قد شاع و ذاع بين الفقهاء: استدلالهم بنفي الحرج، و العسر، و المشقة. و تحقيق ذلك من الامور المهمة، و لنحققه في ابحاث:
و نقل شطر من الاخبار الواردة في المقام.
فنقول: من الادلة عليه: دليل العقل، و هو: قبح تحميل ما فيه هذه الامور، و لكنه مختص ببعض افرادها، و هو ما كان متضمنا لتحميل (1) ما هو خارج عن الوسع و الطاقة، اعني: كان تكليفا بما لا يطاق، و لا يمكنه الاتيان به.
و اما ما سوى ذلك، فلا قبح فيه اذا كان بازائه عوض و اجر، او دفع مضرة و نقصان، و لذا ترى العقلاء يحملون اولادهم و عبيدهم مشاق كثيرة، فيحجمونهم، و يامرونهم بشرب الاشربة الكريهة، بل قد يقطعون اعضاءهم.
و لو كان تحميل كل ما كان فيه مشقة قبيحا، لبطل كثير من التكاليف، لاشتمالها على المشقة، بل ان معنى التكليف: هو حمل ما فيه كلفة و مشقة.
و منها: الاجماع، و هو ايضا كالاول مخصوص بما لا يمكن تحمله، و اما ما امكن و لو بالمشقة الشديدة، فلم يثبت اجماع على نفيه بعمومه، و ان وقع الاجماع في بعض المواقع الخاصة.
و منها: الآيات:
قال الله سبحانه: «لا يكلف الله نفسا الا وسعها» (2) .
و قال تبارك و تعالى: «ربنا و لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به» (3) الآية.
و قال عز شانه: «و ما جعل عليكم في الدين من حرج» (4) .
و قال عز شانه: «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج» (5) .
و قال سبحانه: «يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر» (6) .
و منها: الاخبار، و هي كثيرة جدا، و هنا نذكر شطرا منها مما يناسب المقام:
الاول: ما رواه في قرب الاسناد عن الصادق عليه السلام، عن ابيه عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، قال: «اعطى الله امتي و فضلهم به على سائر الامم، اعطاهم ثلاث خصال لم يعطها الا الآنبياء، و ذلك ان الله تعالى كان اذا بعث نبيا قال له: اجتهد في دينك و لا حرج عليك، و ان الله تعالى اعطى امتي ذلك حيثيقول: «و ما جعل عليكم في الدين من حرج» يقول: من ضيق» (7) الحديث.
الثاني: صحيحة زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام-و هي طويلة-و فيها: «فلما وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبتبعض الغسل مسحا، لانه قال: «بوجوهكم» (8) ثم وصل بها: «و ايديكم» ثم قال «منه» اي من ذلك التيمم لانه علم ان ذلك لم يجر على الوجه، لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف، و لا يعلق ببعضها، ثم قال: «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج» و الحرج: الضيق» (9) .
الثالث: صحيحة الفضيل بن يسار، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الاناء، فقال: «لا باس «ما جعل عليكم في الدين من حرج» » (10) .
الرابع: صحيحة ابي بصير، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: سالته عن الجنب يجعل الركوة او التور (11) ، فيدخل اصبعه فيه، قال: «ان كانتيده قذرة فليهرقه، و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» » (12) .
الخامس: موثقة ابي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية، فتكون فيه العذرة، و يبول فيه الصبي، و تبول فيه الدابة و تروث، فقال: «ان عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا- يعني افرج الماء بيدك-ثم توضا، فان الدين ليس بمضيق، فان الله عز و جل يقول: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» » (13) .
السادس: رواية عبد الاعلى مولى آل سام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام:
عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على اصبعي مرارة، فكيف اصنع بالوضوء؟
فقال: «يعرف هذا و اشباهه من كتاب الله، قال الله تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» فامسح عليه» (14) .
السابع: حسنة محمد بن الميسر، قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه، و ليس معه اناء يغرف به و يداه قذرتان، قال: «يضع يده و يتوضا، ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى:
«ما جعل عليكم في الدين من حرج» » (15) .
الثامن: صحيحة البزنطي، قال: سالته عن الرجل ياتي السوق فيشتري جبة فراء، لا يدري اذكية هي ام غير ذكية، ايصلي فيها؟ قال: «نعم، ليس عليكم المسالة، ان ابا جعفر عليه السلام كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، و ان الدين اوسع من ذلك» (16) .
التاسع: رواية المعلى بن خنيس، عن ابي عبد الله عليه السلام، انه قال: «انا و الله لا ندخلكم الا فيما يسعكم» (17) .
العاشر: رواية حمزة بن الطيار، عن ابي عبد الله عليه السلام-و الحديث طويل-و فيها بعد ذكر قضاء الصلاة اذا نام عنها، و الصيام للمريض بعد الصحة، قال: «و كذلك اذا نظرت في جميع الاشياء، لم تجد احدا في ضيق»الى ان قال: «و ما امروا الا بدون سعتهم، و كل شيء امر الناس به فهم يسعون له، و كل شيءلا يسعون له فهو موضوع عنهم» (18) .
الحادي عشر: صحيحة هشام بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «الله اكرم من ان يكلف الناس ما لا يطيقون» (19) .
الثاني عشر: رواية حمزة بن حمران، عن ابي عبد الله عليه السلام و فيها، قلت: اصلحك الله، اني اقول: ان الله تبارك و تعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون، و لم يكلفهم الا ما يطيقون، الى ان قال: قال: «هذا دين الله الذي انا عليه و آبائي» (20) .
الثالث عشر: ما رواه في قرب الاسناد باسناده الى الصادق عليه السلام، عن ابيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: «لا غلظ على مسلم في شيء» (21) .
الرابع عشر: المروي في الكافي، و توحيد الصدوق، و الخصال، و غيرها بطرق متعددة، مع قليل تفاوت في الالفاظ انه قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «رفع عن امتي تسعة: الخطا، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا اليه» (22) .
الخامس عشر: ما رواه في العقائد، عن الصادق عليه السلام، انه قال: «و الله ما كلف العباد الا دون ما يطيقون» (23) الحديث.
و الروايات بهذا المضمون كثيرة جدا، و كذلك الروايات التي استشهد فيها الامام بنفي الحرج.
السادس عشر: ما رواه العياشي في تفسيره، عن احدهما عليهما السلام، في آخر البقرة، قال: «لما دعوا اجيبوا»و يشير به الى قوله: «ربنا و لا تحمل علينا اصرا» (24) الى آخره. (25)
السابع عشر: ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره، عن الصادق عليه السلام، في تفسير قوله سبحانه: «ربنا لا تؤاخذنا» الآية: «ان هذه الآية مشافهة الله لنبيه صلى الله عليه و آله و سلم لما اسرى به الى السماء، قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: انتهيت الى سدرة المنتهى»الى ان قال: «فناداني ربي تبارك و تعالى: آمن الرسول بما انزل اليه من ربه، (26) فقلت انا مجيبه عني و عن امتي: و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله» (27) الى ان قال: «فقلت: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطانا، فقال الله: لا اؤاخذك، فقلت: ربنا و لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا، فقال الله: لا احملك. فقلت: ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به»الى ان قال: «فقال الله تبارك و تعالى: قد اعطيتك، ذلك لك و لامتك».
فقال الصادق عليه السلام: «ما وفد الى الله تبارك و تعالى احد اكرم من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حين سال لامته هذه الخصال» (28) .
و روى العياشي ما في معناه في حديثبدون قوله: فقال الصادق عليه السلام الى آخر الحديث (29) .
الثامن عشر: ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الكاظم عليه السلام، عن آبائه، عن امير المؤمنين عليهم السلام: في حديثيذكر فيه مناقب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، قال:
«انه اسري به من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين الف عام، في اقل من ثلث ليلة، حتى انتهىالى ساق العرش»الى ان قال: «قال سبحانه: لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت من خير، و عليها ما اكتسبت من شر.
فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم لما سمع ذلك: اما اذا فعلت ذلك بي و بامتي فزدني، قال: سل، قال: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطانا. قال الله عز و جل: لست اؤاخذ امتك بالنسيان و الخطا، لكرامتك علي، و كانت الامة السالفة اذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم ابواب العذاب، و قد رفعت ذلك عن امتك، و كانت الامم السالفة اذا اخطاوا اخذوا بالخطا و عوقبوا عليه، و قد رفعت ذلك عن امتك، لكرامتك علي.
فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: اللهم اذ اعطيتني ذلك فزدني، فقال الله تعالى: سل، قال: ربنا و لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا، يعني بالاصر: الشدائد التي كانت على من كان قبلنا.
فاجابه الله الى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة، كنت لا اقبل صلاتهم الا في بقاع من الارض معلومة اخترتها لهم و ان بعدت، و قد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا و طهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك.
و كانت الامم السالفة اذا اصابهم اذى من نجاسة قرضوه من اجسادهم، و قد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك.
و كانت الامم السالفة تحمل قرابينها على اعناقها الى البيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه ارسلت اليه نارا فاكلته فرجع مسرورا، و من لم اقبل ذلك منه رجع مبتورا. و قد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها و مساكينها، فمن قبلت ذلك منه اضعفت له اضعافا مضاعفة، و من لم اقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، و قد رفعت ذلك عن امتك، و هي من الآصار التي كانت على الامم السالفة قبلك. و كانت الامم السالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم الليل و انصاف النهار، و هي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، و فرضت عليهم صلاتهم في اطراف الليل و النهار و في اوقات نشاطهم.
و كانت الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا، و هي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك و جعلتها خمسا في خمسة اوقات، و هي احدى و خمسون ركعة، و جعلت لهم اجر خمسين صلاة.
و كانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة و سيئتهم بسيئة، و هي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، و جعلت الحسنة بعشر، و السيئة بواحدة.
و كانت الامم السالفة اذا نوى احدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له، و ان عملها كتبت له حسنة، و ان امتك اذا هم احدهم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، و ان عملها كتبت له عشرا، و هي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك.
و كانت الامم السالفة اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه، و ان عملها كتبت عليه سيئة، و ان امتك اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، و هذه من الآصار التي كانت عليهم، فرفعت ذلك عن امتك.
و كانت الامم السالفة اذا اذنبوا كتبت ذنوبهم على ابوابهم، و جعلت توبتهم من الذنوب ان حرمت عليهم بعد التوبة احب الطعام اليهم، و قد رفعت ذلك عن امتك، و جعلت ذنوبهم فيما بيني و بينهم، و جعلت عليهم ستورا كثيفة، و قبلت توبتهم بلا عقوبة، و لا اعاقبهم بان احرم عليهم احب الطعام اليهم.
و كانت الامم السالفة يتوب احدهم من الذنب الواحد مائة سنة او ثمانين سنة او خمسين سنة، ثم لا اقبل توبته، دون ان اعاقبه في الدنيا بعقوبة، و هي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك، و ان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة او ثلاثين سنة او اربعين سنة او مائة ثم يتوب و يندم طرفة عين، فاغفر له ذلك كله.
فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: اللهم اذا اعطيتني ذلك كله فزدني، قال: سل، قال: ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بك و بامتك، و قد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم، و ذلك حكمي في جميع الامم ان لا اكلف خلقا فوق طاقتهم» (30) الحديث، الى غير ذلك من الاخبار.
و يؤكد ذلك المعنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «بعثتبالحنيفية السهلة السمحة» (31) .
قد ورد في تلك الآيات و الاخبار الفاظ: الطاقة، و السعة، و الضيق، و الاستطاعة، والاصر، و الحرج، و العسر.
فالطاقة: هي بمعنى القدرة و القوة.
قال الجوهري: و هو في طوقي، اي وسعي، و طوقني الله اداء حقك، اي قواني (32) .
و في القاموس: طوقني الله اداء حقه، قواني عليه (33) .
و في النهاية لابن الاثير: وددت اني طوقت ذلك، اي: ليته جعل داخلا في طاقتي و قدرتي. و قال ايضا: كل امرئ مجاهد بطوقه، اي اقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن ان يفعل بمشقة منه (34) .
و في مجمع البحرين: قد اطقتبالشيء اطاقة: قدرت عليه، و منه ان امتك لا تطيق ذلك، اي لا تقدر عليه (35) .
و السعة: تطلق على معنيين:
احدهما: الجدة و الطاقة. و الثاني: خلاف الضيق.
قال الجوهري: الوسع و السعة: الجدة و الطاقة. و قال ايضا: و التوسيع، خلاف التضييق (36) .
و في القاموس: و ما اسع ذلك: ما اطيقه، و الواسع: ضد الضيق، كالوسيع (37) .
و في المجمع: السعة بالتحريك: الجدة و الطاقة، و السعة: عدم الضيق.
و التوسيع: خلاف التضييق (38) .
و من ذلك علم معنى الضيق ايضا، و فسر بالمشقة ايضا في قولهم: و ضاق بالامر ذرعا اي: شق عليه (39) .
و الاستطاعة ايضا بمعنى: الطاقة و القدرة.
ففي الصحاح: الاستطاعة: الاطاقة (40) .
و في النهاية الاثيرية: الاستطاعة: القدرة على الشيء (41) .
و في المجمع: من استطاع اليه سبيلا اي قدر على ذلك، و «لن تستطيع معي صبرا» اي لن تقدر على ما افعل (42) .
و اما الاصر:
ففي الصحاح: اصره: حبسه، و اصرت الشيء اصرا: كسرته. الى ان قال: و الاصر: العهد، و الاصر: الذنب و الثقل (43) .
و في القاموس: الاصر: الكسر، و العطف، و الحبس، و بالكسر: العهد و الذنب (44) .
و في النهاية: الاصر: الاثم و العقوبة، و اصله من الضيق و الحبس، يقال: اصره ياصره اذا حبسه و ضيق عليه (45) .
و في مجمع البحرين: «و لا تحمل علينا اصرا» اي ذنبا يشق علينا. و قيل: عهدا نعجز عن القيام به، و قيل: اصل الاصر: الذنب و الضيق و الحبس. يقال: اصره ياصره: اذا ضيق عليه و حبسه، و يقال: للثقل اصرا (46) .
و فسره في حديث الاحتجاج: بالشدائد كما مر (47) .
و الحرج: الضيق.
في الصحاح: مكان حرج، اي ضيق. و فسره بالاثم ايضا (48) . و قريب منه في القاموس (49) .
و في النهاية: الحرج في الاصل: الضيق، و يقع على الاثم و الحرام. و قيل: الحرج اضيق الضيق (50) .
و في المجمع: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» اي: ما ضيق، بان يكلفكم ما لا طاقة لكم به، و ما تعجزون عنه (51) .
و في كلام الشيخ علي بن ابراهيم: الحرج: الذي لا مدخل له، و الضيق: مايكون له مدخل (52) . و قد فسر في الاحاديث المتقدمة (53) بالضيق ايضا.
و العسر: واضح المعنى، و هو نقيض اليسر.
قال في النهاية: العسر: ضد اليسر، و هو الضيق و الشدة و الصعوبة (54) .
و في المجمع: عسر، اي صعب شديد، و اعسر الرجل: اضاق (55) .
ثم ظهر مما ذكر: ان الاستطاعة و الطاقة بمعنى واحد، و هو القدرة. و السعة ايضا اما راجعة اليهما، او الى عدم الضيق، و ان الحرج ايضا: هو الضيق.
و العسر يحتمل ان يكون مع الضيق بمعنى واحد، بان يكون معنى العسر: ما فيه صعوبة شديدة، و اصله حد الضيق، او يكون معنى الضيق: ما فيه صعوبة مطلقا.
و ان يكون اعم منه، بان يصدق على كل صعب و شديد، و لا يصدق الضيق الا على ما كان في غاية الصعوبة و الشدة.
و الظاهر من العرف هو الاخير، فان اهل العرف يطلقون العسر على كل شديد صعب، و لا يطلقون الضيق عليه، و لم يثبت من اللغة خلاف ذلك ايضا.
و اما الاصر: فهو ايضا كما عرفت لا يخرج عن العسر و الضيق، بل اما بمعنى الاول، او الثاني، او بمعنى بعض مراتب احدهما.
و كيف كان فاللازم مما ذكر: ان الثابت من الآيات و الاخبار انتفاء التكليف بامور ثلاثة: ما لا يطاق، و ما فيه الضيق، و ما فيه العسر.
و اما ما في الخامس عشر: من نفي التكليف بقدر الطاقة ايضا، بل لا بد و ان يكون ادون منه، فهو ليس نفي امر وراء الضيق و العسر، لصدقهما على مايساوي القدرة و الطاقة، مع ان الرواية في نفسها ضعيفة غير صالحة لاثبات اصل بدون مساعدة غيرها اياها. و كذا الرواية الثالثة عشر.
اعلم ان مراتب التكاليف المتصورة عقلا اربعة:
ما دون العسر، و يطلق عليه السعة، و السهولة، و اليسر.
و العسر الغير البالغ حد الضيق.
و الضيق الغير البالغ حد ما لا يطاق، و هو الحرج.
و ما لا يطاق، و قد يطلق الحرج على ما يعم ذلك ايضا.
و اما ما يستفاد من كلام الشيخ الحر في الفصول المهمة: من ان جميع التكاليف فيها العسر، بل الحرج (56) ، فليس كذلك، لان المرجع في تحقق مصاديق تلك الالفاظ انما هو العرف، فالعسر: هو ما يعد في العرف شاقا صعبا، و يقال: انه يشق تحمله، او يصعب على فاعله.
و مما لا شك فيه، و لا شبهة تعترية: انه اذا كان لمولى عبد هيا له معاشه و يرزقه و يحسن اليه، اذا امره باشتراء يسير من اللحم و الخبز لعيال المولى كل يوم من السوق، لا يقال: انه صعب عليه، او حمله امرا عسرا او شاقا، بل و كذا لو ضم معه كنس بيته، و سقي دابته و علفها، بل و لو ضم مع الجميع بسط فراشه، و طيه، و اغلاق بابه، و فتحه، و نحو ذلك، بل لا بد في تحقق العسر من كون الخدمة مما يشق عرفا، و يصعب عليه تحمله.
و امثال ذلك في التكاليف الشرعية خارجة عن حد الاحصاء، فان رد السلام تكليف مع عدم كونه صعبا، بل و كذا الوضوء و ركعات من الصلاة، سيما مع عدم مزاحمته لشغل مهم، و عدم كونه في برد شديد، و كذا الصوم، سيما في الايام الباردة القصيرة.
و مما يدل على ذلك: قوله سبحانه: «فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر، يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر» (57) فان التعليل دلعلى ان الصوم مع المرض و في السفر عسر، و انه في ايام اخر خالية عن المرض و السفر يسر.
ثم ان المرتبة الثانية-و هو العسر كما اشرنا اليه-اعم مطلقا من الضيق، فانكل ضيق عسر، و لا عكس، فان من حمل عبده بشرب دواء كريه في يوم مثلا يقال: انه يعسر عليه، و لا يقال: انه في ضيق، او ضيق عليه مولاه.
و كذا من يكون منتهى طاقته حمل مائة رطل، اذا امر بحمل تسعين مثلا، و نقله الى فرسخ يقال: انه يعسر عليه، و لكن لا يقال: انه في الضيق. نعم لو امر بحمله و نقله كل يوم، يقال: انه ضيق عليه.
و كذا يصح ان يقال: ان التوضؤ بالماء البارد في اليوم الشديد البرد مما يعسر، و لكن لا يقال: ان المكلف في ضيق من ذلك.
و النسبة بين هذه المرتبة و المرتبة الرابعة التباين، اذ لا يطلق العسر الا على ما يمكن فعله، فما لا يمكن لا يقال: انه يعسر.
و المرتبة الثالثة اعم مطلقا من الرابعة، اذ كل ما لا يقدر عليه ضيق، و لا عكس.
ثم انه لا كلام لنا في هذا المقام في المرتبتين: الاولى و الاخيرة، فان الاولى مما لا ريب في جواز التكليف بها و تحققه، و لا شيء هنا يعارض جوازه.
كما ان التكليف بالاخيرة منتف عندنا عقلا و شرعا، بل انتفاؤه يعم الشرائع كلها، و ليس انتفاؤه من باب الاصل، حتى يجوز الخروج عنه بدليل، بل تحققه مطلقا غير جائز.
و انما الكلام في المرتبتين: الثانية و الثالثة.
قد عرفت انه تكاثرت الآيات، و استفاضت الاخبار على نفي العسر و الحرج-اعني الضيق-في الدين و التكاليف، و مقتضى تلك الظواهر: انتفاؤهما راسا، و لو لا غير هذه الظواهر، لم يكن هناك كلام و بحث، بل كان اللازم العمل بعموماتها، و يرجع في تعيين معنى العسر و الضيق الى العرف، فيحكم بانتفاء كل ما يعد في العرف عسرا و ضيقا.
و لكن هناك امران اوجبا الاشكال في المقام:
احدهما: ان نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يشاهد من التكاليف الشاقة و الاحكام الصعبة التي لا يشك العرف في كونها عسرا او صعبة (58) ، بل حرجا و ضيقا؟ ! كالتكليف بالصيام في الايام الحارة الطويلة، و بالحج، و الجهاد، و مقارعة السيف و السنان، و الامر بالقرار في مقابلة الشجعان، و النهي عن الفرار من الميدان، و عدم المبالاة بلوم اللوام في اجراء الاحكام، و التوضؤ بالمياه الباردة في ليالي الشتاء، سيما في الاسفار.
و اشد منها الجهاد الاكبر مع احزاب الشيطان، و المهاجرة عن الاوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال و الحرام، و ترك الرسوم و العادات المتداولة بين الانام، المخالفة لما يرضى به الملك العلام، الى غير ذلك.
و ثانيهما: انا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بادنى مشقة، كما يشاهد في ابواب التيمم و غيره، و يلاحظ في الاخبار الواردة عن الائمة عليهم السلام-التي ذكرنا بعضها-من نفيهم بعض المشاق الجزئية، مستدلين بنفي العسر و الحرج، و كذا في كلام الفقهاء.
و نرى مع ذلك: عدم سقوط التكليف في كثير منها باكثر و اشد من ذلك.
و لم اعثر على من تعرض لذلك المقال اجمالا او تفصيلا، الا طائفة من المتاخرين، فانه قد يوجد في كلماتهم تعرض ما لهذا المضمار.
فمنها: ما ذكره شيخنا الحر في كتابه المسمى بالفصول المهمة، قال بعد نقل طائفة من الاخبار النافية للحرج: اقول: نفي الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق، و الا لزم رفع جميع التكاليف (59) . انتهى.
و ذلك مبني على تحقق العسر و الحرج في جميع التكاليف، و قد عرفت فساده. و اجمال نفي الحرج يقتضي رفع اليد عنه في ابواب الفقه، و هو خلاف سيرة الفقهاء و طريقتهم، بل الكل يتمسكون به في موارد كثيرة، كما لا يخفى على المتتبع.
و منها: ما ذكره بعض سادة مشايخنا-طاب ثراه-في فوائده، قال-قدس سره-بعد بيان نفي الحرج: و اما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة- كالحج، و الجهاد، و الزكاة بالنسبة الى بعض الناس، و الدية على العاقلة، و نحوها، فليس شيء منها من الحرج، فان العادة قاضية بوقوع مثلها، و الناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف و من دون عوض، كالمحارب للحمية، او بعوض يسير، كما اذا اعطي على ذلك اجرة، فانا نرى ان كثيرا يفعلون ذلك بشيء يسير.
و بالجملة: فما جرت العادة بالاتيان بمثله و المسامحة و ان كان عظيما في نفسه، كبذل النفس و المال، فليس ذلك من الحرج في شيء.
نعم تهذيب (60) النفس، و تحريم المباحات، و المنع عن جميع المشتبهات، او نوع منها على الدوام حرج و ضيق، و مثله منتف في الشرع (61) . انتهى.
اقول: هذا في طرف النقيض من الاول، و كما كان الاول افراطا، فهذا تفريط، فانه لو سلم انتفاء الحرج عن بعض التكاليف، حيث انه يعتبر فيه عسر ودوام-كما يشير اليه قوله: على الدوام-فلا شك في وجود امور تشق على الناس و تعسر عليهم، و العسر ايضا منفي كما عرفت.
بل فيها ما يعد ضيقا عرفا، و هو المراد من الحرج، كما عرفت، فان رفع الاخلاق المذمومة، و المجاهدة مع النفس-سيما بالنسبة الى بعض الاشخاص-مما لا يخلو من ضيق و حرج.
و من لاحظ كلمات الفقهاء، بل الاخبار المستدل فيها بنفي الحرج، يرى انهم نفوا امورا لنفي الحرج هي اسهل بكثير من كثير من التكاليف الثابتة.
و اما ما ذكره من ارتكاب الناس لمثلها من دون عوض او بعوض يسير، فهو غير مسلم في مثل الحج، و الخمس، و الجهاد، و الصيام في الايام الحارة، و نحوها.
و اما المحاربة للحمية: فهي لا تدل على عدم عسرها و صعوبتها، بل قد يرتكب للحمية امور واضحة المشقة، ظاهرة الشدة، و جريان العادة بالاتيان بامثال ذلك انما هو ليس مجانا، او بعوض يسير، كما لا يخفى.
و منها: ما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين-و قد مر ذكره في عائدة نفي الضرر-قال-سلمه الله تعالى-بعد ذكر الاشكالين: و الذي يقتضيه النظر بعد القطع بان التكاليف الشاقة و المضار الكثيرة واردة في الشريعة: ان المراد بنفي العسر و الحرج و الضرر: نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات الثابتة بالنسبة الى طاقة اوساط الناس المبرئين عن المرض، و القدر الذي هو معيار التكاليف، بل هي منفية من الاصل الا فيما ثبت، و بقدر ما ثبت.
و الحاصل انا نقول: ان المراد ان الله سبحانه لا يريد بعباده العسر و الحرج و الضرر، الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب احوال متعارف الاوساط، و هم الاغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت اصله اصلا او ثبت و لكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة.
ثم ان ذلك النفي اما من جهة تنصيص الشارع، كما في كثير من ابواب الفقه من العبادات و غيرها، كالقصر في السفر، و الخوف في الصلاة، و الافطار في الصوم، و نحو ذلك، و اما من جهة التعميم، كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر في الجزئيات، كالوقت و القبلة و نحوهما، او الكليات، كالاحكام الشرعية للعلماء (62) . انتهى.
اقول: قد مر في العائدة المذكورة (63) ما تظهر به حقيقة الحال في هذا المقال.
و الحاصل: ان المستفاد مما ذكره ان قاعدة نفي العسر و الحرج من باب اصل البراءة دون الدليل او يكون مقيدا بغير التكاليف الثابتة، و يكون موضع العسر و الحرج المنفيين: ما هو زائد عن اصل طبائع التكاليف، و تكون قاعدة نفي العسر و الحرج من قبيل: كل شيء مطلق حتى يرد فيه امر او نهي، و نحوه.
فكل تكليف ثبتبالخصوص او العموم او التقييد او الاطلاق، يكون خارجا عنه. فكل ما كان عليه دليل عام او خاص، لا تعارضه قاعدة نفي الضرر.
و هذا مناف لطريقة الفقهاء في استدلالاتهم بقاعدة نفي العسر و الحرج، بل منهم من صرح: ان قاعدة نفي الحرج ليست من باب الاصل الذي جاز الخروج عنه بدليل، كسائر العمومات، بل لا يعارضها دليل اصلا، كما ياتي (64) .
نعم: لو كان مراده انه بعد ملاحظة عمومات التكاليف و خصوصاتها، و ملاحظة التعارض بينها و بين ادلة نفي العسر و الحرج، و اعمال القواعد الترجيحية، و اخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الصعبة العسرة، تقيد ادلة نفيهما بغير هذه المخرجات، لكان صحيحا كما سنذكره.
و منها: ان العسر و الحرج في الامور انما يختلف باختلاف العوارض الخارجية، فقد يكون شيء عسرا و حرجا، و يصير باعتبار امر خارجي سهلا و سعة.
و من الامور الموجبة لسهولة كل عسير، و سعة كل ضيق: مقابلته بالعوض الكثير، و الاجر الجزيل.
و لا شك ان كل ما كلف به الله سبحانه يقابله ما لا يحصى من الاجر «من جاء بالحسنة فله عشر امثالها» (65) .
و على هذا: فلا يكون شيء من التكاليف عسرا او حرجا.
و ما لم يرض الله سبحانه فيه بادنى مشقة، يكون من الامور التي لا يقابلها اجر، و لا يستحق فاعلها عوض و ثواب.
و ما كلف به من الامور الشاقة ظاهرا، فقد ارتفعت مشقتها بما وعد لها من الاجر الجميل و الثواب الجزيل.
و لا يخفى ان اللازم من ذلك ايضا كسابقه: عدم معارضة قاعدة نفي العسر و الحرج بشيء من الادلة، بل عدم ترتب فائدة في التمسك بها، اذ كل ما ثبت فيه التكليف عموما او خصوصا، فلا تكون القاعدة فيه جارية، و كذا كل ما كان التكليف به مشكوكا فيه، و ما لم يكن كذلك، فالتكليف فيه منفي من غير حاجة الى امر آخر.
هذا، مضافا الى ان انتفاء العسر و الحرج من كل فعل باعتبار مقابلته بالعوض الكثير في حيز المنع، فانه لا شك ان انفس الاعواض هي الحياة، و لا ريب ان من توقفتحياته على قطع عضو منه كالرجل او اليد التي عرضتها الشقاقلوس (66) ، يعد قطع عضوه عسرا و صعبا.
و التحقيق ان الامور الصعبة على قسمين:
قسم ترد صعوبته و مشقته على القلب و الخاطر من غير صعوبة فيه على البدن و الجسم، كالتضرر المالي مثلا، و هذا ترتفع صعوبته اذاقابله امر آخر اهم في القلب منه.
و قسم ترد صعوبته على البدن، كحمل الشيء الثقيل، و قطع العضو، و امثال ذلك، و هذا لا ترتفع صعوبته و ان قابله من الاجر ما قابله.
نعم، لما كان للقلب ايضا صعوبة في تحمل الصعاب البدنية، فاذا قابله الاهم منه، يسهل تحمل الصعوبة معه، اي ترتفع صعوبته القلبية، فلا يخرج من العسر و الحرج.
هذا ما عثرت عليه مما ذكروه في هذا المقام.
و التحقيق: انه لا حاجة الى ارتكاب امثال هذه التاويلات و التوجيهات، بل الامر في قاعدة نفي العسر و الحرج كما في سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم، و الاخبار الواردة في الشرع القويم، فان ادلة نفي العسر و الحرج تدلان على انتفائهما كلية، لانهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي، فيفيدان العموم.
و قد ورد في الشرع: التكليف ببعض الامور الشاقة و التكاليف الصعبة ايضا، و لا يلزم من وروده اشكال في المقام، كما لا يرد بعد قوله سبحانه: «و احل لكم ما وراء ذلكم» (67) اشكال في تحريم كثير مما وراءه، و لا بعد قوله: «قل لا اجد فيما اوحي الي محرما» (68) الى آخره: تحريم اشياء كثيرة، بل يخصص بادلة تحريم غيره عموم ذلك. فكذا هاهنا، فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز، بل هو امر في ادلة الاحكام شائع، و عليه استمرت طريقة الفقهاء.
امر في ادلة الاحكام شائع، و عليه استمرت طريقة الفقهاء.
فغاية الامر: كون ادلة نفي العسر و الحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص، و بعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يردشيء من الاشكالين.
و لعل لذلك لم يتعرض الاكثر لذكر اشكال في ذلك، اذ لا اشكال في تخصيص العمومات بالمخصصات.
و لا يلزم هناك تخصيص الاكثر ايضا (69) ، فان الامور العسرة الصعبة غير متناهية، و التكاليف الواردة في الشريعة محصورة متناهية، و مع ذلك اكثرها مما ليس فيه صعوبة و لا مشقة كما بيناه (70) .
و اما عدم رضى الله سبحانه بادنى مشقة في بعض الامور، و رضاه بما هو اصعب منه كثيرا في بعض، فلا يعلم ان عدم رضاه بالاول لكونه صعبا و عسرا، بل لعله لامر آخر، و لو علم انه لذلك، فلا منافاة بين عدم رضاه بمشقة، و رضاه بمشقة اخرى، لمصلحة خفية عنا.
و اما احتجاج الائمة الاطياب لنفي التكليف في بعض الامور: بانتفاء العسر و الحرج، فهو كاحتجاجهم لحلية بعض الاشياء بقوله سبحانه: «قل لا اجد فيما اوحي الي» الى آخره، و مرجعه الى الاحتجاج بعموم نفيه سبحانه الحرج، و عدم وجود ما يخصص ذلك.
و من هذا يرتفع الاشكال من بعض الاحاديث الذي نفى الامام فيه الحكم، محتجا بكونه حرجا، مع وجود ما هو اشق منه في الاحكام، فان غرضه عليه السلام ليس انه منفي لكونه حرجا، و لا يمكن تحقق الحرج في الحكم، بل المراد انه حرج، فيكون داخلا تحت عموم قوله سبحانه: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» فلا يحكم بخلافه، الا ان توجد له مخصص، و لا مخصص لهذا الحكم.
و اكثر تلك الاحتجاجات عنهم انما وقع في مقام الرد على العامة العمياء.
و من ذلك يظهر ايضا الوجه في احتجاج الفقهاء بانتفاء بعض الاحكام الجزئية بنفي العسر و الحرج، و لا يلتفتون اليه في احكام اخر اصعب منه و اشد.
و اذا عرفت ما ذكرنا لك في المقام، فاعلم: ان وظيفتك في الاحكام بالنسبة الى ادلة نفي العسر و الحرج، مثل وظيفتك في سائر العمومات.
فتعين اولا معنى العسر و الحرج، و تحكم بانتفائهما في الاحكام عموما الاما ظهر له مخصص، و تتفحص عن مخصصات ادلة نفي الحرج و العسر، فان ظهر لها معارض اخص منها مطلقا، تخصصها به، و ان كان اخص من وجه او مساويا لها، فتعمل فيهما بالقواعد الترجيحية، و مع انتفاء الترجيح ترجع الى ما هو المرجع عند الياس عن التراجيح.
ثم وظيفتك في تعيين معنى العسر و الحرج ما هو وظيفتك في تعيين معاني سائر الالفاظ.
فبعد ما عرفت في اللغة و العرف، و من التفاسير الواردة في الاحاديث، انالعسر: هو الصعب الشاق، و الحرج: هو الضيق، فترجع في تعيينهما الى العرف و العادة، فكل ما يعد في العادة شاقا و صعبا، او ضيقا، يكون عسرا او حرجا، و ما لم يحصل لك فيه القطع بدخوله تحتهما، تعمل فيه بمقتضى الاصل، لا اصالة عدم كونه عسرا او حرجا، اذ لا اصل، بل اصالة عدم خروجه عن تحت العام التكليفي، الذي يدل على ورود التكليف عليه.
و يلزم في تعيين معناهما ملاحظة الاوقات و الحالات، فانه قد يكون شيء مشقة في وقت او حال، بل بالنسبة الى شخص دون آخر.
و اللازم فيه ان يعد في العرف مشقة و عسرا ان كان الفعل صعبا على فاعله عند اكثر الناس و ان لم يكن صعبا على الاكثر من جهة اختلاف حال فاعله مع حال الاكثر.
و لا يكفي كونه صعبا عليه عنده او عند شخص، اذ بمجرد ذلك لا يتحقق العسر العرفي، بل اللازم كونه صعبا عليه عند عامة الناس.
ثم اذا تحققت المشقة و العسرية في فعل عرفا، يلزم الحكم بدخوله تحت عمومات نفي العسر و الحرج، سواء كان من ادنى مراتب العسر و الحرج، او اعلاها، او المتوسط بينهما.
و الحاصل: انه بمجرد صدق العسر عادة يحكم بذلك، فلا يرد ما قد يستشكل: من عدم انضباط قدر الحرج المنفي.
ثم يرجع الى دليل التكليف، فان لم يعارضها منه شيء اصلا، يحكم بانتفائه قطعا، و ان عارضها و كان اخص منها، تخص به، و ان كان بينهما عموم من وجه او تساو، يرجع الى القواعد.
و قد يرجح جانب التكليف باجماع و نحوه، و لكن اللازم الاقتصار على القدر الذي ثبت فيه الاجماع، فانه قد يثبتبالاجماع التكليف في شيء مع مرتبة من المشقة، و لا يثبت الاجماع في مرتبة فوقها، فعليك بالاجتهاد التام.
و مما ذكرنا يظهر سر ما يرى في كلمات الفقهاء من انهم قد يستدلون بانتفاء حكم فيه ادنى مشقة: بانتفاء العسر و الحرج، و لا يستدلون فيما هو اشد من ذلك بكثير به.
قد ظهر مما ذكرنا: ان قاعدة نفي العسر و الحرج من قبيل سائر العمومات، يجوز تخصيصها بالمخصصات، و انها اصل لا يخرج عنه الا مع دليل.
و قد ذكرنا ان بعضهم قال: انه ليس كذلك، و هو بعض سادة مشايخنا طاب ثراه، قال قدس سره: و ليس المراد ان الاصل نفي الحرج، و ان الخروج عنه جائز، كما في سائر العمومات الواردة في الشريعة. اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظاهر، و الا لزم ان تكون مساوية لغيرها في الاشتمال على الحرج و الضرر. و الفرق بالقلة و الكثرة تعسف شديد.
و اما على العموم: فلاجماع المسلمين على ان الحرج منفي في هذا الدين، و لان التكليف بما يفضي الى الحرج مخالف لما عليه اصحابنا من وجوب اللطف على الله، فان الغالب ان صعوبة التكليف المفضية الى حد الحرج تبعد عن الطاعة، و تقرب من المعصية بكثرة المخالفة، و لان الله تعالى ارحم بعباده، و اراف من ان يكلفهم ما لا يتحملونه من الامور الشاقة، و قد قال الله سبحانه: «لا يكلف الله نفسا الا وسعها» (71) . انتهى.
اقول: بل التحقيق ما ذكرنا (72) من كون نفي الحرج و العسر اصلا يخرج عنه بدليل، و لا يلزم منه مساواة هذه الشريعة لغيرها في الاشتمال على الحرج، لانالحرج له مراتب كثيرة، منها ما يقرب الى العجز و عدم الطاقة، فيمكن ان يكون المنفي وجوده في هذه الشريعة بعض مراتبه، كما نذكره في البحث السابع.
فان قلت: على ما ذكرت يجوز تخصيص هذه المرتبة ايضا من تلك العمومات.
قلت: نعم، و لكن الجواز غير الوقوع. و الفرق انما هو في الوقوع و عدمه، لا في الجواز و عدمه.
و اما ما ذكره من اجماع المسلمين على نفي الحرج في هذا الدين، فالمسلم منه ما كان تكليفا بما لا يطاق، او ما يقرب منه، و يوجب ضيقا شديدا في غاية الشدة، و اما ما دونه، فلا، كيف و قد عرفت تصريح بعضهم بكون جميع التكاليف الواقعة حرجا، و بعضهم بوقوع التكاليف الشديدة في الدين! ؟ و ما اجمع عليه المسلمون هو ورود نفي الحرج في الشرع على سبيل العموم، لا انه لا مخصص له.
و اما ما ذكره من مخالفته لما يجب على الله سبحانه من اللطف، فبعد اغماض النظر عن مطالبته بمعنى اللطف و المراد منه، و انه هل هو ما كان لطفا عندنا، او في الواقع و ان لم ندرك وجه لطفه، او نظن عدم كونه لطفا، و عن ان الواجب عليه هل هو اللطف في الجملة، او كل لطف؟
نقول: انه قد يترتب على امر صعب و ضيق، سهولة و سعة كثيرة دائمية اعلى و ارفع من هذا الصعب، و مقتضى اللطف حينئذ: التكليف بالصعب الادنى للوصول الى السعة الاعلى، كما ان الاب الرؤوف يضيق على ولده بحبسه في المكتب و منعه عن الاغذية المرغوبة له لراحته عند الكبر، بل يحتجمه و يقطع اعضاءه لدفع الامراض.
و اما ايجاب ذلك كثرة المخالفة، فهو غير مناف للطف، فانه نقص من جانب المكلف. و لو اوجب ذلك عدم التكليف، لزم ان يكون مقتضى اللطف عدم التكليف، لايجابه المخالفة، و لا فرق فيها بين الكثرة و القلة، مع انا نرى كثرة المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد، و لم يوجبها الااصل التكليف.
و اما قوله سبحانه: «لا يكلف الله نفسا الا وسعها» (73) فالمراد بالوسع:
الطاقة كما عرفت، مع انه لو اريد منه مقابل الضيق، فهو ايضا كواحد من العمومات الصالحة للتخصيص.
قال السيد السند المذكور-قدس الله نفسه الزكية-بعد ما ذكر انتفاء التكليف بما فوق الطاقة في جميع الاديان، و ثبوته بالسعة في الجميع:
اما التكليف بقدر الطاقة-و المراد به ما فوق السعة ما لم يصل الى الامتناع العقلي او العادي-فلم يقع التكليف به في شرعنا، لقوله تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» (74) و قوله تعالى: «يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر» (75) و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «دين محمد حنيف» (76) و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «بعثتبالحنيفية السهلة السمحة» (77) .
و قد وقع في الشرائع السابقة، لقوله تعالى: «ربنا و لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا» (78) و قوله سبحانه: «و الاغلال التي كانت عليهم» (79)
و ما ورد في الاخبار في بيان التكليفات الشاقة التي كانت على بني اسرائيل.
و هل كان التكليف بالقياس اليهم حرجا و اصرا، او هي بالنسبة الينا كذلك؟
و الظاهر الاول. و حديث المعراج (80) و قول موسى لنبينا صلى الله عليه و آله و سلم: «امتك لا تطيق ذلك» (81) يؤيد الثاني. و ما في السير من بيان بسطة الاولين في الاعمار و الاجسام و شدتهم و طاقتهم على تحمل شدائد الامور يعاضده.
و على هذا، فالحرج منفي في جميع الملل، و انما يختلف الحال بحسب اختلاف اهلها، فما هو حرج بالقياس الينا لم يكن حرجا حيثشرع، و لكن الامتنان بنفي الحرج في هذا الدين كما هو الظاهر من الآية، و رفع الاغلال و الآصار يمنع ذلك (82) . انتهى.
قوله قدس سره: اما التكليف ما فوق السعة ما لم يصل الى الامتناع العقلي، فلم يقع التكليف به في شرعنا، ان اراد بعض مراتبه، و هو ما كان في غاية الشدةو له استمرار و دوام، فله وجه. و ان اراد مطلقا فهو ممنوع، و ما استدل به عمومات للتخصيص قابلة.
قوله: و قد وقعت في الشرائع السابقة، و هو كذلك. و الفرق بين سائر الشرائع و بين شرعنا على القول بوقوع بعض مراتبه في شرعنا ايضا، اما باعتبار المراتب او باعتبار بعض الآصار الخاصة، فالمراد بقوله تعالى: «و لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا» اي: اصرا حملته او حملت مثله عليهم، لا مطلق الاصر. و كذا في الاغلال، اي: خصوص الاغلال التي كانت عليهم او ما يشابهها.
يمكن اختلاف العسر و الحرج بالنسبة الى الاعصار و الامصار، كما يمكن اختلافهما بالنسبة الى الاشخاص و الاحوال، فكما انه يكون شيء عسرا او حرجا بالنسبة الى شخص دون آخر كالقوي و الضعيف، او بالنسبة الى حال دون حال كالشباب و الهرم او الصحيح و المريض، كذا قد يكون شيء عسرا او حرجا في زمان دون زمان، او بلد دون آخر باعتبار التعارف و التداول، و حصول الملامة و عدمه.
اعلم ان المستفاد من ادلة نفي العسر و المشقة: انهما موجبان للتخفيف، و ذلك يستعمل في موردين:
احدهما: انهما يوجبان لحكمنا بالتخفيف من الله سبحانه، و بعدم (83) كون ما فيه المشقة تكليفا لنا، لعموم ادلة نفيها. و هذا يكون في كل مورد لم يتحقق دليل معارض لتلك العمومات، و اما ما تحقق فيه الدليل المعارض، فيحكم فيه بمقتضى التعارض.
و ان شئت قلت: انهما يوجبان التخفيف من الله سبحانه، يعني: ان العسر و المشقة يوجبان في الواقع ان يخفف الله سبحانه الحكم بحيث تنتفي عنه المشقة، كما هو المستفاد من قوله سبحانه: «و لا يريد بكم العسر» (84) «و ما جعل عليكم في الدين من حرج» (85) و من رافة الله سبحانه بالنسبة الى عباده، و من عدم الاحتياج له حتى يحمل عباده المشقة، بل كل ما يكلفهم فانما هو لمصلحتهم.
و لازم ذلك: ان يكون التخفيف في كل مورد لم يستعقب المشقة مرتبة عظيمة يسهل معها تحمل تلك المشقة، و اما اذا كان كذلك، فمقتضى اللطف و الرافة: التحميل، و لهذا خصصت العمومات، و وقعت التكاليف الشاقة في الشريعة المقدسة.
و ثانيهما: انهما اوجبا وقوع التخفيفات السابقة من الشريعة المطهرة، و انتفاؤهما سبب للرخص الواردة في الملة الشريفة.
و الذي يفيد للفقيه في الفروع و وظيفته التكلم فيه، هو ايجاب نفي العسر و المشقة للتخفيف بالاستعمال الاول، و اما الثاني: فلا يترتب عليه للفقيه كثير فائدة، اذ بعد ثبوت الحكم من الله جل شانه، لا جدوى كثيرا في درك انه للتخفيف و دفع المشقة.
و قد ذكر شيخنا الشهيد-قدس الله سره-في قواعده كثيرا من جزئيات قاعدة نفي المشقة و ايجابه لليسر، و لكنه انما ذكرها على الاستعمال الثاني، اعني: انه ذكر احكاما كثيرة ثابتة من الشرع، مناسبة لان يكون تشريعها للتخفيف و الرحمة، و ذكر ان بناء تلك الاحكام و شرعها انما هو للتخفيف و الرخصة.
و هذه و ان لم يكن في ذكرها كثير فائدة، الا التكلم في فروعاتها التي هي من شان الكتب الفقهية. و لكنا نذكر ملخص ما ذكره تبركا بكلامه و تكثيرا للفائدة.
قال-طاب ثراه-ما ملخصه: ان المشقة موجبة لليسر، و هذه القاعدة يعود اليها جميع رخص الشرع، كاكل الميتة فى المخمصة، و مخالفة الحق للتقية عند الخوف على النفس او البضع او المال او القريب او بعض المؤمنين، بل يجوز اظهار كلمة الكفر عند التقية.
و من القاعدة: شرعية التيمم عند خوف التلف من استعمال الماء او الشين او تلف حيوانه او ماله.
و منها: ابدال القيام عند التعذر في الفريضة، و مطلقا في النافلة و صلاة الاحتياط غالبا.
و منها: قصر الصلاة و الصوم.
و منها: المسح على الراس و الرجلين باقل مسماه، و من ثم ابيح الفطر جميع الليل بعد ان كان حراما بعد النوم.
و من الرخص ما يختص، كرخص السفر و المرض و الاكراه و التقية. و منها ما يعم، كالقعود في النافلة، و اباحة الميتة عند المخمصة تعم عندنا في السفر و الحضر.
و من رخص السفر: ترك الجمعة، و سقوط القسم بين الزوجات لو تركهن، بمعنى عدم القضاء بعد عوده، و سقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن.
و من الرخص: اباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية، و اباحة الفطر للحامل و المرضع و الشيخ و الشيخة و ذي العطاش، و التداوي بالنجاسات و المحرمات عند الاضطرار، و شرب الخمر لاساغة اللقمة، و اباحة الفطر عند الاكراه عليه مع عدم القضاء. و لو اكره على الكلام في الصلاة فوجهان.
و منه: الاستنابة في الحج للمعضوب، و المريض المايوس من برئه، و خائف العدو، و الجمع بين الصلاتين في السفر و المرض و المطر و الوحل و الاعذار بغير كراهية. و منه: اباحة نظر المخطوبة المجيبة، و اباحة اكل مال الغير مع بذل القيمة مع الامكان، و لا معها مع عدمه عند الاشراف على الهلاك.
و منه: العفو عما لا تتم الصلاة فيه منفردا مع نجاسته، و عن دم القروح و الجروح التي لا يرقى.
ثم التخفيف قد يكون لا الى بدل، كقصر الصلاة، و ترك الجمعة، و صلاة المريض، و قد يكون الى بدل، كفدية الصائم، و بعض الناسكين في بعض المناسك.
و الرخصة قد تجب، كتناول الميتة عند خوف الهلاك و قصر الصلاة و الصيام، او تستحب، كنظر المخطوبة، و قد تباح، كالقصر في الاماكن الاربعة.
و المشقة الموجبة للتخفيف: هي ما تنفك عنه العبادة غالبا، اما ما لا تنفك عنه فلا، كمشقة الوضوء و الغسل في البرد و اقامة الصلاة في الظهيرات، و الصوم في شدة الحر و طول النهار، و سفر الحج، و مباشرة الجهاد، اذ مبنى التكليف على المشقة. و منه: المشاق التي تكون على جهة العقوبة على الجرم و ان ادت الى تلف النفس، كالقصاص و الحدود بالنسبة الى المحل و الفاعل و ان كان قريبا يعظم عليه استيفاء (86) ذلك من قريبه.
و الضابط في المشقة: ما قدره الشرع، و قد اباح الشرع حلق المحرم للقمل، كما في قضية كعب بن عجرة (87) ، و اقر النبي صلى الله عليه و آله و سلم عمرا على التيمم لخوف البرد (88) ، فليقاربها المشاق في باقي محظورات الاحرام، و باقي مسوغات التيمم، و ليس مضبوطا ذلك بالعجز الكلي، بل بما فيه تضييق على النفس.
و من ثم قصرت الصلاة و ابيح الفطر في السفر، و لا كثير مشقة فيه و لا عجز غالبا، فحينئذ يجوز الجلوس في الصلاة مع مشقة القيام و ان امكن تحمله على عسر شديد، و كذا باقي مراتبه.
و يقع التخفيف في العقود، كما يقع في العبادات. و مراتب الغرر فيها ثلاث:
احداها: ما يسهل اجتنابه، كبيع الملاقيح، و هذا لا تخفيف فيه.
و ثانيها: ما يعسر اجتنابه و ان امكن تحمله بمشقة، كبيع البيض في قشره، و بيع الجدار و فيه الاس، و هذا يعفى عنه تخفيفا.
و ثالثها: ما يتوسط بينهما، كبيع الجوز و اللوز في القشر الاعلى، و الاعيان الغائبة بالوصف.
و منه: الاكتفاء بظاهر الصبرة المتماثلة. و من التخفيف: شرعية خيار المجلس. و منه: شرعية المزارعة، و المساقاة، و القراض و ان كانت معاملة على معدوم.
و منه: اجارة الاعيان، فان المنافع معدومة حال العقد.
و منه: جواز تزويج المراة من غير نظر و وصف، دفعا للمشقة اللاحقة للاقارب.
و من ذلك: شرعية الطلاق و الخلع، دفعا لمشقة المقام على الشقاق و سوء الاخلاق، و شرعية الرجعة في العدة غالبا ليتروى، و لم تشرع في الزيادة على المرتين دفعا للمشقة عن الزوجات.
و منه: شرعية الكفارة في الظهار، و الحنث.
و منه: التخفيف عن الرقيق بسقوط كثير من العبادات.
و منه: شرعية الدية بدلا عن القصاص مع التراضي، كما قال الله تعالى: «ذلك تخفيف من ربكم و رحمة» (89) . (90) انتهى ما اردنا نقله من كلامه ملخصا، و هو كما ترى في التخفيفات الثابتة من الشرع، و بعد ثبوتها منه لا فائدة كثيرة في بيان كونها تخفيفا او لا.
تعليقات:
1) في«ج»: لتحصيل.
2) البقرة 2: 286.
3) البقرة 2: 286.
4) الحج 22: 78.
5) المائدة 5: 6.
6) البقرة 2: 185.
7) قرب الاسناد: 84-277 بتفاوت.
8) اشار الى قوله تعالى في سورة المائدة: «و ان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماءاً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم و ايديكم منه» المائدة 5: 43.
9) الفقيه 1: 56-212، الكافي 3: 30-4، التهذيب 1: 61-168، الاستبصار 1: 62-186.
10) الكافي 3: 13-7، التهذيب 1: 86-224، الوسائل 1: 153 ابواب ماء المضاف ب 9 ح 5.
11) التور: اناء من صفر او حجارة كالاجانة(النهاية لابن الاثير 1: 199).
12) التهذيب 1: 37-100، الاستبصار 1: 20-46، الوسائل 1: 157 ابواب الماء المطلق ب 8 ح 11.
13) التهذيب 1: 417-1316، الاستبصار 1: 22-55، و فيه و في«ج»فافعل، مكان: فقل، الوسائل 1: 120 ابواب الماء المطلق ب 9 ح 4.
14) الكافي 3: 33-4، التهذيب 1: 363-1097، الاستبصار 1: 77-240، الوسائل 1: 327 ابواب الوضوء ب 39 ح 5.
15) الكافي 3: 4-2، التهذيب 1: 149-425، و في الاستبصار 1: 128-436، عن محمد بن عيسى، الوسائل 1: 113 ابواب الماء المطلق ب 8 ح 5.
16) التهذيب 2: 368-1529، و اورده بسند آخر عن سليمان بن جعفر الجعفري في الفقيه 1: 167-787، الوسائل 2: 1071 ابواب النجاسات ب 50 ح 3.
17) الكافي 1: 67-9، الوسائل 18: 78 ابواب صفات القاضي ب 9 ح 8.
18) الكافي 1: 164-4، التوحيد: 413-10، الوسائل 5: 349 ابواب قضاء الصلوات ب 1 ح 6.
19) الكافي 1: 160-14، المحاسن: 296-464.
20) الكافي 1: 162-4، و في المحاسن: 296-466، بتفاوت.
21) قرب الاسناد: 63-3.
22) الكافي 2: 463-2، الخصال 2: 417-9، توحيد الصدوق: 353-24، الوسائل 4: 1284 ابواب قواطع الصلاة ب 37 ح 2.
23) الخصال 2: 531-9، الوسائل 1: 15 ابواب مقدمة العبادات ب 1 ح 27.
24) البقرة 2: 286.
25) تفسير العياشي 1: 160-533.
26 - 27. البقرة 2: 286.
28) تفسير القمي 1: 95.
29) تفسير العياشي 1: 159-531.
30) الاحتجاج 1: 327.
31) الكافي 5: 494-1، مسند احمد بن حنبل 5: 266، و الجامع الصغير 1: 189.
32) الصحاح 4: 1519.
33) القاموس المحيط 3: 269.
34) النهاية لابن الاثير 3: 144.
35) مجمع البحرين 5: 209.
36) الصحاح 3: 1298.
37) القاموس المحيط 3: 97.
38) مجمع البحرين 4: 404.
39) مجمع البحرين 5: 203.
40) الصحاح 3: 1255.
41) النهاية لابن الاثير 3: 142.
42) مجمع البحرين 4: 371.
43) الصحاح 2: 579.
44) القاموس المحيط 1: 378.
45) النهاية لابن الاثير 1: 52.
46) مجمع البحرين 3: 207.
47) المتقدمة ص 181.
48) الصحاح 1: 305.
49) القاموس المحيط 1: 189.
50) النهاية لابن الاثير 1: 361.
51) مجمع البحرين 2: 288.
52) تفسير القمي 1: 216.
53) المتقدمة ص 174.
54) النهاية لابن الاثير 3: 235.
55) مجمع البحرين 3: 402.
56) الفصول المهمة: 249.
57) البقرة 2: 185.
58) في«ج»و صعبا.
59) الفصول المهمة: 249.
60) في«ه»، «ب»: تعذيب.
61) فوائد الاصول: 118 فائدة 36.
62) قوانين الاصول 2: 49.
63) البحث التاسع من قاعدة نفي الضرر.
64) ياتي في البحث السادس ص 259 و ياتي كلام بعض من صرح بذلك.
65) الانعام 6: 160.
66) الشقاقلوس: كلمة يونانية، و تعني: موت و فساد عضو من اعضاء البدن.
67) النساء 4: 24.
68) الانعام 6: 145.
69) وجه توهم لزوم تخصيص الاكثر: هو خروج مثل الصوم و الخمس و الزكاة و الحج و الجهاد و الديات و الكفارات و القصاص و غيرها من القاعدة مع ان فيها عسر و حرج.
70) وجه دفع التوهم: ان الامور التي فيها العسر و الحرج من التكاليف و غيرها، كرفع الاثقال، و صعود الجبال الشاهقة، و المشي الطويل و غيره مما لا يعد و لا يحصى، فكل ذلك باق تحت القاعدة بالاضافة الى مثل الوضوء و الغسل و التيمم الحرجي و امثالها فانها مرفوعة بالقاعدة، فتامل.
71) فوائد الاصول: 118 فائدة 36.
72) مر ذكره في البحث الرابع من العائدة.
73) البقرة 2: 286.
74) الحج 22: 78.
75) البقرة 2: 185.
76) الكافي 3: 395-8، الفقيه 1: 174-823، التهذيب 2: 216-850، الاستبصار 1: 391-1492 الوسائل 3: 285 ابواب لباس المصلي ب 23 ح 1، مجمع البحرين 5: 41.
77) الكافي 5: 494-1، مسند احمد 5: 266، الجامع الصغير 1: 189.
78) البقرة 2: 286.
79) الاعراف 7: 157.
80) تفسير القمي 1: 95، تفسير العياشي 1: 159-531.
81) الفقيه 1: 125-602.
82) فوائد الاصول: 117 و 118 فائدة 36.
83) في«ج»: و بعد.
84) البقرة 2: 185.
85) الحج 22: 78.
86) في«ب»: يعظم المه باستيفاء.
87) الكافي 4: 358-2، التهذيب 5: 333-1147، الاستبصار 2: 195-656، المقنع: 20، الوسائل 9: 295 ابواب بقية كفارات الاحرام ب 14 ح 1، صحيح البخاري 3: 12، صحيح مسلم 2: 859 -1201، سنن ابي داود 2: 430 ح 1856.
88) سنن ابي داود 1: 238-334، و المراد به عمرو بن العاص.
89) البقرة 2: 178.
90) القواعد و الفوائد 1: 123.