قد تكرر في اخبار الاطهار و احاديث الائمة الابرار عليهم السلام لفظ «لا يصلح»في ابواب العبادات و المعاملات و غيرها.
و قد اختلف الاصحاب في ان مفاده: هل هو الكراهة، او الفساد، او التحريم؟
فصرح بعضهم بالاول، قال صاحب المدارك في رد قول من استدل بالحرمة في مسالة بحديث متضمن للفظ«لا يصلح»: انه ظاهر في الكراهة (1) .
و صرح بعض آخر بالثاني، قال بعض مشايخنا المحققين في شرحه على المفاتيح في رد قول صاحب المدارك في تلك المسالة: و ما قال من ظهور لفظ «لا يصلح»في الكراهة محل نظر، فان الصلاح في مقابل الفساد، و الفقهاء يبنون على ظهور الحرمة، سيما القدماء كما لا يخفى (2) . انتهى.
و ما ذكره هو الصحيح لوجهين:
الاول: التبادر، فانه اذا قال الطبيب لمريض: لا يصلح لك الغذاء الفلاني، يفهم منه منعه عن تناوله، و ان فيه المفسدة، و يذمه كل احد شاهد تناوله اياه.
و كذا تراهم في مقام الاستخارة، اذا طلب احد من عالم الاستخارة لامر، فاذا قال بعد الاستخارة: لا يصلح، يفهم منه انه ممنوع.
و كفاك في اثبات ذلك: بناء كثير من الفقهاء على ذلك، و حكمهم بالحرمة بمجرد ورود ذلك اللفظ.
هذا المحقق الشيخ ابو القاسم، استدل في المعتبر (3) على عدم جواز الاستنجاء بالعظم و الروث: برواية ليث المرادي، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: سالته عن استنجاء الرجل بالعظم او البعر او العود، قال: «اما العظم و الروث فطعام الجن، و ذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: لا يصلح بشيء من ذلك» (4) .
و كذا العلامة الحلي في المنتهى، استدل بذلك و رد من ناقش في الرواية بضعف السند: بان الاصحاب تلقوها بالقبول (5) .
و هو يدل على اثبات الاصحاب جميعا الحرمة به، و هو بمنزلة دعوى الاجماع عليه. و كذا المحقق الثاني الشيخ علي-رحمه الله-في شرح القواعد، جعل ذلك نهيا عن الاستنجاء بالعظم و الروث (6) .
و ايضا رد العلامة في المنتهى (7) قول الشيخ بجواز الوضوء باناء وقع فيه ما لا يستبين من الدم (8) : بصحيحة على بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سالته عن رجل رعف و هو يتوضا فيقطر قطوة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال:
«لا» (9) .
انظر الى هؤلاء الاعلام الذين هم من العارفين بعرف العرب، كيف فهموا منه الحرمة، ثم بضميمة اصالة عدم النقل يثبت تمام المطلوب.
بل يظهر من الاخبار تحقق ذلك التبادر في عهد المعصوم ايضا، كما في رواية البجلي: اني ادخل سوق المسلمين، اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها: اليس هي ذكية؟ فيقول: بلى. هل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية؟ فقال: «لا، و لكن لا باس ان تبيعها و تقول:
قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية»قلت: و ما افسد ذلك؟ قال:
«استحلال اهل العراق الميتة» (10) الحديث.
انظر كيف فهم الراوي من قوله: «لا يصلح»انه فاسد، و استفسر من سببه، و قال: و ما افسد ذلك؟ و احتمال وجود قرينة منفي بالاصل.
و الثاني: تصريح اهل اللغة بان الصلاح خلاف الفساد و نقيضه، فنفيه اثبات الفساد.
قال الجوهري في الصحاح: الصلاح ضد الفساد. و قال: و الاصلاح نقيض الافساد، و الاستصلاح نقيض الاستفساد. و قال ايضا في مادة فسد: الاستفساد خلاف الاستصلاح، و المفسدة خلاف المصلحة (11) .
و قال في القاموس: الصلاح ضد الفساد، كالصلوح، الى ان قال: و اصلحه: ضد افسده، الى ان قال: و استصلح نقيض استفسد. و قال في مادة فسد: فسد كنصر و عقد و كرم فسادا و فسودا، ضد صلح، الى آخر ما قال (12) .
و قال الطريحي في مجمع البحرين: يقال: صلح الشيء من باب قعد، و صلح بالضم لغة: خلاف فسد. و قال في مادة فسد: و المفسدةخلاف المصلحة (13) .
و يؤيده ايضا شيوع استعمال لفظ«لا يصلح»فيما هو كالمعدوم، كما في قول الفقهاء في رد الادلة: هذا لا يصلح للحجية، او لا يصلح للمانعية، او لا يصلح للمعارضة، و الفاسق لا يصلح للامامة، و هكذا.
و يؤيده ايضا: شيوع استعماله في الاخبار في ذلك المعنى بدون القرينة، منها روايتا ليث و علي المتقدمتان (14) .
و منها موثقة سماعة، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «لا يصلح لباس الحرير و الديباج، و اما بيعه فلا باس به» (15) .
و يؤكده ايضا، بل يدل عليه: ان النفي حقيقة في نفي ما يدل عليه المثبت، و الظاهر ان مثبته-اي يصلح-بمعنى يجوز، فمعنى نفيه: انه لا يجوز، و انما قلنا: ان«يصلح»بمعنى يجوز، لاستعماله فيه في الاخبار، و الاصل في الاستعمال الحقيقة اذا لم يعلم الاستعمال في غير المعنى الواحد، كما فيما نحن فيه.
و اما استعماله فيه في الاخبار فكثير جدا.
كصحيحة علي بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام، قال: سالته عن الرجل يصلح له ان يصيب الماء من فيه، يغسل به الشيء يكون في ثوبه؟ قال:
«لا باس» (16) .
و روايته عنه ايضا، قال: سالته عن بئر ماء، وقع فيه زنبيل من عذرة رطبة او يابسة، او زنبيل من سرقين، ا يصلح الوضوء منها؟ قال: «لا باس» (17) .
و موثقة عمار، قال: سالته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح ان يكون فيه الخل او كامخ (18) او زيتون؟ قال: «اذا غسل فلا باس»و عن الابريق يكون فيه خمر، ا يصلح ان يكون فيه ماء؟ قال: «اذا غسل فلا باس» (19) .
و رواية على بن جعفر عليه السلام ايضا، قال: سالته عن الرجل، هل يصلح له ان يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ و فيها: و سالته عن فراش حرير، و مثله من الديباج، هل يصلح للرجال النوم عليه (20) ؟ الى غير ذلك.
و مما يفسد كونه للكراهة: ما ذكرنا من ان النفي حقيقة في نفي المثبت، و المثبتباي معنى كان من المعاني المحتملة لا يثبت من نفيه الكراهة.
و توهم الوضع الطارئ للمنفي، يدفعه الاصل، مضافا الى انه وقع النفي كثيرا في جواب السؤال عن الاثبات، فقال السائل: هل يصلح ذلك؟ فاجاب بقوله: لا. و ليس هناك الا نفي المعنى الثابت للمثبت.
ثم انه لا ينافي ما ذكرناه: استعمال لفظ«لا يصلح»في الاخبار في ما يكره كثيرا، لان الاستعمال اعم من الحقيقة، و استعمال الموضوع للوجوب و الحرمة- كالامر و النهي-في الندب و الكراهة في الاخبار خارج عن حد الاحصاء.
و هذا ايضا من المؤيدات للمطلوب، فان استعمال اللفظ الموضوع للوجوب و الحرمة في الندب و الكراهة تجوزا شائع ذائع في الاخبار، بخلاف عكسه، فانه اما منتف، او نادر جدا.
تعليقات:
1) مدارك الاحكام 1: 340، و ذهب الى القول بالكراهة الميرزا القمي في غنائم الايام: 581.
2) شرح المفاتيح: مخطوط، و ممن صرح بذلك الشيخ يوسف البحراني في الحدائق 1: 48.
3) المعتبر 1: 133.
4) التهذيب 1: 354-1053، الوسائل 1: 251 ابواب احكام الخلوة ب 35 ح 1.
5) منتهى المطلب 1: 46.
6) جامع المقاصد 1: 98.
7) منتهى المطلب 1: 9.
8) المبسوط 1: 7، الاستبصار 1: 23 ذ. ح 57.
9) التهذيب 1: 412-1299 الكافي 3: 74-16، الوسائل 1: 112 ابواب الماء المطلق ب 8 ح 1.
10) الكافي 3: 398-5، التهذيب 2: 204-798، و فيهما عبد الرحمن بن الحجاج، و هو البجلي و الوسائل 2: 1081 ابواب النجاسات ب 16 ح 4.
11) الصحاح 1: 383، و ج 2: 519.
12) القاموس المحيط 1: 243، 335.
13) مجمع البحرين 2: 387، و ج 3: 121.
14) المتقدمتان ص 242.
15) الكافي 6: 454-7، الوسائل 3: 267 ابواب لباس المصلى ب 11 ح 3.
16) التهذيب 1: 423-1343، الوسائل 2: 1079 ابواب النجاسات ب 59 ح 1.
17) التهذيب 1: 246-709، الاستبصار 1: 42-118، قرب الاسناد: 180-664، الوسائل 1: 127 ابواب الماء المطلق ح 8.
18) الكامخ: ما يؤتدم به، معرب(المصباح المنير: 540).
19) الكافي 6: 427-1، التهذيب 1: 283-830، الوسائل 2: 1074 ابواب الطهارات ب 51 ح 1.
20) التهذيب 2: 373-1553، و الشق الثاني منه في الكافي 6: 477-8، قرب الاسناد: 184-686 و 185-687، الوسائل 3: 274 ابواب لباس المصلي ب 15 ح 1، و 467 ابواب مكان المصلي ب 35 ح 1.