و هو - لغة - : ماء يجري على الارض مطلقا، سواء كان نابعا ام لا.بل و كذلك في العرف العام و الشرعي، لصدقه على ما لا نبع فيه من الشطوط المذابة من الثلوج، و السيول، و المياه المجتمعة في موضع الجارية بعده.
و في العرف الخاص للفقهاء: النابع غير البئر، اما بشرط الجريان على الارض كبعضهم (1) ، او بدونه كآخر (2) .
و هنا ثلاث مسائل:
الجاري النابع لا ينجس بالملاقاة اجماعا، ان كان كرا، للاصل و الاستصحاب و الاخبار الخالية عن المعارض. (3) و الا فعلى الاشهر الاظهر، و عليه الاجماع في الغنية و المعتبر و شرح القواعد (4) ، بل عن ظاهر الخلاف (5) ايضا، و في الذكرى: لم نقف على مخالف في ذلك ممن سلف (6) ، لما مر من الاصلين المؤيدين بالمحكي من الاجماع.
مضافا الى عمومات طهارة كل ماء لم يعلم نجاسته، كالاخبار الثلاثة للحمادين (7) و اللؤلؤي (8) .
او غير متغير، او غالب على النجاسة كما تقدم (9) .
او ملاق لها، كخبر ابن مسكان او صحيحته: عن الوضوء مما ولغ فيه الكلب و السنور، او شرب منه جمل او دابة او غير ذلك، يتوضا منه او يغتسل؟
قال: «نعم» (10) .
و خبر سماعة: عن الرجل يمر بالميتة في الماء، قال: «يتوضا من الناحية التي ليس فيها الميتة» (11) .
و المروي في الدعائم: عن الماء ترده السباع و الكلاب و البهائم، فقال: «لها ما اخذت بافواهها و لكم ما بقي» (12) .
او كل ماء جار مطلقا او ملاق للنجاسة، كالمرويين في نوادر الراوندي:
احدهما: «الماء الجاري لا ينجسه شىء» (13) .
و الآخر: «الماء يمر بالجيف و العذرة و الدم، يتوضا منه و يشرب و ليس ينجسه شيء» (14) .
و الرضوي: «كل ماء جار لا ينجسه شىء» (15) .
او مع عدم التغير، كالمروي في الدعائم: «الماء الجاري يمر بالجيف و العذرة و الدم، يتوضا منه و يشرب، و ليس ينجسه شىء ما لم يتغير اوصافه: طعمه و لونه و ريحه» (16) .
او كل ماء قليل، كخبر ابن ميسر: عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق، و يريد ان يغتسل منه، و ليس معه اناء يغترف به، و يداه قذرتان، قال: «يضع يده و يتوضا و يغتسل» (17) .
و عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في القليل لا يضر الشمول.
و يؤيده: الاخبار المصرحة بان ماء الحمام كماء النهر او الجاري (18) ، او بمنزلته (19) ، او سبيله سبيله (20) .
و لا يضر ضعف سند بعض هذه الروايات، لانجبارها بالعمل و اعتضادها بحكايات الاجماع.
و الاستدلال بصحيحتي ابن بزيع: «ماء البئر واسع لا يفسده شىء، الا ان يتغير» (21) ، و زيد في احداهما: «ريحه او طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لان له مادة» (22) حيث ان العلة موجودة في المورد ايضا، و صحيحة الفضيل: «لا باس ان يبول الرجل في الماء الجاري، و كره ان يبول في الراكد» (23) مردود.
اما الاول: فلجواز ان يكون التعليل لما يفهم من الامر بالنزح من التطهير بزوال التغير، حيث انه باطلاقه لا يوجب التطهر، لا لعدم الافساد، او الحكمين.
و التمسك بالاولوية - حيث ان المادة لو صلحت للرفع فصلوحها للدفع و المنع اولى - ضعيف، لمنع الاولوية.
مع انه يمكن ان يكون تعليلا لذهاب الريح و طيب الطعم بالنزح، حيث ان مجرد النزح لا يستلزم ذلك، و ليس ذلك معلوما، اذ ما ليس له مادة ربما لم يزل تغيره بالنزح الى ان لا يبقى منه شيء، فترتبه على النزح كليا انما هو مع وجود المادة.
و اما الثاني: فلان عدم الباس في البول لا يستلزم عدم التنجس.
خلافا للمحكي عن جمل السيد (24) ، و الفاضل في اكثر كتبه، و منها:
المنتهى (25) ، و نفيه (26) عنه اشتباه، و اسنده في الروضة (27) الى جماعة و مال اليه، و في الروض (28) الى جملة من المتاخرين، و تردد فيه بعض من تاخر (29) .
لما دل على تنجس كل ماء بالملاقاة، كموثقتي الساباطي، احداهما: «كل شيء من الطير يتوضا مما يشرب منه، الا ان ترى في منقاره دما فلا تتوضا منه و لا تشرب» (30) و قريبة منها الاخرى (31) و صحيحة ابن عمار:
«اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شىء» (32) .
و رواية علي: عن الحمامة و الدجاجة و اشباههن تطا العذرة ثم تدخل في الماء، يتوضا منه للصلاة؟ قال: «لا، الا ان يكون الماء كثيرا» (33) ، و غير ذلك من المستفيضة الآتية.
و منع عموم الماء في الصحيحة، اما لمنع افادة المفرد المعرف له، او لان عمومه في المفهوم غير معلوم، لكفاية نجاسة بعض افراد غير الكر في صدقه كمنع عموم المنجس، حيث ان لفظ شىء في المفهوم مثبت فلا يعم، فيحمل على المغير، ضعيف:
اما الاول فلثبوت عموم المفرد المعرف في موضعه، و لولاه لم يتم التمسك بكثير من اخبار الطهارة ايضا.و وجوب تنزيل الماء في المفهوم على المراد منه في المنطوق، ضرورة اتحادهما في الموضوع و المحمول.
و اما الثاني فلان الشيء في المنطوق مخصوص بغير المغير، للاجماع على تنجس الكر بالتغير.فكذا في المفهوم، لما مر.
و عدم عمومه حينئذ غير ضائر، لعدم القول بالفصل.
و الجواب: ان بعد ملاحظة اختصاص غير اخبار الجاري من الروايات الطهارة بغير القليل الراكد (34) ، و اختصاصها بغير المتغير، و اختصاص الموثقتين (35) من اخبار النجاسة بغير الكر، كل ذلك بقرينة الاجماع و الاخبار، و كون غير الموثقتين مخصوصا بالقليل يتعارض الفريقان بالعموم من وجه.
فان رجحنا الاولى بالاصل، و الاستصحاب، و الشهرة، و الاكثرية، و الاجماعات المنقولة، و الا فيكون المرجع الى الاصل، و هو ايضا مع الطهارة.
ظاهر الاكثر بل صريحهم الحاق الجاري لا عن نبع بالواقف، و عليه الاجماع في شرح القواعد (36) و غيره (37) .
و الحقه بعض المتاخرين من المحدثين (38) بالنابع، فلا ينجس الا بالتغير، و نقله في الحدائق (39) عن المعالم، و جعل هو المسالة محل اشكال، و الاصل يعاضده، و عمومات الطهارة المتقدمة (40) باسرها تشمله.
و تخصيص اخبار الجاري منها (41) بالنابع لا شاهد له، و تبادره منه - لو سلم - عرف طار، فالاصل تاخره.
و خروجه عنها بعمومات النجاسة غير ثابت، لتعارضها مع الاولى بالعموم من وجه، فيرجع الى اصل الطهارة.
مضافا الى ترجح عمومات الطهارة باخبار اخر، كصحيحة حنان: اني ادخل الحمام في السحر، و فيه الجنب و غير ذلك، و اقوم فاغتسل فينضح على بعد ما افرغ من مائهم، قال: «اليس هو جار؟ » قلت: بلى، قال: «لا باس» (42) .
و صحيحة محمد: «لو ان ميزابين سالا، احدهما ميزاب بول و الآخر ميزاب ماء، فاختلطا، ثم اصابك، ما كان به باس» (43) .
و التخصيص بماء المطر لا دليل عليه، مع انه ايضا اعم من حال التقاطر، فيدل عليه ايضا صحيحة ابن الحكم: «في ميزابين سالا، احدهما بول و الآخر ماء المطر، فاصاب ثوب رجل، لم يضره ذلك» (44) .
و على هذا فالترجيح للطهارة، الا ان يثبت الاجماع على خلافها، و الاحتياط في كل حال طريق النجاة.
لو تغير بعض الجاري فنجاسة المتغير منه اجماعي. كطهارة ما يتصل منه بالمنبع، و عموم ادلة الحكمين يدل عليه.
و ما تحته مع الكثرة او عدم قطع النجاسة لعمود الماء كالثاني و مع القلة و قطع العمود كالاول عند الاكثر، لكونه قليلا لاقى النجاسة، فتشمله ادلة نجاسته.
و يخدشه: انه ان اريد انه قليل راكد فممنوع، و ان اريد غيره فلا دليل على نجاسته بخصوصه.و العام - لو سلم - لم يفد، لتعارضه مع بعض ما مر من عمومات الطهارة بالعموم من وجه، فيرجع الى اصل الطهارة، فالحق طهارته ايضا، وفاقا لبعض من تاخر (45) .
پىنوشتها:
1. كشف اللثام 1: 26.
2. الذخيرة: 116.
3. راجع الوسائل 1: 143 ابواب الماء المطلق ب 5.
4. الغنية (الجوامع الفقهية) : 551، المعتبر 1: 41، جامع المقاصد 1: 111.
5. الخلاف 1: 195.
6. الذكرى: 8.
7. الكافي 3: 1 الطهارة ب 1 ح 3، التهذيب 1: 215، 216 - 620، 621، الوسائل 1: 134 ابواب الماء المطلق ب 1 ح 5.
8. الكافي 3: 1 الطهارة ب 1 ح 2، الوسائل 1: 134 ابواب الماء المطلق ب 1 ملحق بحديث 5.
9. في ص 11 - 12.
10. التهذيب 1: 226 - 649، الوسائل 1: 228 ابواب الاسآرب 2 ح 6.
11. التهذيب 1: 408 - 1285، الاستبصار 1: 21 - 51، الوسائل 1: 144 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 5.
12. الدعائم 1: 113 المستدرك 1: 197 ابواب الماء المطلق ب 9 ح 4.
13. و 14. نوادر الراوندي: 39، المستدرك 1: 191 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 4.
15. فقه الرضا: 91، المستدرك 1: 192 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 6.
16. الدعائم 1: 111، المستدرك 1: 188، ابواب الماء المطلق ب 3 ح 1 و فيه بتفاوت.
17. الكافي 3: 4 الطهارة ب 3 ح 2، التهذيب 1: 149 - 425، الاستبصار 1: 128 - 436، الوسائل 1: 152 ابواب الماء المطلق ب 8 ح 5.و في الاستبصار يرويها عن (محمد بن عيسى) بدل (محمد بن ميسر) و الظاهر انه مصحف كما نبه عليه في معجم الرجال 17: 290 و يظهر من جامع الاحاديث 2: 26 اختلاف نسخ الاستبصار، فراجع.
18. الوسائل 1: 150 ابواب الماء المطلق ب 7 ح 7.
19. الوسائل 1: 148 ابواب الماء المطلق ب 7 ح 1.
20. المستدرك 1: 194 ابواب الماء المطلق ب 7 ح 2.
21. الكافي 3: 5 الطهارة ب 4 ح 2، الوسائل 1: 140 ابواب الماء المطلق ب 3 ح 10.
22. الاستبصار 1: 33 - 87، الوسائل 1: 172 ابواب الماء المطلق ب 14 ح 6.
23. التهذيب 1: 31 - 87، الاستبصار 1: 13 - 23، الوسائل 1: 143 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 1.استدل بالصحيحة الاولى في المدارك و المعالم و بالصحيحة الثانية في المدارك و تنظر فيه.راجع : المدارك 1: 31 - 32، المعالم: 111.
24. جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 22، و حكاه في كشف اللثام 1: 25، مفتاح الكرامة 1: 62 عن ظاهر جمل السيد، و منشا الاستظهار انه قسم الماء الى قليل و كثير و حكم بنجاسة القليل بمخالطة النجس و اطلاق كلامه شامل للجاري فلاحظ.
25. التحرير 1: 4، القواعد 1: 4، التذكرة 1: 3، المنتهى 1: 6.
26. قال صاحب المعالم: 110 نسخ المنتهى مختلفة في هذه المباحث كثيرا فربما في زيد في بعضها ما نقص في الآخر و ربما عكس و هاهنا يوجد زيادة...و عليه يمكن ان يكون منشا النفي المشار اليه في المتن اختلاف النسخ.
27. الروضة 1: 31.
28. روض الجنان: 135.
29. راجع كشف اللثام 1: 26.
30. الكافي 3: 9 الطهارة ب 6 ح 5، التهذيب 1: 228 - 660، الوسائل 1: 230 ابواب الاسآر ب 4 ح 2.
31. الفقيه 1: 10 - 18، التهذيب 1: 284 - 832، الاستبصار 1: 25 - 64، الوسائل 1: 231 ابواب الاسآر ب 4 ح 4.
32. التهذيب 1: 40 - 109، الاستبصار 1: 6 - 2، الوسائل 1: 158 ابواب الماء المطلق ب 9 ح 2.
33. التهذيب 1: 419 - 1326، الاستبصار 1: 21 - 49، الوسائل 1: 159 ابواب الماء المطلق ب 9 ح 4.
34. انظر الوسائل 1: 158 ابواب الماء المطلق ب 9.
35. موثقتا الساباطي تقدمتا ص 23 رقم 1 - 2.
36. جامع المقاصد 1: 110.
37. المدارك 1: 28.
38. الظاهر انه المحدث الامين الاسترابادي في حاشية المدارك على ما حكى عنه في الحدائق 1: 332.
39. الحدائق 1: 332.
40. و 41. المتقدمة ص 19 - 20.
42. الكافي 3: 14 الطهارة ب 10 ح 3، التهذيب 1: 378 - 1169، الوسائل 1: 213 ابواب الماء المضاف ب 9 ح 8: و في التهذيب اسقط حنان.
43. الكافي 3: 12 الطهارة ب 9 ح 2، التهذيب 1: 411 - 1296، الوسائل 1: 144 ابواب الماء المطلق ب 5 ح 6.
44. الكافي 3: 12 الطهارة ب 9 ح 1، التهذيب 1: 411 - 1295، الوسائل 1: 145 ابواب الماء المطلق ب 6 ح 4.
45. مشارق الشموس: 207.