قد اشتهر بينهم: ان الاستصحاب لا يعارض دليلا اصلا، لا خاصا و لا عاما، و لا مطلقا و لا مقيدا، و لا منطوقا و لا مفهوما.
و قيل: استصحاب الحكم المخالف للاصل في شيء، دليل شرعي رافع للحكم الاصلي، و مخصص للعمومات.
و تحقيق المقام: ان العمومات المعارضة للاستصحاب على ثلاثة اقسام:
احدها: العمومات الدالة على المزيلية و الرافعية، نحو: «ما يراه ماء المطر فقد طهر» (1) و«ما اشرقت الشمس عليه فقد طهر» (2) فانه معارض لاستصحاب النجاسة. و لا شك و لا خلاف في عدم معارضة الاستصحاب لها و زواله بها، و في انه يترك الاستصحاب بها، و تخصص عمومات عدم نقض اليقين بالشك بهذه العمومات، و تقدم عليها اجماعا.
بل لو قلنا: بان المعارض للعمومات، الاستصحابات الجزئية الخاصة، دون عمومات عدم نقض اليقين بالشك، تقدم العمومات مع عمومها على الاستصحاب مع خصوصه بالاجماع، لان الاستصحاب و ان كان خاصا، و لكن بازاء هذا العموم في كل مورد استصحاب خاص معارض له، فلو قدم الجميع لغى العموم بالمرة، و الخاص في مثل ذلك ليس مقدما على العام بالاطلاق، بل المرجع هي المرجحات الخارجية.
كما اذا قال احد: كل ما في البيت لعمرو، فانه يخصص بقوله: هذا الشيء مما في البيت لزيد، اما لو قيل: هذا لزيد و هذا لبكر، و هذا لخالد، الى آخر ما في البيت، لا يخصص العام الاول بكل خاص، لاستلزامه لغويته، بل يرجع الى المرجحات.
و ثانيها: العمومات المقيدة بحال عدم العلم و نحوه، مثل: «كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر» (3) و«و كل شيء حلال حتى تعلم انه حرام» (4) و نحو ذلك، في معارضة النجاسة او الحرمة الاستصحابية. و لا خلاف ايضا في عدم معارضتها للاستصحاب، و يقدم الاستصحاب عليها، لان الحكم فيها بالطهارة او الحلية مقيدة بعدم العلم، و المفروض انه قد حصل العلم، و خرج عن الموضوع، فلا تشمله العمومات.
و الحاصل: ان المستفاد منها: الطهارة في وقت ما هو قبل حصول العلم، فلا يفيد اذا حصل العلم و ان انقضى هذا، مع ان بالاستصحاب علمت القذارة.
و ثالثها: العمومات المطلقة نحو: «الماء طاهر» (5) او«كل شيء طاهر» (6) ونحو ذلك، فقيل: بتقديم الاستصحاب عليها، معللا بان الاستصحاب خاص، و الخاص و ان كان استصحابا مقدم على العام و ان كان حديثا او كتابا.
قال: فان قيل: مرجع الاستصحاب الى ما ورد في النصوص من عدم جواز نقض اليقين بالشك، فهذا عام لا خاص.
قلنا: الاستصحاب في كل شيء ليس الا ابقاء الحكم الثابت له، و هذا المعنى خاص بذلك الشيء، و لا يتعداه الى غيره.
و عدم نقض اليقين بالشك و ان كان عاما الا انه وارد في طريق الاستصحاب، و ليس نفس الاستصحاب المستدل به، و العبرة في العموم و الخصوص بنفس الادلة، لا بادلة الادلة، و الا يلزم ان لا يوجد في الادلة الشرعية دليل خاص اصلا، اذ كل دليل فهو ينتهي الى ادلة عامة هي دليل حجيته.
و ليس عموم قولهم: «لا ينقض اليقين بالشك» (7) بالقياس الى افراد الاستصحاب و جزئياته الا كعموم قوله تعالى: «ان جاءكم فاسق بنبا» (8)
بالقياس الى آحاد الاخبار المروية، فكما ان ذلك لا ينافي كون الخبر خاصا اذا اختص مورده بشيء معين، فكذا هذا.
و لذا ترى الفقهاء يستدلون باستصحاب النجاسة و الحرمة في مقابلة الاصول و العمومات الدالة على طهارة الاشياء و حليتها. و كذا باستصحاب شغل الذمة في مقابلة ما دل على براءة الذمة من الاصل و العمومات (9) . انتهى.
اقول: مراده ان النجاسة الاستصحابية في مورد خاص مدلول لعدم نقض هذا اليقين بالشك، لانه يوجب النجاسة و يدل عليها، و دليل عدم النقض ادلة حجية الاستصحاب، فان عدم النقض بنفسه لا يثبت النجاسة ما لم تثبتحجيتهمن الشارع، فافراد عدم نقض اليقين بمنزلة افراد الاخبار، و ما يثبت منها من الحكم المستصحب بمنزلة مدلول الاخبار، «و لا ينقض اليقين بالشك»الذي معناه حجية عدم نقض اليقين بمنزلة آية النبا، التي مفادها كل خبر عدل حجة.
فما ذكره من ان اخبار الاستصحاب دليل حجية مطلق الاستصحاب، الذي يندرج تحته (10) الاستصحابات الجزئية، صحيح، و لكن ما ذكره من ان العبرة في العموم و الخصوص بنفس الادلة لا بادلة الادلة، غير صحيح، لان التعارض بين الشيئين عبارة عن التنافي بين مدلوليهما: اما بين خصوص المدلولين، او بين عموم احدهما و خصوص الآخر، او بين عمومهما، سواء كان احدهما دليلا لشيء معارض مع الآخر ام لا.
و نحن نرى ان قول الشارع: «لا ينقض اليقين بالشك»معناه عدم جواز نقض شيء من افراد اليقين-التي منها نجاسة الماء مثلا-بالشك، و لازمه الحكم بنجاسته، و عموم هذا مناف بالبديهة لعموم«كل ماء طاهر»لعدم جواز العمل بالعمومين قطعا، فيتعارضان، و لا بد فيهما من الرجوع الى قواعد التعارض.
و كون الاول دليل حجية الاستصحابات الخاصة، لا يوجب رفع التعارض او اغماض النظر عن تعارضهما.
فان قلت: هذا كذلك، و لكن لكون استصحاب نجاسة هذا الفرد من الماء الذي هو مدلول ادلة الاستصحاب اخص من قوله: «كل ماء طاهر»و هو موجب لتخصيصه، فيختص«كل ماء طاهر»بغير ذلك الماء، فلا يكون معارضا لدليل هذا الاستصحاب ايضا.
قلنا: صلاحية تخصيص هذا الاستصحاب الخاص لذلك العموم انما هي بعد ثبوت حجيته، و الا فلا شك انه لا يوجب تخصيصا، و حجيته فرع شمول دليل حجية الاستصحاب له، و شموله له بعد علاج التعارض بين هذا الدليل و بين عموم«كل ماء طاهر»و ترجيح ذلك، و هو لم يتحقق بعد، فلا يعلم الشمول، فلا يصلح للتخصيص، فان اخبار عدم نقض اليقين مع هذا العموم في مرتبة واحدة من الحجية، ثابتة حجيتهما بطريق واحد، فلا بد من رفع التنافي بينهما، حتى يعلم ما يندرج تحت كل منهما.
و لا يرد مثل ذلك في دليل حجية الاخبار، لان المعارض للخبر الخاص ان كان خبرا آخر، فنسبتهما الى دليل حجية الاخبار واحدة، و كل منهما يقتضي تخصيص الدليل بالآخر، و هو موجب لطرحهما معا، و هذا بعينه حكم تعارضهما بنفسهما، و كذا اذا كان تعارضهما بالعموم و الخصوص مطلقا، او من وجه.
و ان كان المعارض له شيء آخر، كاجماع منقول او شهرة، فكما يعارض ذلك الشيء دليل حجية الخبر، كذلك يعارض ذلك الخبر دليل حجية هذا الشيء، و بعد علاج تعارضهما يكون الحاصل بعينه ما يحصل من علاج تعارض الخبرين بلا تفاوت.
و هذا هو السر في عدم التفاتهم الى تعارض معارضات الخبر مع ادلة حجيته، بخلاف تعارض العمومات مع ادلة الاستصحاب.
هذا كله على فرض تسليم منافاة الاستصحاب مع قوله: «كل ماء طاهر»و الا فالظاهر عدم المنافاة ايضا، لان مقتضى الاستصحاب الخاص، و كذا مقتضى ادلة حجية عدم نقض اليقين بمجرد الشك، فمعناه ان في كل مورد كانت نجاسة يقينية و شككت في بقائها، فلا تنقض اليقين بمجرد هذا الشك. و حكمه عليه السلام بطهارة كل ماء مشكوك الطهارة ليس مستندا الى الشك، بل الى امر قطعي هو يعلمه (11) . و كذا حكمنا، لانه مستند الى هذا القول من الامام عليه السلام، لا الى الشك.
فان قلت: لازم ذلك طرح الاستصحاب في امثال ذلك المقام.
اما على عدم التعارض فظاهر.
و اما عليه: فلان تعارض العمومات مع ادلة الاستصحاب بالعموم من وجه، و لازمه طرحهما و الرجوع الى الاصل.
و مقتضاه: انه اذا تنجس التراب مثلا، لا تستصحب نجاسته، لعموم «جعلت لي الارض مسجدا و ترابها طهورا» (12) و اذا تنجس بول ما يؤكل لحمه، لم تستصحب نجاسته، لعمومات طهارة بول ما يؤكل لحمه، و نحو ذلك، مع انه ليس كذلك.
قلنا: نعم كان كذلك لو لم يكن مرجح للاستصحاب، و ما ذكرنا في العائدة السابقة: من القطع بان النجاسة متى حصلت في شيء لا يحكم بانتفائها الا مع حصول العلم بطرو المطهر، مرجح لاستصحاب النجاسة، و كذا في كل امر كان من قبيل النجاسة.
و اما ما لم يكن كذلك، فلا نسلم ترجيح الاستصحاب فيه، فلو قال: صم، و قلنا بان الامر لطلب الماهية المطلقة، فمقتضاه استصحاب وجوبه بعد صوم يوم ايضا، و لو ورد: لا يجب صوم، تعارض ذلك مع الاستصحاب المذكور، و لا نقول بتقديم الاستصحاب.
ثم لا يتوهم مما ذكرنا: انه يجب الحكم بنجاسة الاعيان النجسة ذاتا بعد الاستحالة (13) ايضا، لعدم ورود ما علم كونه مطهرا، لان النجاسة كما ترتفع بورود المطهر كذا ترتفع بانتفاء موضوعها عن الخارج، و هاهنا كذلك.
تعليقات:
1) الكافي 3: 13-3، الوسائل 1: 109 ابواب الماء المطلق ب 6 ح 5 و فيهما: «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر».
2) التهذيب 1: 373-804، الاستبصار 1: 193-677، الوسائل 2: 1043 ابواب النجاسات ب 29 ح 6، و فيها: «كل ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر».
3) الفقيه 1: 6-1، الكافي 3: 2-2، التهذيب 1: 215-619-620، الوسائل 1: 100 ابواب الماء المطلق ب 1 ح 5.
4) الكافي 5: 313-40، التهذيب 7: 226-989، الوسائل 12: 60 ابواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.
5) عوالي اللآلي 3: 9 ح 8 و فيه: الماء طهور.
6) المقنع: 5، المستدرك 2: 583 ابواب النجاسات ب 30 ح 4 نقلا عن المقنع.
7) الكافي 3: 352-3، التهذيب 2: 186-740 الاستبصار 1: 373-1416، الوسائل 5: 321 ابواب الخلل ب 10 ح 3.
8) الحجرات 49: 6.
9) فوائد الاصول: 116 فائدة 35.
10) في«ه»: تحتها.
11) في«ج»: يقينه، مكان: يعلمه.
12) الخصال 1: 201 ح 14 باب الاربعة، و 292 ح 56 باب الخمسة، الوسائل 2: 970-ابواب التيمم ب 7 ح 3، صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 370-3-5، سنن ابي داود 1: 328-489، سنن ابن ماجة 1: 187-567، سنن النسائي 1: 209، سنن الدارمي 1: 322، و مسند احمد 1: 250 بتفاوت.
13) في«ح»زيادة: للاستصحاب.