و فيه مسائل:
فلا يجزئ غيره و لو كان ظنا، لاصالة عدم مشروعيتها، و عدم دخول وقتها، و عدم جواز اتباع غير العلم، و عدم حصول الشرط، و استصحاب الشغل و الوقت السابق.
و المستفيضة من الاخبار، كرواية علي: في الرجل يسمع الاذان، فيصلي الفجر، و لا يدري اطلع الفجر ام لا، غير انه لمكان الاذان يظن انه طلع، فقال:
«لا يجزئه حتى يعلم انه طلع» (1) .
و رواية ابن مهزيار: قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، الى ان قال:
فكتب عليه السلام «فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تبينه» (2) .
و مرفوعة ابن عيسى: «فاذا استبنت الزيادة فصل الظهر» (3) .
و المروي في السرائر: «فاذا استيقنت انها قد زالت فصل الفريضة» (4) .
و مع ذلك فهو في غير ما ياتي استثناؤه اجماعي، كما صرح به جماعة (5) .و كلام[النهاية] (6) و ان اشعر بكفاية الظن مطلقا، الا ان ارجاعه الى مذهب الاصحاب ممكن (7) .
ثم من المستثنيات في المشهور غير المتمكن من العلم في الحال و ان امكنه العلم بالصبر الى ان تيقن بالوقت، بل نسب الى التنقيح دعوى الاجماع عليه (8) ، و في النسبة كلام (9) .
و استندوا في استثنائه الى المعتبرة الآتية، المعتبرة للمظنة الحاصلة من الاذان و صياح الديوك (10) ، بحملها على عدم التمكن جمعا.
و المستفيضة المجوزة للافطار عن ظن الغروب (11) ، لعدم القول بالفرق.
و موثقة بكير: ربما صليت الظهر في يوم غيم، فانجلت، فوجدتني صليتحين زوال النهار، فقال: «لا تعد و لا تعد» (12) .
و خبر اسماعيل بن رباح: «اذا صليت و انت ترى انك في وقت[و لم يدخل الوقت]فدخل الوقت و انت في الصلاة فقد اجزات عنك» (13) فان قوله: «و انتترى» ظاهر في الظن.
و رواية سماعة: عن الصلاة بالليل و النهار اذا لم تر الشمس و لا القمر و لا النجوم، قال: «اجتهد برايك و تعمد القبلة جهدك» (14) .
و صحيحة زرارة: «وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رايتبعد ذلك و قد صليت فاعد الصلاة و مضى صومك» (15) .فانها ظاهرة في صورة الظن، لانها التي تتصور معها الرؤية بعدها، و مفهومها: انه ان لم يره بعد ذلك تكون صلاته صحيحة، و معلوم ان عدم الرؤية لا يجعل ظنه علما.
و مفهوم المروي في تفسير النعماني: «ان الله عز و جل اذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها الله دليلا على اوقات الصلاة فموسع عليهم تاخير الصلاة، ليتبين لهم الوقت و يستيقنوا انها قد زالت» (16) .
هذا كله مضافا الى ان مع بقاء التكليف و عدم التمكن من العلم لا مناص عن العمل بالظن.
و يضعف الاول: بان تلك المعتبرة مع تسليمها لا تثبت الا مواردها من غير تقييد بعدم التمكن من العلم، و اما التقييد به ثم التعدي الى كل ظن فلا، و القول باعتبار موردها مطلقا موجود (17) ، بل قيل: لو ثبت اعتباره فيكون من العلم (18) ، مع ان الجمع بهذا الطريق يتوقف على الشاهد، و هو مفقود، و غيره ممكن.
و الثاني-بعد تسليم دلالتها و خلوها عن المعارض-: بانه لا ملازمة بين جواز الافطار و جواز الصلاة.
و دعوى عدم القول بالفرق غريبة، كيف؟ ! مع ان صاحب المدارك-الذي نقل المنع عن الاسكافي هنا و اختاره-نفى الخلاف عن الجواز في الافطار و اختاره، بل بعض الاخبار الذي استندوا اليه في الافطار صريح في الفرق، و هو صحيحة زرارة المتقدمة، حيثحكم فيها باعادة الصلاة و مضي الصوم (19) .
و الثالث: بعدم دلالة فيه على انه صلى مع ظن، لاحتمال كونه عالما.
و النهي عن العود الى مثله اما لانه فعل من لا يصلي النوافل، و الاستمرار عليه مرجوح، او لان التعجيل الى الصلاة في الغيم-و لو مع العلم-ربما يفضي الى الصلاة قبل الوقت.
و الرابع: بمنع ظهور الرؤية في الظن لو لم ندع ظهورها في العلم.
و الخامس: باختصاصه بالقبلة و منع شموله للوقت.
و السادس: بلزوم تجوز في قوله: «غاب القرص» و هو اما الجزم به او الظن، فالاستدلال به لاحدهما عن الاعتبار ساقط، بل الظاهر منه العلم، لانه الاقرب الى الغياب الواقعي.
و السابع: بالضعف الخالي عن الجابر كما يظهر وجهه، مع ما فيه من ضعف الدلالة، اذ معنى توسعة التاخير اما جوازه او اتساع مدته، و على التقديرين لا يفيد المفهوم مطلوبهم، و لذا جعله بعضهم دليلا على لزوم تحصيل العلم.
و الثامن: بانه لو سلمتبدلية الظن عن العلم حين عدم التمكن منه، فانما هو اذا لم يتمكن منه مطلقا، و اما مع التمكن منه بالصبر فلا، بل ليس حينئذ من باب عدم التمكن من العلم اصلا.
نعم، لو لم يتمكن منه و لو بالصبر، كخوف طلوع الشمس و نحوه، فلا مناص عن العمل بالظن او فرد منه، و الظاهر عدم الخلاف في جواز التعويل حينئذ عليه، بل يمكن حمل كثير من عبارات الاصحاب على ذلك، كما صرح به المحقق الخوانساري رحمه الله (20) ، بل هو الظاهر من عدم التمكن من العلم.
و على هذا فيظهر القدح فيما اعتضد به القول بالجواز من الشهرة و الاجماع المنقول، لورودهما على صورة عدم التمكن من العلم المحتمل، بل الظاهر في تعذره بالكلية.
و لاجل ضعف تلك الادلة خالف الاسكافي من القدماء (21) -بل السيد على ما يظهر من -في الاستثناء، و اختاره من المتاخرين صاحب المدارك (23) ، و المحقق الخوانساري في حواشيه على الروضة، و بعض شراح المفاتيح (24) ، و نفى عنه البعد المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد (25) ، فلم يستثنوه الا مع الياس المطلق عن حصول العلم، و احتمله الفاضل في نهاية الاحكام ايضا (26) ، و هو الاقرب.
و من المستثنيات، في المعتبر و المعتمد: سماع اذان الضابط الثقة (27) ، لقوله عليه السلام: «المؤذن مؤتمن» (28) .و مثله رواية الهاشمي (29) .
و قوله: «خصلتان معلقتان في اعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم، و صيامهم» (30) .
و مرسلة الفقيه: في المؤذنين «انهم الامناء» (31) .
و الاخرى: «انما امر الناس بالاذان لعلل كثيرة، منها: ان يكون تذكيرا للناسي، و منبها للغافل، و تعريفا لمن جهل الوقت و اشتغل عنه» (32) .
و ثالثة، و فيها: «فقال النبي صلى الله عليه و آله: ان ابن مكتوم يؤذن بليل، فاذا سمعتم باذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا اذان بلال» (33) .
و رابعة، و فيها: «المؤذنون امناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم» (34) .
و رواية خالد: اخاف ان اصلي الجمعة قبل ان تزول الشمس، قال: «انما ذلك على المؤذنين» (35) .
و صحيحة المحاربي: «صل الجمعة باذان هؤلاء، فانهم اشد شيء مواظبة على الوقت» (36) و مقتضى تعليلها جواز الاعتماد على اذان كل من كان كذلك.
و المروي في قرب الاسناد: عن رجل صلى الفجر في يوم غيم او في بيت، و اذن المؤذنون، و قعد فاطال الجلوس حتى شك، فلم يدر هل طلع الفجر ام لا، فظن ان المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال: «اجزاه اذانه» (37) .
و في تفسير العياشي: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام و هو مغضب و عنده نفر من اصحابنا و هو يقول: «يصلون قبل ان تزول الشمس» قال: و هم سكوت، فقلت: اصلحك الله ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة، قال: «فلا باس، اما انه اذا اذن فقد زالت الشمس» (38) .
خلافا للاكثر، فلم يعتبروه اما مطلقا، او الا مع عدم التمكن من العلم، لعمومات اشتراط العلم، و خصوص رواية علي، المتقدمة (39) ، و كون روايات الاعتبار بين غير دال و ضعيف.
اقول: لا شك في ضعف كثير من رواياته، و عدم تمامية دلالة بعضها، الا ان اكثر مراسيل الفقيه و صحيحة المحاربي حجة ظاهرة الدلالة على المراد.
و لوجوب تخصيص العام منها بالعارف الضابط، للاجماع على عدم اعتبار غيره، و للتفرقة بين اذان ابن مكتوم و بلال، و التعليل المذكور في الصحيحة، و لموثقة عمار: عن الاذان هل يجوز ان يكون من غير عارف، الى ان قال: «فان علم الاذان فاذن به و لم يكن عارفا لم يجز اذانه و لا اقامته، و لا يقتدى به» (40) و في بعض النسخ: «لا يعتد به» تصير اخص من رواية علي، فيجب تخصيصها به.
فقول المعتبر و المعتمد معتبر و معتمد.
و المراد بالعارف الثقة من يكون عارفا بالوقت موثوقا به عن التقديم و التاخير عمدا.
و لا بد من امكان علمه بالوقت، كما قيد به في المدارك (41) ، فلو كان السماء بحيث لم يتصور حصول العلم لا يعول عليه، لفقدان فائدة المعرفة التي رتب التعويل عليها حينئذ، بل يكون مبنى اذانه على الظن و الاجتهاد، فلا يصلح للتعويل و الاعتماد.
ثم بعد ملاحظة اعتبار اذان الثقة العارف يعلم بتنقيح المناط القطعي اعتبار اخبار العدل العارف الواحد، و اولى منه العدلان العارفان، و هما ايضا موضعان من مواضع الاستثناء، و استثناهما بعض من لم يستثن الاذان او مطلق الظن ايضا و لو مع عدم التمكن من العلم (42) .
و مما قد يستثنى: صياح الديوك لمعرفة الزوال، عن ظاهر الصدوق و الذكرى (43) ، لروايتي ابي عبد الله الفراء (44) ، و الحسين بن المختار (45) .
و لا باس به مع اشتراط تجاوب الديوك بعضها بعضا، كما في الرواية الاولى، و تحقق ثلاثة اصوات ولاء، كما في الثانية.
و يشترط ان يكون ذلك حيث تشهد به العاد، كما في شرح القواعد (46) ، للاجماع على عدم الاعتبار مع خلاف ذلك.
و ظاهر اطلاق الجواب في الروايتين: عدم اشتراط عدم التمكن من العلم و ان اختص السؤال بيوم الغيم.
فان كان من الظنون الغير المعتبرة فيه، او قطع بدخول الوقت مع علمه بوجوب مراعاته و بانه ما هو، فظهور الخلاف اما بعد تمام الصلاة او قبله.
فعلى الاول: فمقتضى الاصل صحة الصلاة و عدم وجوب القضاء، سواء ظهر وقوع الصلاة بتمامها قبل الوقت او بعضها، لانه متعبد بعلمه و ظنه، فيكون ما اتى مامورا به، و هو يقتضي الاجزاء.
و القول بانه يقتضيه لذلك المامور به، لا للمامور به في الوقت، مردود:
بالعلم بكون الاول بدلا عن الثاني، فانا نعلم انه ليس ها هنا امران، بل امر واحد، و سبب التكليف و الدال عليه هو الامر الواحد، فليس هنا الا سبب واحد، فلا تجري اصالة عدم تداخل الاسباب، و الحاصل هنا واحد و هو الامر بالصلاة في الوقت، و ذلك الزمان وقتباعتبار علمه (47) .
و لان المراد بالوقت المضروب للصلاة: الظاهري، و هو ما علم انه وقت، او ظن بالظن المعتبر شرعا، دون النفس الامري، فيكون اتيانه في وقته.
و تدل عليه في صورة وقوع بعضها خارج الوقت رواية ابن رباح، المتقدمة في المسالة السابقة (48) .
لكن خرج ما اذا وقع تمامها قبله بالدليل، و هو ليس-كما قيل (49) -انه ادى ما لم يؤمر به.او موثقة ابي بصير: «من صلى في غير وقت فلا صلاة له» (50) .او صحيحة زرارة: في رجل صلى الغداة بليل، غره من ذلك القمر و نام حتى طلعت الشمس، فاخبر انه صلى بليل، قال: «يعيد صلاته» (51) او رواية سماعة: «اياك ان تصلي قبل ان تزول» (52) .
لما في الاول من منع عدم كونه مامورا به، فانه متعبد بظنه.و في الثاني من منع وقوع الصلاة في غير الوقت، لوقوعها في الوقت الظاهري الذي يجب ان يكون هو المراد من الوقت جدا.و في الثالث من عدم دلالته على وجوب الاعادة.و في الرابع من ان المراد: قبل ان يعلم الزوال، و الا جاء التكليف بما لا يطاق.
بل للاجماع المحقق و المحكي في المدارك (53) ، و في السرائر: بلا خلاف بين اصحابنا في ذلك (54) ، و في شرح القواعد: لا خلاف فيه (55) ، و صحيحة زرارة، المتقدمة في المسالة السابقة (56) ، و مفهوم الشرط في رواية ابن رباح (57) .
و على الثاني فمقتضى الاصل الفساد، لان ما بقي من صلاته غير ماتي به بعد، فلا مقتضي للاجزاء، و لم يعلم ان اول الوقت وقت لآخر الصلاة ايضا فلم يعلم الامر به، فلا يكون صحيحا، و بفساده تفسد الاجزاء المتقدمة ايضا.
الا ان مقتضى رواية ابن رباح الاجزاء، و لكن الثابت منها انما هو في صورة العلم، لانه المتيقن ارادته، مع انه لو كان يرى بمعنى يظن-كما قيل-يثبت في صورة العلم ايضا بالاولوية، و لا عكس، بل في صورة الظهور في الاثناء حين دخول الوقت دون ما اذا ظهر الخطا قبله، لعدم ظهور الرواية فيه.
و المتحصل مما ذكر: وجوب الاعادة مع وقوع تمامها قبل الوقت مطلقا، اوبعضها مع ظهور الخطا قبل دخول الوقت و ان علم انه يدرك الوقت في الاثناء، او بعده مع دخوله في الصلاة بظن الوقت دون علمه، و عدمه مع وقوع بعضها قبله و ظهور الخطا بعد الصلاة، او في الاثناء بعد دخول الوقت مع دخوله في الصلاة بالعلم بالوقت (58) .
اجماعا في الاول، بل الثاني على الظاهر، و وفاقا للقديمين و السيد في المسائل الرسيات و المختلف و الاردبيلي و المدارك، في الثالث (59) ، و للاكثر و منهم: الشيخان و الديلمي و الحلي و القاضي و الحلبي و المنتهى، في الاخيرين (60) .
و خلافا لهؤلاء في الثالث، فجعلوه كالاخيرين، لرواية ابن رباح بجعل قوله: «ترى» ظاهرا في الظن.
و فيه منع ظاهر.
و لمن تقدم عليهم في الاخيرين، فجعلوهما كالثالث، لضعف الرواية، و موثقة ابي بصير، المتقدمة، و النهي عن الصلاة قبل الوقت الموجب للفساد، و عدم الامتثال، للامر بايقاعها في الوقت، و وجوب تحصيل اليقين بالبراءة، و انتفاء الوقت الخاص الذي هو شرط الصحة.
و يضعف الاول: بانجبار الضعف-لو كان-بالشهرة، مع صحة الرواية عن ابن ابي عمير الذي على تصحيح ما يصح عنه اجمعت العصابة.
و الثاني: بما مر سابقا، مضافا الى عمومها بالنسبة الى وقوع تمام الصلاة قبل الوقت او بعضها (61) ، و خصوص الرواية.
و بهما يضعف الثالث ايضا، و البواقي بما ظهر وجهه مما ذكرنا، مع ان بعد الدليل على كفاية العلم او الظن نمنع اشتراط الوقت الخاص، بل يكون الشرط العلم به او الظن.
او في تعيينه كمن صلى بعد الفجر الاول جهلا منه بانه الوقت او بعد الفجر الثاني، او جاهلا بوجوب مراعاته، او ناسيا لها، او للظهر-مثلا-فادى العصر في الوقت المختص به، او خاطئا في الوقت، كمن صلى بعد الفجر الاول جازما بانه الوقت المقرر لصلاة الصبح، او غافلا، لم يجزىء عن المامور به، و وجب عليه الاعادة و القضاء مطلقا، سواء وقع جزء منها في الوقت او لا، و سواء احتمل الخلاف في الرابع ام لم يخطر بباله اصلا.
للامر بالصلاة بعد الزوال-مثلا-او بعد العلم او الظن المعتبر به، و لم يات بذلك في شيء من الصور، فيكون مامورا بها في الوقت، و بالقضاء-لعموماته- في خارجه.
و معذورية بعض اقسام غير الثلاثة الاولى لا تفيد هنا، اذ غاية مقتضاها عدم الاثم، او مع صحة عبادته، لان العبادة التي اتى بها هي ما امر به باعتبار جزمه بانه مامور به، و هو امر آخر غير الامر بالصلاة بعد العلم او الظن بالزوال مثلا، فان الاول امر تعلق به بخطاب العقل الحاكم بان كل من قطع بتعلق حكم به يتعلق به، و الا فلا خطاب شرعيا بالصلاة في الفجر الاول مثلا، و الثاني بخطاب الشرع، و لم تثبتبدلية الاول عن الثاني.
فالخلاف المحكي عن بعض فيما اذا صادف بعض الصلاة الوقت في العامد، كما هو ظاهر نهاية الاحكام (62) ، و المحكي عن المهذب (63) ، او في الناسي كما عنهما، و عن الكافي و في البيان (64) ، لرفع النسيان، و تنزيل ادراك الوقت في البعض منزلته في الكل، و لما تقدم من خبر ابن رباح (65) ، ضعيف غايته، و معنى رفع النسيان رفع الاثم، و التنزيل المذكور على الاطلاق ممنوع، و الخبر غير شامل للمطلوب.
و لو صادفت صلاة هؤلاء الوقتبتمامها، فان كان من الثلاثة الاولى، او المقصر من الجاهل و الخاطئ، وجب عليه الاعادة و القضاء، لكون صلاته منهيا عنها.
و ان كان من الجاهل او الخاطئ الغير المقصر، او الناسي، او الغافل، فان علم بالزوال-مثلا-تصح صلاته و لا يجب عليه الاعادة و القضاء و ان كان جاهلا او ناسيا او غافلا لوجوب مراعاته، لاصالة عدم اشتراط العلم بوقتية الزوال.
و ان جهل بالزوال، فالاصح وجوب الاعادة و القضاء، لمثل قوله: «لا يجزئك حتى تعلم انه طلع» (66) و لان الامر بالصلاة في الوقت معناه حال العلم بالوقت و هو لم يمتثل ذلك، فيجب عليه امتثاله، و لا تنافيه معذورية الجاهل.
و هاهنا قسم آخر، و هو من صلى في وقت مختلف فيه، كبعد الغروب قبل زوال الحمرة، او سائر ما اختلف فيه في الاختيار و الاضطرار، من غير تقليد لمن يقول بالوقتية، و حكمه الصحة مع العلم بالوقتية من غير خطور خلاف، و البطلان بدونه، كما بين وجهه في الاصول.
ظاهر.و كذا يجوز ان يصلي الفرائض اداء و قضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة، فتقدم حينئذ، اجماعا في المقامين على الظاهر المصرح به في جملة من كلمات الاصحاب.
و هو الحجة، مضافا الى الاصل، و العمومات السليمة عن المعارض، و خصوص النصوص الآتية في بحث القضاء و الصلوات الآتية.
و كذا يجوز التنفل بغير اداء الرواتب في وقت الفريضة، على الاظهر، وفاقا لظاهر المهذب للقاضي، و الذكرى و شرح القواعد و الدروس و روض الجنان و المدارك و الذخيرة و شرح الارشاد للاردبيلي و المفاتيح (67) ، و المعتمد.و في الدروس: انه الاشهر. للاصل، و الاخبار المتكثرة، المصرحة بالجواز عموما او خصوصا.
فمن الاول: العمومات الناطقة بان التطوع بمنزلة الهدية متى ياتي بها قبلت، و هي كثيرة جدا (68) .و بان الفائتة-الشاملة لقضاء النوافل-تقضى في كل وقت او ساعة او حين ذكرها، كصحيحتي ابن ابي يعفور و ابي بصير (69) ، و روايات زرارة و نعمان و ابن ابي العلاء و ابن عمار (70) ، و غيرها.و بان خصوص النوافل يقضى في كل وقت، كصحيحة حسان (71) ، و مكاتبة محمد بن يحيى (72) ، و رواية سليمان (73) .
و بان الفائتة تصلى في وقت الفريضة ايضا، كحسنة الحلبي (74) ، و خبر محمد (75) ، بل صحيحتهما.
و من الثاني: خبر ابي بصير: «ان فاتك شيء من تطوع النهار و الليل فاقضه عند زوال الشمس، و بعد الظهر عند العصر، و بعد المغرب، و بعد العتمة» (76) و نحوه المروي في قرب الاسناد (77) .
و موثقة اسحاق: قلت: اصلي في وقت فريضة نافلة؟ قال: «نعم في اول الوقت اذا كنت مع امام يقتدى به، فاذا كنت وحدك فابدا بالمكتوبة» (78) .
و الاخبار المتكثرة المصرحة باستحباب بعض الصلوات في بعض اوقات الفرائض، كمرسلة علي بن محمد في عشر ركعات بين العشاءين (79) ، و اخرى في ركعتين بينهما يقرا في اولاهما بعد الحمد عشرا من اول البقرة و آية السخرة (80) ، و رواية الجعفري في ركعتين بين الاذان و الاقامة (81) ، و روايات الغفيلة (82) ، و في الصلوات الواردة بين الظهرين خصوصا يوم الجمعة، و صلوات الرغائب (83) ، و كثير من نوافل شهر رمضان، و غير ذلك مما لا يعد كثرة.
خلافا لنهاية الاحكام و السرائر و القواعد و المعتبر و الشرائع و النافع و المنتهى و التذكرة و عن المقنعة و المبسوط و الجمل و العقود (84) ، و الاقتصاد (85) ، و الاصباح و الوسيلة و الجامع (86) ، الا ان المذكور في كلام الثلاثة الاول هو: قضاء النوافل خاصة، بل المشهور، كما في شرح القواعد و الروضة (87) ، و غيرهما.و ظاهر المعتبر: نسبته الى علمائنا (88) .
لما مر من الاخبار في تحديد نوافل الظهرين بالذراع و الذراعين، الآمرة بالبداة بالفريضة بعد خروج وقت النافلة (89) ، و في عدم جواز الايتار بعد طلوع الفجر (90) .
مضافا الى مستفيضة اخرى، منها: موثقات محمد، و نجية، و اديم: الاولى مرت في نافلة المغرب (91) ، و الثانية: تدركني الصلاة فابدا بالنافلة؟ فقال: «لا، ابدا بالفريضة و اقض النافلة» (92) .و الثالثة: «لا يتنفل الرجل اذا دخل وقت فريضة»قال: و قال: «اذا دخل وقت فريضة فابدا بها» (93) .
و روايتي زياد و الحضرمي:
الاولى: «اذا حضرت المكتوبة فابدا بها، فلا يضرك ان تترك ما قبلها من النوافل» (94) .
و الثانية: «اذا دخل وقت صلاة مفروضة فلا تطوع» (95) .
و صحيحتي زرارة المرويتين في الذكرى:
احداهما: «اذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدا بالمكتوبة» (96) .
و الاخرى: اصلي نافلة و علي فريضة او في وقت فريضة؟ قال: «لا تصلى نافلة في وقت فريضة، ارايت لو كان عليك من شهر رمضان اكان لك ان تتطوع حتى تقضيه» ؟ قال: قلت: لا، قال: «فكذلك الصلاة» قال: فقايسني و ما كان يقايسني (97) .
و المروي في السرائر صحيحا: «لا تصل من النافلة شيئا في وقت فريضة، فانه لا تقضى نافلة في وقت فريضة، فاذا دخل وقت الفريضة فابدا بالفريضة» (98) .
و في الخصال: «لا يصلي الرجل نافلة في وقت الفريضة الا من عذر، و لكن يقضي بعد ذلك اذا امكنه القضاء» الى ان قال: «لا تقضى نافلة في وقت الفريضة، ابدا بالفريضة ثم صل ما بدا لك» (99) .
و الرضوي: «لا تصلى النافلة في اوقات الفرائض الا ما جاءت من النوافل في اوقات الفرائض[مثل]ثمان ركعات بعد زوال الشمس» (100) الحديث.
و يجاب عنها-بعد رد الاولين بما مر في موضعهما (101) ، و بان الوقت في الاول غير محل النزاع، لان الوقت الممنوع فيه النافلة هو بعد الذراع و الذراعين لا مطلق وقت الفريضة كما هو المطلوب، مع كون موردهما الراتبة الحاضرة التي هي غير المتنازع فيه، و كذا الموثقة الثانية لمكان الحكم بالقضاء، بل الرواية الاولى كما هو الظاهر من قوله: «ما قبلها من النوافل» بل رواية الخصال لقوله: «و لكن يقضي» .
مع ما في الموثقة من امكان ارادة تضيق الصلاة او حضور الجماعة من الادراك، بل هي ليس باخفى من ارادة دخول الوقت، و ما في الرواية الاولى من امكان ارادة الثاني او حضور الصلاة بشروع المؤذن في الاقامة كما يستفاد من بعض المعتبرة، و ما في رواية الخصال من ان جزاها الاول يدل على الجواز مع العذر، المثبت للجواز مطلقا بالاجماع المركب، و رد الرضوي باشتماله على النفي الغير الصريح في التحريم-:
اولا: بانه يمكن ارادة الوقت المضيق من الجميع، لكفاية ادنى الملابسة في الاضافة، بل الاختصاص الظاهر من الاضافة انسب بها، و يرجحها ايجابها سلامة الجميع عن تخصيص النافلة بغير الرواتب.
بل تشهد لها موثقة سماعة: عن الرجل ياتي المسجد و قد صلى اهله ا يبتدئبالمكتوبة او يتطوع؟ فقال: «ان كان في وقتحسن فلا باس بالتطوع قبل الفريضة، و ان كان خاف الفوت من اجل ما مضى من الوقت فليبدا بالفريضة و هو حق الله، ثم ليتطوع بما شاء، الامر موسع ان يصلي الانسان في اول وقت دخول الفريضة النوافل الا ان يخاف فوت الفريضة» (102) الحديث، بل لا وجه للعدول عن ذلك مع وجود مثل تلك القرينة و الشاهد.
و ثانيا: بانه يمكن ارادة الافضلية من الامر بالبداة بالفريضة، و المرجوحية من النهي عن النافلة، بل تتعين تلك الارادة-بناء على تعميم الوقت-بشهادة ما مر من المستفيضة المجوزة، و بقرينة قوله في الموثقة المذكورة بعد ما مر: «و الفضل اذا صلى الانسان وحده ان يبدا بالفريضة اذا دخل وقتها ليكون فضل اول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه ان يصلي النوافل من اول الوقت الى آخر الوقت» .
و اي قرينة اوضح من نفي الحظر عنه عن ذلك مع التصريح بالفضل فيها، و في صحيحة محمد: اذا دخل وقت الفريضة اتنفل او ابدا بالفريضة؟ فقال: «ان الفضل ان يبدا بالفريضة» (103) .
و المناقشة: بان الفضل غير الافضلية و هو يحصل في الواجب ايضا، باردة جدا، فان مع التصريح بالجواز و نفي الحرمة-كما في الموثقة-يصير صريحا في الاستحباب.
و ايضا: الفضل هو الزيادة في الثواب، و هي لا تكون الا مع شيء من الثواب في غيره ايضا، مع ان المتبادر عرفا من اثبات الفضل لشيء على آخر هو ثبوت الاقل للآخر ايضا، و لذا يقال للواجب: الفضل على النافلة، و لا يقال له: الفضل على الحرام.
و نفي امكان حمل جميع اخبار المنع على الكراهة، باعتبار اشتمال بعضها على المقايسة، و تنظير النافلة بمن عليه صوم الفريضة، المانعة عن التطوع اتفاقا، مدفوع-بعد تسليم الاتفاق على المنع في النظير-بان القياس على الممنوع ليس باصرح من المنع، فكما يمكن ارادة الكراهة من صريحه يمكن من المنع المستفاد من القياس ايضا تجوزا، بل امكانها حينئذ اظهر، لان مرجعه الى التشبيه المستدعي لكون المشبه به اقوى.
مع ان احدى الروايتين المشتملتين على المقايسة (104) غير واضحة الحجية، لخلو كتب الاحاديث عنها (105) ، و الاخرى (106) غير صريحة في كون القياس من الامام، لاحتمال ان يكون قوله: «ان تقايس» مبنيا للفاعل و يكون المعنى: اتضمر القياس على تطوعك لو كان عليك من شهر رمضان، و تريد ان تقيس عليه ان اجبتبالجواز؟ مع ان اكثر المانعين مجوزون لفعل نافلة الفجر-التي هي المقيس عليه- في وقت الفريضة (107) .
و القول بان هذين الحملين جمع، و هو فرع المكافاة، و هي في المقام مفقودة، لصحة اكثر اخبار المنع، و استفاضتها، و اعتضادها بالشهرة، مردود: بان وجه الحمل لا ينحصر في الجمع، بل القرينة عليه-كما مر-متحققة (108) ، مع ان فقدان التكافؤ غير مسلم، كما سيظهر وجهه.
مع ان مقتضى صحيحة عمر بن يزيد-المتقدمة في بحث نافلة المغرب (109) - ان المراد بوقت الفريضة الذي منع عن التطوع فيه غير ما هو مطلوب المانع، فيسقط الاستدلال باخبار المنع راسا.
و عدم القول بالحرمة في هذا الوقت غير ثابت، و لو ثبت فغير ضائر، لان مدلول الصحيحة ان المراد بالوقت في اخبار المنع وقت الاقامة، و لا اجماع على نفي ذلك، بل لو كان لكان على عدم المنع حينئذ بخصوصه، و لازمه خروج اخبار المنع عن الحجية و بقاء المنع بلا حجة، مع ان القول بالكراهة في هذا الوقتبخصوصه مشهور، فلو سلم الاجماع المذكور يصير قرينة على ان المنع في اخباره على الكراهة محمول، لا ان تلك الصحيحة عن الحجية خارجة.
و اما ما رد به اخبارنا من ان اخبار المنع اخص من القسم الاول من اخبار الجواز، فتخصيصها بها لازم.و القسم الثاني فما دل منه على جواز بعض النوافل بخصوصه لا يضر، لانه في حكم الاستثناء، و الباقي لقصوره اسنادا عن اثبات الحكم عاجز في مقابلة اخبار المنع، الواضحة الدلالة و الاستناد، المعتضدة بعمل الاصحاب، المخالفة للعامة على ما يستفاد من قوله: «يصنع الناس» في الموثقة السابقة (110) ، بل ربما تومئ اليه المقايسة المذكورة، فان الظاهر ان المقصود منها الرد على العامة.
فمجاب عنه اولا: بمنع اعمية القسم الاول مطلقا، حيث ان تلك العمومات مخصصة بغير وقت ضيق الفريضة قطعا، و اخبار المنع-على تسليم الدلالة-شاملة له ايضا، فغايته العموم من وجه الموجب للتساقط، و بقاء الاصل و جملة من العمومات خاليا عن المعارض.
و ثانيا: بعدم الضرر في قصور السند في الاخبار الموجودة في تلك الكتب المعتبرة، مع انه منها الموثق، و هو في نفسه حجة، و مع ان الخبر الضعيف في مقام الاستحباب في حكم الصحيح و لا يعجز عن اثبات الحكم.
و ثالثا: بمنع ما ذكره من وضوح دلالة الاخبار المخالفة كما عرفت، و لو سلم فاوضحيتها من دلالة اخبار الجواز ممنوعة.
و رابعا: ان وضوح اسناد اخبار المنع في حيز المنع جدا، كيف؟ ! و صحيحتا زرارة لا يعلم سندهما، و انما يحكم فيهما بالصحة تقليدا لمن وصفه بها، لعدم ظهور السند، و كذا رواية السرائر.
و اما صحيحة زرارة، الواردة في ركعتي الفجر (111) ، فهي لعدم عمل المجيب بها في موردها في غاية الضعف من الدلالة، و ليس في البواقي خبر صحيح و لا حسن.
و اما اعتضاد اخبار المنع بالعمل فغير محقق، كيف؟ ! و شهرة المتاخرين على الجواز قطعا، و اما القدماء و من يليهم فلم ينقل القول بالمنع الا عن طائفة قليلة منهم، و اقوال البواقي غير معلومة، بل الظاهر من عدم تصريحهم بالمنع القول بالجواز (112) ، و قول اكثر المانعين ايضا مختص بقضاء الرواتب، فعدم الشهرة في المطلق مقطوع به.
و اما الشهرة المدعاة فمعارضة بادعاء الشهيد الشهرة على الجواز (113) ، و اما قول المحقق فهو غير صريح بل لا ظاهر في دعوى الاجماع في محل النزاع (114) .
و خامسا: ان كون الجواز مذهبا للعامة غير ثابت، و لم يدعه من علمائنا احد، و اما قوله: «كما يصنع الناس» فلا يدل على انهم كانوا يتطوعون بغير الرواتب كما هو المدعى، فلعلهم كانوا يتطوعون بها حينئذ، و لكراهته-كما هي مذهبنا-لم يفعله الامام، بل يمكن ان يستحب عندهم تطوع خاص بين الاذان و الاقامة، كما ان لنا ايضا تطوعات مستثناة بالاجماع، و لكراهتها وقت الفريضة كان الامام لا يفعلها.
و اما المقايسة فمع ما عرفت فيه لا دلالة لها دلالة صالحة للتمسك على كون الجواز مذهب العامة، كما لا يخفى.
وفاقا للاسكافي (115) ، و الصدوق (116) ، و كل من قال بالجواز في المسالة المتقدمة.
للاصل، و العمومات السالفة، بل و اطلاق جميع الاخبار المتقدمة، حيثيشمل ما لو كان عليه فريضة ايضا.
و رواية عمار: «اذا اردت ان تقضي شيئا من الفرائض مكتوبة او غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدا، فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة، ثم اقض ما شئت» (117) .
و موثقة ابي بصير: عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، قال:
«يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة» (118) .
و ما روي بطرق عديدة-منها الصحيح-من نومه صلى الله عليه و آله عن صلاة الصبح حتى آذاه حر الشمس، ثم استيقظ و ركع ركعتي الفجر، ثم صلى الصبح بعدهما (119) .
و كونه اخص من المدعى غير ضائر، لعدم القول بالفصل، كما يظهر من استناد الجماعة في التجويز المطلق اليه.
خلافا لاكثر من منع في المسالة السابقة، للروايات الدالة على وجوب ترتب الفريضة الحاضرة على الفائتة ما لم يتضيق وقت الحاضرة (120) ، و اذا وجب ذلك في الفريضة التي هي صاحبة الوقت ففي نافلتها بطريق اولى، و اولى منها غير نافلتها.
و صحيحة زرارة الثانية، المروية في الذكرى، المتقدمة (121) .
و صحيحة يعقوب: عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، ايصلي حين يستيقظ او ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ قال: «يصلي حين يستيقظ» قلت:
ا يوتر او يصلي الركعتين؟ قال: «بل يبدا بالفريضة» (122) .
و قوله في صحيحة زرارة: «و لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة» (123) .
و يضعف الاول-بعد الاغماض عن الروايات المعارضة لها و تسليم وجوب الترتب-: بمنع الاولوية.
و الثاني-مضافا الى ما تقدم-: بمنع الدلالة، لان المتبادر من وقت الفريضة التي نفى صلاحية النافلة فيها هو وقت الاداء.و قول السائل و علي فريضة او وقت فريضة، لا يدل على ارادة المعنيين عنه في الجواب، و ترك جوابه عن الاول لمصلحة كما ورد في الاخبار ليس بابعد من حمل الوقت على المعنيين.
و البواقي: بعدم الدلالة على الحرمة، لخلوها عن النهي الصريح فيها، سيما بملاحظة ما مر من المجوزات.
فقد مر حكمه في بحث الحيض، و هو كاخبار المقام و ان اختص بالحيض و لكن يتم المطلوب بعدم الفصل.
و لو زال في آخر الوقتبقدر الصلاتين و لو باقل الواجب بحسب حاله وجبتا اداء، بالاجماع، و الاخبار، كخبري منصور و الكناني، و موثقة ابن سنان:
الاول: «اذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر و العصر، فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر» (124) .
و الثاني: «اذا طهرت المراة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء، و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر» (125) .
و الثالث: «اذا طهرت المراة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر، و ان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء» (126) .
و بقدر احدهما وجبت الاخير خاصة كذلك، لقطع الشركة بالتفصيل في خبر منصور، المتقدم.
و لصحيحة معمر: الحائض تطهر عند العصر تصلى الاولى؟ قال: «لا، انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها» (127) .
و بهما تقيد الاطلاقات السابقة.
و بهما ايضا يثبت وجوب التمام لو بقي من وقت الاخيرة قدر ركعة، مضافين الى الاجماع، و الاطلاقات، و النبويين.
احدهما: «من ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة» (128) .
و الآخر: «من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر» (129) .
و رواية ابن نباتة: «من ادرك من الغداة ركعة فقد ادرك الغداة تامة» (130) .
و ضعف بعضها سندا و اختصاصه موردا منجبر بالعمل و الاجماع المركب.
بل يثبت من عموم اول النبويين، بل المتعقبين له بضميمة الاجماع المركب، بل عموم الثلاثة الاولى، و صحيحتي الحذاء و عبيد الآتيتين، ما هو الاظهر الاشهر بل عليه الوفاق عن الخلاف (131) ، من وجوب اتمام الاولى ايضا لو ادرك مقدار خمس ركعات مطلقا.
خلافا للمحكي عن طهارة المبسوط و الاصباح و المهذب، فقالوا باستحباب الظهرين و العشاءين (132) .
كما يثبت من مفهوم النبويين و رواية ابن نباتة عدم وجوب اتمام الاولى لو ادرك اقل من ركعة منها و وجوب اتمام الاخيرة، و لا اتمام الاخيرة لو ادرك اقل من ركعة منها، و به يقيد بعض الاطلاقات، فاحتمال بعضهم العمل به ضعيف جدا، كضعف ما عن النهاية من لزوم قضاء الفجر عليها بحصول الطهر لها قبل طلوع الشمس على كل حال (133) .
ثم القضاء هنا تابع للاداء، فيجب فيما يجب لو ترك، اجماعا، و لعموم قضاء الفوائت.و لا يجب فيما لا يجب كذلك، للاصل.
و تدل عليه في الجملة ايضا صحيحتا الحذاء و عبيد:
الاولى: «اذا رات المراة الطهر و هي في وقت الصلاة ثم اخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة اخرى، كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها» (134) .
و الثانية: «ايما امراة رات الطهر و هي قادرة على ان تغتسل وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة اخرى، كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، فان رات الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة و دخل وقت صلاة اخرى فليس عليها قضاء، و تصلي الصلاة التي دخل وقتها» (135) .
و يستفاد من الاخيرة عدم كفاية مجرد الطهر و بقاء ركعة، بل يلزم بقاء قدر تتمكن من الغسل و سائر الشرائط المفقودة ايضا، كما عن جماعة (136) ، و في الروضة و الدروس و المسالك (137) .
و تدل عليه ايضا صحيحة الحلبي: في المراة تقوم في وقت الصلاة-يعني للغسل-فلا تقضي طهرها-اي لا تفرغ من غسلها-حتى تفوتها الصلاة و يخرج الوقت، اتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال: «ان كانت توانت قضتها، و ان كانت دائبة في غسلها فلا تقضي» (138) .
بعد الصبح و العصر، و عند طلوع الشمس و غروبها و قيامها، على الاظهر، وفاقا للاقتصاد و المبسوط و الخلاف (139) ، بل عامة من تاخر، و نسبها في المنتهى و شرح القواعد و المدارك و البحار الى الاكثر (140) ، بل عن الغنية الاجماع عليها (141) .
للمستفيضة، منها: صحيحة محمد: «يصلى على الجنازة في كل ساعة، انها ليستبصلاة ركوع و سجود، و انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود» (142) .
و المروي في العلل: «لا ينبغي لاحد ان يصلي اذا طلعت الشمس، لانها تطلع بقرني شيطان، فاذا ارتفعت و صفت فارقها» الى ان قال: «فاذا انتصف النهار قارنها، فلا ينبغي لاحد ان يصلي في ذلك الوقت» (143) .
و صحيحة ابن سنان: «لا صلاة نصف النهار الا يوم الجمعة» (144) .
و موثقة الحلبي: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس» الى ان قال:
«و لا صلاة بعد العصر حتى يصلى المغرب» (145) و قريبة منها رواية ابن عمار (146) .
و صحيحة ابن بلال: كتبت اليه في قضاء النافلة بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس و بعد العصر الى ان[تغيب الشمس]فكتب: «لا يجوز ذلك الا للمقتضي، فاما غيره فلا» (147) .
و المروي في مجالس الصدوق: «نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات: عند طلوع الشمس، و عند غروبها، و عند استوائها» (148) .
و في السرائر: قلت لابي الحسن عليه السلام: ان يونس كان يفتي الناس عن آبائك عليهم السلام انه لا باس بالصلاة بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و بعد العصر الى ان تغيب الشمس، فقال: «كذب-لعنه الله-على ابي» (149) .
و في المجازات النبوية: عن النبي: «اذا طلع حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تبرز، و اذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب» (150) .
ثم ان ظاهر غير الاولين و ان كان التحريم الا انه معارض مع غيره الدال على الجواز، كرواية ابن فرج: «صل بعد العصر من النوافل ما شئت، و صل بعد الغداة من النوافل ما شئت» (151) .
و رواية سليمان: عن قضاء الصلاة بعد العصر، قال: «نعم انما هي من النوافل فاقضها متى شئت» (152) دلتبعموم التعليل على جواز جميع النوافل.
و المروي في الفقيه مقطوعا (153) ، و في الاحتجاج و اكمال الدين عن صاحب الزمان عليه السلام: «اما ما سالت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس، و عند غروبها فلئن كان كما يقول الناس ان الشمس تطلع عند قرني الشيطان و تغرب بين قرني الشيطان، فما ارغم انف الشيطان شيء مثل الصلاة، فصلها و ارغم الشيطان» (154) .
و تؤكده الروايات الكثيرة العامية (155) ، المتضمنة لفعل النبي ركعتين بعد العصر، و في بعضها: انه صلى الله عليه و آله لم يتركهما سرا و علانية.
ثم ان تلك الروايات-مع موافقتها للشهرة العظيمة، بل للاجماع في التذكرة على ان هذه النواهي انما هي للكراهة (156) ، و المحكي في المختلف على الجواز (157) ، بل المحقق على ما قيل من عدم نصوصية عبارات المحرمين في التحريم (158) ، و للعمومات و الاطلاقات-موافقة لقوله سبحانه: «ارايت الذي ينهى عبدا اذا صلى» (159) .و مخالفة لطريقة العامة، فانهم في غاية التشديد في المنع، كما يستفاد من اخبار الاطياب، و به صرح جملة من الاصحاب (160) .و مع ذلك بعضها متاخرة من جميع الروايات المخالفة و احدث منها، و كل ذلك من المرجحات المنصوصة.
هذا، مع ان الاخيرة من روايات المنع ضعيفة، و حجيتها غير ثابتة.
و السابقين عليها و ان كانتا في الاصول المعتبرة و هو عندنا عن اعتبار السند مجز، الا انهما لمخالفتهما لعمل الصدوق و الحلي اللذين هما صاحبا الاصلين معزولان عن الحجية.
و السابقة عليهما خارجة عن محل النزاع، لورودها في قضاء النافلة الذي هو من ذوات الاسباب، فيعارض كل مجوزاتها التي هي اكثر عددا و اصح سندا و اوضح دلالة منها.و تفسير المقتضي بالقاضي للنوافل حتى يصير من اخبار موضع النزاع و يتخلص عن التعارض المذكور لا دليل عليه، و اطلاق المقتضي عليه غير معلوم، و ارادة الداعي المرجح للفعل او ذي الحاجة الذي اراد قضاءها ممكنة، بل هي للمعنى اللغوي اوفق، و لمرجع الاشارة في قوله: «ذلك» انسب، غاية الامر تساوي المعنيين و معه تنتفي الدلالة.
و الثلاثة السابقة عليها غير دالة، اذ الظاهر منها نفي الصلاة الموظفة بهذه الاوقات، ردا في بعضها على العامة، و لو سلم فارادته مع نفي الجواز متساوية، فدلالتها على التحريم غير معلومة (161) .
و بذلك يجاب عن ترجيح اخبار المنع على اخبار الجواز بكون الاولى باعتبار تخصيصها بالمبتداة-كما ياتي-اخص من الثانية، فتقدم عليها من غير ملاحظة وجوه التراجيح.
و من جميع ذلك يظهر ضعف مخالفة المشهور و القول بالتحريم-لبعض اخبار المنع-في الاول ممتدا منه الى الزوال، و في الثاني كالناصريات (162) ، او في الثالث الى الزوال كالانتصار (163) ، او فيه و في الثاني الى الغروب كما عن العماني (164) ، او في الثلاثة الاخيرة كما عن الاسكافي (165) ، و اليه يميل كلام بعض متاخري المتاخرين طاب ثراه (166) ، او في الثالث و الرابع كما عن ظاهر المفيد (167) .
كما يظهر-من صراحة الاوليين من روايات المنع في المرجوحية، و كذا الثلاثة الاخيرة بضميمة التسامح في ادلة الكراهة، و خلوها عن المعارض في ذلك، لعدم منافاتها للجواز بل في العبادات للرجحان الذاتي الذي هو معنى الاستحباب-ضعف مخالفة اخرى للمشهور بنفي الكراهة راسا، كما هو ظاهر الصدوق في الخصال (168) ، و عن الطبرسي في الاحتجاج (169) ، و المفيد في كتابه المسمى ب «افعل لا تفعل» (170) ، و نقل عن طائفة من محققي متاخري المتاخرين (171) ، او التوقف فيها و في الاباحة، كما هو ظاهر الفقيه و السرائر (172) ، لضعف ادلة المرجوحية و موافقتها للعامة.
فان الضعف-لو كان-بالتسامح يجبر، و التوافق لهم مع عدم المعارض غير معتبر.
و كما يظهر-من اشتمال جميع الروايات على الاوقات الخمسة-ضعف مخالفة ثالثة هي تخصيص الكراهة بالثالث و الرابع، كالشيخ في النهاية (173) ، او مع الخامس، كما عن الجعفي (174) .
ثم مقتضى عموم غير صحيحة ابن بلال من روايات المنع او اطلاقها و ان كان كراهة الصلاة في الاوقات المذكورة مطلقا، الا ان الفرائض مستثناة منها اداء و قضاء، بالاجماع المحقق، و المحكي في صريح المنتهى و السرائر (175) ، و ظاهر الناصريات و التذكرة (176) ، و نفى الاردبيلي-قدس سره-عنه الشك في شرح الارشاد (177) ، و هو الحجة فيه (178) .
مضافا في الجميع: الى صحيحة ابن ابي خلف: «الصلوات المفروضات في اول وقتها اذا اقيم حدودها اطيب ريحا من قصب الآس» الى ان قال: «فعليكم بالوقت الاول» (179) . دلت على رجحان اول وقت جميع الفرائض و لو كان احد الاوقات المذكورة.
و في قضاء الفرائض: الى حسنة زرارة: «فان استيقنت-اي فوت الصلاة- فعليك ان تصليها في اي حال كنت» (180) .
و رواية نعمان الرازي: عن رجل فاته شيء من الصلاة فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها، قال: «فليصل حين ذكره» (181) .
و رواية زرارة و غيره: عن رجل صلى بغير طهور او نسي صلاة لم يصلها او نام عنها، قال: «يصليها اذا ذكرها في اي ساعة ذكرها ليلا او نهارا» (182) .
و في خصوص صلاة الميت: الى صحيحة محمد، المتقدمة (183) .
و فيما يفوت الوقتبتاخيره: الى دليل تعينه.
و خصوصية روايات الكراهة باعتبار الوقت عن بعض هذه غير ضائرة، لخصوصيتها ايضا باعتبار الصلاة، فلو رجح بموافقة الشهرة بل الاجماع، و الا فيرجع الى الاصل.
و به يجاب عن خبر عبد الرحمان: «تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس و حين تطلع» (184) .مع موافقته للعامة (185) .
و اما صحيحة محمد: عن ركعتي طواف الفريضة، قال: «وقتهما اذا فرغت من طوافك، و اكرهه عند اصفرار الشمس و عند طلوعها» (186) فلا تنافيه، لرجوع الضمير الى الطواف.
و به يدفع توهم منافاة صحيحة اخرى له: عمن يدخل مكة بعد الغداة، قال: «يطوف و يصلي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس او عند احمرارها» (187) مع شمولها للطواف المندوب ايضا.
و اما خبر ابي بصير فيمن فاتته العشاءان: «ان خاف ان تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب و يدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها» (188) و حسنة زرارة، و فيها في قضاء المغرب و العشاء: «ايهما ذكرت فلا تصلهما الا بعد شعاع الشمس» (189) .فهما و ان دلا على رجحان تاخير قضاء العشاء من حين طلوع الشمس، الا ان لعدم القول بالفصل بين الصلوات بل الاوقات تعارضهما رواية الرازي، المتقدمة و غيرها، و الترجيح لمعارضتهما، لمخالفة العامة.
و قد يستدل على نفي الكراهة في الفرائض: بوجوه اخر ضعيفة.
و اما النوافل ذوات الاسباب: فالمشهور استثناؤها ايضا، بل يستشم من الناصريات اتفاق اصحابنا عليه (190) .
للجمع بين مطلقات الجواز و مطلقات المنع، و عموم شرعية ذوات الاسباب عند حصولها، و عمومات قضاء الفوائت او صلاة النهار او خصوص قضاء النوافل في اي وقتشاء او ما بين طلوع الشمس الى غروبها او بعد العصر، و قضاء صلاة الليل قبل طلوع الشمس او بعد صلاة الفجر و بعد العصر و انه من سر آل محمد المخزون، و ما دل على ان خمس صلوات تصلى في كل حال و منها صلاة الاحرام و الطواف (191) ، الى غير ذلك. و الكل ضعيف.
اما الاول: فلانه جمع بلا شاهد، مع ما عرفت من عدم التعارض بعد قصر المنع على الكراهة، سيما بالمعنى المراد في المقام من المرجوحية الاضافية.
و هو الوجه في ضعف دلالة البواقي، اذ لا منافاة بين الكراهة بذلك المعنى و بين شيء منها اصلا، كما هو ظاهر.
و به صرح المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد، و مال الى ثبوت الكراهة الا في الصلوات الخمس المشار اليها (192) ، و هو جيد، الا ان في دلالة الروايات المتضمنة للخمس على انتفاء الكراهة عنها ايضا نظرا.
نعم، في حسنة زرارة: «صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها اديتها» (193) .و هي تدل على رجحان اداء الفوائت مطلقا حال التذكر كذلك على تركها حينئذ، و هو مناف للكراهة، فيتم استثناؤها و ان امكنت المناقشة فيها ايضا على المراد من الكراهة، و اما غيرها فلا وجه له.
و لذا قال بعض الاجلة: و ان قيل: ان ذوات الاسباب ان كانت المبادرة اليها مطلوبة للشارع-كالقضاء و التحية-لم تكره و الا كرهت، كان متجها (194) .
انتهى.
و نظره في استثناء التحية الى قوله عليه السلام: «اذا دخل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (195) و في دلالته نظر.
و بالجملة: لا دليل تاما على استثناء غير قضاء النوافل، فالتعميم في الكراهة و ، و الهداية (197) ، و الجمل و العقود و الوسيلة و الجامع (198) ، الا ان غير الاول زاد صلاتي الاحرام و الطواف من غير تقييد بالفرض، و الاخير صلاة التحية ايضا-اولى، و ان كان في استثناء القضاء ايضا تامل، بل الظاهر عدمه، كالشيخ في النهاية (199) ، فانه لم يستثن صلاة نافلة مطلقا، بل هو محتمل كل من قال بكراهة ابتداء النوافل في تلك الاوقات كلا او بعضا من غير استثناء، لجواز ارادة الاحداث من الابتداء، احترازا عمن دخل عليه تلك الاوقات و هو في الصلاة.
ا: النهي في الاوقات الثلاثة الاخيرة (200) متعلق بالوقت، و اما في الاولين (201) فالمصرح به في كلام الاكثر، بل المدعى عليه الاجماع، انهما متعلقان ببعد الصلاتين، فمن لم يصلهما لا يكره له التنفل على القول بجواز النافلة وقت الفريضة. و يطول زمان الكراهة و يقصر باتيان الصلاتين اول الوقت و آخره.
فان ثبت الاجماع فهو، و الا فالمصرح به في النصوص: بعد الفجر و العصر، اللذين هما حقيقتان في الوقت، بل في بعضها الذي منه الصحيح: بعد طلوع الفجر (202) .
و على هذا فلو قلنا بتعلقهما ايضا بالوقت-كما هو ظاهر المعتبر و النافع و الارشاد (203) ، و غيرها-لم يكن بعيدا.و لا يلزم منه كراهة الفرضين و لا نافلتهما، لاستثنائهما بالنصوص و الاجماع، مع ان كراهة التطوع في وقت الفريضة ثابتة قطعا.
ب: المستفاد من الاخبار ان منتهى الاولين طلوع الشمس و غروبها، و اما الثالث فمبدؤه بعد طلوع الشمس في الانتصار (204) ، و عنده في كلام الاكثر (205) ، و هو مقتضى الروايات.و لا يبعد ارادة المعنى العرفي حتى يشمل ما قارب الطلوع ايضا.
و يدل عليه خبر المجازات ان فسر الحاجب بالشعاع (206) .
و منتهاه الزوال عند السيد (207) ، و انتفاء حمرة الشمس و ذهاب شعاعها عند جماعة (208) .
و يدل عليه بعض الروايات، كخبر ابي بصير و حسنة زرارة المتقدمتين (209) ، و رواية عمار، المتضمنة للنهي عن سجدتي السهو حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها (210) .و اطلق آخرون.
و يستفاد من رواية العلل (211) ، و اخرى عامية اصرح منها (212) : انه ارتفاع الشمس، و هو مؤخر عن زوال الحمرة.و لا باس به للتسامح.
و مبدا الخامس قرب الزوال، لصدق نصف النهار و الاستواء عرفا، و لعدم امكان ارادة النصف الحقيقي، لعدم امتيازه عن الزوال الذي هو المنتهى اجماعا.
و مبدا الرابع قرب الغروب، لما مر، و للعامي: «نهى النبي صلى الله عليه و آله عن الصلاة اذا تضيفت الشمس للغروب» (213) اي: مالت، و لآخر المتضمن للتعليل بدنو قرن الشيطان، و فيه: «و اذا دنت للغروب قارنها» (214) .
و منتهاه الغروب، المتحقق بغيبوبة القرص او زوال الحمرة المشرقية.و حد في بعض الاخبار بصلاة المغرب (215) .و لا باس به، سيما مع كراهة التطوع وقت الفريضة.
ج: هل الكراهة مختصة بالشروع، او يكره لمن دخل عليه احد هذه الاوقات و هو في النافلة؟
قيل بالاول (216) ، لان قطع النافلة مكروه، و لان المنهي عنه الصلاة لا بعضها، و يؤكده عدم انصراف المطلقات الى مثله.
اتفقوا على جواز قضاء كل من النوافل الليلية و النهارية في كل من الليل و النهار، للنصوص المستفيضة (217) .
و اما رواية عمار: عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر كيف يصنع؟ ايجوز له ان يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لا يجوز له، و لا يثبت له، و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل» (218) ، و موثقته: عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها و هو مسافر؟ قال:
«نعم يقضيها بالليل على الارض» (219) .فمحمولتان بشهادة ما قد ذكر على الافضلية، و لو لاه لخرجتا بالشذوذ عن الحجية، مع امكان تخصيص الاخيرة بالفريضة.
ثم اختلفوا في الافضل، فالاكثر-كما في المدارك و شرح القواعد (220) ، و غيرهما-على افضلية التعجيل و لو بقضاء النهارية في الليل و بالعكس، لآيتي المسارعة و الاستباق (221) .
و خبر عنبسة: [سالت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل]:
«هو الذي جعل الليل و النهار خلفة لمن اراد ان يذكر او اراد شكورا» (222) ، قال:
«قضاء صلاة الليل بالنهار و صلاة النهار بالليل» (223) .
و صحيحة ابي بصير: «ان قويت فاقض صلاة النهار بالليل» (224) .
و مرسلة الفقيه: «كل ما فاتك في الليل فاقضه بالنهار» (225) .
و رواية اسحاق و فيها ان بعد ان راى الصادق عليه السلام رجلا يقضي صلاة الليل بالنهار: «ان الله يباهي بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار، يقول: يا ملائكتي انظروا الى عبدي[كيف]يقضي ما لم افترضه عليه» (226) .
و موثقة محمد: «ان علي بن الحسين عليهما السلام كان اذا فاته شيء منالليل قضاه بالنهار، و ان فاته من اليوم قضاه من الغد او في الجمعة او الشهر» (227) .
و في المرسل: «الذين هم على صلاتهم دائمون، اي يديمون على اداء السنة، فان فاتتهم بالليل قضوها بالنهار، و ان فاتتهم بالنهار قضوها بالليل» (228) .
و لا يخفى ان تلك الاخبار لو تمت دلالتها لدلت على افضلية قضاء الليلية بالنهار و بالعكس، لتكون الفضيلة لخصوصية النهار و الليل و ان نافى التعجيل (229) .
و ليس ذلك بمطلوبهم البتة، كما صرح به غير واحد منهم، و يدل عليه استدلالهم بالآيتين.و تخصيص النهار و الليل فيها بالمتصل بليلة الفوت و نهاره، و بما اذا لم يعجل قضاء الليلية في هذه الليلة و النهارية في هذا النهار تقييد بلا دليل.و جعل الاجماع على عدم رجحان النهار الذي بعده على الليل السابق عليه و كذا على نهار الفوات دليله، ليس باولى من حمل تلك الاخبار على بيان الجواز، مع ان الاولى لا تدل على الازيد منه، و كذا الرابعة و ما بعدها.و اما المباهاة المذكورة فيها فيمكن ان يكون لمجرد القضاء دون خصوص كونه بالنهار و ان خصه بالذكر لكون الواقعة من ذلك القبيل، و يؤيده بل يعينه ذيله من ان المباهاة على قضاء ما لم يفترض، من غير تقييد.
و ايضا تؤيده صحيحة اخرى: «ان العبد يقوم فيقضي النافلة، فيعجب الرب و ملائكته عنه و يقول: ملائكتي، يقضي ما لم افترضه عليه» (230) .
كما يمكن ان يكون عمل السجاد عليه السلام لعلة اخرى غير الافضلية، كان تكون لليلته وظائف و لاجلها لا تسع الليلة لقضاء.
هذا كله، مضافا الى ان الثابت منها-لو دلت-ليس الا الفضل، و هو غيرمناف لافضلية غيره لو ثبتبدليل، كما في ذلك المقام، حيث دلت الروايات على افضلية مراعاة المماثلة و قضاء الليلية في الليل و النهارية في النهار، كرواية الجعفي:
«افضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل و صلاة النهار بالنهار» (231) .
و صحيحة ابن عمار: «اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، و ما فاتك من صلاة الليل بالليل» (232) .
و صحيحة العجلي: «افضل قضاء صلاة الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل، و لا باس ان تقضيها بالنهار و قبل ان تزول الشمس» (233) .
و موثقة زرارة: عن قضاء صلاة الليل، فقال: «اقضها في وقتها الذي صليت فيه» (234) .
و خبر اسماعيل: عن الرجل يصلي الاولى، ثم يتنفل، فيدركه وقت العصر من قبل ان يفرغ من نافلته، فيبطئ بالعصر، يقضي نافلته بعد العصر، او يؤخر حتى يصليها في وقت آخر؟ قال: «يصلي العصر و يقضي نافلته في يوم آخر» (235) .
و تخصيص الاوليين بليلة الفوات و نهاره و ان كان محتملا، بعد تعارضهما مع الآيتين و ما دل على ان الله عز شانه يحب من الخير ما يعجل، و لكن ذلك في البواقي غير ممكن، فبها تخصص الآيتان و ما يؤدي مؤداهما، و تظهر قوة القول بافضلية اعتبار المماثلة، كما عن الاسكافي و اركان المفيد (236) ، و اختاره صاحب المدارك (237) .
و ذهب والدي-رحمه الله-في المعتمد الى تساوي التعجيل و المماثلة، قال -بعد الاشارة الى روايات الطرفين-: و الاولى عندي الحمل على التخيير-كما هو صريح الخبر-و القول بترجيح كل منهما على الآخر بوجه، فان العقل لا ينقص من اشتراك فعلين في اصل الفضيلة مع اختصاص كل منهما بنوع خاص منها، بان تكون مزية كل منهما بوجه بحيث تتكافا المزيتان في نظر العقل و لم يرجح احداهما على الاخرى، و حينئذ يتعين التخيير، و الحكم هنا كذلك، فان قضاء الفائت في احدهما في الآخر له مزية التعجيل و المبادرة الى فعل الخير، و في مثله مزية مراعاة المماثلة في الوقت.انتهى.
و جوابه يظهر مما مر، و قوله-رحمه الله-: صريح الخبر، اشارة الى رواية ابن ابي العلاء: «اقض صلاة النهار اي ساعة شئت من ليل او نهار، كل ذلك سواء» (238) .
و دلالتها على التخيير في المقام محل نظر، لجواز ارادة تسوية الساعات في الجواز ردا على القائلين بالحرمة في بعضها من العامة.
ثم الظاهر اختصاص ما مر من افضلية المماثلة و فضيلة التعجيل بغير حالة السفر.
و الافضل فيها القضاء في الليل مطلقا، لرواية عمار و موثقته، المتقدمتين في صدر المسالة (239) .