فصل

(فضيلة الصبر)

الصبر منزل من منازل السالكين، و مقام من مقامات الموحدين.

و به ينسلك العبد فى سلك المقربين، و يصل الى جوار رب العالمين. و قد اضاف الله اكثر الدرجات و الخيرات اليه، و ذكره في نيف و سبعين موضعا من القرآن و وصف الله الصابرين باوصاف، فقال-عز من قائل-:

«و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا» (1) .

و قال: «و تمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرآئيل بما صبروا» (2) . و قال: «و لنجزين الذين صبروا اجرهم‏باحسن ما كانوا يعملون‏» (3) . و قال: «اولئك‏يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا» (4) . فما من فصيلة الا و اجرها بتقدير و حساب الا الصبر، و لذا قال: «انما يوفى‏الصابرون اجرهم بغير حساب‏» (5) . و وعد الصابرين بانه معهم، فقال: «و اصبروا ان الله مع الصابرين‏» (6) 6) .

و علق النصرة على الصبر، فقال: «بلى ان تصبروا و تتقوا و ياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم‏بخمسة آلاف من الملائكة مسومين‏» (7) 7) . و جمع للصابرين الصلوات و الرحمة و الهدى. فقال: «اولئك عليهم صلوات‏من ربهم و رحمة و اولئك هم المهتدون‏» (8) 8) .

و الآيات الواردة في مقام الصبر خارجة عن حد الاستقصاء، و الاخبار المادحة له اكثر من ان تحصى. قال رسول الله (ص) : «الصبر نصف الايمان‏» . و قال (ص) : «من اقل ما اوتيتم اليقين و عزيمته الصبر، و من اعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل و صيام النهار، و لئن تصبروا على مثل ما انتم عليه احب الي من ان يوافيني كل امرى‏ء منكم بمثل عمل جميعكم، و لكني اخاف ان يفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا، و ينكركم اهل السماء عند ذلك، فمن صبر و احتسب ظفر بكمال ثوابه‏» . . .

ثم قرا قوله-تعالى-:

«ما عندكم ينفد و ما عند الله باق‏» (9) .

و قال (ص) : «الصبر كنز من كنوز الجنة‏» . و قال (ص) : «افضل الاعمال ما اكرهت عليه النفوس‏» . و لا ريب في ان الصبر مما تكرهه النفوس، و لذا قيل: «الصبر صبر» . و قال (ص) : «فى الصبر على تكره خير كثير» .

و قال (ص) : «الصبر من الايمان بمنزلة الراس من الجسد، و لا جسد لمن لا راس له، و لا ايمان لمن لا صبر له‏» . و سئل (ص) عن الايمان، فقال:

«الصبر و السماحة‏» . و قال (ص) : «ما تجرع عبد قط جرعتين احب الى الله من جرعة غيظ ردها بحلم و جرعة مصيبة يصبر الرجل لها، و لا قطرت بقطرة احب الى الله-تعالى-من قطرة دم اهريقت في سبيل الله و قطرة دمع في سواد الليل و هو ساجد و لا يراه الا الله، و ما خطا عبد خطوتين احب الى الله-تعالى-من خطوة الى الصلاة الفريضة و خطوة الى صلة الرحم‏» . و روى: «انه-تعالى-اوحى الى داود (ع) : يا داود! تخلق باخلاقى، و ان من اخلاقي انى انا الصبور» . و روى: «ان المسيح قال للحواريين: انكم لا تدركون ما تحبون الا بصبركم على ما تكرهون‏» (10) .

و قال (ص) : «ما من عبد مؤمن اصيب بمصيبة فقال-كما امره الله-: انا لله و انا اليه راجعون، اللهم اجرنى في مصيبتى و اعقبني خيرا منها، الا و فعل الله ذلك‏» . و قال (ص) : «قال الله-عز و جل-: اذا وجهت الى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه او ماله او ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه ان انصب له ميزانا و انشر له ديوانا» (11) . و قال (ص) :

«الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، و صبر على الطاعة، و صبر عن المعصية.

فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء الى الارض، و من صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى العرش، و من صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى منتهى العرش‏» . و قال (ص) : «سياتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه الا بالقتل و التجبر، و لا الغنى الا بالغصب و البخل، و لا المحبة الا باستخراج الدين و اتباع الهوى، فمن ادرك ذلك الزمان فصبر على الفقر و هو يقدر على الغنى، و صبر على البغضة و هو يقدر على المحبة، و صبر على الذل و هو يقدر على العز، آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي‏» (12) . و قال (ص) : «ان الله-تعالى-قال لجبرئيل: ما جزاء من سلبت كريمته؟ فقال: سبحانك! لا علم لنا الا ما علمتنا. قال: جزاؤه الخلود في داري، و النظر الى وجهي‏» . و قال (ص) لرجل قال له: ذهب مالى و سقم جسمي: «لا خير في عبد لا يذهب ماله و لا يسقم جسمه، ان الله اذا احب عبدا ابتلاه، و اذا ابتلاه صبره‏» . و قال (ص) . «ان الرجل ليكون له الدرجة عند الله-تعالى-لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك‏» . و قال (ص) : «اذا اراد الله بعبد خيرا، و اراد ان يصافيه، صب عليه البلاء صبا و ثجه عليه ثجا، فاذا دعاه، قالت الملائكة:

صوت معروف، و اذا دعاه ثانيا، فقال: يا رب! قال الله-تعالى-:

لبيك عبدي و سعديك! الا تسالنى شيئا الا اعطيتك، او رفعت لك ما هو خير، و ادخرت لك عندي ما هو افضل منه. فاذا كان يوم القيامة جي‏ء باهل الاعمال فوزنوا اعمالهم بالميزان، اهل الصلاة و الصيام و الصدقة و الحج، ثم يؤتى باهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، و لا ينشرلهم ديوان، يصب عليهم الاجر صبا كما كان يصب عليهم البلاء صبا، فيود اهل العافية في الدنيا لو انهم كانت تقرض اجسادهم بالمقاريض لما يرون ما يذهب به اهل البلاء من الثواب، فذلك قوله-تعالى-: انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب‏» . و قال (ص) : «اذا رايتم الرجل يعطيه الله ما يحب، و هو مقيم على معصيته، فاعلموا ان ذلك استدراج‏» . . . ثم قرا قوله-تعالى-:

«فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب‏كل شي‏ء» (13) .

يعني: لما تركوا ما امروا به فتحنا عليهم ابواب الخيرات، حتى اذا فرحوا بما اوتوا-اي بما اعطوا من الخير-اخذناهم بغتة. و روى:

«ان نبيا من الانبياء شكى الى ربه، فقال: يا رب، العبد المؤمن يعطيك و يجتنب معاصيك تزوى عنه الدنيا و تعرضه للبلاء، و يكون العبد الكافر لا يعطيك و يجترى على معاصيك تزوى عنه البلاء و تبسط له الدنيا! فاوحى الله-تعالى-اليه: ان العباد الي و البلاء لي، و كل يسبح بحمدي. فيكون المؤمن عليه من الذنوب، فازوى عنه الدنيا و اعرض له البلاء، فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقاني، فاجزيه بحسناته، و يكون الكافر له من الحسنات فابسط له في الرزق و ازوى عنه البلاء، فاجزيه بحسناته في الدنيا حتى يلقاني فاجزيه بسيئاته‏» (14) . و عن ابي عبد الله (ع) قال: «قال رسول الله (ص) : قال الله-عز و جل-: اني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا، فمن اقرضني منها قرضا اعطيته بكل واحدة منهن عشرا الى سبعمائة ضعف و ما شئت من ذلك، و من لم يقرضني منها قرضا فاخذت منه شيئا قسرا، اعطيته ثلاث خصال لو اعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها مني. قال: ثم تلا ابو عبد الله (ع) قوله-عز و جل- (الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون، اولئك عليهم صلوات من ربهم) ، فهذه واحدة من ثلاث خصال، (و رحمة) اثنتان، (و اولئك هم المهتدون) ثلاث. ثم قال ابو عبد الله (ع) : هذا لمن اخذ الله منه شيئا قسرا» . و قال امير المؤمنين (ع) : «بني الايمان على اربع دعائم: اليقين، و الصبر، و الجهاد، و العدل‏» . و قال امير المؤمنين (ع) «الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، و احسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله-عز و جل-عليك‏» . و قال علي (ع) : «الصبر و حسن الخلق و البر و الحلم من اخلاق الانبياء» . و قال امير المؤمنين (ع) :

«ايما رجل حبسه السلطان ظلما فمات، فهو شهيد، و ان ضربه فمات، فهو شهيد» (15) . و قال امير المؤمنين (ع) : «من اجلال الله و معرفة حقه الا تشكو و جعك، و لا تذكر مصيبتك‏» . و قال امير المؤمنين (ع) : «الا اخبركم بارجى آية في كتاب الله؟ قالوا: بلى! فقرا عليهم:

«و ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم‏و يعفو عن كثير» (16) .

فالمصائب في الدنيا بكسب الاوزار، فاذا عافاه الله فى الدنيا فالله اكرم من ان يعذبه ثانيا، و ان عفى عنه في الدنيا فالله اكرم من ان يعذبه يوم القيامة‏» . و قال الباقر (ع) : «الجنة محفوفة بالمكاره و الصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة. و جهنم محفوفة باللذات و الشهوات، فمن اعطى نفسه لذتها و شهوتها دخل النار» . و قال (ع) : «مروة الصبر في حال الفاقة و الحاجة و التعفف و الغنى اكثر من مروة الاعطاء» (17) .

و قال (ع) : «لما حضرت ابي علي بن الحسين-عليهما السلام-الوفاة، ضمني الى صدره، ثم قال: يا بني! اوصيك بما اوصاني به ابي حين حضرته الوفاة، و بما ذكر ان اباه اوصاه به، قال: يا بني! اصبر على الحق و ان كان مرا» . و قال الصادق (ع) : «اذا دخل المؤمن قبره، كانت الصلاة عن يمينه و الزكاة عن يساره، و البر مطل عليه، و يتنحى الصبر ناحيته. فاذا دخل عليه لملكان اللذان يليان مساءلته، قال الصبر للصلاة و الزكاة و البر:

دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فانا دونه‏» . و قال (ع) : «اذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من الناس، فياتون باب الجنة، فيضربونه، فيقال لهم: من انتم؟ فيقولون: نحن اهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله و نصبر عن معاصي الله، فيقول الله-تعالى-: صدقوا!

ادخلوهم الجنة. و هو قول الله-تعالى-: انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب‏» . و قال (ع) : «من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل اجر الف شهيد» . و قال (ع) : «ان الله-عز و جل-انعم على قوم فلم يشكروا، فصارت عليهم و بالا، و ابتلى قوما بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة‏» . و قال (ع) : «من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز» . و قال (ع) :

«ان من صبر صبر قليلا، و ان من جزع جزع قليلا. . . ثم قال: عليك بالصبر في جميع امورك، فان الله-عز و جل-بعث محمدا (ص) فامره بالصبر و الرفق، فقال:

«و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجرا جميلا» (18) .

و قال ابو الحسن (ع) لبعض اصحابه: «ان تصبر تغتبط، و الا تصبر يقدر الله مقاديره، راضيا كنت ام كارها» (19) . و الاخبار في فضيلة الصبر على البلاء و عظم ثوابه و اجره اكثر من ان تحصى. و لذلك كان الانقياء و الاكابر محبين طالبين له، حتى نقل: «ان واحدا منهم دخل على ابن مريض له، فقال: يا بني! لئن تكن في ميزاني احب الي من ان اكون في ميزانك.

فقال: يا ابه! لئن يكن ما تحب احب الى من ان يكون ما احب‏» . و قال بعضهم: «ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة، ما علم به احد» .

فصل

(الصبر على السراء)

كل ما يلقى العبد في الدنيا، و ما يوافق هواه، او لا يوافقه، بل يكرهه، و هو في كل منهما محتاج الى الصبر. اذ ما يوافق هواه، كالصحة الجسمية، و اتساع الاسباب الدنيوية، و نيل الجاه و المال، و كثرة الاولاد و الاتباع، لو لم يصبر عليه، و لم يضبط نفسه عن الانهماك فيه و الاغترار به، ادركه الطغيان و البطر. (فان الانسان ليطغى ان رآه استغنى) . و قال بعض الاكابر: «البلاء يصبر عليه المؤمن، و العوافي لا يصبر عليها الا الصديق‏» . و قال بعض العرفاء: «الصبر على العافية اشد من الصبر على البلاء» . و لذا لما توسعت الدنيا على الصحابة و زال عنهم ضيق المعاش، قالوا:

«ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا، و ابتلينا بفتنة السراء فلا نقدر على الصبر عليها» . و من هنا قال الله-سبحانه-:

«يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم و لا اولادكم عن ذكر الله‏» (20) . و قال: «ان من‏ازواجكم و اولاد كم عدوا لكم‏» (21) .

و معنى الصبر على متاع الدنيا: الا يركن اليه، و يعلم انه مستودع عنده، و عن قريب يسترجع عنه، فلا ينهمك في التنعم و التلذذ، و لا يتفاخر به على فاقده من اخوانه المؤمنين، و يرعى حقوق الله في ماله بالانفاق، و في بدنه ببذل المعونة للخلق، و في منصبه باعانة المظلومين، و كذلك في سائر ما انعم الله به عليه.

و السر في كون الصبر عليها اشد من الصبر على البلاء: انه ليس مجبورا على ترك ملاذ الدنيا، بل له القدرة و التمكن على التمتع بها، بخلاف البلاء، فانه مجبور عليه، و لا يقدر على دفعه، فالصبر عليه اسهل. و لذا ترى ان الجائع اذا لم يقدر على الطعام اقدر على الصبر منه اذا قدر عليه.

و اما ما لا يوافق هواه و طبعه، فله ثلاثة اقسام:

الاول-ما يكون مقدورا للعبد، كالطاعات و المعاصي. اما الطاعة، فالصبر عليها شديد، لان النفس بطبعها تنفر عنها، و تشتهي التقهر و الربوبية، كما ياتي وجهه. و مع ذلك يثقل عليها بعض العبادات باعتبار الكسل، و بعضها باعتبار البخل، و بعضها باعتبارهما، كالحج و الجهاد، فلا تخلو طاعة من اعتبار يشق على النفس ان تصبر عليه، و مع ذلك يحتاج المطيع فيها الى الصبر في حالات ثلاثة تتضاعف لاجلها الصعوبة، اذ يحتاج اليها قبل العمل في تصحيح النية و الاخلاص، و تطهيرها عن شوائب الرياء، و في حالة العمل لئلا يغفل عن الله في اثنائه، و لا يخل بشي‏ء من وظائفه و آدابه، و يستمر على ذلك الى الفراغ و بعد الفراغ عنه، لئلا يتطرق اليه العجب، و لا يظهر رياء و سمعة.

و النهي عن ابطال العمل و عن ابطال الصدقات بالمن و الاذى امر بهذا القسم من الصبر. و اما المعاصي، فلكون جميعها مما تشتهيها النفس، فصبرها عليها شديد، و على المالوفة المعتادة اشد، اذ العادة كالطبيعة الخامسة، و لذا ترى ان كل معصية شاعت و تكررت ثقل استنكارها، فان الاستبعاد فى مثل لبس الحرير اكثر من الاستبعاد في اطلاق اللسان طول النهار في اعراض الناس، مع ان الغيبة اشد من الزنا، كما نطقت‏به الاخبار. فاذا انضافت العادة الى الشهوة، ظهر جندان من جنود الشيطان على جند الله، فيصعب تركها.

ثم المعصية ان كانت مما يسهل فعلها، كان الصبر عنها اشد، كمعاصي اللسان من الغيبة و الكذب، و لو كانت مع ذلك مشتملة على تمام ما تقتضيه جبلة النفس من الاستعلاء و الربوبية، كالكلمات التي توجب نفي الغير و القدح فيه، و الثناء على ذاتها تصريحا او تعريضا، كان الصبر عنها اشد.

اذ مثل ذلك-مع كونها مما تيسر فعله و صار مالوفا معتادا-انضافت اليه شهوتان للنفس فيه: احداهما نفي الكمال من غيرها، و اخراهما اثباته لذاتها.

و ميل النفس الى مثل تلك المعصية في غاية الكمال، اذ به يتم ما تقتضيه جبلتها من التوفق و العلو، فصبرها عنها في غاية الصعوبة. و قد ظهر مما ذكر: ان اكثر ما شاع و ذاع من المعاصي انما يصدر من اللسان. فينبغي لكل احد ان يجتهد في حفظ لسانه بتقديم التروي على كلام يريد ان يتكلم به، فان لم يكن معصية تكلم به، و الا تركه، و لو لم يقدر على ذلك، و كان لسانه خارجا عن اطاعته في المحاورات، وجبت عليه العزلة و الانفراد و تركه التكلم مع الناس، حتى تحصل له ملكة الاقدار على حفظه، ثم صعوبة الصبر و سهولته لما كانت تختلف في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعاصى قوة و ضعفا، فينبغي لكل طالب السعادة ان يعلم ان داعية نفسه الى اي معصية اشد، فيكون سعيه في تركها اكثر. ثم حركة الخواطر باختلاج الوساوس ايسر بكثير من حركة اللسان بقبائح الكلمات، فلا يمكن الصبر عنها اصلا، الا بان يغلب على القلب هم آخر في الدين يستغرفه، كمن اصبح و همومه هم واحد. و اكثر جولان الخاطر انما يكون في فائت لا تدارك له، او في مستقبل لا بد و ان يحصل منه ما هو مقدور. و كيف كان فهو تصور باطل، و تضييع وقت. اذ آلة استكمال العبد قلبه، فاذا غفل القلب في لحظة من ذكر يستفيد به انسا بالله، او فكر يستفيد به معرفة بالله، و يستفيد بالمعرفة حب الله، فهو مغبون.

الثاني-ما ليس حصوله مقدورا للعبد، و لكنه يقدر على دفعه بالتشفي، كما لو اوذى بفعل او قول، او جنى عليه في نفسه او ماله، فان حصول الاذية و الجناية و ان لم يرتبط باختياره، الا انه يقدر على التشفي من المؤذي او الجاني بالانتقام منه، و الصبر على ذلك بترك المكافات. و هو قد يكون واجبا، و قد يكون فضيلة، و هو اعلى مراتب الصبر. و لاجل ذلك خاطب الله نبيه (ص) بقوله:

«و اصبر كما صبر اولو العزم من الرسل‏» (22) .

و بقوله: «فاصبر على ما يقولون و اهجرهم هجراجميلا» (23) . و بقوله: «و دع اذاهم و توكل على‏الله‏» (24) . و قال: «و لتسمعن من الذين اوتوا الكتاب‏من قبلكم و من الذين اشركوا اذى كثيرا و ان تصبروا و تتقوا فان ذلك من عزم الامور» (25) . و قال:

« «و ان عاقبتم بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهوخير للصابرين‏» (26) .

و قال رسول الله (ص) : «صل من قطعك، و اعط من حرمك، و اعف عمن ظلمك‏» . و روى: «انه (ص) قسم مرة مالا، فقال بعض الاعراب من المسلمين: هذه قسمة ما اريد بها وجه الله! فاخبر به رسول الله، فاحمرت وجنتاه، ثم قال: رحم الله اخي موسى، قد اوذي باكثر من هذا فصبر» .

الثالث-ما ليس مقدورا للعبد مطلقا، كالمصائب و النوائب. و الصبر عليه شديد في غاية الصعوبة، و لا ينال الا ببضاعة الصديقين، و الوصول اليه يتوقف على اليقين التام. و لذا قال النبى (ص) : «اسالك من اليقين ما يهون علي مصائب الدنيا» . و قد تقدم بعض الاخبار الواردة في فضيلة هذا القسم من الصبر. و قال (ص) : «قال الله: اذا ابتليت عبدي ببلائى فصبر، و لم يشكني الى عواده، ابدلته لحما خيرا من لحمه، و دما خيرا من دمه، فان ابراته ابراته و لا ذنب له، و ان توفيته فالى رحمتي‏» . و قال (ص) : «من اجلال الله و معرفة حقه: الا تشكو و جعك، و لا تذكر مصيبتك‏» . و قال (ص) : «من ابتلى فصبر، و اعطى فشكر، و ظلم فغفر، اولئك لهم الامن و هم مهتدون‏» . و قال (ص) : «ان الله-تعالى-قال لجبرئيل: ما جزاء من سلبت كريمته؟ فقال: سبحانك! لا علم لنا الا ما علمتنا. قال: جزاؤه الخلود في داري، و النظر الى وجهى‏» . و قال داود (ع) : «يا رب! ما جزاء الحزين يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه ان البسه لباس الامان، لا انزعه عنه ابدا» . و قال لابنه سليمان-عليهما السلام-: «يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، و حسن الرضا فيما قد نال، و حسن الصبر في ما قد فات‏» .

و روي: «ان من ابتلى بموت ثلاثة اولاد، لم يرد على النار اصلا» .

تذنيب

(اختلاف مراتب الصبر في الثواب)

لما كان الصبر على العافية بمعنى ترك الشهوات المحرمة و عدم الانهماك فيها، فهو راجع الى الصبر عن المعصية. و على هذا، فاقسام الصبر ثلاثة: الصبر على المصائب و النوائب، و الصبر على الطاعة، و الصبر عن المعصية. ثم ما تقدم من الخبر النبوي صريح في كون الاول اقل ثوابا، و الآخر اكثر ثوابا، و الوسط وسطا بينهما. و ربما ظهر من بعض الاخبار: كون الاول اكثر ثوابا. و ابو حامد الغزالي رجح الاول اولا، و به صرح بعض المتاخرين من اصحابنا للخبر النبوي، ثم رجح الثاني ثانيا محتجا بما روى عن ابن عباس انه قال: «الصبر في القرآن على ثلاثة اوجه، صبر على اداء فرائض الله-تعالى-فله ثلاثمائة درجة، و صبر عن محارم الله-تعالى- و له ستمائة درجة، و صبر على المصيبة عند الصدمة الاولى، فله تسعمائة درجة‏» . و بان كل مؤمن يقدر على الصبر عن المحارم، و اما الصبر على بلاء الله فلا يقدر عليه الا ببضاعة الصديقين، لكونه شديدا على النفس.

و عندي: ان القول بكون احدهما اكثر ثوابا على الاطلاق غير صحيح، اذ القول بان الصبر عن كلمة كذب او لبس ثوب من الحرير لحظة اكثر ثوابا من الصبر على موت كثير من اعز الاولاد بعيد، و كذا القول بان الصبر على فقد درهم اكثر ثوابا من كف النفس عن كبائر المعاصي و فطامها عن الذ اللذات و الشهوات مع القدرة عليها ابعد، فالصواب:

التفصيل بان كل صبر من اي قسم كان من الثلاثة اذا كان على النفس اشد و اشق فثوابه اكثر مما كان اسهل و ايسر، كائنا ما كان، لما ثبت و تقرر ان افضل الاعمال احمزها، و به يحصل الجمع و التلاؤم بين الاخبار.

فصل

(طريق تحصيل الصبر)

الطريق الى تحصيل الصبر: تقوية باعث الدين، و تضعيف باعث الهوى.

و الاول: انما يكون بامور:

الاول-ان يكثر فكرته فيما ورد من فضل الصبر و حسن عواقبه في الدنيا و الآخرة، و ان ثواب الصبر على المصيبة اكثر مما فات، و انه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة، اذ فاته ما لا يبقى معه الا مدة الحياة في الدنيا، و حصل له ما يبقى بعد موته ابد الدهر، فيجازى على المدة القصيرة الفانية بالمدة الطويلة الخالدة، و على الغاية القريبة الزائلة بالغاية المديدة الباقية.

و من اسلم خسيسا في نفيس، فلا ينبغي ان يحزن بفوات الخسيس في الحال.

الثاني-ان يتذكر قلة قدر الشدة الدنيوية و وقتها، و استخلاصه عنها عن قريب، مع بقاء الاجر على الصبر عليها.

الثالث-ان يعلم ان الجزع قبيح مضر بالدين و الدنيا، و لا يفيد ثمرة الا حبط الثواب و جلب العقاب، كما قال امير المؤمنين (ع) : «ان صبرت جرت عليك المقادير و انت ماجور، و ان جزعت جرت عليك المقادير و انت ما زور» .

الرابع-ان يعود مصارعة هذا الباعث‏باعث الهوى تدريجا، حتى يدرك لذة الظفر بها، فيتجرى عليها، و يقوى متنه في مصارعتها. فان الاعتماد و الممارسة للاعمال الشاقة يؤكد القوى التي تصدر منها تلك الاعمال. و لذا تزيد قوة الممارسين للاعمال الشاقة-كالحمالين و الفلاحين-على قوة التاركين لها. فمن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما شاء و اراد.

و اما الثاني: اعني تضعيف الهوى، انما يكون بالمجاهدة و الرياضة، من الصوم و الجوع و قطع الاسباب المهبجة للشهوة من النظر الى مظانها و تخيلها، و بالتسلية بالمباح من الجنس الذي يشتهيه بشرط الا يخرج عن القدر المشروع.

تتميم

ان قيل: الصبر في المصائب ان كان المراد به الا تكون فى نفسه كراهة المعصية فذلك غير داخل تحت الاختيار، اذ الانسان مضطر الى الكراهة، فبماذا ينال درجة الصبر في المصائب؟

قلت: من كان عارفا بالله و باسرار حكمته و قضائه و قدره، بان يعلم يقينا بان كل امر صدر من الله و ابتلى به عباده من ضيق اوسعة، و كل امر مرهوب او مرغوب على وفق الحكمة و المصلحة بالذات، و ما عرض من ذلك مما يعد شرا فامر عرضي لا يمكن نزع الخير المقصود منه، و ان ذلك اذا كان متيقنا له، استعدت نفسه للصبر و مقاومة الهوى في الغم و الحزن، و طابت‏بقضائه و قدره، و توسع صدره بمواقع حكمه، و ايقن بان قضاءه لم يجر الا بالخيرة. و قد اشار الى ذلك امير المؤمنين (ع) بقوله:

«اطرح عنك و اردات الهموم بعزائم الصبر و حسن اليقين‏» . و من بلغ بهذه الدرجة، يتلذذ بكل ما يرد عليه. و مثله يتمتع بثروة لا تنفد، و يتايد بعز لا يفقد، فيسرح في ملك الابد، و يعرج الى قضاء السرمد. هذا مع ان العبد انما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع، و شق الجيوب، و ضرب الخدود، و المبالغة في الشكوى، و اظهار الكآبة، و تغيير العادة في الملبس و المطعم و نحوها، و هذه الامور داخلة تحت اختياره، فينبغي ان يجتنب عنها، و يظهر الرضا بالقضاء، و يبقى مستمرا على عادته، و يعتقد ان ذلك كان وديعة فاسترجعت، و لا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب و جريان الدمع، لان ذلك مقتضى البشرية. و لذلك لما مات ابراهيم ولد النبي (ص)

فاضت عيناه بالدمع، فقيل له: اما نهيتنا عن هذا؟ قال. «هذه رحمة، انما يرحم الله من عباده الرحماء» . و قال ايضا (ص) : «العين تدمع و القلب يحزن، و لا يقول ما يسخط الرب‏» . بل ذلك لا يخرج عن مقام الرضا ايضا، فان المقدم على الفصد و الحجامة راض به، مع انه متالم بسببه لا محالة. نعم، من كمال الصبر كتمان المصائب، لما ورد من ان كتمان المصائب و الاوجاع و الصدقة من كنوز البر. و قد ورد المدح في كثير من الاخبار على عدم الشكاية من الامراض و المصائب. و قال الباقر (ع) :

«الصبر الجميل، صبر ليس فيه شكوى الى الناس‏» . و في بعض الاخبار:

«ان الشكاية ان تقول: ابتليت‏بما لم يبتل به احد، و اصابني ما لم يصب احدا، و ليس الشكوى ان تقول: سهرت البارحة، و حميت اليوم، و نحو ذلك‏» . و قال الصادق (ع) : «من اشتكى ليلة، فقبلها بقبولها، و ادى الى الله شكرها، كانت كعبادة ستين سنة‏» ، قيل له: ما قبولها؟ قال: «يصبر عليها و لا يخبر بما كان فيها، فاذا اصبح حمد الله على ما كان‏» .

تتميم

(التلازم بين الصبر و الشكر)

اعلم انه اختلف في افضلية كل من الصبر و الشكر على الآخر، فرجح كلا منهما على الآخر طائفة. و الظاهر انه لا ترجيح لاحدهما على الآخر، لانهما متلازمان لا ينفك احدهما عن الآخر. اذ الصبر على الطاعة و على المعصية هو عين الشكر، لكون اداء الطاعة و ترك المعصية شكرا، كما مر في باب الشكر. و الصبر على الشدائد و المصائب يستلزم الشكر، لما مر من ان الشدائد و المصائب الدنيوية تتضمن نعما، فالصبر على هذه الشدائد يستلزم الشكر على تلك النعم، و لان الصبر على المصائب هو حبس النفس عن الجزع تعظيما لله-سبحانه-. و هذا هو الشكر بعينه، لانه تعظيم لله يمنع عن العصيان، و الشاكر يمنع نفسه عن الكفران مع ميل النفس اليه، و هذا هو عين الصبر عن المعصية. و ايضا، توفيق الصبر و العصمة من الجزع نعمة يشكر عليها الصابر، فكل صبر يستلزم الشكر، و بالعكس.

و بالجملة: لا ريب في استلزام كل من الصبر و الشكر للاخر، فان اجتماعهما في الطاعة و ترك المعصية، بل اتحادهما فيهما، امر ظاهر، كما تقدم.

و في البلاء المقيد الدنيوي، اذا حصل فيه الصبر، فلا ريب في عدم انفكاكه عن تصور النعم اللازمة له، من الثواب الاخروى، و حصول الانزعاج عن الدنيا و الرغبة الى الآخرة، فيشكر على ذلك. فهو لا ينفك عن الشكر، لانه يعرف هذه النعم من الله، كما يعرف البلاء ايضا من الله، فيفرح بالنعم، و يعمل بمقتضى فرحه من التحميد و غيره. و في النعمة المقيدة، مثل المال، اذا توسل به الى تحصيل الدين، فلا ريب في انه كما تحقق فيه الكر تحقق فيه الصبر ايضا. اذ في انفاق المال و بذله في تحصيل الدين حبس النفس عما تحبه و تميل اليه، و ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى. و في البلاء المطلق، كالكفر و الجهل، لا معنى لتحقق الشكر او الصبر فيه، و فى النعمة المطلقة، كسعادة الآخرة و العلم و حسن الاخلاق، كما يتحقق فيها الشكر يتحقق فيها الصبر ايضا. اذ تحصيل السعادة، و العلم، و الاخلاق الفاضلة، و الابقاء عليها، لا ينفك عن مقاومته مع الهوى و منع النفس عما تميل اليه. مع ان الشكر عليهما يستلزم منع النفس عن الكفران، و هو الصبر على المعصية. حتى ان شكر العينين بالنظر الى عجائب صنع الله يستلزم الصبر عن الغفلة و النوم، و النظر الى ما تميل اليه النفس من النظ‏ر الى غير المحارم و امثال ذلك.

فان قيل: استلزام كل من الصبر و الشكر للاخر مما لا ريب فيه، الا ان الكلام في انه اذا لم يتحقق الاتحاد بينهما في فعل، كما في فعل الطاعة و ترك المعصية لكونهما متحدين فيهما، بل تحقق الاستلزام الموجب لتحقق جهتين، فاي الجهتين افضل؟ مثل ان يبتلى احد بمصيبة دنيوية، فصبر عليها، بمعنى انه عرف انها من الله و حبس نفسه عن الجزع و الاضطراب، و شكر عليها ايضا، بمعنى انه عرف ان النعم اللازمة لها من الثواب الاخروى و غيرها من الله، و فرح بها، و عمل بمقتضى فرحه من التحميد او طاعة اخرى، فهل الافضل حينئذ جهة الصبر، او جهة الشكر؟

قلنا: التامل يعطى: ان كل صبر هو شكر بعينه، و بالعكس. فلا تتحقق بينهما جهتان مختلفتان حتى يتصور الترجيح بينهما. فان الصبر على البلاء انما هو حبس النفس عن الجزع تعظيما لله. و هذا هو الشكر، اذ كل طاعة لله-سبحانه-شكر، و في الشكر على النعم المطلقة منع النفس عن الكفران، و هو عين الصبر عن المعصية.

فان قلت: فعلى هذا، يجتمع الصبر و الشكر في محل واحد بجهة واحدة، و قد تقدم انهما متضادان، اذ الصبر يستدعي الما، و الشكر يستدعى فرحا، و قد ذكرت ان اجتماع الصبر و الشكر في محل واحد انما يكون من جهتين متغايرتين لا من جهة واحدة.

قلنا: امتناع الاتحاد فيهما انما هو في الصبر و الشكر على ما هو كان نعمة و بلاء بعينه، فانه لا يمكن ان يكون الصبر على فوت ولد-اعني حبس النفس عن الجزع-هو عين الشكر على النعمة، اذ موت الولد بعينه ليس نعمة، بل هو مستلزم للنعمة. فالشكر على اللازم، و الصبر على الملزوم، فاختلفت جهتا الصبر و الشكر، فلا اتحاد. و ما ذكرناه من الاتحاد انما هو الشكر و الصبر على النعمة و ترك المعصية، او على البلاء و الطاعة. و ندعي ان من وصلت اليه نعمة، فشكر عليها بعرفانها من الله، ففرح بها، و عمل بمقتضى الفرح، من التحميد او طاعة اخرى، كان هذا الشكر عين الصبر عن معصية هي الكفران، او على الطاعة التي هى التحميد و غيره.

كذا من ابتلى ببلية، فصبر عليها بحبس نفسه عن الجزع، فهذا الصبر عين الشكر باداء الطاعة التي هي تعظيم الله بكف النفس عن الجزع، او عن المعصية التي هي الجزع و الاضطراب. و هذا الاتحاد و العينية يطرد في كل صبر و شكر، و لا يتحقق شكر لا يكون عن الصبر من هذا الوجه، و بالعكس.

و ليس بينهما تضاد و تغاير اصلا، و الاستلزام و اختلاف الجهة انما هو في الصبر على البلاء و الشكر على ما يستلزمه من النعم، و لا يمكن هنا اتحادهما لتضادهما. و في هذه الصورة، يكون كل من الصبر و الشكر المتميزين عن الآخر باختلاف الجهة عين الآخر، من حيث ملاحظة الاعتبار السابق، فلا يمكن الترجيح في هذه الصورة مع اختلاف الجهة ايضا.

فان قيل: عرفان النعم من الله داخل في حقيقة الشكر، و ليس داخلا في الصبر، فينبغي ان يكون الشكر لذلك افضل من الصبر.

قلنا: في الشق الاول من صورة العينية و الاتحاد، يكون عرفان النعمة داخلا في الصبر، و في الشق الثاني منهما، و في صورة الاستلزام، يدخل عرفان البلاء من الله في الصبر. فكما ان الشاكر يرى نعمة العينين من الله، فكذا الصابر يرى العمى من الله، فهما في المعرفة متساويان. ثم جميع ما ذكر في الفرق بين الصبر و الشكر انما اذا كانت‏حقيقة الصبر حبس النفس عن الشكوى فى البلاء مع الكراهة و التالم (27) ، و على هذا يكون الرضا فوقه، لو قطع النظر عن كون الصبر شكرا ايضا، و يكون الشكر فوق الرضا، اذ الصبر مع التالم و الرضا يمكن بما لا الم فيه و لا فرح، و الشكر لا يمكن الا على محبوب يفرح به، و لو لم يعتبر في مفهوم الصبر الكراهة و التالم، لصار الرضا و الشكر في بعض درجاته، اذ يمكن ان يصل حال العبد في الحب مرتبة لا يتالم من البلاء او يفرح به، لانه يراه من محبوبه.

و حينئذ، فترك الشكوى في البلاء مع الكراهة صبر، و بدونها رضا، و مع الفرح به شكر.

تنبيه

(القانون الكلي في معرفة الفضائل)

اعلم ان المعيار و القانون الكلي في معرفة فضائل الاعمال و الاحوال و ترجيح بعضها على بعض عند ارباب القلوب: ان العمل كلما كان اكثر تاثيرا في اصلاح القلب و تصفيته و تطهيره عن شوائب الدنيا، و اشد اعدادا له لمعرفة الله و انكشاف جلاله في ذاته و صفاته و افعاله، كان افضل.

و على هذا القانون، لو لا الاتحاد و العينية و التلازم بينهما، لكان اللازم ان يوازن بين كل درجة درجة من درجات الصبر و الشكر و ترجيح احدهما، اذ لكل منهما درجات مختلفة في تنوير القلب و تصفيته، و سبب الاختلاف اسباب:

منها-الاختلاف بين اقسام النعم و اقسام البلاء.

و منها-اختلاف مراتب المعرفة و الفرح الماخوذين فى الشكر، و اختلاف الطاعة التي تفعل في كل منهما صعوبة و سهولة. فربما كان بعض درجات الصبر اشد تنويرا و اكثر اصلاحا للقلب من بعض درجات الشكر، و ربما كان الامر بعكس ذلك في بعض آخر من درجاتهما. فان الاعمال و الاحوال المندرجة تحت كل منهما كثيرة، و باختلافها-كثرة و قلة- تختلف درجاتهما. فمن الامور و الاحوال التي تندرج تحت الشكر: حياء العبد من تتابع نعم الله عليه، و معرفته بتقصيره عن الشكر، و اعتذاره من قلة الشكر، و اعترافه بان النعم ابتداء من الله-تعالى-من غير استحقاقه لها، و علمه بان الشكر ايضا نعمة من نعمه و مواهبه، و حسن تواضعه بالنعم، و التذلل. و قلة اعتراضه، و حسن ادبه بين يدي المنعم، و تلقي النعم بحسن القبول، و استعظام صغيرها، و شكر الوسائط، لقوله (ص) : «من لم يشكر الناس لم يشكر الله‏» . و قال السجاد (ع) : «اشكركم لله اشكر كم للناس‏» . و قال (ع) :

«يقول الله-تعالى-لعبد من عبيده يوم القيامة: اشكرت فلانا؟ فيقول: بل شكرتك يا رب! فيقول: لم تشكرني اذ لم تشكره‏» . و قال الصادق (ع) :

«اشكر من انعم عليك، و انعم على من شكرك‏» . و لا ريب في انه كلما ازدادت هذه الاحوال في الشكر، و طال زمانه، ازداد فضله. و قد نقل:

«ان رجلا (كان) يهوى ابنة عم له، و هي ايضا تهواه، فاتفق مزاوجتهما، فقال الرجل ليلة الزفاف لها: تعالى حتى نحيى هذه الليلة شكرا لله على ما جمعنا، فقالت: نعم! فصليا تلك الليلة باسرها، و لم يتفرغ احدهما الى صاحبه. فلما كانت الليلة الثانية، قالا مثل ذلك، فصليا طول الليل. . .

فهكذا يفعلان في ثمانين سنة، و بقيا على تلك الحالة في ثمانين سنة في كل ليلة، من دون رجوع لاحدهما الى الآخر، و من دون اتفاق مضاجعة بينهما، فضلا عن شي‏ء آخر» . و لا يخفى ان هذا الشكر افضل بمراتب من صبرهما على بلاء العزوبة، لو لم يحصل بينهما الجمع و الوصل.

تتميم

(تفضيل الصبر على الشكر)

اعلم ان الظاهر من بعض الاخبار: ان الصبر افضل و اكثر ثوابا من الشكر. كما روى: «انه يؤتى يوم القيامة باشكر اهل الارض، فيجزيه الله جزاء الشاكرين. و يؤتى باصبر اهل الارض، فيقال له: اترضى ان نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله-تعالى-:

كلا! انعمت عليه فشكر و ابتليتك فصبرت، لا ضعفن عليك الاجر عليه! فيعطى اضعاف جزاء الشاكرين‏» . و كقوله (ع) : «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» . و هذا يدل على افضلية الصبر من الشكر، لان المشبه به اعلى رتبة من المشبه. و كقول الباقر (ع) : «مروة الصبر في حال الحاجة و الفاقة و التعفف و الغنى، اكثر من مروة الاعطاء» . و يؤيد ذلك قوله-تعالى-:

« (انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب) » . و ينبغي ان يرتكب في امثال هذه الاخبار تقييدان:

احدهما-التقييد ببعض المراتب، بان يقول: المراد ان بعض مراتب الصبر افضل من بعض مراتب الشكر. و هذا مما لا ريب فيه، فان من سلب اعز اولاده و ابتلى بالفقر و المرض، و مع ذلك صبر و لم يجزع، فهو افضل البتة ممن اعطى مالا كثيرا فقال: شكر الله، الحمد لله، من دون ابداء عمل آخر من الطاعات. و ليس المراد ان كل ما يسمى صبرا افضل من كل درجة من درجات الشكر. اذ البديهة حاكمة بان الشكر على نعمة بالاشتغال بالطاعة و العبادات، و ترك المعاصي سنين كثيرة متتالية، من دون فتور، افضل و اعلى رتبة من منع النفس عن الجزع لاجل عشرة دراهم سرقت منه.

و ثانيهما-التقييد بخروجها على ما هو الظاهر عند جمهور الناس من الانفكاك بين الصبر و الشكر. فان الجمهور لا يفهمون من حبس النفس عن الجزع عند الابتلاء ببلية الا الصبر، و لا يلتفتون الى ان هذا الحبس نوع عبادة حصلت تعظيما لله، و هو عين الشكر. و كذا لا يفهمون من اظهار التحميد و الاشتغال بالصلاة عند وصول نعمة الا الشكر، و لا يلتفتون الى ان هذا العمل عين منع النفس عن الكفران، و هو الشكر بعينه.

و منها:

الفسق

و هو الخروج عن طاعة المبدا الحقيقي و عبادته. و ضده الطاعة، و هي تمجيد المبدا و التخضع له باداء ضروب العبادات المقررة في الشريعة. و عمدة العبادات الموظفة في الشريعة هي: الطهارة، و الصلاة، و الذكر، و الدعاء، و تلاوة القرآن، و الصوم، و الحج، و زيارة النبي-صلى الله عليه و آله- و الائمة-عليهم السلام-، و الجهاد في سبيل الله، و اداء المعروف، الشامل للزكاة، و الخمس، و الصدقة المندوبة، و غيرها. و الاخير-اعني اداء المعروف باقسامه-قد تقدم. و الجهاد في هذا الزمان ساقط. فنشير الى بعض الاسرار و الدقائق و الآداب الباطنة المتعلقة بالبواقي، في مقاصد و خاتمة. و اما آدابها و احكامها و شرائطها الظاهرة، فهي مذكورة في الفقهيات.

المقصد الاول

الطهارة-حقيقة الطهارة-ما ينبغي للمؤمن في الطهارة-ازالة الاوساخ-آداب الحمام-السر فى ازالة الاوساخ.

اعلم ان الطهارة و النظافة اهم الامور للعباد. اذ الطهارة الظاهرة وسيلة الى حصول الطهارة الباطنة، و ما لم تحصل الاولى لم تحصل الثانية. و لذا ورد في مدحها ما ورد، قال الله-سبحانه-:

«فيه رجال يحبون ان يتطهروا و الله يحب‏المتطهرين‏» (28) . و قال: «ما يريد الله ليجعل عليكم‏من حرج و لكن يريد ليطهركم‏» (29) .

و قال رسول الله (ص) : «بنى الدين على النظافة‏» . و قال (ص) :

«الطهور نصف الايمان‏» . و قال (ص) : «مفتاح الصلاة الطهور» . و قال (ص) :

«بئس للعبد القاذورة‏» . و قال (ص) : «من اتخذ ثوبا فلينظفه‏» . و قال امير المؤمنين-عليه السلام-: «النظيف من الثياب يذهب الهم و الحزن، هو طهور للصلاة‏» .

ثم للطهارة اربع مراتب:

الاولى-تطهير الظاهر من الاحداث و الاخباث و الفضلات.

الثانية-تطهير الجوارح من الجرائم و الآثام و التبعات.

الثالثة-تطهير القلب من مساوي الاخلاق و رذائلها.

الرابعة-تطهير السر عما سوى الله-تعالى-، و هي تطهير الانبياء و الصديقين. و الطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي فيها، اذ الغاية القصوى في عمل السر ان ينكشف له جلال الله و عظمته، و تحصل له المعرفة التامة، و الحب و الانس. و لا يمكن حصول ذلك ما لم يرتحل عنه ما سوى الله، و لذلك قال الله-تعالى-:

«قل الله ثم ذرهم‏» (30) . فان الله و غيره لا يجتمعان في قلب واحد: «و ما جعل الله لرجل من قلبين‏في جوفه‏» (31) .

فتطهير السر عما سوى الله نصف عمله، و النصف الآخر شروق نور الحق فيه. و الغاية القصوى في عمل القلب عمارته بالاخلاق المحمودة، و العقائد الحقة المشروعة. و لا يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها، من الاخلاق المذمومة، و العقائد الفاسدة. فتطهيرها عنها احد الشطرين، و الشطر الآخر تحليته بالفضائل و العقائد الحقة.

و اما عمل الجوارح، فالمقصود منه عمارتها بالطاعات. و لا يمكن ذلك ما لم يطهر عن المعاصى و المناهي. فهذا التطهير نصف عملها، و نصفه الآخر عمارتها بالطاعات. و قس على ذلك الحال في المرتبة الاولى. و الى ذلك الاشارة بقول النبي (ص) : «الطهور نصف الايمان‏» . فان المراد: ان تطهير الظاهر، و الجوارح، و القلب، و السر، من النجاسات و المعاصى و رذائل الاخلاق و ما سوى الله نصف الايمان، و نصفه الآخر عمارتها بالنظافة و الطاعات و معالي الاخلاق، و الاستغراق في شهود جمال الحق و جلاله. و لا تظنن ان مراده (ص) ان مجرد تطهير الظاهر عن النجاسات بافاضة الماء نصف الايمان، مع تلوث الجوارح باخباث المعاصي، و تنجس القلب باقذار مساوي الاخلاق، و تشوش السر و تكدره بما سوى الله.

فالمراد التطهير في المراتب الاربع، التي هي من مقامات الدين، و هي مرتبة يتوقف بعضها على بعض، و لا يمكن ان ينال العبد ما هو الفوق، ما لم يتجاوز ما دونه، فلا يصل الى طهارة السر مما سوى الله، و عمارته بمعرفة الله، و انكشاف جلاله و عظمته، ما لم يفرغ عن طهارة القلب عن الاخلاق المذمومة، و تحليته بالملكات المحمودة. و لا يصل الى ذلك ما لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المعاصي و عمارتها بالطاعات. و لا يصل الى ذلك ما لم يفرغ عن ازالة الخبث و الحدث عن الظاهر، و عمارته بالنظافة و النزاهة.

فصل

(حقيقة الطهارة)

طهارة الظاهر، اما عن الخبث، او عن الحدث، او عن فضلات البدن، و ما يتعلق بها من الاحكام الظاهرة الواجبة و المحرمة و المندوبة و المكروهة، مستقصاة في كتب الفقه.

و اما الآداب الباطنة لطهارة الخبث و ازالته عند التخلي لقضاء الحاجة، ان يتذكر عنده نقصه و حاجته، و خبث‏باطنه، و خسة حاله، و ما يشتمل عليه من الاقذار، و كونه حامل النجاسات، و يتذكر باستراحة نفسه عند اخراجها، و سكون قلبه عن دنسها، و فراغه للعبادات و المناجاة، و ان الاخلاق الذميمة التي في باطنها نجاسات باطنة، و اقذار كامنة، لتستريح نفسها عند اخراجها، و يطمئن قلبه من ازالة دنسها، و عند اخراجها يصلح للوقوف على بساط الخدمة، و يتاهل للقرب و الوصول الى حريم العزة. فكما يسعى في اخراج النجاسات الظاهرة لاستراحة البدن مدة قليلة فى الدنيا، فينبغي ان يجتهد ايضا في اخراج الاقذار الباطنة، و النجاسات الداخلة الغائضة (32) في الاعماق، المفسدة على الاطلاق، لتستريح الروح و البدن في الدنيا و الآخرة ابد الآباد. قال الصادق (ع) : «انما سمي المستراح مستراحا لاستراحة النفس من اثقال النجاسات، و استفراغ الاقذار و الكسافات فيها. و المؤمن يعتبر عندها ان الخالص من حطام الدنيا كذلك تصير عاقبته، فيستريح بالعدول عنها و تركها، و يفرغ نفسه و قلبه عن شغلها، و يستنكف عن جمعها و اخذها استنكافه عن النجاسة و الغائط و القذر، و يتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليلة في حال، و يعلم ان التمسك بالقناعة و التقوى يورث له راحة الدارين. فان الراحة في هوان الدنيا، و الفراغ من التمتع بها، و في ازالة النجاسة من الحرام و الشبهة.

فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته اياها، و يفر من الذنوب، و يفتح باب التواضع و الندم و الحياء، و يجتهد في اداء او امره و اجتناب نواهيه، طلبا لحسن المآب، و طيب الزلفى، و يسجن نفسه في سجن الخوف و الصبر و الكف عن الشهوات، الى ان يتصل بامان الله-تعالى-في دار القرار، و يذوق طعم رضاه، فان المعول على ذلك، و ما عداه فلا شي‏ء» (33) .

و ينبغي ان يتامل في ان ما دفع عنه من الغائط و القذر هو ما كان يشتهيه، و يحترص في طلبه من لذائذ الاطعمة، و كلما كانت الذ عفونتها اشد، فما كانت عاقبته ذلك، فليحذر من ان ياخذه من غير حله، فيعذب ابد الآباد لاجله.

فصل

(ما ينبغي للمؤمن في الطهارة)

ينبغي لكل مؤمن ان يستحضر عند اشتغاله بالطهارة عن الحدث:

ان تكليفه بها للدخول في العبادات و المناجاة مع خالق البريات انما هو لكون اعضائه التي امر بغسلها مباشرة للامور الدنيوية، منهمكة في الكدورات الطبيعية، فخرجت عن اهلية القيام بين يدي الله-سبحانه-، و الاشتغال بعبادته. فالامر بغسلها، لتتطهر عن هذه الكدورات، فيتاهل للمناجاة.

و لا ريب في ان مجرد غسلها لا يطهرها عن الادناس الدنيوية و الكدورات الجسمانية، ما لم يطهر قلبه عن الاخلاق الذميمة، و العلائق الدنيوية، و ما لم يعزم على الرجوع الى الله، و الانقطاع عن الدنيا و شهواتها. فينبغي ان يكون قلبه عند الطهارة مطهرا عن ذمائم الصفات و خبائث الشهوات، جازما على فطام الاعضاء التي هي اتباعه و خدامه عن شهوات الدنيا، لتسري نوريته و طهارته الى تلك الاعضاء، ثم امر في الوضوء اولا: بغسل الوجه، الذي هو مجمع اكثر الحواس الظاهرة، التي هي اعظم الاسباب الباعثة على مطالب الدنيا، ليتوجه و يقبل بوجه القلب على الله، و هو خال من تلك الادناس، و ثانيا: بغسل اليدين، لمباشرتهما اكثر الامور الدنيوية و المشتهيات الطبيعية المانعة من الاقبال على الآخرة، و ثالثا: بمسح الرجلين، للتوصل بهما الى اكثر المطالب الدنيوية و المقاصد الطبيعية. فامر بتطهير جميعها ليسوغ له الدخول بها في العبادات و الاقبال عليها. و امر في الغسل بغسل جميع البشرة، لان ادنى حالات الانسان و اشدها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع، و لجميع بدنه مدخل في تلك الحالة. و لهذا قال رسول الله (ص) : «تحت كل شعرة جنابة‏» . فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية، منغمسا في اللذات الدنية، كان غسله اجمع من اهم المطالب الشرعية، ليتاهل لمقابلة الجهة الشريفة، و الدخول في العبادة المنيفة. و امر في التيمم بمسح الاعضاء بالتراب، عند تعذر غسلها بالماء، وضعا لتلك الاعضاء الرئيسة، و هضما لها بملاقاتها اثر التربة الخسيسة.

ثم لما كان القلب هو الرئيس الاعظم لهذه الجوارح و الاعضاء، و المستخدم لها في تلك الامور المبعدة عن جنابه-تعالى-، و هو الموضع لنظر الله-سبحانه-، كما قال (ص) : «ان الله لا ينظر الى صوركم، و لكن ينظر الى قلوبكم‏» ، فله من ذلك الحظ الا وفر و النصيب الاكمل. فيكون الاشتغال بتطهيره من الرذائل و التوجهات المانعة من درك الفضائل اولى من تطهير الاعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل. و اذا لم يمكن تطهيره من الاخلاق الرذيلة، و تحليته بالاوصاف الجميلة، لرسوخه على حب الدنيا الدنية، فليقمه في مقام الهضم و الازراء، و يسقه بسياط الذل و الاغضاء.

كما انه عند تعذر غسل الاعضاء بالماء يهضمها و يذللها بالوضع على التراب، عسى ان يرحم ربه تواضعه و انكساره، فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع، فانه عند المنكسرة قلوبهم، كما ورد في الاثر، فترق من هذه الاشارات و نحوها الى ما يوجب لك الاقبال، و يتدارك سالف الاهمال.

ثم ما ذكر من السر في الطهارة، يمكن استنباطه-مع الزيادة- من كلام مولانا الصادق (ع) في (مصباح الشريعة) ، حيث قال: «اذا اردت الطهارة و الوضوء، فتقدم الى الماء تقدمك الى رحمة الله، فان الله-تعالى- قد جعل الماء مفتاح قربته و مناجاته، و دليلا الى بساط خدمته، و كما ان رحمة الله تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره، قال الله-تعالى-:

«و هو الذي ارسل الرياح بشرا بين يدي رحمته و انزلنا من السماء ماء طهورا» (34) . و قال الله -تعالى-: «و جعلنا من الماء كل شي‏ء حي ا فلا يؤمنون‏» (35) .

فكما احيى به كل شي‏ء من نعيم الدنيا، كذلك برحمته و فضله جعل حياة القلوب بالطاعات. و تفكر في صفاء الماء و رقته، و طهره و بركته، و لطيف امتزاجه بكل شي‏ء. و استعمله في تطهير الاعضاء التي امرك الله بتطهيرها، و تعبدك بآدابها في فرائضه و سننه. فان تحت كل واحد منها فوائد كثيرة، فاذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائد عن قريب.

ثم عاشر خلق الله-تعالى-كامتزاج الماء بالاشياء، يؤدي كل شي‏ء حقه، و لا يتغير عن معناه، معتبرا لقول الرسول (ص) : (مثل المؤمن الخالص كمثل الماء) . و لتكن صفوتك مع الله-تعالى-في جميع طاعتك كصفوة الماء حين انزله من السماء و سماه طهورا، و طهر قلبك بالتقوى و اليقين عند طهارة جوارحك بالماء» (36) .

و من الاسرار الواردة في الطهارة و تخصيص بعض الاعضاء بالتطهير في الوضوء، ما اشار اليه مولانا الرضا (ع) بقوله: «انما امر بالوضوء ليكون العبد طاهرا اذا قام بين يدى الجبار عند مناجاته اياه، مطيعا له فيما امره، نقيا من الادناس و النجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل، و طرد النعاس، و تزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار. و انما وجب ذلك على الوجه و اليدين و الراس و الرجلين، لان العبد اذا قام بين يدي الجبار، فانما ينكشف من جوارحه و يظهر ما يجب فيه الوضوء، و ذلك انه بوجهه يسجد و يخضع، و بيده يسال و يرغب و يرهب و يتبتل، و براسه يستقبل في ركوعه و سجوده. و برجليه يقوم و يقعد. و امر بالغسل من الجنابة دون الخلاء، لان الجنابة من نفس الانسان، و هو شي‏ء يخرج من جميع جسده، و الخلاء ليس هو من نفس الانسان، انما هو غذاء يدخل من باب و يخرج من باب‏» (37) .

فصل

(ازالة الاوساخ)

ينبغي لكل مؤمن ان يطهر بدنه من فضلاته و درنه و اوساخه، كشعر الراس بالحلق، و شعر الانف و الشارب و ما طال من اللحية بالقبض، و شعر الابط و العانة و سائر الاعضاء بالنورة، و كاظفار اليدين و الرجلين بالقلم، و ما يجتمع من الوسخ و القمل في شعر الراس و اللحية بالغسل و التسريح بالمشط، و ما يجتمع من الوسخ في معاطف الاذنين بالمسح و مثله، و ما يجتمع منه على الاسنان و اطراف اللسان بالسواك و المضمضة، و ما يجتمع في الانف من الرطوبات الملتصقة بالاستنشاق، و ما يجتمع من الوسخ تحت الاظفار بالقلم و الغسل، و ما يجتمع منه في رؤس الانامل و في معاطف ظهورها عقيب اكل الطعام بالغسل، و ما يجتمع من الدرن على جميع بدنه و ترشيح العرق و غبار الطريق بالدخول في الحمام.

تنبيه

(آداب الحمام)

ينبغى لمن يدخل الحمام، ان يتذكر بحرارته حر النار، و يقدر نفسه محبوسا في البيت‏ساعة، و يقيسه الى جهنم، و يستعيذ بالله منها.

قال الصادق (ع) : «اذا دخلت البيت الثالث، فقل: نعوذ بالله من النار و نساله الجنة. و ترددها الى وقت‏خروجك من البيت الحار» . و قال امير المؤمنين (ع) : «نعم البيت الحمام، يذهب بالدرن، و تذكر فيه النار» .

و فيه اشارة الى انه ينبغي للعاقل الا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة، فانها مقره و مستقره. فيكون له في كل ما يراه، من ماء او نار او غيرهما، عبرة و موعظة. فان المرا ينظر في كل شي‏ء بحسب همته. فالبزاز اذا دخل دارا معمورة مفروشة ينظر الى الفرش و يتامل في قيمتها. و الحائك اذا دخلها ينظر الى الثياب و يتامل في كيفية نسجها، و النجار اذا دخلها ينظر الى ابوابها و شبابيكها و يتامل في كيفية نجرها و تركيبها، و البناء اذا دخلها ينظر الى الحيطان و السقف و كيفية بنائها و احكامها و استقامتها. فكذلك سالك طريق الآخرة، لا ينظر الى شي‏ء الا و تكون له موعظة و عبرة من الآخرة. فان نظر الى ظلمة تذكر ظلمة اللحد، و ان نظر الى نار تذكر نار جهنم، و ان نظر الى حية تذكر افاعي جهنم، و ان سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، و ان نظر الى صورة قبيحة تذكر صورة النكيرين و الزبانية، و ان راى المحاسبة بين قوم تذكر محاسبة الآخرة، و ان سمع كلمة رد او قبول تذكر ما ينكشف له في آخر امره بعد الحساب من الرد و القبول، و ان راى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة. . . الى غير ذلك.

تتميم

(السر في ازالة الاوساخ)

السر في ازالة الفضلات المذكورة عن البدن ظاهر، فانها توجب تنوير القلب، و انشراح الصدر، و طرد الشيطان. اذ هي كسافات مانعة عن النورية و التجرد، فتشمئز منها الملائكة، و يرغب اليها الشياطين. و من تامل في الاحكام و الآداب التي جاء بها رسول الله (ص) و كانت له بصيرة ناقدة، يعلم ان شيئا منها لا يخلو عن حكمة، حتى ان ما صدر عنه في الآداب و الحركات و الافعال و الاقوال، من ترتيب خاص، او تخصيص بعدد معين، او ابتداء من موضع خاص او بواحد معين من الاشياء المتماثلة، يتضمن حكما او حكمة البتة. مثال ذلك: انه (ص) كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا و في عينه اليسرى اثنين، و السر في هذا الترتيب و هذا التخصيص: ان اليمنى اشرف العينين فبدا بها، و تفاوته بين العينين لتكون الجملة و ترا، فان للوتر فضلا على الزوج، لان الله و تر يحب الوتر، فلا ينبغي ان يخلو فعل العبد عن مناسبة لوصف من اوصاف الرب، و انما لم يقتصر على الثلاث و هو وتر، لان اليسرى حينئذ لا تخصها الا واحدة، و الغالب ان الواحدة لا تستوعب اصول الاجفان بالكحل، و انما خصص اليمين بالزيادة لان التفضيل لا بد منه للايثار، و اليمين افضل، فهو بالزيادة احق، و انما اقتصر على الاثنين لليسرى مع كونه زوجا، اذ الزوجية في احداهما لازمة ضرورية، اذ لو جعل لكل واحدة وترا لكان المجموع زوجا، اذ الوتر مع الوتر زوج، و رعاية الايثار في مجموع الفعل و هو في حكم الخصلة الواحدة احب من رعايته في الآحاد. مثال آخر: روى الجمهور في تقليم الاظفار: «ان رسول الله (ص)

كان يبدا عند تقليم اظفاره الشريفة بمسبحة اليمين، و يختم بابهام اليمنى، بان يبتدى‏ء من مسبحتها الى خنصرها، ثم يبتدى‏ء من خنصر اليسرى الى ابهام اليمنى‏» . و في طريقنا روايتان: احداهما ان يبدا بخنصر اليمنى و يختم بخنصر اليسرى، و اخراهما بعكس ذلك، و هي اشهر. فالسر على رواية الجمهور-كما قيل-ان اليد اليمنى اشرف من اليسرى فيبتدى‏ء بها، ثم على اليمنى خمسة اصابع و المسبحة اشرفها فيبتدا بها، ثم ينبغي ان يبتدى‏ء بما على يمينها لكون اليمنى اشرف، و لذا استحب في الشرع وضع الطهور و غيره على اليمنى. و لا ريب في انه اذا وضعت الكف على الارض فيمين مسبحة اليمنى هي الوسطى، و وضع ظهر اليد على الارض و ان اقتضى كون الابهام هو اليمين، الا ان الاعتبار الاول اولى، اذ اليد اذا تركت‏بطبعها كانت الكف مائلة الى جهة الارض، لان جهة حركة اليد اليمنى الى جهة اليسار، و اليسرى الى جهة اليمين، و استتمام حركة كل منهما في جهة يجعل الكف على الارض و ظهرها عاليا، و اذا كانت الكف مائلة الى جهة الارض فاعتبار ما يقتضيه الطبع اولى، فتكون يمين المسبحة هي الوسطى. ثم اذا وضعت الكف على الكف، صارت الاصابع في حكم حلقة دائرة، فيقتضى ترتيب الدور الذهاب من يمين المسبحة الى ان يعود الى المسبحة، فتقع البداءة بخنصر اليسرى و الختم بابهامها، و يبقى ابهام اليمنى، و انما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الاصابع كاشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها، و تقدير ذلك اولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف، فان ذلك لا يقتضيه الطبع.

هذا، و اما السر على الرواية الاولى من طريقنا، فكانه اعتبار الاصابع العشرة في حكم صف واحد ثابت على الارض، و الابتداء باليمين، فاكتفى بما يرى بالنظر الجليل مع ترك اليد بطبعها. و اما الرواية الثانية، فلعل السر فيها تحصيل التيامن في كل اصبع بعد الاولى مع الترتيب فيها، و وضع اليدين على ما يقتضيه الطبع. هذا، و اما اصابع الرجل، فلم نعثر على خبر يدل على كيفية الابتداء و الترتيب فيها. فينبغى اعتبار احد الطريقين المرويين عندنا فيها، و لعل اعتبار الاولى لاظهرية سرها اولى، و ينبغي ان يكون تقليم اظفارها بعد تقليم اظفار اليدين ان وقعا في وقت واحد، اذ اليد اشرف من الرجل. و قس على ما ذكر سائر ما ورد من الآداب و التخصيصات فانه لا يخلو شي‏ء منها على سر حكمي، و ان كانت عقولنا قاصرة عن ادراك اكثرها.

المقصد الثاني

الصلاة-حقيقة الصلاة-حضور القلب-دفع اشكال-شرائط الصلاة-طريق تحصيل المعاني الباطنة-اسرار الصلاة-الوقت-آداب الصلاة-آداب المصلي-الاستقبال-القيام-التكبيرات-النية-تكبيرة الاحرام-دعاء الاستفتاح-الاستعاذة-الركوع-السجود-التشهد- التسليم-افاضة الانوار على المصلي على قدر صفائه-ما ينبغى في امام الجماعة- ما ينبغي في صلاة الجمعة و العيدين-ما ينبغي للمؤمن عند ظهور الآيات. اعلم ان الصلاة معجون سماوي، و تركيب الهي، ركبت من اجزاء كثيرة مختلفة، متفاوتة في الفضل و الاهتمام بها. فبعضها بمنزلة الروح، و بعضها بمثابة الاعضاء الرئيسة، و بعضها بمنزلة سائر الاعضاء.

و توضيح ذلك: ان الانسان-مثلا-لما كان حقيقة مركبة من اجزاء معينة، فهو لا يكون انسانا موجودا كاملا الا بمعنى باطن هو الروح، و اعضاء محسوسة بعضها في جوفه و بعضها في ظاهره. و هذه الاعضاء متفاوتة المراتب، اذ بعضها مما ينعدم الانسان بعدمه و تزول الحياة بزواله، كالقلب و الدماغ و الكبد و المعدة و امثالها، و بعضها و ان لم ينعدم بعدمه اصل الحياة، الا انه ترتفع به تمامية الانسان و يصير ناقصا، كاليد و الرجل و العين و امثالها، و بعضها يفوت بفواته الحسن، كالحاجبين و اللحية و الاهداب و امثالها، و بعضها يفوت بفواته كمال الحسن لا اصله، كاستقواس الحاجبين، و تناسب الخلقة، و سواد شعر اللحية، و امتزاج البياض بالحمرة، و امثال ذلك. و كذلك الصلاة حقيقة مركبة، و صورة صورها الشرع من امور متفاوتة، و تعبدنا باكتسابها. فروحها: النية، و القربة، و حضور القلب، و الاخلاص. و اعمالها الاركانية: من تكبيرة الاحرام، و الركوع، و السجود، و القيام، بمنزلة الاعضاء الرئيسة، فتفوت بفواتها الصلاة على الاطلاق، و لا يمكن تحققها و صحتها بدونها. و سائر الاعمال الواجبة: من الفاتحة، و السورة، و اذكار الركوع، و السجدتين، و الطمانينة فيهما، و في رفع الراس عنهما، و التشهد، و التسليم، و غير ذلك من الاعمال الواجبة التي تبطل الصلاة بتركها عمدا لا سهوا، بمنزلة اليدين و الرجلين و آلات التناسل و غير ذلك، مما قد تفوت الحياة بزوالها و قد لا تفوت به، و الاعمال المسنونة، و الهيئات المندوبة، و الآداب المستحبة: من القنوت، و دعاء الافتتاح، و غير تكبيرة الاحرام من التكبيرات، و التعوذ، و الزائد عن قدر الواجب في التشهد و التسليم من الاذكار، و غير ذلك مما لا تبطل الصلاة بتركها عمدا او سهوا، و لكن تخرج بها عن الحسن و الكمال و زيادة الاجر و الثواب، فهي بمنزلة الحاجبين و استقواسهما و اللحية و الاهداب و تناسب الخلقة، و غير ذلك مما يفوت بفوات بعضها الحسن و الجمال و بفوات بعض كمالها، و يصير الشخص بسببه مشوه الخلقة مذموما غير مرغوب فيه.

و اذا عرفت ذلك: فاعلم-يا حبيبي-ان صلاتك قربة و تحفة تتقرب بها الى حضرة ملك الملوك، كوصيفة يهديها طالب القرب و الجاه من السلاطين اليهم. و هذه التحفة تعرض على الله ثم ترد اليك في يوم العرض الاكبر، فاليك الخيرة في تحسين صورتها او تقبيحها، فمن اداها على النحو المامور به، باعمالها الواجبة و المندوبة، و شرائطها الظاهرة و الباطنة، مع الاخلاص و حضور القلب، كان كمن اهدى عبدا صحيحا سويا شابا جميلا عاقلا كاملا الى ملك من الملوك. و من اقتصر على اعمالها الظاهرة، و غفل من الحضور و التوجه و القربة و الاخلاص، كان كمن اهدى عبدا ميتا بلا روح الى ملك من الملوك. و من ترك عمدا شيئا من واجباته، كان كمن اهدى عبدا مقتولا اليه. و من اقتصر على اقل ما يجزى كان كمن اهدى اليه عبد حي اعمى، او اصم، او ابكم، او مقطوع الاطراف، او هرما، او قبيح المنظر، او مجروح الاعضاء، او امثال ذلك. فتنبه ايها الغافل، و تامل فى انك اذا اهديت تحفة الى ملك من ملوك الدنيا، بل الى من دونه بمراتب كثيرة، من الامراء و الحكام، كيف تجتهد و تسعى في تجويدها و تحسينها ليقبلها، فما بالك ايها المغرور تغفل و تتساهل من تحسين هديتك و تحفتك الى ملك الملوك الذي منه بدؤك و اليه عودك؟ ! و قد ورد: ان كل صلاة لا يتم الانسان ركوعها و سجودها فهى الخصم الاول على صاحبها يوم العرض الاكبر، و تقول:

«ضيعك الله كما ضيعتني! » .

تعليقات:

1) السجدة، الآية: 24.

2) الاعراف، الآية: 137.

3) النحل، الآية: 96.

4) القصص، الآية: 54.

5) الزمر، الآية: 10.

6) الانفال، الآية: 46.

7) آل عمران، الآية: 125.

8) البقرة، الآية: 157.

9) النحل، الآية: 96.

10) صححنا النبويات على (احياء العلوم) : 4 53، كتاب الصبر.

11) صححنا الرواية على (البحار) : مج 15: 2 148، باب الصبر و اليسر بعد العسر.

12) صححنا الرواية، و كذا ما قبلها، على (اصول الكافى) : ج 2، باب الصبر. و على (الوافي) : 3 321-323، باب الصبر.

13) الانعام، الآية: 44.

14) صححنا الاحاديث الاربع على (احياء العلوم) : 4 114، باب الصبر.

15) صححنا الروايات الثلاث على (اصول الكافي) : ج 2، باب الصبر. و على (الوافي) : 3 321-323، باب الصبر.

16) الشورى، الآية: 30.

17) قال العلامة (المجلسي) -قدس سره-في (بحار الانوار) : مج 15ج 2، في باب الصبر على المعصية، في ذيل هذا الخبر: «بيان المروة: هي الصفات التى بها تكمل انسانية الانسان‏» .

18) المزمل، الآية: 10.

19) صححنا الاحاديث الواردة عن اهل البيت-عليهم السلام-في باب الصبر، على الجزء الثاني من (اصول الكافي) باب الصبر، و على (الوافي): 3/321-323، كتاب الصبر.

20) المنافقون، الآية: 9.

21) التغابن، الآية: 14.

22) الاحقاف، الآية: 35.

23) المزمل، الآية: 10.

24) الاحزاب، الآية: 48.

25) آل عمران، الآية: 186.

26) النحل، الآية: 126.

27) قال استاذ البشر المحقق (الطوسي) -قدس سره-في تعريف الصبر: «الصبر. حبس النفس عن الجزع عند المكروه، و هو يمنع الباطن عن الاضطراب، و اللسان عن الشكاية، و الاعضاء عن الحركات غير المعتادة. . . » .

28) التوبة، الآية: 109.

29) المائدة، الآية: 7.

30) الانعام، الآية: 91.

31) الاحزاب، الآية: 4.

32) الغائضة: الغائرة. غيض الدمع: حبسه و اخفاه.

33) الحديث مذكور فى (مصباح الشريعة) ، الباب التاسع. و في (مستدرك الوسائل) : 1 37-38، كتاب الطهارة. و في الموضعين اختلاف كثير عما ذكر هنا، فصححناه كما كان في الموضعين.

34) الفرقان، الآية: 48.

35) الانبياء، الآية: 30.

36) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) ، الباب العاشر. و على (المستدرك) : 1 51-52، كتاب الطهارة.

37) هذه الرواية نقلها العلامة (المجلسي) -قدس سره-في (البحار): 18/56، باب علل الوضوء و ثوابه و عقاب تركه، و عن (العيون و العلل) لشيخ المحدثين مولانا (الصدوق) -رضوان الله عليه-، و لم اعثر عليها الا في الموضع المذكور من (بحار الانوار) . و لا يخفى ان ما نقله العلامة (المجلسي) -قدس الله روحه-في الموضع المذكور فيه اختلاف كثير عما ذكر فى نسخ (جامع السعادات) الخطية، بحيث لا يمكن تصحيح الرواية الا بنقلها من (البحار) و ذكرها في هامش الكتاب. و ذلك غير ممكن، لضيق المقام، فلاجله تركنا تصحيحها، لعل القاري‏ء الكريم يقف على مصدر آخر لها. فمن اراد الاطلاع على الرواية، فعليه بمراجعة (البحار) في الموضع المذكور.