عائدة(20)

في معنى قولهم: الاحكام تابعة للاسماء

هل ينتفي الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم

قد اشتهر بين الاصحاب: ان الاحكام تابعة للاسماء.

قيل: معناه انه ينتفي الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم، و ليس المراد:

انتفاء الحكم بانتفائه مطلقا و لو بدليل آخر، فان التخصيص بالذكر لا يقتضي التخصيص بالحكم الا بمفهوم اللقب، و هو ليس بحجة، و لازم ذلك امكان اثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب.

قال: فكما لو كان دليل لتسوية الحالين في الحكم آية او رواية او اجماعا كان حجة، و لم يكن منافيا لتبعية الحكم للاسم، فكذا اذا كان استصحابا، فانه دليل شرعي يجب الحكم بمقتضاه، و هو التسوية بين الحالين في الحكم.

فان قلت: لو كان الاستصحاب حجة مع زوال الاسم، كان الحكم ثابتا مع التسمية و بدونها، فاي فائدة في التبعية التي ذكروها؟ .

قلت: فائدة التبعية تظهر في الحالة السابقة على مورد النص، كالحصرم بالنسبة الى العنب، و في الحالة اللاحقة مع تبدل الحقيقة.

و بالجملة: لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم، لعموم المقتضي و انتفاء ما يصلح دليلا للاشتراط، و لذا ترى الفقهاء يستصحبون حكم الحنطة بعد صيرورتها دقيقا، و الدقيق بعد صيرورته عجينا، و العجين بعد صيرورته خبزا. و هكذا حكم القطن بعد ان يصير غزلا، و الغزل بعد ان يصير ثوبا.

و كذا حكم الطين بعد صيرورته لبنا، و اللبن بعد صيرورته خزفا و آجرا، و الاسم في ذلك كله ليس باقيا قطعا.

و ايضا لو تنجس العنب ثم صار زبيبا، فانه يبقى على نجاسته، و لا يطهر بزوال التسمية و ارتفاع وصف العنبية، و ليس الا لاستصحاب حكم النجاسة، و عدم اشتراط بقاء الاسم في حجية الاستصحاب (1) .

اقول: و ما ذكره في مرادهم من تبعية الحكم للاسماء صحيح، فانه ليس المراد منه: انه يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الاسم، حتى يكون معارضا لدليل آخر دل‏على ثبوته حال انتفاء الاسم ايضا، بل المراد: ان لحكم الثابت‏بواسطة هذا الاسم و من جهة هذا الاسم ينتفي بانتفائه، و ذلك لا ينافي ثبوته بدليل آخر اصلا.

و اما ما ذكره من امكان اثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب، فليس بصحيح، لان من شرائط الاستصحاب المجمع عليها: عدم تغير موضوع الحكم، فاذا كان الشارع جعل موضوع الحكم شيئا مسمى باسم، فاذا انتفى الاسم ينتفي الموضوع، فكيف يمكن الاستصحاب؟ ! و لذا تراهم لا يستصحبون نجاسة الكلب بعد صيرورته ملحا، او العذرة دودا او ترابا، او النطفة حيوانا.

و السر: ان من شرط جريان الاستصحاب: عدم كون الحكم مقيدا بشي‏ء غير متحقق في الحالة اللاحقة، فاذا علق الشارع حكما على اسم، يكون مقيدا به، فكيف يمكن استصحابه بعد انتفائه؟ !

و يستفاد ذلك من موثقة عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام: في الرجل باع عصيرا، فحبسه السلطان حتى صار خمرا، فجعله صاحبه خلا، فقال: «اذا تحول عن اسم الخمر، فلا باس به‏» (2) .

فان قلت: تعليق الشارع الحكم على الاسم ليس من جهة الاسم نفسه، بل من جهة الحقيقة التي يدل الاسم عليها، و لازم ذلك انتفاء الحكم بانتفاء الحقيقة لا بانتفاء الاسم، و على هذا، فاذا انتفت الحقيقة مع الاسم ايضا، لا يستصحب، كما في مثال الكلب و العذرة، و ان لم تنتف الحقيقة، يستصحب، كما في مثال الحنطة و القطن.

قلنا: لا نفهم المراد من انتفاء الحقيقة، فان اريد منه انتفاء الآثار و الخواص التي لها-كما قيل في دفع اشكال استصحاب نجاسة الحنطة التي صارت دقيقا، و عدم استصحابها اذا صارت رمادا-فيلزم عدم استصحاب نجاسة اللبن اذا تبدل بالجبن او الاقط (3) او الماست (4) ، و عدم استصحاب نجاسة العرضية الحاصلة للعصير بوقوع النجاسة فيه اذا صار دبسا، و عدم استصحاب نجاسة الحصرم اذا صار عنبا، لتبدل الحقيقة بهذا المعنى، مع ان الكل متفقون على صحة الاستصحاب في هذه المواضع.

و كذا ان اريد تبدل الحقيقة العرفية، فان حقيقة الحصرم غير حقيقة العنب عرفا، و حقيقة اللبن غير حقيقة الاقط عرفا.

و ان اريد بانتفاء الحقيقة: انتفاء التسمية، فهو قد تحقق في الجميع.

و ان اريد امر آخر فليبينه حتى ننظر فيه.

فما ذكره: من ان فائدة التبعية انما تظهر في الحالة اللاحقة بعد تبدل الحقيقة، لا يتحقق له قدر مضبوط مطرد.

و من هذا يظهر ما في قوله: لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم، و لذا تراهم يستصحبون حكم الحنطة، فانه لو لم يكن شرطا لم لا يستصحبون حكم العذرة؟

فان اجاب: بعدم تبدل الحقيقة في الاول و تبدلها في الثاني.

قلت: فلم تستصحب نجاسة اللبن للجبن، و الحصرم للعنب؟ .

تعليق الشارع الحكم على بعض الاسماء يدل على اختصاصه بالمسمى

و التحقيق: ان تعليق الشارع الحكم على هذه الاسماء في نص او دليل آخر يدل على اختصاص الحكم الثابت منه بالمسمى بهذا الاسم، بمعنى: انه المحكوم عليه بهذا الدليل فقط، لا بمعنى دلالته على انتفائه من غير المسمى، فلا يعارض ما يدل على ثبوته بعد انتفاء التسمية ايضا.

و لكن الاستصحاب لا يدل على ثبوته بعد انتفائها مطلقا، يعني لا يجري الاستصحاب، لان تعليق الشارع الحكم على اسم يجعله مقيدا به، فيتغير الموضوع بعد انتفاء الاسم، و لذا لا تستصحب نجاسة الكلب و العذرة بعد صيرورتهما ملحا و ترابا.

و اما استصحاب نجاسة الحنطة و القطن و الحصرم، فلانه لم يعلق الشارع الحكم على اسم الحنطة و القطن اصلا، و ليس هنا حكم معلق على ذلك، بل يثبت امر عام، احد افراده ذلك، و ليس موضوع النجاسة الثابتة من الشرع الحنطة من حيث هي حنطة، و لذا لو قال: لا تدخل البيت ما دام فيه حنطة، يجوز دخوله اذا تبدلت‏بالخبز، و لذا لو نذر احد ان يصوم ما دام في بيته القطن، لا يستصحب وجوبه بعد صيرورته غزلا، و هكذا.

و الحاصل: ان في مثال الحنطة و امثالها لم يعلق حكم شرعي على اسم الحنطة، و هو السر في صحة الاستصحاب، لا عدم تبدل الحقيقة، و لا عدم اشتراط الاستصحاب ببقاء الاسم.

و مما ذكرنا يظهر سر ما ذكره جماعة-و هو الحق الموافق للتحقيق-من التفرقة بين الاعيان النجسة و بين المتنجسة في صحة استصحاب النجاسة بعد الاستحالة في الثانية و عدمها في الاولى (5) .

و هؤلاء في فسحة من الاستشكال في وجه الفرق (6) بين الحنطة النجسة اذا صارت دقيقا، و بينها اذا صارت رمادا، و بين اللبن النجس اذا صار اقطا، و بينه اذا شربه حيوان ماكول اللحم و صار بولا له او لحما، فانهم يقولون بصحة الاستصحاب في جميع تلك المواضع، و يحكمون بالنجاسة الا ما دل دليل آخر من اجماع او نحوه على الطهارة، لعدم كون الحكم الشرعي فيها معلقا على الاسم.

و لعدم صحة الاستصحاب في كل ما كان الحكم معلقا على الاسم- كالكلب اذا صار ملحا و نحوه-يحكمون بالطهارة الا ما دل دليل آخر على النجاسة.

و اما من لم يتفطن لذلك، و لم يفرق بين النجس و المتنجس في ذلك المقام، فقد وقع في حيص و بيص، فتراه يحكم بطهارة الخشب بصيرورته فحما، و بطهارة الحنطة بصيرورتها رمادا، و لا يحكم بها بصيرورتها خبزا، و يعتذر بتبدل الحقيقة في الاول دون الثاني، و يقول: ان المراد بتبدل الحقيقة تبدل الآثار و الخواص.

و يلزمه الحكم بطهارة الحصرم اذا صار عنبا، او اللبن اذا صار اقطا، مع انه لا يقول به.

و لو قال: بعدم تبدل الحقيقة هنا.

قلنا: لا نفهم الحقيقة المتحدة في الحصرم و العنب، و في اللبن و الماست، و المختلفة في الخشب و الفحم (7) .

تعليقات:

1) انتهى ما نقله، و هو من كلام السيد بحر العلوم في فوائده: 116 فائدة 34.

2) التهذيب 9: 117-507، الاستبصار 4: 93-357، الوسائل 17: 297 ابواب الاشربة المحرمة ب 31 ح 5.

3) الاقط يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يحصل(المصباح المنير: 17).

4) الماست كلمة فارسية: اسم للبن حليب يغلى ثم يترك قليلا، و يلقى عليه قبل ان يبرد لبن شديد حتى يثخن(المصباح المنير: 571).

5) منهم الميرزا القمي في قوانين الاصول 2: 74، و صاحب الفصول الغروية فيها 2: 381.

6) اي: لا يرد عليهم اشكال الفرق بين الموارد المذكورة، و يمكنهم الجواب عليه، دون من عداهم.

7) في‏«ب‏»، «ج‏»، «ح‏»: و اللحم، بدل: و الفحم.