلا باس به، و ان اريد الاعم فخلاف الواقع، حيث ان افادة الادلة الآتية-المفصلة في محالها-للظن القوي بكرويتها مما لا مجال للريب فيها، بل لا يبعد ان يحصل من اجتماعها العلم العادي للممارس المتفرس.
و اما القول بانها لا توافق ظواهر الشرع فلم نعثر على ظاهر واحد ينافيها، و بعض الآيات التي ذكروها غير دالة على خلافها جدا.
مع ان اكثر عظماء علماء الشريعة صرحوا بكرويتها، منهم الفاضل في كتاب الصوم من التذكرة (89) ، و ولده فخر المحققين في الايضاح (90) ، و غيرهما (91) .
و اما ان شيئا من تلك القواعد ليس عليه دليل تام فكلام خارج عن الانصاف جدا، كيف و مع ان اكثرها يثبتبالدلائل الهندسية و البراهين المجسطية (92) التي لا يتطرق اليها ثبوت شبهة.
و اما حديث عدم الوثوق باهله و عدم عدالتهم فلا يصلح الاصغاء اليه، فانه لا يشترط في ذلك حصول اليقين.و رجوع الفقهاء فيما يحتاجون اليه في كل فن الى علمائه و تعويلهم على قواعدهم اذا لم يخالف الشرع شائع ذائع، كما في مسائل النحو و اللغة و الطب و الحساب، من غير بحث عن عدالتهم.بل ياخذون تلك المسائل مسلمة، للظن الغالب بان جماعة من حذاق صناعة اذا اتفقت كلمتهم على شيء مما يتعلق بها فهو ابعد عن الخطا.
و ليتشعري كيف يفيد كلام الجوهري-مثلا-الظن في اللغة (و يتبع) (93) و لا يفيد كلام حجة الفرقة مع جم غفير من علماء الهيئة؟ ! بل كيف يعول على قول فلان اليهودي المتطبب، و لا يقبل قول جماعة من علماء الاسلام فيما يتعلق بفنهم؟ ! مع اطباق العام و الخاص على بلوغ حذاقتهم في ذلك الشان بما لا مزيد عليه، و شهادة المشاهدات الكثيرة في رؤية الاهلة و الخسوف و الكسوف و نحوها على صدق مقالهم، و اتفاق جميع الفقهاء على الرجوع في ذلك الى اقوالهم، بل تصريح جماعة بافادتها العلم بالجهة، و بالجملة فذلك امر ظاهر جدا.
ثم معرفة القبلة بالقواعد الهيوية يمكن من وجوه كثيرة نحن نذكر شطرا منها:
فتارة تعرف بالشمس، و توضيحه: ان الشمس تكون مارة بسمت راس مكة-شرفها الله تعالى-حين كونها في الدرجة الثامنة من الجوزاء و الثانية و العشرين من السرطان وقت انتصاف نهار مكة، لان ميل كل منهما عن المعدل بقدر عرضها، و التفاوت بين نصف نهار كل بلد و نصف نهارها بقدر الفصل بين طوليهما، لانه قوس من المعدل واقع بين دائرتي نصف نهار البلدين.
و على هذا فاذا رصد يوم كون الشمس في احدى الدرجتين و اخذ لكل خمس عشرة درجة من التفاوت بين الطولين ساعة، و لكل درجة اربع دقائق، و يجمع الحاصل، فاذا مضى بقدره من نصف نهار البلد، ان كان شرقيا من مكة اي زاد طوله على طولها، و اذا بقي بقدره اليه ان كان غربيا منها اي نقص طوله عن طولها، فسمت ظل الشاخص حينئذ هو القبلة، و هي الى خلاف جهة الظل، فاذا جعل المصلي الظل بين قدميه و سجد عليه متوجها الى الشاخص يكون متوجها الى القبلة.
و ان لم يكن فصل ما بين الطولين بل اتحد طول البلد و مكة، فيؤخذ الظل حال وصول الشمس الى دائرة نصف النهار، او يؤخذ الشمس حال زوالها بلا مهلة على طرف الحاجب الايمن مما يلي الانف.
ثم الطريقة المشهورة في استخراج سمت القبلة بالاسطرلاب-و هي ان تضع احدى الدرجتين السابقتين من منطقة البروج على خط وسط السماء في صفحة البلد حال كون الشمس في تلك الدرجة، و تعلم موضع المري من الحجرة، ثم تدير العنكبوت بقدر ما بين طول البلد و مكة الى المغرب ان زاد طوله، و الى المشرق ان نقص، فحيث انتهت الدرجة من مقنطرات الارتفاع رصد بلوغ ارتفاع الشمس عند المقنطرة، فظل الشاخص حينئذ على سمت القبلة-لا تخرج عن الطريقة المذكورة، بل هي هي في الحقيقة.
و اخرى تعرف بالدائرة الهندية، و معرفتها منها على نوعين:
احدهما: ان بعد تسوية الارض، و رسم الدائرة، و استخراج خطي الاعتدال و الزوال القاسمين لها ارباعا على الطريقة المشهورة، يقسم كل ربع تسعين قسما متساوية، ثم يعد من نقطة الجنوب او الشمال بقدر ما بين الطولين [الى المغرب] (94) ان زاد طول البلد على طول مكة شرفها الله تعالى، و الى المشرق ان نقص، و من نقطة المشرق او المغرب بقدر ما بين العرضين الى الشمال ان نقص عرضه، و الى الجنوب ان زاد.و يخرج من منتهى الاجزاء الطولية خطا موازيا لخط الزوال، و من منتهى الاجزاء العرضية خطا موازيا لخط الاعتدال، و يتقاطع الخطان داخل الدائرة غالبا.فصل بين مركزها و نقطة التقاطع بخط منته الى محيطها، فهو على صوب القبلة.
هذا اذا كان البلد مخالفا لمكة طولا و عرضا.و ان اتحدا طولا فخط الزوال على صوبها، منتهيا الى نقطة الجنوب ان زاد عرض البلد، و الى نقطة الشمال ان نقص.و ان اتحدا عرضا فقط يعد من نقطة المغرب الى الشمال بقدر العرض ان زاد طول البلد، و من نقطة المشرق اليه بقدره ان نقص، فالخط الواصل بين مركز الدائرة و منتهى الاجزاء العرضية على صوب القبلة.
و ثانيهما: ان بعد رسم الدائرة و استخراج خط الزوال و تقسيم الارباع، يعد من القوس التي في جهة انحراف البلد بقدر اجزاء الانحراف، و يوصل بين منتهاه و مركز الدائرة فهو خط صوب القبلة.و جهة الانحراف من الجنوب الى المغرب ان كان البلد شرقيا شماليا من مكة، اي زاد عليها طولا و عرضا.و منه الى المشرق ان كان غربيا كذلك، اي نقص طولا و زاد عرضا، و من الشمال الى المغرب ان كان شرقيا جنوبيا، اي زاد طولا و نقص عرضا، و منه الى المشرق ان كان غربيا كذلك، اي نقص طولا و عرضا، و لا انحراف مع الاتحاد طولا كما مر، و مع الاتحاد عرضا من الشمال الى المغرب بقدر تمام العرض الى التسعين (95) ان زاد طول البلد، و منه الى المشرق كذلك ان نقص.
و قد رسمنا جدولا على حدة مشتملا على اطوال البلاد المشهورة و عروضها و جهات انحرافها و مقادير الانحراف، لئلا يحتاج الطالب الى كتاب آخر. (96) و ثالثة: بالمشرق و المغرب اي بالشمس، بجعل الاول على الايسر و الثاني على الايمن، فيكون المستقبل اليه قبلة لبلد كان مساويا لمكة طولا و زائدا عنها عرضا، و ان نقص عرضا فيجعل الاول على الايمن و الثاني على الايسر.
و قيدهما الشهيدان (97) ، و المحقق الشيخ علي (98) ، و صاحب التنقيح (99) ، و غيرهم (100) بالاعتدالين، اي مشرق اولي الحمل و الميزان.
و نقل شيخنا البهائي عن والده عدم الاحتياج الى التقييد، معللا بان الخط الواصل بين مشرق كل يوم و مغربه يقاطع خط الجنوب و الشمال على القوائم، فلو جعل مغرب اي يوم كان على اليمين و مشرقه على اليسار في الاول و عكس في الثاني يواجه القبلة. و استجوده (101) .و تبعهما على ذلك بعض من تاخر عنهما (102) .
و هو غفلة واضحة، لان الفصل بين اليمين و اليسار نصف الدور دائما لا ينقص عنه البتة، و الفصل بين مشرق كل يوم غير يوم الاعتدال و مغربه اقل من النصف البتة، فلا يمكن جعلهما على اليمين و اليسار، بل ينحرف اليسار عن مغرب الاعتدال على خلاف جهة انحراف مشرق كل يوم عن مشرق الاعتدال بقدر انحرافه، ففي اول الشتاء يكون البعد بين المشرقين بقدر الميل الكلي الى جانب الشمال اي اربع و عشرين درجة، فاذا جعل على اليمين ينحرف اليسار عن المغرب الى الجنوب بهذا القدر، و يلزمه انحراف القبلة عن الجنوب الى المشرق بهذا القدر، و ليس هذا تقريبيا حتى يتسامح فيه، بل التفاوت بينهما بعد المشرقين.
فالصواب فيما ذكروه هو التقييد بارتكاب تقريب و تخصيص و تجوز.
نعم، يمكن ان يعرف بكل واحد من المشرق و المغرب الغير الاعتداليين منفردا لا مجتمعا قبلة بعض البلاد المنحرفة.
و بيانه: ان من جعل مشرق الاعتدال على اليسار يقابل المغرب يمينه و نقطة الجنوب بين عينيه، فاذا انحرف مشرق جزء عن الاعتدال الى الشمال كما في الربيع مثلا ينحرف يمينه بقدر سعة مشرق هذا الجزء من المغرب الى الجنوب، و بين عينيه من الجنوب الى المشرق، و اذا انحرف المشرق الى الجنوب كما في الخريف ينحرف اليمين من المغرب الى الشمال، و بين العينين من الجنوب الى المغرب، و لمواجهة نقطة الشمال يلاحظ المغرب على اليسار او المشرق على اليمين.
و على هذا فكل جزء من اجزاء المنطقة يساوي بعد مطلعه عن مطلع الاعتدال في بلد-اي سعة مشرقه-انحراف قبلة البلد، فاذا جعل المشرق في يوم كانت الشمس في ذلك الجزء على اليسار يكون مواجها للقبلة ان كان البلد اكثر عرضا من مكة، و اذا جعل على اليمين يكون مواجها لها ان كان اقل.
و رابعة: بالكواكب، و توضيحه: ان كل كوكب من الكواكب في اي ارتفاع كان من الارتفاعات يمكن ان يفرض له وضع خاص مع كل شخص بالنسبة الى اجزاء بدنه، بحيثيوجب ذلك الوضع كون هذا الشخص مواجها للقبلة.و لكن لما لم يكن جميع الكواكب معروفة بين الناس، و جميع الارتفاعات معلومة بالسهولة، و جميع الاوضاع منضبطة منقحة، اقتصروا في تعريف القبلة بهذه الطريقة على بعض الكواكب المعروفة حال كونه في نصف النهار، او المشرق او المغرب، لمعلوميته في بعض الاوضاع المنضبطة، ككونه على احد المنكبين، او بين الكتفين، او العينين و امثالها.
و الكواكب التي ذكروها سبعة: الجدي، و بنات النعش، و شولة، و النسر الطائر، و الثريا، و العيوق، و سهيل.
اما الاول فقد وردت به الروايات ايضا، ففي موثقة ابن مسلم: عن القبلة، قال: «ضع الجدي في قفاك و صل» (103) .
و في مرسلة الفقيه: اني اكون في السفر و لا اهتدي الى القبلة في الليل، فقال: «اتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ » قلت: نعم، قال: «اجعله على يمينك، و اذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك» (104) .
و في تفسير العياشي: عن مولانا امير المؤمنين عليه السلام «قال رسول الله صلى الله عليه و آله: و بالنجم هم يهتدون.هو الجدي، لانه نجم لا يزول، و عليه بناء القبلة» (105) .
و هذه الروايات و ان كانت مطلقة الا ان الفقهاء لما راوا امتناع ابقائها على ذلك الاطلاق ضرورة اختلاف قبلة البلاد، قيدوها باهل العراق بقرينة رواتها، مع انه الموافق للاعتبار، ثم لاجل تفاوت قبلتهم ايضا ارتكبوا فيه التفصيل ايضا.
و التحقيق: ان العمل باطلاقها غير متصور قطعا، و لا قرينة تامة على خصوصيات التقييد الا ملاحظة ما تقتضيه القواعد الهيوية، و هي بانفسها في المقام حجة كاملة، فالاولى الرجوع في ذلك اليها ايضا، و مقتضاها جعل الجدي بين الكتفين في بلد ساوى مكة طولا تقريبا و زاد عنها عرضا، كاطراف العراق الغربية، من الموصل، و ارز الروم، و ما والاهما.و بين العينين فيما ساواها طولا و نقص عرضا، كالطائف، و صنعاء دار الملك يمن.و على خلف المنكب الايمن، اي اوائل الكتف بالنسبة الى بين الكتفين-كما ذكره والدي رحمه الله في المعتمد- في اواسط العراق من بغداد، و الكوفة، و المشهدين، و الحلة.و على خلف اواسط الكتف الايمن في اطرافه الشرقية، من البصرة و ما يقربها انحرافا، كاصبهان و كاشان و قم و جرباذقان (106) و الري و استراباد و سمنان و دامغان و بسطام و آمل.و علىخلف اواخر الكتف الايمن المتصل بالعضد فيما يزيد انحرافه نحو المغرب، كاكثر بلاد الهند و السند.و على خلف المنكب الايسر فيما كان انحرافه شرقيا من الجنوب، مبتدئا من اوائل الكتف الى اواخره بزيادة الانحراف، ثم تحريفه من بين العينين الى الخد الايمن شيئا فشيئا بزيادة الانحراف من الشمال الى المشرق، و الى الايسر كذلك بزيادة منه الى المغرب.
و بالجملة: لكون الجدي ساكنا حسا يصلح في جميع حالاته لجعله علامة، كما تقتضيه رواية العياشي.و قاعدته جعله بين الكتفين لما قبلته نقطة الجنوب و تحريفه شيئا فشيئا من اوائل الكتف الايمن الى اواخره بزيادة الانحراف منه الى المغرب حتى ينتهي الى مقابل اليد اليمنى فيما قبلته نقطة المغرب، و تحريفه كذلك من اوائل الكتف الايسر الى اواخره بزيادة الانحراف منه الى المشرق حتى ينتهي الى مقابل اليد اليسرى فيما كانت قبلته نقطة المشرق، و جعله بين العينين لما قبلته نقطة الشمال و تحريفه منه الى الخد[الايمن] (107) شيئا فشيئا بزيادة الانحراف الغربي حتى ينتهي الى اليد اليمنى لما قبلته نقطة المغرب، و الى[الايسر] (108) كذلك بزيادة الانحراف منه نحو المشرق حتى ينتهي الى اليد اليسرى لما قبلته نقطة [المشرق] (109) .
و تبديل الجدي بنجم خفي يراه حديد النظر، و جعله آكد دلالة من الجدي، معللا بان الاول لا يزول عن مكانه بخلاف الثاني، فانه عند طلوع الشمس مكان الفرقدين عند غروبهما، و بعده عن القطب كبعد الفرقدين، كما في المعتبر و التذكرة و التنقيح (110) ، خطا، فان الجدي في جميع حالاته اقرب الى القطب من ذلك النجم و اقل حركة منه، بل لا يحس بحركة الجدي، و الفرقدان يتحركان حوله محسوسا.و تؤكده رواية العياشي ايضا.
و اما البواقي فليس ذكرها في رواية، و ذكرها جماعة من الاصحاب علامة عند الطلوع و الغروب بما فيه تفاوت فاحش، و مخالفة في بعضها بعضا، و اختلاف في كلماتهم بعضا للبعض، كما جعل بعضهم وضع النسر عند الطلوع بين الكتفين علامة للبصرة و البحرين و يمامة (111) ، مع ان لكون سعة مشرقه تسع درجات شمالية و كون انحراف البلدة الاولى من نقطة الجنوب سبعا و عشرين (112) و انحراف الباقيتين اقل، تختلف القبلة نحوا من ستين درجة، و مع ذلك جعل وضع المشرق على المنكب الايمن ايضا علامة لهم.و في العلامتين مخالفة كثيرة.
و جعل بعضهم وضع بنات النعش على خلف اواسط الكتف الايمن عند الطلوع علامة لاهل الهند و السند، و آخر وضعها على الخد الايمن علامة لهم (113) ، الى غير ذلك مما يستدعي استقصاؤها كتابا.
و التحقيق في كيفية معرفة القبلة من الكواكب المذكورة و غيرها: ان يعلم كوكب يساوي او يقرب سعة مشرقه او مغربه انحراف البلد، فيوضع مطلع كوكب سعته مساوية للبلد المطلوب جنوبية على مقابل اليد اليسرى، او مغرب ما سعته شمالية مقابل اليمنى ان كان انحراف البلد جنوبيا غربيا، و يوضع مغرب الاول على اليمنى او مطلع الثاني على اليسرى ان كان انحرافه جنوبيا شرقيا، و يوضع مطلع ذي السعة الجنوبية على اليمنى، او مغرب ذي الشمالية على اليسرى ان كان الانحراف شماليا شرقيا، و مغرب الاول على اليسرى او مطلع الثاني على اليمنى ان كان شماليا غربيا.
و هذه قاعدة مطردة جيدة، و لكن لتفاوت سعة كل كوكب بتفاوت البلدان عرضا يجب ان يكون علامة كل بلدة كوكب تساوي سعته فيها لانحرافها و لو تقريبا.
و على هذا فعلامة القبلة لاهل البصرة و شوشتر و كاشان و قم و الري و سمنان و استراباد و دامغان و بسطام و ايروان و بارفروش و ما يقرب منها: وضع نير الفكة مقابل اليد اليمنى عند الغروب.و لاهل سر من راى، و بغداد و كوفة و خوي و موقان و ارومية و ما والاها: وضع النسر الطائر عليه عنده.و لاهل هرات و قاين و بلخ و بدخشان: وضع العيوق عليه عنده.و لاهل همدان و قزوين و سلطانية و فومن: وضع سماك الرامح عليه عنده.و لاهل لاهيجان: وضع قلب العقرب مقابل اليسرى عند الطلوع، و هكذا.
و نحن نضع هنا جدولا لمعرفة سعة مشرق بعض الكواكب المشهورة و مغربه في بعض العروض، ليسهل الوصول الى المطلوب بانضمامه مع الجدول المتقدم، و نتبعه بجدول آخر لمعرفة سعة مشرق اوائل البروج و اواسطها في بعض العروض، ليعرف بوضع مطلع الشمس او مغربها عند حلولها فيها على اليسار او اليمين قبلة بلد ذلك العرض اذا كان انحرافه مساويا للسعة.و هذا هو الجدول:
(؟)
ثم انه وقع في المقام لكثير من الفقهاء-سيما الشيخ الجليل ابي الفضل شاذان بن جبرئيل في رسالته التي نقلها في البحار (114) -اختلافات كثيرة من حيث نفس العلامات المنفردة، و من حيث جمع بعضها مع بعض، بحيث لا يحتمل حملها على التقريبات المغتفرة.
هذا اول الشهيدين اطلق كغيره جعل الثريا و العيوق عند طلوعهما على اليمين و الشمال علامة لاهل المغرب (115) .
و قيده ثانيهما-رحمه الله-ببعضهم (116) .
و ظاهر انه غير معقول، اذ الفصل بين مقابلي اليمين و الشمال نصف الدور، و بين مطلعي الكوكبين نصف عشره، فلا يتاتى وضع احدهما على اليمين و الآخر على الشمال في موضع واحد.
و التوجيه: بان المراد ان قبلتهم بين مطلعيهما، بحيثيكون الثريا على جهة اليمين و العيوق على جهة الشمال، غير خال عن التكلف و التخصيص الغير المرضي، و البعد.و بان العيوق علامة للغربي الشمالي، و الثريا للجنوبي غير صحيح، لان كليهما شماليان عن مشرق الاعتدال، الى غير ذلك مما في كلماتهم من الاختلافات التي يتمكن من استخراجها من احاط بما ذكرنا.
و خامسة: بالقمر، فجعلوا جعله بين العينين عند غروب الشمس في الليلة السابعة من كل شهر، و عند انتصاف الليل في الرابعة عشرة منه، و عند الفجر في احدى و عشرين علامة لاهل العراق.
و فيه من التغريب من وجهين ما لا يخفى (117) .
و سادسة: بمنازل القمر، و هو في الحقيقة راجع الى المعرفة بالكواكب، فحكمها حكمها.
و من الطرق المفيدة للظن: اخبار العدلين، بل العدل، بل جماعة الفساق، بل الفاسق الواحد و ان كان في قبول الاخير نظر يظهر في ما سياتي في الاعمى، و اخبار اهل البيتبقبلة البيت، سواء كان اخبارهم مستندا الى المشاهدة او الاجتهاد.
و ليس التعويل على ذلك تقليدا، لانه الاخذ بقول الغير تعبدا من غير ملاحظة افادته العلم او الظن، و المناط هنا تحصيل الظن المندرج في التحري.و لو عمم التقليد بحيثيشمله ايضا فيكون بعض افراده داخلا في التحري و الاجتهاد ايضا، فلا مانع من الاخذ به.
نعم، لو تمكن من الاجتهاد الاقوى، لم يجز التعويل عليه كما ياتي.
و هذا مراد من منع من التقليد للمتمكن من الاجتهاد، فاراد بالاجتهاد استعمال القواعد، و بالتقليد العمل بخبر الغير و ان افاد الظن، و الا فغير المفيد له لا يجوز التعويل عليه مع عدم التمكن من الاجتهاد ايضا.
و منها: محاريب مساجد بلد الاسلام، صغيرا كان او كبيرا، و قبوره و بيوته، و محاريب الطرق المسلوكة، لبعد اتفاق اهلها و استمرارهم على الخطا.
و جعله من علائم القطع لذلك-كجماعة (118) -غير جيد، لامكان بنائهم اولا على ما تمكنوا من الاجتهاد المجزئ لهم و استمرارهم عليه، سيما في القرى الصغار، الا اذا كان من المواضع القريبة الى الكعبة جدا، كمكة و ما يقربها، فيمكن حصول العلم بما جرى عليه اهله من القبلة، و اما في البعيد فلا.
ثم على ما عرفت تعلم ان التعويل على ما لا يفيد العلم منها مختص بغير المتمكن من العلم، و تعويله لاجل افادته الظن ايضا لا تعبدا، لعدم دليل عليه بخصوصه، و اما الاجماعات المنقولة فلا تفيد زيادة على ذلك.
و على هذا فلو لم يحصل الظن منها في موضع، لظهور مخالفتها لما يحصل من بعض قواعد القبلة، يسقط عن الاعتبار و يرجع الى ما يحصل منه الظن.
نعم، الظاهر سيما في بلد كبير كون الظن الحاصل من قبلته المتداولة اقوى من الحاصل من استعمال القواعد، الا اذا كانت المخالفة قليلة.
و اما الكثيرة الواصلة الى قريب من ربع الدور و نحوه، فان فرض تحققها فالظاهر عدم سقوط الظن، بل يظن الخطا في اجراء القاعدة.
و من هنا يظهر سر ما ذكره بعضهم من عدم جواز الاجتهاد في الجهة و جوازه في التيامن و التياسر (119) ، يعني انه لو ادى الاجتهاد الى خلاف الجهة لا يعول عليه لحكم الحدس بخطئه.
فتكفيه امارة محصلة له و لو تمكن من امارة اقوى؟ او يجب عليه تحصيل اقوى ما يتمكن منه من الظنون؟
الظاهر الثاني، كما به صرح طائفة (120) ، لانه المفهوم من التحري و تعمد الجهد-الواردين في النص-في العرف و اللغة، فان التحري هو طلب ما هو احرى بالاستعمال في غالب الظن، ذكره الجوهري و الطريحي (121) ، او الاجتهاد في الطلب، ذكره ابن الاثير (122) ، و الاجتهاد: بذل الجهد و استفراغ الوسع، كما ذكره اهل اللغة، بل في النهاية الاثيرية: انه استفراغ ما في الوسع و الطاقة، و قال ايضا:
يقال جهد الرجل اذا جد فيه و بالغ (123) .و الجهد هو الطاقة، فتعمده: صرفها، و هو بذل اقصى ما يمكن من السعي.
فلا يكفي للمتمكن من استعمال قواعد الهيئة الاقتصار على الاخبار و لا على قبلة منصوبة، الا اذا كان الظن الحاصل منها اقوى، كقبلة المساجد الجامعة في البلاد، او اخبار جماعة كثيرة من اهل بلد.و لا يكفي اخبار الواحد مع امكان الازيد، و هكذا. و بالجملة اللازم بذل الجهد و صرف ما في الوسع.
الرابعة: لو اجتهد فاخبر واحد بخلاف اجتهاده، عمل بالاوثق عنده و لو كان الخبر، وفاقا لجماعة (124) ، لوجوب العمل بظنه.و خلافا للشيخ (125) ، و اتباعه (126) ، لكونه تقليدا غير جائز للمجتهد.و ضعفه ظاهر.
و لو تساويا فيصلي بهما، كما ياتي.
الخامسة: الاعمى و فاقد الامارات و غير العارف بها و العارف الغير المتمكن من استعمالها لضيق وقت او مانع، يعول على قول الغير وجوبا، وفاقا لظاهر الاسكافي (127) ، و المبسوط و الجامع و الشرائع و الدروس و التحرير (128) ، بل الاكثر، لانه التحري بالنسبة اليه و تعمد الجهد.
و لصحيحة الحلبي: «لا باس بان يؤم الاعمى للقوم ان كانوا هم الذين يوجهونه» (129) .
و بهما يندفع استصحاب الشغل، و تقيد مرسلة خراش، المتقدمة (130) .
و خلافا للخلاف، فاوجب الصلاة الى الاربع مع السعة و خير مع الضيق، للمرسلة (131) .و جوابه ظاهر.
و لمن قال بالاول في الاعمى، و بالثاني او تردد في غيره (132) .
و لمن قال بالاول لغير العارف بالاجتهاد، و بالثاني للعارف الغير المتمكن منه (133) .و يدفعان بعموم ما ذكر.
نعم يمكن الخدش في قبول قول الفاسق، لآية النبا، فهي للروايتين معارضة، و كل خبر لم يوافق كتاب الله فهو زخرف، و لذا منع من قبول قوله جماعة، كما عن الاسكافي (134) ، و المبسوط و الاصباح و المهذب و نهاية الاحكام و التذكرة و الذكرى و الدروس و البيان (135) .و هو قوي.
السادسة: هل يجب تعلم طرق معرفة القبلة عينا مطلقا؟ او مع ظهور الحاجة الى التعلم و التمكن منه؟
الظاهر الثاني، للاصل، و وجوب مقدمة الواجب.و الاولى للمسافر اذا ورد بلدة او قرية معلومة القبلة او مظنونها ان يعين كوكبا او نحوه علامة لقبلة ما يقربها من الطرق.
السابعة: قد يوجد في بعض العبارات سهولة الخطب في امر القبلة (136) .
و يستند فيها تارة الى ما ورد من قولهم: «ما بين المشرق و المغرب قبلة» (137) و اخرى الى ما يوجد في كلمات الاصحاب من الخلف و الاختلاف، و ثالثة الى استنادهم بالعلامات الغير المفيدة لغير الظن غالبا، و رابعة الى عدم ورود غير خبر (138) في خصوص قبلة البعيد و بيان علامتها.
و هو كلام خال عن التحقيق بعيد عن الصواب، لان بعد التصريح في الكتاب و السنة بان الكعبة او مع المسجد و الحرم قبلة يجب استقبالها ما الذي يسهل خطبها و يجوز التسامح فيها؟
و اما كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، فقد عرفت ما يعارضه و ما يراد منه (139) ، مع انك تراهم لا يعملون بذلك ابدا و يبطلون الصلاة بادنى انحراف عما ادى اليه العلامات عمدا.
و اما الخلف و الاختلاف، فهو ناش اما عن الخطا في مقتضى العلامة او الاختلاف في فهم مقتضياتها.
و اما الاستناد الى العلامات: فلانه المرجع عند سد باب العلم، بتصريح الاخبار.
و اما عدم تعيين العلامات في الاخبار: فلانه من باب تعيين الموضوع، و هو على المكلف نفسه، و لا اهتمام للشارع في بيانه، فالواجب هو استقبال الكعبة حيثيصدق عليه عرفا انه استقبلها و توجه اليها، و لا تجوز المسامحة في ذلك.
نعم، كما انه اذا كانت هناك منارة رفيعة قطرها ذراعان مثلا، يخرج في قربها بعض من الصف المشتمل على العشرة عن الاستقبال العرفي لها، و لا يخرج في بعد فرسخين منها مثلا احد من الصف المشتمل على المائة، و يقال لكل منهم: انه متوجه الى المنارة، و لا في بعد مائة فرسخ احد من الصف المشتمل على الالف بل عشرة آلاف، كما مر بيانه (140) ، تتسع دائرة صدق الاستقبال العرفي في البعيد، لا بمعنى ان جهة توجه شخص واحد متسعة يجوز له الميل الى كل جزء منها، لان الميل اليسير من البعيد يوجب الانحراف الكثير غاية الكثرة عن الكعبة بحيثينتفي صدق الاستقبال العرفي، و لذا لا يجوزون لاحد ميلا عما اقتضته العلامة ابدا، بل بمعنى ان سمت توجه الاشخاص المتوازية الكثيرة في البعيد واحد، و يكون سمت توجه الاماكن القريبة متحد، و يزداد الاتساع بذلك المعنى بزيادة البعد.
و سبب التفرقة ما مر من ان بميل شخص واحد في خراسان مثلا بقدر شبر عما اقتضته العلامة قد يصير البعد بين طرف خط العلامة و طرف خط سمت الميل في مكة ازيد من مائة فرسخ، بخلاف الشخصين المتوازيين اللذين بينهما فرسخ مثلا، فان البعد بين سمتي توجههما لا يزيد عن الفرسخ و ان ذهب السمتان الى غير النهاية.
الثامنة: المشهور رجحان التياسر قليلا لاهل العراق، اما مع وجوبه كما هو ظاهر جماعة من القدماء منهم: الشيخ في كثير من كتبه منها الخلاف مدعيا فيه عليه الاجماع (141) ، و ابن حمزة (142) ، و الشيخان ابو الفتوح (143) ، و ابو الفضل شاذان بن جبرئيل (144) .او استحبابه كما هو المشهور عند القائلين بالرجحان، و هو المحكي عن الشيخ في المصباح (145) و مختصره، و ابن سعيد مبدلا للعراقي بالمشرقيين (146) .
لرواية المفضل: عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه، فقال: «ان الحجر الاسود لما انزل من الجنة و وضع في موضعه، جعل انصاب الحرم من حيثيلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة اربعة اميال، و عن يسارها ثمانية اميال، كله اثنا عشر ميلا، فاذا انحرف الانسان ذاتاليمين خرج عن القبلة لقلة انصاب الحرم، و اذا انحرف الانسان ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة» (147) .
و مرفوعة محمد: لم صار الرجل ينحرف في الصلاة الى اليسار؟ فقال: «ان للكعبة ستة حدود، اربعة منها على يسارك، و اثنان منها على يمينك، فمن اجل ذلك وقع التحريف على اليسار» (148) .
و في الفقه الرضوي: «اذا اردت توجه القبلة فتياسر[مثلي]ما تيامن، فان الحرم عن يمين الكعبة اربعة اميال و عن يسارها ثمانية اميال» (149) .
و المراد بيمين الكعبة و يسارها يمين مستقبلها و يساره، كما تدل عليه المرفوعة.
خلافا لجماعة، كالمحكي عن روض الجنان و المحقق الثاني و النافع و ظاهر الدروس (150) ، و جملة ممن تاخر عنهم (151) ، فبين مانع من الرجحان مطلقا، و متردد، لكونه-كما هو ظاهر التعليل، و صريح الاكثر-مبنيا على اعتبار الحرم، و لذا عد من ادلته.و قد عرفت ضعفه.
و قد يمنع الابتناء و يحتمل اطراده على القولين، بل الاطراد ظاهر الفاضل في المختلف و التحرير و الارشاد و القواعد (152) ، و الشهيد في الذكرى (153) ، و غيرهما (154) ، حيث صرحوا بهذا الحكم مع اختيارهم اعتبار جهة الكعبة دون الحرم، لان فيها من السعة ما لا يخفى، فيمكن استحباب التياسر و لو لم يعتبر الحرم.
و لا ينافيه التعليل، اذ استقبال الاقرب الى الحرم فالاقرب راجح، و تحصيل الظن به مع الامكان مندوب، فمع اكثرية انصاب الحرم على اليسار يوجب التياسر-عند استعمال العلائم المحصلة للجهة-قوة الظن بالاقربية منه.
اقول: لا يخفى ضعف كل ما ذكروه من الابتناء و الاطراد و رجحان التياسر.
اما الاول: فلانه انما يتم اذا كانت علامات القبلة مفيدة للظن بعين الكعبة و استحب توسيط الحرم، فحينئذ يمكن ان يقال: انه يستحب له التياسر حتى يحصل التوسيط، اذ لو لا الاول فلا تفيد اكثرية الحرم ذات اليسار رجحان التياسر، اذ لا يعلم المصلي الا انه متوجه الى عين الحرم او جهته، فلعله يكون متوجها الى يسار الحرم بحيث لو تياسر خرج عن الحرم، او وقع في اواخر اليسار، فلا يفيد التعليل.و لو لا الثاني فلا فائدة في التياسر، لان استقبال الحرم عينا او جهة حاصل، و خصوص موضع المستقبل اليه من الحرم غير معلوم و لا مظنون حتى يفيد التياسر فيه شيئا.
و شيء من الامرين لا يثبت.
اما الاول: فلما مر من عدم امكان الظن باصابة عين الكعبة.
و اما الثاني: فلعدم دليل عليه.
هذا، مع انه لو سلم حصول ذلك الظن فيحصل التوسيط بالتياسر الذي تبلغ نهايته عند الحرم نحو ميلين حتى يحصل التوسيط، و ذلك محال في حق العراقي قطعا، اذ لو حصل التياسر بادنى ما يمكن ان يتصور و يحس به، يزيد التفاوت في الحرم عن فرسخ و فرسخين بل عشرة فراسخ.
و القول بان ذلك يقدح على اعتبار عين الحرم دون الجهة، اذ الممكن-على اعتبارها-ايجابه الابعدية عن العين دون الخروج عن الجهة، الا ان احتمال ايجابه الاقربية اليها اظهر، لاكثرية الانصاب في اليسار.مدفوع: بانا لو سلمنا عدم ايجاب التياسر الخروج عن الجهة، مع انه غير مسلم سيما على ما ذكرنا من معنى الجهة، فليس الكلام في الخروج عن القبلة، بل في موافقة التعليل.و ايجاب اكثرية الانصاب بقدر ميلين في جانب لاظهرية الاقربية اليها في هذا البعد البعيد ظاهر البطلان.
و اما الثاني: فلان جهة الكعبة و ان كانت متسعة، و استقبال الاقرب فالاقرب الى الحرم راجحا، و تحصيل الظن به مع الامكان مندوبا، الا ان هذه الامور غير مفيدة لرجحان التياسر و لو كانت انصاب الحرم في جانب اليسار اكثر الا اذا كان استعمال العلائم المحصلة للجهة موجبا للظن باصابة خارج الحرم عن اليمين، فالتياسر يوجب الاقربية، و لم يقل بذلك احد، بل يمكن ان تكون الاصابة مع استعمالها على يسار الحرم فيبعد عنه بالتياسر.
نعم، لو قلنا بان استعمال العلائم يفيد الظن بعين الكعبة و يستحب توسيط الحرم، لكان لذلك وجه ايضا، و لكن فيه ما مر.
و بالجملة لا يتصور معنى للتياسر و ما يضاف التياسر اليه موافقا للتعليل المذكور اصلا، و منه يحصل في التعليل الاجمال المخرج له عن الاعتبار بالمرة.
بل في متن الاخبار في اصل الحكم ايضا اجمال-لا من وجهين-لا يمكن الاستناد اليها اصلا، لان المتياسر عنه فيها غير معلوم، فانه و ان كان القبلة-كما به صرح في الرواية الاولى-و لكن المراد من القبلة فيها لا يمكن ان يكون ما جعله الشارع قبلة من الكعبة او مع المسجد و الحرم او مع جهتها ايضا، لان التحريف عنها عمدا غير جائز اجماعا.بل المراد اما ما تقتضيه العلامات و يظن به من الامارات، او ما كانوا يتوجهون اليه في زمان الخطاب او بخصوص بلدة ايضا و كان عليه بناء قبلتهم، لكون المعنى: لم وقع التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة التي يستقبلونها في بلادهم؟ و لعله كان لعلم الامام بحصول تيامن في قبلتهم، كما يؤيده ما ورد في وصف مسجد غنى و ان قبلته لقاسطة (155) ، و ما ورد من انه اذا قام القائم سوى قبلة مسجد الكوفة (156) ، و ما ورد في اخبار امير المؤمنين ببناء مسجد الكوفة من المطبوخ و تغيير قبلته و الذم عليه (157) .
و يعضده ايضا ما ذكره بعض مشايخنا من ان انحراف قبلة مسجد الكوفة الى اليمين ازيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا، و كذا مسجد سهلة و مسجد يونس (158) .
و لما كان اكثر تلك المحاريب مبنية في زمان خلفاء الجور لم يمكنهم القدح فيها، فامروا بالتياسر و عللوه بعلة يمكن اظهارها لكل احد و يرتضيها المخالف ايضا.
و على هذا فلا يثبت الاستحباب لاهل سائر البلاد، بل لاهل بلد السائل او السؤال في هذا الزمان ايضا.
و من هذا يظهر وجه ضعف الثالث و عدم رجحان التياسر ايضا.
التاسعة: الفاقد للظن يصلي الى اربع جوانب على الاظهر، وفاقا للجليلين: شاذان بن جبرئيل (159) ، و علي بن ابراهيم (160) و الشيخين (161) و السيدين (162) و الفاضلين (163) و الاسكافي (164) و الحلي و الحلبي و القاضي و الديلمي (165) ، و غيرهم (166) ، بل هو الاشهر كما صرح به جماعة (167) ، بل عليه الاجماع في المعتبر و المنتهى و التذكرة و عن الغنية (168) .
لا لاستصحاب الشغل الغير المندفع الا بالصلاة الى الاربع، لعدم اندفاعه بها ايضا، اذ لا يحصل العلم معها بالاستقبال الذي هو المحاذاة العرفية لمكة و لا الظن.
مضافا الى امكان منع الاشتغال اليقيني باستقبال القبلة حينئذ، لتقييد اوامره بالعلم قطعا (169) .
و العلم بحصر المكلف به بين امور يمكن الاتيان بها بسهولة و ان كان كافيا، الا انه هنا غير حاصل، لعدم محصورية موضع القبلة-بالمعنى الذي ذكرنا-عرفا، مع ان وجوب الاتيان بهذا المعلوم منفي اجماعا (170) .
و لا لما قيل من وجوب الاربع من باب المقدمة (171) ، لما ذكر من عدم وجوب ذي المقدمة، و عدم حصول العلم من الاربع (172) .
بل لمرسلة خراش، المتقدمة (173) .
و تضمن المرسلة لنفي الاجتهاد الثابت اجماعا و نصا، و هو يخرجه عن الحجية، ممنوع، لما مر في توجيهها (174) .
مع انه لو سلم فلا يلزم من خروج جزء من الحديث عن الحجية خروج الباقي ايضا.
و مرسلة الكافي: و روي ايضا «انه يصلي الى اربعة جوانب» (175) و الفقيه: و قد روي فمن لا يهتدي القبلة في مفازة ان «يصلي الى اربعة جوانب» (176) .
و ضعف تلك الروايات-لو كان-بما مر منجبر، و قصور بعضها عن افادة الوجوب-بعد انتفاء القول بالرجحان المجرد بل الجواز-غير مضر، و اشعار ظاهر ما في الكافي بالتخيير-لو سلم-في الاجماع المركب لا يقدح، مع ان اولاها في الوجوب صريحة.
خلافا للمحكي عن العماني (177) ، و ظاهر الصدوق طاب ثراهما (178) ، فقالا:
يصلي على جهة واحدة ايها شاء، و مال اليه في المختلف و الذكرى (179) ، و قواه الاردبيلي و صاحب المدارك و المحقق الخوانساري في شرح الروضة (180) ، و جمع آخر من متاخري المتاخرين منهم الحدائق (181) ، و والدي العلامة، قدس الله اسرارهم.
للاصل، و صحيحة زرارة و محمد: «يجزئ المتحير ابدا اينما توجه اذا لم يعلم وجه القبلة» (182) .
و مرسلة ابن ابي عمير: عن قبلة المتحير، فقال: «يصلي حيثشاء» (183) .
و صحيحة ابن عمار المروية في الفقيه: الرجل يقوم في الصلاة، ثم ينظر بعد ما فرغ، فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا و شمالا، قال: «قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة، و نزلت هذه الآية في قبلة المتحير: «و لله المشرق و المغرب فاينما تولوا فثم وجه الله» » (184) .
و الجواب: اما عن الاصل: فباندفاعه بما مر.
و اما عن الاخبار: فبان-مع عدم صلاحيتها لمقاومة ما ذكر، لمخالفتها للشهرة التي يخرج بها الخبر عن الحجية.و وهن الاول: بان زرارة قد رواه ايضا بتبديل المتحير بالتحري، فيمكن كون الاصل ذلك، و ان ضعف هذا الاحتمال بنوع اختلاف في السندين، بل في المتن في غير موضع التبديل ايضا (185) ، و بانه يدل على عدم وجوب التحري اذا فقد العلم و ان امكن للمتحير تحصيل الظن، و هو خلاف الاجماع و الاخبار، و حمل المتحير على من كان عاجزا من العلم و الظن كما هو المتبادر يوجب زيادة قوله «اذا لم يعلم» الى آخره، بل حزازته، و هذا و هن من جهة اخرى.و الثالث: بان ذيله الذي هو محل الدلالة يمكن كونه من كلامالفقيه، بل هذا اظهر من سياق الخبر، و من روايته في التهذيب من غير هذه الزيادة (186) ، و بمعارضة المستفيضة المروية في المجمع، و تفسيري القمي و العياشي في ان هذه الآية نزلت في النافلة خاصة (187) -انها لا تنافي ما مر.
اما الاولان و ذيل الثالث-لو كان من الحديث-فلانه لا كلام في ان المتحير يجزئه اينما توجه و يصلي حيثشاء، و انما الكلام في انه هل يصلي صلاة واحدة كذلك او اربع، و المقيد مقدم على المطلق.
نعم غاية الامر ان بعد اتيانه بصلاة واحدة حيثشاء يتعين عليه جعل الجهات بعضها مقابلا لبعض بدليل آخر.
و اما صدر الثالث: فلاطلاقه بالنسبة الى كون ما استقبل ما ظنه بعد التحري او لا، فيجب تقييده.
هذا كله، مع ان لهذه الروايات عموما بالنسبة الى آخر الوقت الذي لا يسع الاربع، و ما مر مخصوص بغيره كما ياتي، و الخاص مقدم على العام قطعا.
فضعف هذا القول ظاهر جدا.
و اضعف منه ما حكي عن ابن طاووس (188) ، و نفى عنه الباس في المدارك (189) ، من وجوب القرعة، لانها لكل امر مشكل، لانتفاء الاشكال هنا على كل من القولين، لاستناد كل منهما الى حجة شرعية.