عائدة(18)

في ان الاصل في القضية الحملية الحمل الحقيقي

الحمل: اما حقيقي، او مجازي.

و المراد بالحمل الحقيقي: الحكم باتحاد الموضوع و المحمول في الوجود الخارجي حقيقة، سواء انحصر اتحاد المحمول فيه مع هذا الموضوع (1) ، نحو: الانسان حيوان ناطق، او لم ينحصر، نحو: زيد انسان.

و المراد بالحمل المجازي: اتحادهما فيه مجازا، نحو: زيد اسد.

ثم القضية الحملية: حقيقة في الحمل الحقيقي، لانه المتبادر منها(عند الاطلاق) (2) .

و هل هو حقيقة في الحمل الانحصاري الذي هو حمل المساوي على المساوي، ام لا، بل يشمل حمل الاعم على الاخص ايضا؟

الظاهر: هو الثاني، لعدم صحة السلب، فلا يصح ان يقال: زيد ليس بانسان. هذا معنى الهيئة.

و اما الموضوع و المحمول: فمقتضى الاصل فيهما: ارادة المعنى الحقيقي من‏كل منهما، فمعنى: زيد انسان، ان ما هو المعنى الحقيقي لزيد متحد في الوجود الخارجي حقيقة مع ما هو المعنى الحقيقي للانسان.

و على هذا فيكون قولك: ضرب فعل، مجازا في الموضوع، لارادة اللفظ منه، و هو غير معناه الحقيقي. و قولك: زيد اسد، مجازا في المحمول اذا اريد من الاسد الرجل الشجاع، و مجازا في الهيئة اذا اريد منه الحيوان المفترس.

و كذا تكون القضية الحملية في بيان معاني اللغات مجازية الموضوع، لان المراد من قولك: الصعيد هو التراب، ان لفظ الصعيد موضوع للتراب، فالمحمول هو الموضوع المقدر، و اريد من الموضوع في الكلام لفظه، و هو ليس معنى حقيقيا له.

و لا يتوهم: انه لو كان المعنى: ان المعنى الحقيقي للصعيد هو المعنى الحقيقي للتراب، يكون المراد من كل من الموضوع و المحمول معناه الحقيقي، لان معنى قولك: المعنى الحقيقي للصعيد، ان المعنى الحقيقي للفظه، فيوجب تقدير المعنى الحقيقي في كل من الموضوع و المحمول، مع ارادة اللفظ الذي هو ايضا مجاز من كل منهما.

اذا عرفت ذلك فاعلم: انه اذا وردت قضية حملية في كلام الشارع، فمقتضى اصالة الحقيقة: ان يراد من كل من الموضوع و المحمول و الهيئة:

الحقيقة، الا اذا كان هناك دليل على التجوز في شي‏ء منها، و يلزم من اتحادهما حقيقة ثبوت جميع احكام المحمول للموضوع الا مع دليل التجوز.

فاذا صدرت من الشارع قضية حملية، فيتصور على وجوه:

الاول: ان يعلم ان المراد بالموضوع و المحمول معنياهما الحقيقيان، و ان المراد بالحمل الحكم باتحادهما خارجا، و كون الموضوع عين المحمول، او مساويا له، نحو: الصلاة واجبة، حيث ان معناها: الحكم بكون الاركان المخصوصة مصداقا لذات ثبت لها الوجوب و متحدة معها، و الحكم حينئذ ظاهر، فيحكم بثبوت كل حكم للواجب من حيث هو واجب للصلاة.

و الثاني: ان يعلم انه ليس المراد من الجميع الحقيقة، نحو: (الطواف بالبيت صلاة) (3) حيث نعلم عدم اتحاد معنييهما حقيقة، بل المراد بالصلاة و الطواف اما حكمهما على سبيل التجوز، او الحذف، او المراد بالحمل الحمل المجازي. و نحوه: «المذي نخامة‏» (4) و حينئذ فيتردد فيما هما يتحدان فيه، و هو الذي يعبرون عنه ب(الشركة المبهمة).

فان كان هناك مجاز شائع، فينصرف اليه، و الا فقيل: بالانصراف الى الجميع، لعدم المرجح، و بطلان اللغو و الاغراء (5) .

و قيل: بالتوقف، لعدم دليل على التعيين (6) . و لزوم الاغراء انما يكون لو اريد من هذا الكلام الافهام تفصيلا، و هو ممنوع، لجواز ان يريد منه نوع اجمال، و كان التفصيل موكولا الى غيره.

و من هذا القبيل: جميع العمومات و المطلقات المخصصة و المقيدة بالقرائن المنفصلة، و المجازات كذلك، و لو لا جواز مثل ذلك الاجمال في الكلام، لبطل اكثر العمومات و المطلقات و المجازات.

فان قلت: هذا انما يتم فيما اذا كانت هناك قرينة-و لو منفصلة-على التعيين او الترجيح، و الا لزم المحذور.

قلت: قلما يوجد مثل ذلك في كلام الشارع مما لم يعلم من الخارج اتحاد الموضوع و المحمول في حكم من الاحكام الشرعية، فيكون هو دليلا و قرينة على التعيين و الترجيح، مع ان وجود المجمل في كلمات الشارع غير عزيز، و في القرآن محكم و متشابه، و في اخبارهم محكم كمحكم القرآن و متشابه كمتشابهه، فالمحذور انما يلزم لو علم ان الغرض من هذا الكلام افهام التفصيل، و من اين يعلم ذلك مع ان الاحاطة بمقاصد الكلام غير ممكنة، و قصد الاجمال ممكن؟ !

و الثالث: ان لا يعلم شي‏ء منهما، و له اقسام:

احدها: ان يعلم للمحمول معنى، و علم عدم صحة الحمل الحقيقي في ذلك المعنى، و شك في انه هل وضع الشارع هذا اللفظ لمعنى يصح حمله على الموضوع و لذا حمله عليه، بل قد يحتمل ان يكون ذلك الحمل اخبارا عن الوضع، او اريد بالمحمول معنى مجازي يصح الحمل عليه، او تجوز في الحمل، نحو: الفقاع خمر، اذا علمنا ان الخمر في اللغة او العرف مخصوص بما يؤخذ من العنب.

و الحكم حينئذ: التوقف كسابقه، و عدم اثبات حكم منه (7) ، الا مع شيوع تجوز او حكم ينصرف حينئذ اليه، لان كلا من الوضع و التجوز في المحمول او الحمل مخالف للاصل، لا يصار اليه الا بدليل، و لا دليل على تعيين شي‏ء منهما.

و اما كون ذلك اخبارا بالوضع: فمع كونه خلاف وظيفة الشارع كما قيل (8) ، و مع احتياجه الى التجوز، بان يراد من الخمر مثلا لفظه، محتاج الى التقدير، كما مر.

و ثانيها: ان لا يعلم للمحمول معنى معينا، و لكن تردد بين معنيين او اكثر، يصح الحمل الحقيقي في احدها دون غيره، نحو: الشهيد ميتة، حيث لا يعلم ان الميتة هل هي موضوعة لمطلق ما خرج روحه، او تختص بغير الانسان، و لما كان الاصل في الاستعمال الحقيقة، فيجب ان يقال:

ان الحمل و المحمول هنا مستعملان في معنييهما الحقيقيين، و لازم ذلك: كون معنى الميتة هو المطلق.

و ثالثها: ان لا يعلم للمحمول معنى اصلا، و مقتضى الاصول حينئذ ان يكون الموضوع عين المحمول الحقيقي، او مصداقا له، فيحكم بثبوت كل حكم ثبت للمحمول للموضوع.

تعليقات:

1) كذا، و المراد هو حمل المساوي على المساوي، او اتحاد المساوي مع المساوي.

2) ما بين القوسين اثبتناه من‏«ح‏».

3) سنن الدارمي 2: 66 ح 1847 و 1848 ب 32 من كتاب المناسك باب الكلام في الطواف، عوالي اللآلي 1: 214-70، و ج 2: 167-3.

4) الوارد: انما هو بمنزلة النخامة-انظر الوسائل 1: 196-197 ابواب نواقض الوضوء ب 12 ح 2، 3، 8.

5 - 6. قوانين الاصول: 60.

7) في‏«ه»: فيه، بدل منه.

8) مفاتيح الاصول: 64.