فصل

ذم حب الجاه و الشهرة

اعلم ان حب الجاه و الشهرة من المهلكات العظيمة، و طالبهما طالب الآفات الدنيوية و الاخروية، و من اشتهر اسمه و انتشر صيته لا يكاد ان تسلم دنياه و عقباه، الا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب للشهرة منه. و لذا ورد في ذمهما ما لا يمكن احصاؤه من الآيات و الاخبار: قال الله سبحانه:

«تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوافي الارض و لا فسادا» (1) . و قال: «من كان يريد الحياة‏الدنيا و زينتها نوف اليهم اعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون‏اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون‏» (2) .

و هذا بعمومه متناول لحب الجاه، لانه اعظم لذة من لذات الحياة الدنيا و اكبر زينة من زينتها.

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «حب الجاه و المال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-:

«ما ذئبان ضاريان ارسلا في زريبة غنم باكثر فسادا من حب الجاه و المال في دين الرجل المسلم‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «حسب امرى‏ء من الشر الا من عصمه الله ان يشير الناس اليه بالاصابع‏» . و قال امير المؤمنين -عليه السلام-: «تبذل و لا تشتهر، و لا ترفع شخصك لتذكر، و تعلم و اكتم، و اصمت تسلم، تسر الابرار و تغيظ الفجار» . و قال الباقر-عليه السلام-. «لا تطلبن الرياسة و لا تكن ذنبا، و لا تاكل الناس بنا فيفقرك الله‏» . و قال الصادق-عليه السلام-: «اياكم و هؤلاء الرؤساء الذين يتراسون، فو الله ما خفقت النعال خلف رجل الا هلك و اهلك! » .

و قال-عليه السلام-: «ملعون من تراس، ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه! » و قال-عليه السلام-: «من اراد الرياسة هلك‏» . و قال-عليه السلام-: «اترى لا اعرف خياركم من شراركم بلى و الله! ان شراركم من احب ان يوطا عقبه، انه لا بد من كذاب او عاجز الراي‏» (3) .

و الاخبار بهذه المضامين كثيرة، و لكثرة آفاتها لا يزال اكابر العلماء و اعاظم الاتقياء يفرون منهما فرار الرجل من الحية السوداء، حتى ان بعضهم اذا جلس اليه اكثر من ثلاثة قام من مجلسه، و بعضهم يبكى لاجل ان اسمه بلغ المسجد الجامع، و بعضهم اذا تبعه اناس من عقبه التفت اليهم و قال: «على م تتبعوني، فو الله لو تعلمون ما اغلق عليه بابى ما تبعنى منكم رجلان‏» . و بعضهم يقول: «لا اعرف رجلا احب ان يعرف الا ذهب دينه و افتضح‏» . و آخر يقول: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب ان يعرفه الناس‏» . و آخر يقول: «و الله ما صدق الله عبد الا سره الا يشعر بمكانه‏» .

و من فساد حب الجاه: ان من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد اليهم و المراءاة لاجلهم، و لا يزال في اقواله و افعاله متلفتا الى ما يعظم منزلته عندهم، و ذلك بذر النفاق و اصل الفساد، و يجر لا محالة الى التساهل في العبادات و المراآة بها و الى اقتحام المحظورات للتوصل بها الى اقتناص القلوب، و لذلك شبه رسول الله حب الشرف و المال و افسادهما للدين بذئبين ضاربين، و قال:

«انه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل‏» ، اذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول و الفعل، و كل من طلب المنزلة في قلوب الناس يضطر الى النفاق معهم، و الى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، و ذلك عين النفاق.

فصل

الجاه احب من المال

ان الملك القلوب ترجيح على ملك المال بوجوه:

الاول-ان المال معرض التلف و الزوال، لانه يغصب و يسرق و تطمع فيه الملوك و الظلمة، و يحتاج فيه الى الحفظ و الحراسة، و تتطرق اليه اخطار كثيرة. و اما القلوب اذا ملكت، فهي من هذه الآفات محفوظة نعم انما يزول ملك القلوب بتغيير اعتقادها فيما صدقت‏به من الكمال الحقيقي او الوهمي.

الثاني-ان التوصل بالجاه الى المال ايسر من التوصل بالمال الى الجاه فالعالم او الزاهد الذى تقرر له جاه في القلوب، لو قصد اكتساب المال تيسر له بسهولة، لان اموال ارباب القلوب مسخرة للقلوب، و مبذولة لمن اذعنت له بالانقياد و اعتقدت فيه اوصاف الكمال، و اما الخسيس العارى عن الكمال اذا ظفر بكثرة من المال و لم يكن له جاه يحفظ به ماله و اراد ان يتوصل به الى الجاه، لم يتيسر له.

الثالث-ان ملك القلوب يسرى و ينمو و يتزايد من غير حاجة الى تعب و مشقة، اذ القلوب اذا اذعنت‏بشخص و اعتقدت انصافه بعلم او عمل او غيره، افصحت الالسنة بما فيها لا محالة، فيصف ما يعتقده لغيره و هو ايضا يذعن به و يصفه لآخر، فلا يزال يستطار في الاقطار، و يسرى من واحد الى واحد، الى ان يجتمع معظم القلوب على التعظيم و القبول. و اما المال، فمن ملك شيئا منه فلا يقدر على استنمائه الا بتعب و مقاساة. و لهذه الوجوه تستحقر الاموال في مقابلة عظم الجاه و انتشار الصيت و انطلاق الالسنة بالمدح و الثناء.

فصل

لا بد للانسان من جاه

كما انه لا بد من ادنى مال لضرورة المطعم و الملبس و المسكن و مثله ليس بمذموم، فكذلك لا بد من ادنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، اذ الانسان كما لا يستغنى عن طعام يتناوله فيجوز ان يحب الطعام و المال الذى يباع به الطعام فكذلك لا يستغنى عن خادم بخدمه و رفيق يعينه و سلطان يحرسه و يدفع عنه ظلم الاشرار، فحبه لان يكون له في قلب خادمه من المنزلة ما يدعوه الى الخدمة و في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته، و في قلب السلطان من المحل ما يدفع به الشر عنه، ليس بمذموم. اذ الجاه كالمال وسيلة الى الاغراض، فلا فرق بينهما، الا ان هذا يقضي الى الا يكون المال و الجاه محبوبين باعيانهما بل من حيث التوصل بهما الى غيرهما و لا ريب في ان كل ما يراد به التوصل الى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوسل اليه دون الوسيلة.

و مثل هذا الحب مثل حب الانسان ان يكون في داره بيت الخلاء لقضاء حاجته، و لو استغنى عن قضاء الحاجة و لم يضطر اليه، كره اشتمال داره على بيت الخلاء، و مثل ان يحب زوجته ليدفع بها فضلة الشهوة، و لو كفى مؤنة الشهوة لاحب مهاجرتها، و اذا كان حبهما لضرورة البدن و المعيشة لا لذاتهما، لم يكن مذموما، و المذموم ان يحبهما لذاتهما. و فيما يجاوز ضرورة البدن كحب زوجته لذاتها حب العشاق حتى لو كفى مؤنة الشهوة لبقى مستصحبا لحبها.

ثم حبهما باعيانهما و ان كان مذموما مرجوحا، لكنه لا يوصف صاحبه بالفسق و العصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية، و ما لم يتوصل الى اكتسابهما بكذب و خداع و تلبيس، كان يظهر للناس قولا او فعلا اعتقدوا لاجله اتصافه بوصف ليس فيه، مثل العلم و الورع او علو النسب، و بذلك يطلب قيام المنزلة في قلوبهم، و ما لم يتوصل الى اكتسابهما بعبادة، اذ التوصل الى المال و الجاه بالعبادة جناية على الدين و هو حرام، و اليه يرجع معنى الرياء المحظور، كما ياتي.

و اما طلبهما بصفة هو متصف بها، فهو مباح غير مذموم، و ذلك كقول يوسف-عليه السلام-:

«اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم‏» (4) .

حيث طلب المنزلة في قلب الملك بكونه حفظا عليما، و كان صادقا في قوله. و كذا طلبهما باخفاء عيب من عيوبه و معصية من معاصيه، حتى لا يعلمه فلا تزول به منزلته في قلبه، مباح غير مذموم، اذ حفظ الستر على القبائح جائز، بل لا يجوز هتك الستر و اظهار القبيح، و هذا ليس فيه كذب و تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة للعلم به، كالذي يخفى عن السلطان انه يشرب الخمر و لا يلقى اليه انه ورع، فان قوله انه ورع تلبيس، و عدم اقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع، بل يمنع العلم بالشرب، و هو جائز شرعا و عقلا.

فصل

دفع اشكال في حب المال و الجاه

ان قيل: الوجه في حبهما بالعرض و في حب قدر ما يضطر اليهما في المعيشة و ضرورة البدن ظاهر، فما الوجه في حبهما باعيانهما و في حب الزائد عن قدر الضرورة منهما؟ كحب جمع المال، و كنز الكنوز، و ادخار الذخائر، و استكثار الخزائن وراء جميع الحاجات، و حب اتساع الجاه و انتشار الصيت الى اقاصي البلاد التي يعلم قطعا انه قط لا يطؤها و لا يشاهد اهلها ليعظموه و يعينوه على غرض من اغراضه، فانه مع ذلك يلتذ به غاية الالتذاذ و يسر به غاية السرور، حتى لا يجد في نفسه لذة اقوى منه، و يراه فوق جميع لذاته و ابتهاجاته.

قلنا: الوجه في ذلك امران:

الاول-دفع الم الخوف الناشي‏ء من سوء الظن و طول الامل.

فان الانسان و ان كان له من المال ما يكفيه في الحال، الا انه لطول امله قد يخطر بباله ان المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج الى غيره، فاذا خطر ذلك بباله، هاج الخوف في قلبه، و لا يزول الم الخوف الا بالامن الحاصل من وجود مال آخر يفزع اليه ان اصابت هذا المال آفة، فهو ابدا لحبه للحياة و شفقته على نفسه يقدر طول الحياة و هجوم الحاجات، و يقدر امكان تطرق الآفات الى الاموال و يستشعر الخوف من ذلك، فيطلب ما يدفع خوفه، و هو كثرة المال، حتى ان اصيب بطائفة من ماله يفزع الى الاخرى. و هذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال، و لذلك لم يكن لميله موقف الى ان يملك جميع ما في الدنيا، و لذلك قال -صلى الله عليه و آله-: «منهومان لا يشبعان: منهوم العلم، و منهوم المال‏» و مثل هذه العلة تطرد في حب قيام المنزلة و الجاه في قلوب الاباعد عن وطنه و بلده، فانه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن، او يزعج اولئك عن اوطانهم الى وطنهم الى وطنه، و يحتاج الى الاستعانة بهم و مهما كان ذلك ممكنا، كان للنفس لذة و سرور بقيام المنزلة في قلوبهم، لما فيه من الامن من هذا الخوف.

الثاني-ان الانسان مركب من اصول مختلفة: هي القوة الشهوية، و القوة السبعية، و القوة الشيطانية، و الروح الذي هو امر رباني، و لذلك له ميل الى صفات بهيمية، كالاكل و الوقاع، و الى صفات سبعية، كالقتل و الايذاء، و الى صفات شيطانية، كالمكر و الخديعة و الاغواء، و الى صفات ربوبية، كالعلم و القدرة و الكبر و العز و الفخر و الاستعلاء. فهو لما فيه من الامر الرباني يحب الربوبية بالطبع، و معنى الربوبية التوحد بالكمال، و التفرد بالوجود على سبيل الاستقلال، و الاستيلاء على جميع الاشباء بالغلبة، و استناد الكل اليه بالصدور منه و المعلولية.

و بالجملة: مقتضى الربوبية التفرد بالوجود و الكمال و رجوع كل وجود و كمال اليه، اذ هو التام فوق التمام، و لا يتحقق ذلك الا بالتفرد بالوجود و الكمال و القدرة و الاستيلاء على جميع ما عداه. اذ المشاركة في الوجود نقص لا محالة، فكمال الشمس في انها موجودة وحدها. فلو كانت معها شمس اخرى كان ذلك نقصانا في حقها، اذ لم تكن متفردة بكمال معنى الشمسية فاذا كان معنى الربوبية هو التفرد بالوجود و الكمال، و كل انسان كان فيه امر رباني، فالتفرد بالوجود و الكمال محبوب له بالطبع، و ضده -اعني العبودية-قهر على نفسه، لانه علم ان المتفرد بالوجود و الكمال هو الله تعالى، اذ ليس معه موجود سواه، فان ما سواه اثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به، و ليس له معية بالوجود بالنسبة اليه تعالى، اذ المعية توجب المساواة في الرتبة، و هي نقصان في الكمال اذ الكامل الحقيقي من لا نظير له في الوجود، و الكمال بوجه من الوجوه و ان كان لغيره وجود و كمال بعد كونه صادرا منه معلولا له، اذ تحقق الموجودات و ذوات الممكنات لا يوجب نقصانا في ذاته سبحانه بعد استنادها جميعها اليه، و كونها اضعف منه بمراتب غير متناهية في الوجود و الكمال شدة و قوة، فكما ان اشراق نور الشمس في اقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس، بل هو من جملة كمالها، و انما نقصانها بوجود شمس اخرى مساوية لها في الرتبة مستغنية عنها، فكذلك وجود كل ما في العالم اذا كان من اشراق نور القدرة الالهية تابعا لها، لم يكن ذلك نقصانا في الواجب سبحانه، بل كان كمالا له.

و لما علم ذلك، و تيقن بان التفرد بالوجود و الكمال و الاستيلاء التام على جميع الاشياء لا يليق به، لانه عبد مملوك مقهور تحت القدرة الالهية، عرف انه عاجز عن درك منتهى الكمال الذى هو التفرد بالوجود و الاستيلاء اى كون وجود غيره منه. الا انه لم تسقط شهوته للكمال، بل هو محب له ملتذ به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال، و طالب لتحصيل ما يتمكن منه. فمطلق الكمال محبوب عنده، الا ان طلبه انما يتعلق بالكمال الممكن في حقه و من الكمال الممكن في حقه ان يحصل له نوع استيلاء على كل الموجودات، فكان ذلك محبوبا عنده و مطلوبا له. و لما كانت الموجودات منقسمة الى ما لا تحصى و لكن لا تستولى عليه قدرة الخلق بالتصرف، كالافلاك و الكواكب و ملكوت السماوات و نفوس الملائكة و الجن و الشياطين و الجبال و البحار و غير ذلك، و الى ما يقبل التغير و تستولى عليه قدرة العباد، كالارض و اجزائها و ما عليها من المعادن و النبات و الحيوان، و من جملتها قلوب الآدميين و نفوسهم لكونها قابلة للتغيير و التاثير مثل اجسادهم و اجساد سائر الحيوانات-فلم يكن للانسان ان يتصور امكان استيلائه على الكل بالتصرف فيه، فلم يتعرض لطلب ذلك، بل احب في كل منها نوع الاستيلاء الذي يمكن في حقه و الاستيلاء الذى يمكنه في حقه بالنظر الى القسمين الاولين هو الاحاطة عليه بالعلم و الاطلاع على اسراره، لان ذلك نوع استيلاء.

اذ المحاط به تحت القدرة، و العالم كالمستولى عليه. و لذلك احب الانسان ان يعرف الواجب تعالى و الملائكة و الافلاك و الكواكب و عائب الملك و الملكوت، لان ذلك نوع استيلاء، و الاستيلاء نوع كمال.

و اما القسم الثالث، فيمكنه ان يستولى عليه بالتصرف فيه كيف يريد فيقدر على الاراضي و الاملاك بان يتصرف فيها بالحيازة و الضبط و الزرع و الغرس، و على الاجساد الارضية الحيوانية و النباتية و الجمادية بالركوب و الضبط و الحمل و الرفع و الوضع و التسليم و المنع، و على نفوس الآدميين و قلوبهم بان تكون مسخرة متصرفة تحت اشارته و ارادته و صيرورتها محبة له باعتقاد الكمال فيه. و لكون هذا النوع من الاستيلاء نوع كمال، احب الانسان هذا الاستيلاء على الاموال و القلوب، و ان كان لا يحتاج اليهما في ملبسه و مطعمه و في شهوات نفسه، و لذلك طلب استرقاق العبيد و استعباد الاحرار و لو بالقهر و الغلبة. و قد ظهر مما ذكر: ان محبوب النفس بذاتها هو الكمال بالعلم و القدرة، و المال و الجاه محبوب لكونه من اسباب القدرة و لما كانت المعلومات و المقدورات غير متناهية، فلا يكاد ان تقف النفس الى حد من العلم و القدرة، و لهما درجات غير متناهية، فسرور كل نفس و لذتها بقدر الدرجة التي تدركها.

فصل

الكمال الحقيقي في العلم و القدرة لا المال و الجاه

لما عرفت ان المحبوب عند الانسان هو العلم و القدرة و المال و الجاه لكونها كمالا، فاعلم انه اشتبه الامر عليه باغواء الشيطان، حيث التبس عليه الكمال الحقيقي بالوهمي، و تيقن بكون جميع ذلك كمالا و احبه. اذ التحقيق ان بعضها كمال حقيقي و بعضها كمال وهمي لا اصل له، و السعي في طلبه جهل و خسران و تضييع وقت و خذلان.

بيان ذلك: انه لا ريب في عدم كون المال و الجاه كمالا، لان القدرة و الاستيلاء على اعيان الاموال بوجوه التصرف و على القلوب و الابدان بالتسخير و الانقياد ينقطع بالموت، فمن ظن ذلك كمالا فقد جهل. فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل، فانهم يظنون ان القدرة على الاجساد بقهر الحشمة، و على اعيان الاموال بسعة الغنى، و على تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال، و لما اعتقدوا كون ذلك كمالا احبوه، و لما احبوه طلبوه، و لما طلبوه شغلوا به و تهالكوا عليه، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله، اعنى العلم و الحرية كما ياتي. فهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون، و هم الذين لم يفهموا قوله تعالى:

«المال و البنون زينة الحياة الدنيا، و الباقيات الصالحات‏خير عند ربك ثوابا» (5) .

فالعلم و الحرية و فضائل الاخلاق هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا للنفس بعد خراب البدن، و المال و الجاه هو الذي ينقضى على القرب و هو كما مثله الله تعالى، حيث قال:

«انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلطبه نبات الارض. . . » (6) .

و كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، و كل ما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات.

فقد ظهر ان كمال القدرة بالمال و الجاه كمال وهمي لا اصل له، و ان من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل، الا قدر البلغة منها الى الكمال الحقيقي.

و اما العلم، فلا ريب في كون ما هو حقيقة العلم كمالا حقيقيا، اذ الكمال الحقيقي هو الذي يقرب من يتصف به من الله و يبقى كمالا للنفس بعد الموت. و لا شك في ان العلم بالله و بصفاته و افعاله و حكمته في ملكوت السماوات و الارض و ترتيب الدنيا و الآخرة و ما يتعلق به هو المقرب للعبد الى الله، اذ هو علم ثابت لا يقبل التغيير و الانقلاب، اذ معلوماته ازلية ابدية و ليس لها تغيير و انقلاب، حتى يتغير العلم بتغيرها مثل التغيرات التي يتغير العلم بها بتغيرها و انقلابها، كالعلم بكون زيد في الدار.

فهو علم ثابت ازلا و ابدا من دون تغير و اختلاف، كالعلم بجواز الجائزات و وجوب الواجبات و استحالة المستحيلات. فهذا العلم-اعنى معرفة الله و معرفة صفاته و افعاله-هو الكمال الحقيقي الذي يبقى بعد الموت و ينطوى فيه العلم بالنظام الجملي الاصلح و جميع المعارف المحيطة بالموجودات و حقائق الاشياء، اذ الموجودات كلها من افعاله، فمن عرفها من حيث هي فعل الله و من حيث ارتباطها بالقدرة و الارادة و الحكمة، كانت هذه المعرفة من تكملة معرفة الله التي تبقى كمالا للنفس بعد الموت، و تكون نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين ايديهم و ايمانهم: «يقولون ربنا اتمم لنا نورنا» ، و هي راس ما يوصل الى كشف ما لم ينكشف في الدنيا، كما ان من معه سراج خفى، فانه يجوز ان يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه، فيكمل النور بذلك النور الخفي على سبيل الاستتمام، و من ليس معه اصل السراج لا مطمع له في ذلك. فمن ليس له اصل معرفة الله لم يكن له مطمع في هذا النور، بل هو في «ظلمات في بحر لجى، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض‏» .

و ما عدا هذه المعرفة من المعارف، اما لا فائدة فيه اصلا، كمعرفة الشعر و انساب العرب و مثلها، اوله منفعة في معرفة الله، كمعرفة لغة العرب و التفسير و الفقه و الاخبار، و معرفة طريق تزكية النفس التي تفيد استعدادا لقبول الهداية الى معرفة الله، كما قال تعالى:

«قد افلح من زكاها» (7) . و قال: «و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» (8) .

فهو من حيث انه وسيلة الى معرفة الله و الى تحصيل الحرية مما لا بد منه بالعرض.

ثم ان المعرفة التي هي كمال حقيقي للانسان ليس كمال العلم و غايته، اذ لا يتصور كمال العلم و نهايته الا للواجب تعالى، اذ كمال العلم انما يتحقق بامور ثلاثة:

الاول-ان يحيط بكل المعلومات، و لا يتحقق ذلك في علم البشر.

اذ ما اوتى من العلم الا قليلا، بل العلم الذي يحيط بجميع المعلومات هو علم الله تعالى، و علم العبد انما يتحقق ببعض المعلومات، و كلما كانت معلوماته اكثر كان علمه اقرب الى علم الله تعالى.

الثاني-ان يتعلق بالمعلوم على ما هو به، و يكون المعلوم منكشفا واضحا في غاية الانكشاف و الوضوح، بحيث لا يقبل انكشافا اتم منه.

و هذا ايضا غير ممكن التحقيق في حق الانسان، اذ علمه لا يخلو عن كدرة و ابهام، بل الكشف اتام الذي هو غاية الظهور و الانجلاء مختص بعلم الله تعالى، اذ معلوماته مكشوفة باتم انواع الكشف على ما هي عليها، و علم العبد له ببعض مراتب الانكشاف، فكلما كان اجلى و اوضح و اتقن و اوفق للمعلوم في تفاصيل صفاته، كان اقرب الى علم الله.

الثالث-ان يكون باقيا ابد الآباد، بحيث لا يتغير و لا يزول.

و هذا ايضا مختص بعلم الله تعالى، اذ علمه تعالى باق لا يتصور ان يختلف و يتغير و يزول، و علم الانسان يتغير و يزول، فكلما كان علمه بمعلومات لا تقبل التغير و الانقلاب، كان اقرب الى علم الله تعالى.

هذا، و من الكمالات للانسان: التحلى بفضائل الاخلاق و الصفات لا يجابها صفاء النفس المؤدى الى البهجة الدائمية و الحرية، اعني الخلاص من اسر الشهوات و غموم الدنيا و الاستيلاء عليها بالقهر، تشبها بالملائكة الذين لا تستغرقهم الشهوة و لا يستهويهم الغضب، اذ رفع آثار الشهوة و الغضب من النفس كمال حقيقي، لانه من صفات الملائكة. و من صفات الكمال لله سبحانه عدم تطرق التغيير و التاثير على حريم كبريائه، فمن كان عن التغير و التاثر بالعوارض ابعد كان الى الله اقرب.

و اما القدرة، فقد قال بعض العلماء: «اما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد، اذ القدرة الحقيقية لله، و ما يحدث من الاشياء عقيب ارادة العبد و قدرته و حركته، فهي حادثة باحداث الله تعالى. نعم، له كمال من جهة القدرة بالاضافة الى الحال، و هي وسيلة الى كمال العلم، كسلامة اطرافه و قوة يده للبطش، و رجله للمشي، و حواسه للادراك، فان هذه القوى آلة للوصول به الى حقيقة كمال العلم، و قد يحتاج في استيفاء هذه القوى الى القدرة بالمال و الجاه للتوصل به الى المطعم و الملبس، و ذلك الى قدر معلوم، فان لم يستعمله للوصول به الى معرفة الله فلا خير فيه البتة الا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب، و لا طريق للعبد الى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته، اذ قدرته على كل شي‏ء من الارضيات كالمال و الابدان و النفوس، تنقطع بالموت‏» .

و انت‏خبير بان تحقق نوع قدرة للعباد مما لا ريب فيه، و ان كانت اسبابها و اصلها من الله سبحانه، الا ان القدرة على الامور الدنيوية الفانية كالمال و الاشخاص و غير ذلك، ليست كمالا حقيقيا، لزوالها بالموت. نعم الحق ثبوت القدرة النفسية للعبد-اعني تاثير نفسه في الغير من الكائنات تاثيرا روحانيا معنويا، كما هو ظاهر من تاثير بعض النفوس في الانسان و الحيوان و النبات و الجماد بانواع التاثيرات، و مثل هذه القدرة تبقى للنفوس بعد الموت و لذا ترى ان من يستغيث‏ببعض النفوس الكاملة من الاموات يرى منها عجائب التاثيرات و الاستفاضات، فما ذكره بعض العلماء من عدم بقاء قدرة للنفوس بعد الموت محل النظر.

و قد ظهر بما ذكر: ان الكمال الحقيقي للانسان هو العلم الحقيقي و فضائل الاخلاق و الحرية و القدرة.

فصل

علاج حب الجاه

اعلم ان علاج حب الجاه مركب من علم و عمل. و علاجه العلمى:

ان يعلم ان السبب الذي لاجله احب الجاه-و هو كمال القدرة على اشخاص الناس و على قلوبهم ان صفا و سلم-فآخره الموت، فليس هو من الباقيات الصالحات بل لو سجد له كل من على وجه الارض الى خمسين سنة او اكثر لا بد بالاخرة من موت الساجد و المسجود له، و يكون حاله كحال من مات قبله من ذوى الجاه مع المتواضعين له. و لا ينبغي للعاقل ان يترك بمثل ذلك الدين الذى هو الحياة الابدية التى لا انقطاع لها. و من فهم الكمال الحقيقي و الكمال الوهمي-كما سبق-صغر الجاه في عينه، الا ان ذلك انما يصغر في عين من ينظر الى الآخرة كانه يشاهدها و يستحقر العاجلة و يكون الموت كالحاصل عنده، و ابصار اكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها الى مشاهدة العواقب، كما قال الله تعالى:

«بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و ابقى‏» (9) .

و قال: «كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة‏» (10) .

فمن هذه مرتبته، فينبغي ان يعالج قلبه من حب الجاه بمعرفة الآفات العاجلة، و هو يتفكر في الاخطار التي يستهدف لها ارباب الجاه في الدنيا فان كل ذى جاه محسود مقصود بالايذاء، و خائف على الدوام على جاهه و لا يزال في الاضطراب و الخوف من ان يتغير منزلته في القلوب. مع ان قلوب الناس اشد تغيرا و انقلابا من القدر في غليانه، و هي مرددة بين الاقبال و الاعراض، فكلما يبني على قلوب الخلق يضاهي ما يبني على امواج البحر فانه لاثبات له. و الاشتغال بمراعاة القلوب و حفظ الجاه و دفع كيد الحساد و منع اذى الاعداء اشتغال عن الله و تعرض لمقته في العاجل و الآجل كل ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه، فلا يبقى في الدنيا ايضا مرجوها بمخوفها، فضلا عما يفوت في الآخرة. فبهذا ينبغي ان تعالج البصيرة الضعيفة و اما من نفذت بصيرته و قوى ايمانه فلا التفات له الى الدنيا.

فهذا هو العلاج العلمي.

و اما العلاج العملي فاسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالانس بضد الجاه الذي هو الخمول و يقنع بالقبول من الخالق، و اقوى العلاج لقطع الجاه الاعتزال عن الناس و الهجرة الى مواضع الخمول، لا مجرد الاعتزال في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور، لان المعتزل في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور عند اهلها لا يخلو بسبب عزلته عن حب المنزلة التي تترسخ له في القلوب، فربما يظن انه ليس محبا لذلك الجاه و هو مغرور، و انما سكنت نفسه لانها ظفرت بمقصودها، و لو تغير الناس عما اعتقدوا فيه و دموه او نسبوه الى امر غير لائق، ربما جزعت نفسه و تالمت و توصلت الى الاعتذار من ذلك و اماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، و ربما يحتاج في ازالة ذلك عن قلوبهم الى كذب و تلبيس و لا يبالى به، و به يتبين انه بعد محب للجاه و المنزلة، و لا يمكنه الا يحب المنزلة في قلوب الناس مادام يطمع في الناس و لا يقطع الطمع عن الناس الا بالقناعة. فمن قنع استغنى عن الناس، و اذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس و لم يكن لقيام منزلته في القلوب وزن عنده، بل من لم يطمع في الناس و كان من اهل المعرفة، كان الناس عنده كالبهائم، فكيف يكون طالبا لقيام منزلته في قلوبهم؟ .

و الحاصل: ان الغالب و الباعث على قيام المنزلة في قلوب الناس هو الطمع منهم، و لذا ترى انك لا تطلب قيام منزلتك في قلوب من في اقصى لمشرق او المغرب، لعدم طمع لك فيهم، ثم ينبغي ان يستعين على المعالجة بالاخبار الواردة في ذم الجاه-كما مر-و في مدح الخمول، كما ياتي.

فصل

حب الخمول

ضد حب الجاه و الشهرة حب الخمول، و هو شعبة من الزهد، كما ان حب الجاه شعبة من حب الدنيا. فحب الدنيا و الزهد ضدان.

ثم الخمول من صفات المؤمنين و خصال الموقنين، و قد كانت طوائف العرفاء المتوحدين و من يماثلهم من سلفنا الصالحين محبين له طالبين اياه، و كل من عرف الله و احبه و انس به، كان محبا للخمول متوحشا من الجاه و انتشار الصيت، كما تنادى به كتب السير و التواريخ. و قد وردت بمدحه اخبار كثيرة، كقول رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «ان اليسير من الرياء شرك، و ان الله يحب الاتقياء الاخفياء، الذين اذا غابوا لم يفقدوا و اذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يتحول من كل غبراء مظلمة‏» . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «رب ذى طمرين لا يؤبه له لو اقسم على الله لابره، لو قال: اللهم اسالك الجنة! لاعطاه الجنة و لم يعطه من الدنيا شيئا» . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «الا ادلكم على اهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف، لو اقسم على الله لابره‏» .

و قوله-صلى الله عليه و آله-: «ان اهل الجنة كل اشعث اغبر ذى طمرين لا يؤبه له، الذين اذا استاذنوا على الامراء لم يؤذن لهم، و اذا خطبوا النساء لم ينكحوا، و اذا قالوا لم ينصت لهم. حوائج احدهم تتخلخل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم‏» . و قوله -صلى الله عليه و آله-: «ان من امتي من لو اتى احدكم يساله دينارا لم يعطه اياه، او يساله درهما لم يعطه اياه و لو سال الله تعالى الجنة لاعطاها اياه، و لو ساله الدنيا لم يعطها اياه، و ما منعها اياه لهوانه عليه‏» و قوله -صلى الله عليه و آله-: «قال الله عز و جل: ان من اغبط اوليائي عندى رجلا حفيف الحال، ذا حظ من صلاة، احسن عبادة ربه بالغيب و كان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه و قل بواكيه‏» (11) . و ورد: «ان الله تعالى يقول في مقام الامتنان على بعض عبيده: الم انعم عليك؟ الم استرك؟ الم احمل ذكرك‏» .

و قال بعض خيار الصحابة: «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، احلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب. تعرفون في اهل السماء، و تخفون في اهل الارض‏» . و من اطلع على احوال اكابر الدين و السلف الصالحين من ايثارهم الخمول و الذل على الجاه و الشهوة و الغلبة، ثم في ما ورد في مدحهما من الاخبار، تيقن بانهما من اوصاف المؤمنين، و لا بد للمؤمن من الاتصاف بهما، و لذا ورد: «ان المؤمن لا يخلو عن ذلة او علة او قلة‏» .

و منها:

حب المدح

و كراهة الذم. و هما من نتائج‏حب الجاه، و من المهلكات العظيمة اذ كل محب للمدح و الثناء خائف من الذم، يجعل افعاله و حركاته على ما يوافق رضا الناس، رجاءا للمدح و خوفا من الذم. فيختار رضا المخلوق على رضا الخالق، فيرتكب المحظورات و يترك الواجبات، و يتهاون في الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و يتعدى عن الانصاف و الحق، و كل ذلك من المهلكات، و ليس للمؤمن ان يحوم حولها، بل المؤمن من لم يؤثر قط رضا المخلوق على رضا الخالق، و لا تاخذه في الله لومة لائم. و لعظم فساد حب المدح و بغض الذم ورد في ذمهما ما ورد في الاخبار، قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «انما هلك الناس باتباع الهوى وحب الثناء» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «راس التواضع ان تكره ان تذكر بالبر و التقوى‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-لرجل اثنى على آخر بحضرته: «لو كان صاحبك حاضرا فرضى بالذى قلت فمات على ذلك، دخل النار» . و قال-صلى الله عليه و آله-: لما مدح آخر:

«ويحك! قطعت ظهره! و لو سمعك ما افلح الى يوم القيامة‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «الا لا تمادحوا! و اذا رايتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «ويل للصائم! و ويل للقائم! و ويل لصاحب التصوف! الا من. . . فقيل: يا رسول الله الا من؟ فقال: الا من تنزهت نفسه عن الدنيا، و ابغض المدحة و استحب المذمة‏» .

فصل

مراتب حب المدح و كراهة الذم

اعلم ان لحب المدح و كراهة الذم مرتبتين: اولاهما: ان يفرح بالمدح و يشكر المادح، و يغضب من الذم و يحقد على الذام، و يكافيه او يحب مكافاته. و هذا حال اكثر الخلق، و لا حد لاتمها. و اخراهما: ان يفرح باطنه و يرتاح للمادح، و لكن يحفظ ظاهره من اظهار السرور، و يتبغض في الباطن على الذام، و لكن يمسك لسانه و جوارحه عن مكافاته و هذه و ان كانت نقصانا، الا انها بالنظر الى الاولى كمال.

و باعتبار آخر، لحب المدح درجات:

الاولى-ان يتمنى المدح و انتشار الصيت‏بحيث‏يتوصل الى نيلهما بكل ممكن، حتى يرائى بالعبادات و لا يبالي بمفارقة المحظورات، لاستمالة قلوب الناس و استنطاق السنتهم بالمدح. و هذا من الهالكين.

الثانية-ان يريد ذلك و بطلبه بالمباحات لا بالعبادات و ارتكاب المحظورات، و هذا على شفا جرف الهلاك. اذ حدود الكلام و الاعمال التي يستميل بها القلوب لا يمكنه ان يضبطها، فيوشك ان يقع فيما لا يحل له ليتوصل به الى نيل المدح. فهو قريب من الهالكين. الثالثة-الا يريد المدح و لا يسعى لطلبه، و لكن اذا مدح سر و ارتاح، من غير وجدان كراهة في نفسه لهذا السرور و الارتياح، و هذا ايضا نقصان، و ان كان اقل اثما بالاضافة الى ما قبله.

الرابعة-ان يسر و يرتاح، و لكن كره هذا السرور و الارتياح، و كلف قلبه كراهة المدح و بغضه، و هو في مقام المجاهدة، و لعل الله يسامحه اذا بذل جهده. و مع ذلك لم يقدر على ربط نفسه على كراهة المدح دائما.

فصل

اسباب حب المدح

حب المدح و الثناء له اسباب:

الاول-شعور النفس بكمالها، فان الكمال لما كان محبوبا فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت و اهتزت و تلذذت، و المدح يشعر نفس الممدوح بكمالها، فان كان ما به المدح و صفا مشكوكا فيه صادر عن خبير بصير لا يجازف في القول، كالوصف بكمال العلم و الورع و بالحسن المطلق، فاللذة فيه عظيمة لان الانسان ربما كان شاكا في كمال علمه و كمال حسنه و يكون شائقا لزوال هذا الشك، فاذا ذكره غيره، (لا) سيما اذا كان من اهل البصيرة، اورث ذلك طمانينة و ثقة بوجود ذلك الكمال، فعظمت لذته، و لو كان صادرا ممن لا بصيرة له، كانت لذته اقل لقلة الاطمئنان بقوله. و ان كان ما به المدح وصفا جليا، كاعتدال القامة و بياض اللون كانت لذته في غاية القلة، لان ثناءه لا يورث ما ليس له من الطمانينة و الثقة الا انه لا يخلو عن لذة ما، اذ النفس قد تغفل عنه فتخلو عن لذته، فتنبهها عليه بالمدح يورث لذة ما. و لضد هذه العلة ببغض الذم ايضا، لانه يشعر بنقصان في نفسه، و النقصان ضد الكمال.

الثاني-ان المدح يدل على ان قلب المادح ملك الممدوح، و انه مريد له معتقد فيه و مسخر تحت مشيته، و ملك القلوب محبوب، و الشعور بحصوله لذيذ، و لذلك تعظم اللذة مهما صدرت ممن تتسع قدرته و ينتفع باقتناص قلبه كالملوك و الاكابر، و لضد هذه العلة يكره الذم و يتالم القلب به.

الثالث-ان المدح سبب اصطياد قلب كل من يسمعه، لا سيما اذا كان المادح ممن يعتنى بقوله، و هذا يختص بمدح يقع على الملا.

الرابع-ان المدح يدل على حشمة الممدوح و اضطرار المادح الى اطلاق اللسان بالثناء عليه طوعا او قهرا، و الحشمة محبوبة لما فيها من الغلبة و القدرة، فشعور النفس بها يورث لذة، و هذه اللذة تحصل و ان علم الممدوح ان المادح لا يعتقد بما يقوله، اذ ما يطلبه يحصل منه، و لضد هذه العلة يبغض الذم ايضا.

و هذه الاسباب قد تجتمع في مدح واحد فيعظم به الالتذاذ، و قد تفترق فينتقص و يندفع استشعار الكمال، بان يعلم الممدوح ان المادح غير صادق في مدحه، فان كان يعلم ان المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية ايضا، و هو استيلاءه على قلبه، و بقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه الى النطق بالمدح.

فصل

علاج المدح و كراهة الذم

اذا علم ان حب المدح و كراهة الذم من المهلكات، فيجب ان يبادر الى العلاج.

و علاج الاول: ان يلاحظ اسبابه، و يعلم ان شيئا منها لا يصلح حقيقة لان يكون سببا له. اما استشعار الكمال بالمدح، فلان المادح ان صدق فليكن الفرح من فضل الله حيث اعطاه هذه الصفات، و ان كذب فينبغي ان يغمه ذلك و لا يفرح به لانه استهزاء به، مع ان الفرح مطلقا في صورة الصدق من السفاهة، اذ الوصف الذى مدح به ان كان مما لا يستحق الفرح به، كالثروة و الجاه و غيرهما من المطالب الدنيوية، فالفرح به من قلة العقل، لانها كمالات و همية لا اصل لها، و ان كان مما يستحق الفرح به كالعلم و الورع، فالفرح انما هو لكونه مقربا الى الله، و هذا فرع حسن الخاتمة و هو غير معلوم. ففي الخوف من خطر الخاتمة شغل شاغل من الفرح بكل شي‏ء. و اما دلالة المدح على تسخير قلب المادح و كونه سببا لتسخير قلب من يسمعه، فحب ذلك يرجع الى حب الجاه و المنزلة في القلوب، و قد سبق طريق معالجته. و اما دلالته على الحشمة، فانها ليست الا قدرة عارضة ناقصة لاثبات لها، و العاقل لا يفرح بمثلها.

و اما علاج الثاني: -اعني كراهة الذم-فيعلم بالمقايسة على علاج حب المدح. و القول الوجيز فيه: ان من يذمك ان كان صادقا و قصده النصح و الارشاد، فلا ينبغي ان تبغضه و تغضب عليه، بل ينبغي ان تفرح و تجتهد في ازالة الصفة المذمومة عن نفسك، و ما اقبح بالمؤمن ان يغضب على من يحسن اليه و يريد هدايته. و ان كان قصده الايذاء و التعنت، فلا ينبغي لك ايضا ان تبغضه و تكره ذلك، لانه ارشدك الى عيبك ان كنت جاهلا به، و ذكرك اياه ان كنت غافلا عنه، و قبحه في عينك ان كنت متذكرا له، و على التقادير قد استفدت منه ما تنتفع به، و ينبغي لك ان تغتنمه و تبادر الى ازالة عيبك. و ان كان كاذبا مفتريا عليك بما انت منه برى‏ء، فينبغي لك ايضا الا تكره ذلك و لا تشتغل بذمه، لانك و ان خلوت من ذلك العيب، الا انك لا تخلو من عيوب اخر مساوية له و افحش منها، فاشكر الله تعالى على انه سترها و لم يطلع احدا عليها، و دفعها بذكر ما انت منه برى‏ء، مع انه كفارة لبقية مساويك. و من ذمك اهدى اليك حسناته و جنى على دينه، حتى سقط من عين الله و اهلك نفسه بافترائه عليك، فما بالك تحزن بحط ذنوبك و اهداء الحسنات اليك؟ و لم تغضب عليه، مع ان الله سبحانه غضب عليه و ابعده من رحمته؟ فان ذلك كاف لانتقامك منه.

وصل

ضد حب المدح

ضد حب المدح و كراهة الذم: اما كراهة المدح و حب الذم، او مساواتهما عنده بحيث لا تسره المدحة و لا تغمه المذمة. و قد تقدم بعض الاخبار الدالة على ذم من لم يتصف بالحالة الاولى. و هي و ان كانت نادرة الوجود، اذ ما اقل على بسيط الارض- (لا) سيما في هذه الاعصار- من تستوى عنده المدحة و المذمة، فضلا عمن يكره المدح و يسر بالذم، الا ان تحصيلها ممكن اذ كل من عرف ان المدح مضر بدينه و قاصم لظهره فلا بد ان يكرهه و يبغض المادح، لو كان عاقلا مشفقا على نفسه. و كذا من عرف ان الذام له يرشده الى عيوبه و يهدى اليه بعض حسناته، لا بد ان يحبه و يسر بذمه.

و اما الحالة الثانية، فهي اولى درجات الكمال، و من لم يتصف بها فهو ناقص. فالاتصاف بها لازم على كل مؤمن. و ربما ظن بعض الناس اتصافه بها، مع كونه فاقدا لها. فمن ظن ذلك من نفسه، فلا بد ان يمتحن نفسه بعلاماتها، حتى يظهر له صدق ظنه و كذبه، و علاماته: الا يكون سعيه و نشاطه في قضاء حوائج المادح اكثر منهما في قضاء حوائج الذام، و الا يتفاوت همه و حزنه لاجل موتهما و ابتلائهما بمصيبة، و الا تكون ذلة المادح اخف في قلبه و عينه من ذلة الذام، و الا يكون جلوس الذام عنده اثقل و لا قيامه اهون من جلوس المادح و قيامه. و بالجملة: ان يستويا عنده من كل وجه. فمن وجد نفسه استواءهما في جميع الجهات، فهو ممن يتساوى عنده المدح و الذم.

و منها:

الرياء

و هو طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير او ما يدل عليها من الآثار. فهو من اصناف الجاه، اذ هو طلب المنزلة في القلوب باى عمل اتفق، و الرياء طلب المنزلة بادائه خصال الخير او ما يدل على الخير ثم خصال الخير يشمل اعمال البر باسرها، و هي اعم من العادات ان خصت العبادة بمثل الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و امثال ذلك و مساوقة لها ان اريد بالعبادة كل فعل يقصد به التقرب و يترتب عليه الثواب اذ على هذا كل عمل من اعمال الخير، سواء كان من الواجبات او المندوبات او المباحات في الاصل اذا قصد به القربة كان طاعة و عبادة، و ان لم يقصد به ذلك لم يكن عبادة و لا عمل خير، و لو كان مثل الصلاة. و ربما خص الرياء عادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة بالمعنى الاخص.

و المراد بالآثار الدالة على الخيرية هي كل فعل ليس في ذاته برا و خيرا، و انما يستدل به على الخيرية.

و هي اما متعلقة بالبدن، كاظهار النحول و الصفار ليستدل بهما على قلة الاكل او الصوم و سهر الليل، و يوهم بذلك شدة الاجتهاد و عظم الحزن على امر الدين و غلبة الخوف من الله و من اهوال الآخرة، و كخفض الصوت ليستدل به على ان وقار الشرع قد خفض صوته. . . و قس عليها غيرها من الامور المتعلقة بالبدن، الدالة على الخيرية قصدا الى تحصيل المنزلة في قلوب الناس، و كل ذلك يضر بالدين و ينافي الورع و اليقين، و لذا قال عيسى-عليه السلام-: «اذا صام احدكم، فليدهن راسه، و يرجل شعره، و يكحل عينيه‏» ، خوفا من نزع الشيطان بالرياء. ثم هذه مراآة اهل الدين بالبدن، و اما اهل الدنيا فيراؤن في البدن باظهار السمن و صفاء اللون و نظافة البدن و حسن الوجه و امثال ذلك.

او متعلقة بالزى و الهيئة كحلق الشارب و اطراق الراس في المشي، و الهدوء في الحركة، و ابقاء اثر السجود في الجبهة، و لبس الصوف او الثوب الخشن او الابيض و تعظيم العمامة و لبس الطيلسان و الدراعة، و امثال ذلك مما يدل على العلم و التقوى او الانخلاع عن الدنيا.

و المراؤن من اهل الدين بالزى و اللباس على طبقات: منهم من يرى طلب المنزلة بالثياب الخشة، و منهم من يرى بالثياب الفاخرة، و منهم من يرى بالوسخة، و منهم من يراه بالنظيفة، و للناس فيما يعشقون مذاهب و اما اهل الدنيا فلا ريب في انهم يراؤن في اللباس بلبس الثياب النفيسة و ركوب المراكب الرفيعة و امثال ذلك.

او متعلقة بالقول و الحركات كاظهار الغضب و الاسف على المنكرات و مقارفة الناس للمعاصي، ليستدل بها على حمايته للدين و شدة اهتمامه على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، مع ان قلبه لم يكن متاثرا عن ذلك، و كارخاء الجفون و تنكيس الراس عند الكلام و اظهار الهدوء و السكون في المشي، ليستدل بذلك على وقاره، و ربما اسرع المرائي في المشي الى حاجة فاذا اطلع عليه واحد رجع الى الوقار خوفا من ان ينسب الى عدم الوقار فاذا غاب الرجل عاد الى عجلته.

او متعلقة بغير ذلك كمن يتكلف ان يكثر الزائرون له و الواردون عليه (لا) سيما من العلماء و العباد و الامراء ليقال ان اهل الدين و العظماء يتبركون بزيارته.

فصل

ذم الرياء

الرياء من الكبائر الموبقة و المعاصي المهلكة و قد تعاضدت الآيات و الاخبار على ذمه، قال سبحانه:

«فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين‏هم يراؤن و يمنعون الماعون‏» (12) . و قال سبحانه: «فمن‏كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة‏ربه احدا» (13) . و قال سبحانه: «يراؤن الناس و لا يذكرون‏الله الا قليلا» (14) . و قال: «كالذي ينفق ماله رئاءالناس‏» (15) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر» قالوا: و ما الشرك الاصغر؟ قال: «الرياء، يقول الله عز و جل يوم القيامة للمرائين اذا جازى العباد باعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «استعيذوا بالله من جب الحزن‏» قيل: و ما هو يا رسول الله؟ قال: «واد في جهنم اعد للقراء المرائين‏» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «يقول الله تعالى: من عمل لي عملا اشرك فيه غيرى فهو له كله، و انا منه برى‏ء، و انا اغنى الاغنياء عن الشرك‏»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «لا يقبل الله تعالى عملا فيه مثقال ذرة من رياء» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «ان ادنى الرياء الشرك‏»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «ان المرائى ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك و حبط اجرك اذهب فخذ اجرك ممن كنت تعمل له‏» . و كان-صلى الله عليه و آله-يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال «اني تخوفت على امتي الشرك اما انهم لا يعبدون صنما و لا شمسا و لا قمرا و لا حجرا و لكنهم يراؤن باعمالهم‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «سياتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم‏» و قال: «ان الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فاذا صعد بحسناته يقول الله عز و جل:

اجعلوها في سجين انه ليس اياى اراد به‏» (16) و قال-صلى الله عليه و آله-: «ان الحفظة تصعد بعمل العبد الى السماء السابعة من صوم و صلاة.

و تفقه و اجتهاد و ورع، لها دوي كدوي الرعد وضوء كضوء الشمس معه ثلاثة آلاف ملك، فيجاوزون به الى السماء السابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا به جوارحه، اقفلوا به على قلبه، اني احجب عن ربى كل عمل لم يرد به وجه ربي، انه اراد بعمله غير الله، انه اراد رفعة عند الفقهاء و ذكرا عند العلماء وصيتا في المدائن، امرني ان لا ادع عمله يجاوزني الى غيرى، و كل عمل لم يكن لله خالصا فهو رياء، و لا يقبل الله عمل المرائى، قال-صلى الله عليه و آله-: و تصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة و زكاة و صيام و حج و عمرة و خلق حسن و صمت و ذكر الله تعالى و تشيعه ملائكة السماوات حتى يقطع الحجب كلها الى الله فيقفون به بين يديه و يشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله، قال: فيقول الله تعالى لهم انتم الحفظة على عمل عبدى و انا الرقيب على نفسه، انه لم يردني بهذا العمل و اراد به غيرى فعليه لعنتي فتقول الملائكة كلهم عليه لعنتك و لعنتنا، و تقول السماوات كلها عليه لعنة الله و لعنتنا، و تلعنه السماوات السبع و من فيهن‏» .

و قال امير المؤمنين-عليه السلام-: «اخشوا الله خشية ليست‏بتعذير (17) و اعملوا بغير رياء و لا سمعة فانه من عمل لغير الله و كله الله الى عمله يوم القيامة‏» و قال الباقر-عليه السلام-: «الابقاء على العمل اشد من العمل‏» قيل: و ما الا بقاء على العمل؟ قال: «يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رياء» . و قال الصادق-عليه السلام-:

«قال الله تعالى انا خير شريك فمن عمل لي و لغيرى فهو لمن عمل له غيري‏» . و قال-عليه السلام-: «قال الله تعالى: انا اغنى الاغنياء عن الشريك فمن اشرك معى غيرى في عمل لم اقبله الا ما كان لي خالصا»

و قال-عليه السلام-: «كل رياء شرك، انه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل لله كان ثوابه على الله‏» . و عن ابي عبد الله -عليه السلام-في قول الله عز و جل:

«فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه احدا» .

قال: «الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله انما يطلب تزكية الناس، يشتهى ان يسمع به الناس فهذا الذى اشرك بعبادة ربه‏»

ثم قال: «ما من عبد اسر خيرا فذهبت الايام ابدا حتى يظهر الله له خيرا، و ما من عبد يسر شرا فذهبت الايام حتى يظهر الله له شرا» .

و قال-عليه السلام-: ما يصنع احدكم ان يظهر حسنا و يسر سيئا اليس يرجع الى نفسه فيعلم ان ذلك ليس كذلك و الله عز و جل يقول: «بل الانسان على نفسه بصيرة‏» . ان السريرة اذا صحت قويت العلانية. و قال -عليه السلام-: «من اراد الله بالقليل من عمله اظهر الله له اكثر مما اراده به و من اراده الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه و سهر من ليله ابى الله الا ان يقلله في عين من سمعه‏» . و قال-عليه السلام-لعباد البصرى: «ويلك يا عباد! اياك و الرياء فانه من عمل لغير الله و كله الله الى من عمل له‏» . و قال-عليه السلام-: «اجعلوا امركم هذا لله و لا تجعلوه للناس فانه ما كان لله فهو لله و ما كان للناس فهو لا يصعد الى الله‏» . و قال الرضا-عليه السلام-لمحمد بن عرفة: «ويحك يا بن عرفة اعملوا لغير رياء و لا سمعة فانه من عمل لغير الله وكله الله الى ما عمل ويحك ما عمل احد عملا الا اراده الله به ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا» (18) .

و كفى للرياء ذما انه يوجب الاستحقار لله و جعله اهون من عباده الضعفاء الذين لا يقدرون نفعا و لا ضرا، اذ من قصد بعبادة الله عبدا من عبيده فلا ريب في ان ذلك لاجل ظنه بان هذا العبد اقدر على تحصيل اغراضه من الله و انه اولى بالتقرب اليه منه تعالى و اى استحقار بمالك الملوك اشد من ذلك.

فصل

اقسام الرياء

الرياء اما في العبادات او في غيرها (و الاول) حرام مطلقا و صاحبه ممقوت عند الله و هو يبطل اصل العبادة و لان الاعمال بالنيات، و المرائى بالعبادة لم يقصد امتثال امر الله بل قصد ادراك مال او جاه او غرض آخر من الاغراض فلا يكون ممتثلا لامر الله خارجا عن عهدة التكليف، ثم مع بطلان عبادته و عدم خروجه عن عهدة التكليف يكون له اثم على حدة لاجل الرياء، كما دلت عليه الآيات و الاخبار، فيكون اسوا حالا ممن ترك العبادة راسا، كيف لا و المرائي بالعبادة جمع بين الاستهزاء بالله و التلبيس و المكر لانه خيل الى الناس انه مطيع لله من اهل الدين و ليس كذلك.

و اما الرياء بغير العبادات، فقد يكون مذموما، و قد يكون مباحا، و قد يكون مستحبا، و قد يكون واجبا، اذ يجب على المؤمن صيانة عرضه و الا يفعل ما يعاب عليه، فلا يليق بذوى المروات ان يرتكبوا الامور الخسيسة بانفسهم عند مشاهدة الناس و ان جاز لهم ذلك في الخلوة، و من زين نفسه باللباس او غيره في اعين الناس حذرا من لومهم و استثقالهم او استقذارهم اياه كان ذلك مباحا له، اذ الحذر من الم الذم غير مذموم الا ان ذلك يختلف باختلاف الازمنة و البلاد و الاشخاص من العباد، فربما كان بعض اقسام الرياء بغير العبادات مذموما بالنظر الى وقت او شخص او بلد غير مذموم بالنظر الى آخر. روى: «ان رسول الله-صلى الله عليه و آله و سلم-اراد يوما ان يخرج على اصحابه، فكان ينظر في حب من الماء و يسوى عمامته و شعره، فقيل له: او تفعل ذلك يا رسول الله؟

فقال: نعم، ان الله تعالى يحب من العبد ان يتزين لاخوانه اذا خرج اليهم‏» . و قال امير المؤمنين-عليه السلام-: «يتزين احدكم لاخيه المسلم كما يتزين للغريب الذي يحب ان يراه في احسن الهيئة‏» ، و قال الصادق -عليه السلام-: «الثوب النقي يكبت العدو» . و روى: «انه -عليه السلام-نظر الى رجل من اهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا و هو يحمله، فلما رآه الرجل استحى منه، فقال-عليه السلام-: اشتريته لعيالك و حملته اليهم، اما و الله لو لا اهل المدينة لا حببت ان اشتري لعيالى الشي‏ء ثم احمله اليهم‏» (19) اراد-عليه السلام-لو لا مخافة ان يعيبوه على ذلك لفعل مثل فعله، الا انه لما كان في زمان يعاب عليه بمثله لم يجز له ان يرتكبه، و لما لم يكن ذلك مما يعاب عليه في زمن امير المؤمنين -عليه السلام-كان يرتكبه و كان ذلك منقبة له و تعليما. فظهر ان ارتكاب بعض الامور و عدم ارتكاب بعض الافعال قد يكون رياء محبوبا و قد يكون رياء مذموما.

فصل

تاثير الرياء على العبادة

الرياء اما ان يكون مجردا عن قصد القربة و الثواب بحيث لو لاه و الفرد صاحبه لترك العمل و هو اشد درجات الرياء و اعظمها اثما، او يكون مع قصدهما فان كان قصدا ضعيفا مرجوحا بحيث لو كان خاليا عن قصد الرياء لم يبعثاه على العمل، و لو كان قصد الرياء خاليا عنهما بعثه عليه، كان قريبا من سابقه و ان كان مساويا لقصد الرياء بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فالحق كونه مفسدا للعمل ايضا لظواهر الاخبار. و ان كان راجحا على قصد الرياء غالبا عليه بان يكون قصد الرياء و اطلاع الناس مرجحا و مقويا لنشاطه بحيث لو لم يكن لم يترك العمل، و لو كان قصد الرياء وحده لما اقدم على العمل، (فبعض العلماء) على انه لا يحبط اصل العمل و الثواب بل ينقص من الثواب او يعاقب صاحبه على مقدار قصد الرياء، و يثاب على مقدار قصد الثواب و (فيه نظر) اذ ظواهر الاخبار تفيد ابطاله اصل العمل و الثواب لصدق الرياء عليه و صدق المرائى على صاحبه، لقول امير المؤمنين-عليه السلام- «ثلاث علامات للمرائي: ينشط اذا راى الناس، و يكسل اذا كان وحده و يحب ان يحمد في كل اموره‏» و ما تقدم من الاخبار الدالة على ان كل عمل اشرك مع الله تعالى غيره كان الله منه بريئا و لم يقبله، صريح في المطلوب. و حملها على ما اذا تساوى القصد او كان قصد الرياء ارجح خلاف الظاهر. ثم الظاهر ان البطلان في هذه الصورة انما هو اذا رجع قصده الى حبه اطلاع الناس عليه لتقع منزلة له في قلوبهم، ليتوسل بها الى نيل غرض من الاغراض الدنيوية، و اما اذا كان سروره و قصده من اطلاع الناس لاحد المقاصد الصحيحة الآتية فلا باس به و لا يبطل العمل.

تنبيه

السرور بالاطلاع على العبادة

من كان قصده اخفاء الطاعة و الاخلاص لله، فاذا اتفق اطلاع الناس على طاعته فلا باس بالسرور به، من حيث علمه بان الله اطلعهم عليه و اظهر الجميل من حاله، فيستدل به على حسن صنع الله به من حيث انه ستر الطاعه و المعصية، و الله تعالى ابقى معصيته على الستر و اظهر طاعته، فيكون فرحه بجميل نظر الله و فضله له لا بمدح الناس و قيام المنزلة في قلوبهم، و قد قال الله تعالى:

«قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا» (20) .

و كانه ظهر له بظهور طاعته انه عند الله مقبول ففرح به او من حيث استدلاله باظهار الله الجميل و ستره القبيح في الدنيا انه كذلك يفعل به في الآخرة، قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «ما ستر الله على عبد في الدنيا الا ستر الله عليه في الاخرة‏» . فالاول فرح بالقبول في الحال من غير ملاحظة المستقبل، و هذا التفات الى المستقبل. او من حيث ظنه رغبة المطلعين في الاقتداء في الطاعة، فيتضاعف بذلك اجره.

اذ يكون له اجره السر بما قصده اولا، و اجر العلانية بما اظهره آخرا و من اقتدى الناس به في طاعة فله اجر اعمال المقتدين به من غير ان ينقص من اجورهم شي‏ء. او من حيث فرحه بطاعة المطلعين لله في مدحهم و حبهم للمطيع، و ميل قلوبهم الى الطاعة، اذ من الناس من يمقت اهل الطاعة و يحسدهم او يستهزئ بهم و ينسبهم الى الرياء، فهذا فرح بحسن ايمان عباد الله، و علامة الاخلاص فيه: ان يكون سروره بمدحهم غيره مثل سروره بمدحهم اياه.

و يدل على عدم الباس بالسرور فيما ذكر ما روى: «ان رجلا قال لرسول الله-صلى الله عليه و آله-: اني اسر العمل لا احب ان يطلع عليه احد فيطلع عليه فيسرني! قال: لك اجران: اجر السر و اجر العلانية‏»

و ما روي: «انه سئل الباقر-عليه السلام-عن الرجل يعمل الشي‏ء من الخير فيراه انسان فيسره ذلك، قال: لا باس، ما من احد الا و هو يحب ان يظهر الله له في الناس الخير اذا لم يكن صنع ذلك‏» . و هذان الخبران باطلاقهما يدلان على نفي الباس بالسرور لاجل المقاصد المذكورة و يخصص منهما ما هو المذوم من الفرح الحاصل من اطلاع الناس، و ان كان قصده الاخفاء اولا، و هو ان يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه و يعظموه و يقوموا بحوائجه، و انما يخصص ذلك منهما مع شمول اطلاقهما له ايضا لمعارض اقوى.

هذا و قد تقدم ان قصده اولا-اى في حال عقد الطاعة-اطلاع الناس عليه و ارتياحه به لاحد المقاصد المذكورة لا باس به ايضا، فعدم الباس لا يختص بطرو القصد و الارتياح بعد العقد او بعد تمام العمل.

ثم كما لا باس بالسرور من ظهور الطاعات للمقاصد المذكورة، فكذلك لا باس بكتمان المعاصي و اغتمامه باطلاع الناس عليها لاسباب نذكرها، بل الحق رجحان الكتمان و مزيته بعد ارتكابها، و ان كان الاصل في الاخلاص استواء السريرة و العلانية. و لذا قال بعض الاكابر: «عليك بعمل العلانية و هو ما اذا ظهر لم تستح منه‏» . و قال بعضهم: «ما عملت عملا ابالي ان يطلع الناس عليه الا اتياني اهلي و البول والغائط‏» . الا ان ذلك درجة عظيمة ليست‏شرعة لكل وارد، و لا يصل اليها الا واحد بعد واحد. اذ كل انسان-الا من عصمه الله-لا يخلو من ذنوب باطنة، (لا) سيما ما ختلج‏بباله من الاماني الباطلة و الامور الشهوية، و الله مطلع عليها و هي مخفية عن الناس، و السعي في اخفائها و كراهة ظهورها جائز بل راجح، بشرط الا يكون باعث اخفائها قصد ان يعتقدوا فيه الورع و الصلاح، بل كان الباعث:

1-اما كون السر مامورا به.

2-او كون الهتك و اظهار المعاصى منهيا عنه. قال رسول الله -صلى الله عليه و آله-: «من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستره بستر الله تعالى‏» . و يعرف صدق ذلك بكراهة ظهورها عن الغير، او كون ستر الله عليه في الدنيا دليلا على ستره في الآخرة، لما ورد في الخبر: «ان من ستر الله عليه في الدنيا ستر الله عليه في الآخرة‏» .

3-او كون ظهور المعاصي موجبا لذم الناس، و الذم يؤلم القلب و يشغله عن طاعة الله، و يصده عن الاشتغال بتحصيل ما خلق لاجله، و لكون التالم بالذم جبليا غير ممكن الدفع بسهولة يكون اخفاء ما ظهوره يؤدى الى حدوثه جائزا. نعم، كمال الصدق استواء المدح و الذم، الا ان ذلك قليل جدا، و اكثر الطباع تالم بالذم، لما فيه من الشعور بالنقصان و ربما كان التالم بالذم ممدوحا اذا كان الذام من اهل البصيرة في الدين، فان ذمه يدل على وجود نقصان فيه، فينبغي ان يتالم منه و يتشمر لدفعه.

4-او كون الناس شهداءه يوم القيامة، كما ورد فيجوز الاخفاء لئلا يشهدوا عليه يوم القيامة.

5-او خوف ان يقصد بشر او سوء اذا عرف ذنبه.

6-او خوف صيرورة الذام عاصيا بذمه، و هذا من كمال الايمان و يعرف بتسوية ذمه و ذم غيره.

7-او خوف سقوط وقع المعاصي من نفسه او اقتداء الغير به فيها و هذه العلة هي المبيحة لاظهار الطاعة، و يختص ذلك بمن يقتدى به من الائمة و امثالهم، و لهذه العلة ينبغي ان يخفى العاصي معصيته من اهله و ولده ايضا، لئلا يقتدوا به فيها.

8-او حبه محبة الناس له لا للتوسل بها الى الاغراض الدنيوية، بل ليستدل بها على محبة الله تعالى له، لان من احبه الله تعالى جعله محبوبا في قلوب الناس.

9-او مجرد الحياء من ظهور قبائحه، و هو غير خوف الذم و القصد بالشر، اذ هو من فضائل الاخلاق و من كريم الطبع، قال رسول الله -صلى الله عليه و آله-: «الحياء خير كله‏» . و قال الصادق-عليه السلام-: «الحياء شعبة من الايمان‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-:

«ان الله تعالى يحب الحيي الحليم‏» . و من صدر عنه فسق و لم يبال بظهوره للناس، فقد جمع الى الفسق الهتك و عدم الحياء-اعني الوقاحة-، فهو اسوا حالا ممن يفسق و يستحى فيستره.

ثم كثيرا ما يشتبه الحياء بالرياء، فيدعى من يرائى بانه يستحى، و ان تركه السيئات او اخفاءها او تحسينه للعبادات انما هو لاجل الحياء من الناس دون الرياء، و ذلك كذب، و بيان ذلك: ان الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم، و يمكن ان يهيج عقيبه داعية الرياء فيرائى معه و يمكن ان يهيج داعية الاخلاص فيجمعه اليه. مثلا من طلب صديقه قرضا، فان رده صريحا من غير مبالاة و من دون ان يتعلل ارتكب الوقاحة و عدم الحياء. و ان اعطاه بمجرد انقباض نفسه من استشعار قبح رده مشافهة من دون رغبة في الثواب و لا خوف من ذمه او حب الى مدحه حتى لو طلبه مراسلة او بتوسط غيره من الاجانب لرده، فاعطاؤه هذا صادر عن مجرد الحياء من دون ترتب رياء او اخلاص عليه. و ان تعسر عليه الرد للحياء و كان ما في نفسه من البخل مانعا من الاعطاء فحدث خاطر الرياء، و يخاطب نفسه بانه ينبغي ان تعطيه حتى يمدحك بالسخاء و لا يذمك بالبخل فاعطاه لذلك فهو مزج الرياء بالحياء، و المحرك للرياء هو هيجان الحياء. و ان تعسر عليه الرد للحياء و الاعطاء للبخل، فهيج‏باعث الاخلاص، و يقول له: ان الصدقة بواحدة و القرض بثمانية، ففيه اجر عظيم، و ادخال السرور على قلب مسلم صديق من اقرب القربات، فسخت نفسه بالاعطاء، فهو جمع بين الحياء و الاخلاص ثم الحياء لا يكون الا في القبائح الشرعية او العقلية او العرفية، كالبخل و مقارفة الذنوب و الظلم و صدور بعض الحركات القبيحة عرفا في المحافل، و الرياء يكون في المباحات ايضا، حتى انه لوعاد الضاحك الى الانقباض و المستعجل في المشي الى الهدوء بعد اطلاع الناس كان مرائيا، و ربما ظن ان باعث ذلك هو الحياء و هو الجهل، اذ باعثه مجرد الرياء. و ما قيل: ان بعض الحياء ضعف، فالمراد ان الحياء مما ليس بقبيح ناش من ضعف النفس، كالحياء من وعظ الناس و اقامة الصلاة و من الامر بالمعروف و النهى عن المنكر، الا اذا وجد عذر يحسن الحياء معه، كان يشاهد معصية من شيخ فيستحى من شيبته ان ينكر عليه، لان من اجلال الله اجلال ذى الشيبة المسلم، و لو استحيى من الله و لا يضيع الامر بالمعروف لكان احسن. و اقوياء النفوس من اهل الايمان يؤثرون الحياء من الله على الحياء من الخلق، و اما ضعفاء النفوس منهم فقد لا يقدرون على ذلك.

فصل

متعلقات الرياء

الرياء اما باصل الايمان، و هو اظهار الشهادتين مع التكذيب باطنا و هذا هو كفر النفاق، و قد كان في صدر الاسلام كثيرا، و قل ما يوجد في امثال زماننا، و ان كثر فيه انكار بعض ضروريات الدين، كالجنة و النار و الثواب و العقاب و اعتقاد طى بساط احكام الشرع باطنا، ميلا الى قول الملاحدة و اهل الاباحة، مع اظهار الخلاف ظاهرا، و هذا ايضا معدود من كفر النفاق، و صاحبه ينسل عن الدين مخلد بالنار. و صاحب كفر النفاق مطلقا اسوا حالا من الكافر المحارب، لانه جمع بين الكفر الباطن و النفاق الظاهر. او باصول العبادات مع التصديق باصل الدين، كان يصلي في الملا دون الخلوة، و يصوم مع اطلاع الناس عليه و يفطر بدونه، و مثله و ان لم ينسل من اصل الدين، الا انه شر المسلمين، لترجيحه الخلق على الخالق، و كون التقرب اليهم احب من التقرب لديه و كون خوفه من ذمهم اشد من خوفه من عقابه سبحانه. او بالنوافل و السنن، و هذا ايضا مذموم مهلك، و لكنه دون ما قبله، لان صاحبه و ان قدم مدح الخلق على مدح الخالق، الا انه لم يقدم خوف ذمهم على خوف عقابه، لعدم ترتب عقاب على ترك النافلة. او باوصاف العبادة الواجبة او المستحبة، كفعل ما في تركه نقصان او كراهة او ترك ما في فعله احدهما او بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم و قصده الصف الاول، و امثال ذلك. و كل ذلك مذموم، الا ان بعضه اشد من بعض.

فصل

بواعث الرياء

باعث الرياء اما التمكن من المعصية، كاظهار الورع و التقوى لتفوض اليه الحكومة و القضاء، لينال الجاه و الاستيلاء، و يحكم بالجور، و ياخذ الرشا، او تسلم اليه الودائع و الصدقات و اموال اليتامى و امثال ذلك فياخذ لنفسه منها ما يقدر عليها، و كحضوره مجالس العلم و الوعظ و التعزية لملاحظة النسوان و الصبيان، و هذا اشد درجات الرياء اثما، و يقرب منه اظهار الديانة و التقوى ليدفع عن نفسه تهمة ما اقترفه من الجرائم، او نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا، كالاشتغال بالوعظ و التذكير و الامامة و التدريس و اظهار الصلاح و الورع، لتستبذل له الاموال و ترغب في تزويجه النسوان او خوف ان ينظر اليه بعين النقص و الحقارة، او ينسب الى الكسالة و البطالة كترك العجلة و الضحك بعد اطلاع الناس عليه، خوفا من ان يعرف باللهو و الهزل فيستحقر، و كالقيام للتهجد و اداء النوافل اذا وقع بين المتهجدين و المتنفلين لئلا ينسب الى الكسالة، و لو خلى بنفسه لم يتنفل مطلقا، و كذا الامتناع من الاكل و الشرب في اليوم الذي يصام فيه تطوعا و تصريحه بانى صائم، خوفا من ان ينسب الى البطالة، و ربما لم يصرح بكونه صائما، بل يقول: لي عذر، و حينئذ قد جمع بين رياءين بكونه صائما، و الرياء بكونه مخلصا غير مراء. ثم ان الجاته الكسالة و الشهوة الى عدم القيام الى النوافل و عدم الصبر عن الاكل و الشرب، ذكر لنفسه عذرا تصريحا او تعريضا، كان يتعلل الترك بمرض او ضعف او شدة العطش او تطييب خاطر فلان، و قس عليها غيرها من الكلمات و الاعذار، فانها لا تسبق الى اللسان الا لرسوخ عرق الرياء في النفس، و المخلص لا يريد غير الله و التقرب اليه، و لا يعتنى بالخلق و حصول المنزلة في قلوبهم، فان لم يصم لم يحب ان يعتقد غيره فيه ما يخالف علم الله ليكون ملبسا، و ان صام قنع بعلم الله و لم يشرك فيه غيره. ثم هذه البواعث لما كان بعضها صادرا من رداءة قوة الغضب و بعضها من رداءة قوة الشهوة، فيكون بعض انواع الرياء من رذائل الاولى و بعضها من رذائل الثانية.

تنبيه

الرياء الجلى و الخفى

الرياء جلى و خفى، و الجلى: ما يبعث على العمل لو لا قصد الثواب و الخفى: ما لا يبعثه بمجرده الا انه يخفف العمل الذي اريد به التقرب في الخلوة، و يعرف بالسرور اذا اطلع عليه الناس، لا للمقاصد المتقدمة، بل لطلب نوع منزلة في قلوب الناس، و يتوقع التعظيم و التوقير و قضاء الحوائج منهم و وجدان الاستبعاد من نفسه لو قصر في احترامه، كان نفسه تتقاضى الاكرام و الاحترام على الطاعة التي اخفاها مع انه لم يطلع عليه احد. و لا شك ان هذا التقاضى لا ينفك عن شوب خفى من الرياء اخفى من دبيب النمل، و لو كان عنده وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق و قنع بعلم الله فيها لم يكن لهذا التوقع وجه. فعلامة خلوص العمل من الرياء الا يجد تفرقة بين ان يطلع على عبادته انسان او بهيمة، و مهما وجد تفرقة في ذلك فلا يكون منفكا عن توقع ما (عن) (21) الناس في طاعته، و ذلك مما يحبط العمل. قال امير المؤمنين-عليه السلام-: «ان الله تعالى يقول للقراء يوم القيامة: الم يكن يرخص عليكم السعر؟ الم تكونوا تبداون بالسلام؟ الم تكونوا تقضى لكم الحوائج؟ فلا اجر لكم، قد استوفيتم اجوركم! » .

تعليقات:

1) القصص، الآية: 83.

2) هود، الآية: 15-16.

3) الاحاديث الخمسة الاخيرة صححناها على (اصول الكافي) : باب طلب الرياسة. و (الوسائل) : كتاب الجهاد، الباب 49 من ابواب جهاد النفس.

4) يوسف، الآية: 55.

5) الكهف، الآية: 47.

6) يونس، الآية: 24.

7) الشمس، الآية: 9.

8) العنكبوت، الآية: 69.

9) الاعلى، الآية: 16-17.

10) القيامة، الآية: 20-21.

11) تقدم الحديث في 2 59، و ذكرنا في التعليقة تفسير معنى (حفيف) .

12) الماعون، الآية: 4-7.

13) الكهف، الآية: 110.

14) النساء الآية: 142.

15) البقرة، الآية: 264.

16) صححنا الحديث و كذا ما قبله على (اصول الكافي) . باب الرياء و باقي الاحاديث النبوية على (احياء العلوم) ج 3 ص 254.

17) قال في الوافي في باب الرياء 3 400: بيان (بتعذير) -بحذف المضاف- اى ذات تعذير، و هو بالعين المهملة و الذال المعجمة بمعنى التقصير.

18) صححنا الاحاديث عن آل البيت عليهم السلام (على اصول الكافي) باب الرياء و على (البحار) مج 15: 3 43. و على (الوسائل) -ج 1، الباب 11، 1412 من ابواب مقدمة العبادات-.

19) تقدم هذا الحديث في 1 358، و الاحاديث الثلاثة الاخيرة صححناها على (الوسائل) -كتاب الصلاة، ابواب احكام الملابس، الباب 4-6.

20) يونس، الآية: 58.

21) كذا في النسخ، و لعل (عند) مكان (عن) .