عائدة(16)

في بيان قولهم: العقود تابعة للقصود

من القواعد المتداولة في السنة الفقهاء قولهم: العقود تابعة للقصود.

و تحقيق الكلام فيها: انه لا شك ان الاصل عدم جميع الاحكام الشرعية حتى تثبت من الشارع، طلبية كانت، او تخييرية، او وضعية.

و لا ريب ايضا: ان ترتب كل اثر على اي عقد كان مخالف للاصل، لا يحكم به الا مع الثبوت من الشارع.

و هناك عقود و ايقاعات: لازمة و جائزة، لفظية و فعلية-كالمعاطات في البيع على القول بلزومها-ثبت‏بالادلة الشرعية ترتب آثار و احكام عليها.

و لكن تلك الآثار(احكام انشائية) (1) لا تترتب عليها الا مع قصد الانشاء منها.

و هذا القصد معتبر في تلك العقود و الايقاعات اجماعا، و بمقتضى الاصل، اذ لم يثبت ترتب اثر عليها بدون ذلك القصد، و الاصل عدم الترتب.

فلو صدرت بلا قصد او مع قصد الاخبار او قصد آخر لا يترتب عليها اثر قطعا.

و المراد من قصد الانشاء: قصد انشاء الاثر المطلوب، فترتب الاثر على تلك العقود و الايقاعات موقوف على قصد انشاء الاثر منها، و لا بد في ترتب الاثر من قصد انشاء الاثر الذي رتبه الشارع عليها.

فلو قصد انشاء اثر آخر-كنقل الملك من عقد النكاح او الطلاق-منه، لا يثمر ثمرا بالاصل المتقدم و الاجماع، فقصد انشاء الاثر المترتب عليه شرعا مما لا بد منه في ترتب الاثر.

مضافا الى قصد مورد الاثر: من الزوجة المعينة و الزوج المعين في النكاح، و المشتري و البائع، و الثمن و المثمن في البيع، و هكذا.

ثم ان كل اثر يترتب على عقد او ايقاع يتصور له انواع مختلفة، و شؤون متشتتة، و اعتبارات مختلفة، كما ان نقل الملك، الذي هو اثر البيع يكون لازما و متزلزلا، منجزا و معلقا على شرط، بلا عوض و بازاء عوض، مطلقا و مقيدا بمدة، نقل ملك شي‏ء بلا انضمامه مع غيره و مع ضم نقل الغير ايضا، الى غير ذلك.

ثم لكل نوع وجوه، كما ان المتزلزل يكون من الطرفين، او من طرف، و بازاء عوض، يكون بازاء هذا العوض و هذا العوض، و هكذا. و كذا النكاح يتصور فيه جميع هذه الاقسام و غيرها.

و لما كان الاصل عدم ترتب شي‏ء من الآثار على عقد او ايقاع الا مع دليل، فاللازم الاقتصار في انواع الآثار و وجوهها على ما ثبت ترتبه شرعا، و ما لم يثبت، فيحكم بعدم ترتبه.

مثلا: لم يثبت جواز البيع المقيد بمدة معينة، فيحكم بعدم ترتب نقل الملك الى مدة خاصة على عقد البيع، فلو قصده يكون البيع باطلا، و كذا البيع بلا عوض، او النكاح الدائم بعوض، و كذا الاثر المعلق.

نعم: قد يكون الاثر المترتب عليه شرعا متعددا: نوعا و شانا و وجها و فردا، كما ان نقل الملك يكون متزلزلا و باتا، و بازاء هذا العوض و بازاء ذلك، و المتزلزل من الطرفين و من الطرف الواحد، و لازما في مدة مع تزلزله بعده، و هكذا.

و كل هذه الوجوه آثار مترتبة على عقد البيع، اي على البدل.

و حينئذ لا بد في ترتب احد تلك الآثار عليه من قصده، فلو قصد واحدا منها، يترتب عليه ذلك خاصة، و لا يترتب عليه غيره، لما عرفت من اقتضاء الاصل و الاجماع لزوم (2) قصد كل اثر في ترتبه على العقد.

و تظهر الفائدة: فيما اذا ظهر عدم تحقق بعض شرائط المقصود، فيبطل العقد.

و هذا هو مرادهم من قولهم: العقود تابعة للقصود. اي: يترتب على العقود-من الآثار الممكن ترتبها عليها الصالحة لاستتباعها-ما هو المقصود للمتعاقدين، دون غيره.

ثم لا يخفى: ان العقد الذي تترتب عليه انواع او افراد من الآثار على التبادل لا يخلو اما ان ينصرف مطلقه الى بعض انواعه خاصة عرفا او شرعا، و لا يفهم منه غيره الا بضم ضميمة، او لا ينصرف الى بعض خاص.

فالاول: كعقد البيع المنصرف حين خلوه عن شرط الخيار الى اللازم، و قوله: بعتك قفيزا من بر بدرهم، حيث‏ينصرف الى القفيز و الدرهم المصطلحين (3) .

و الثاني: كقوله: انكحت‏بنتي فاطمة ابنك محمدا، اذا كانت له بنتان مسميتان بفاطمة، و له ابنان مسميان بمحمد.

فان كان الاول: فان ذكر العقد مطلقا و قصد ما ينصرف اليه، او مقيدا و قصد المقيد، فلا اشكال، و ان اطلق و قصد المقيد، او قيد و قصد المطلق، فيحصل الاشكال.

كما اذا قال: بعتك قفيزا من بر بدرهم، و قصد قفيزا خاصا من بر خاص بدرهم معين من غير اصطلاح على تسمية ذلك المعين بهذا الاسم، حتى يصير من باب مهر السر و العلانية، او قصد مع ذلك الخيار الى مدة ايضا، و الموافق للاصل بطلان العقد، لعدم ثبوت ترتب الاثر المقصود على هذا اللفظ بضم القصد. و ان ثبت في موضع بدليل صحته، فهو المخرج عن الاصل.

و ان كان الثاني: فان اطلق في العقد، و قصد احد الفردين فهو، و الافيبطل العقد ايضا، لعدم امكان ترتب الاثرين، و بطلان الترجيح بلا مرجح.

ثم اعلم: ان المعتبر-كما عرفت-و ان كان هو القصد، و يتعذر الاطلاع العلمي عليه غالبا، الا ان الشارع اقام الالفاظ الظاهرة فيه الدالة عليه بالظهور قائمة مقام العلم، بالاجماع القطعي، بل الضرورة الدينية.

و على هذا: و ان كان الاصل عدم ترتب الاثر الا مع العلم بقصد ذلك الاثر، الا انه يكتفى بما هو ظاهر فيه من الالفاظ اجماعا قطعيا.

فاذا قال: بعتك هذا بدرهم، و ادعى قصد نقل الملك في مدة خاصة ابطالا للبيع، لم تسمع دعواه بمجردها و ان كان الاصل عدم الانتقال، الا ان تكون هناك قرينة حالية او مقالية مصدقة لدعواه، فيبطل البيع، لعدم الاجماع على الحكم بالصحة و قصد الصحيح حينئذ.

و ذلك كما اذا قال: بعتك هذا بدرهم على ان تكريني دابتك هذه يوما، فظهرت الدابة ملكا لغير المشتري، فيحكم ببطلان البيع، لان هذا الكلام ظاهر في ان الاثر المقصود من البيع هو نقل المبيع بالدرهم منضما مع الاكراء لا مطلقا، و لا اقل من تساوي الاحتمالين، فان مثل هذا التركيب لم يعلم منه قصد البيع بالدرهم منفردا.

و الى هذا يشير كلام من قال: ان المعتبر من ذلك القصد هو ما اطلع عليه المتعاقدان، و لا يكفي في ذلك قصد احدهما من دون اطلاع الآخر.

فما يحتمل وجوها كثيرة، و لم يذكر في طي العقد وجه منها و لم يعين، فحكمه حكم المطلق، فان كان المطلق منصرفا الى وجه خاص، تعين، و الافيبطل.

و المعتبر: هو الاطلاع على قصد ذلك من العقد. اي: قصد منه هذا النوع من الانشاء، و القى به لانشاء ذلك النوع. و لا يكفي في ذلك كون المطلوب ذلك، او كون هذا القصد باعثا و سببا للعقد من غير ان يكون التلقي بالعقد ايضا لانشاء ذلك، بحيث‏يكون هذا ايضا من اثر العقد.

و من هنا حصل الوهم لبعضهم في كثير من المقامات: كما اذا اتفقا على ان يبيع احدهما داره للآخر و يبيع الآخر بستانه للاول ايضا، فباع الاول و امتنع الآخر بعد انقضاء خيار المجلس، او باع الآخر ايضا، و ظهر بستانه مستحقا للغير، او فسخ ثانيا بغبن و نحوه، حيث توهم ان هذا الاتفاق قرينة حالية على ان‏المقصود هو بيع الدار بالمبلغ المعين و بيع البستان.

و فيه: ان ذلك لا يصلح قرينة لارادة ذلك من قوله: بعتك داري بمائة، و انما هو قرينة على عقد القلب بذلك و تخميره في القلب، لا على ان المراد من:

بعتك داري بمائة ذلك، حتى يكون ذلك جزء من الثمن ايضا، و يقع بيع الدار على المائة و بيع البستان، بل المقصود منه ليس الا بيع الدار بمائة، و المخمر عنده و المعقود قلبه على انه ايضا يبيع بستانه، و هذا التخمير و العقد سبب لبيع الدار، و تاثير ذلك التخمير في بطلان عقد بيع الدار، او خيار الفسخ لا وجه له مع كون الاصل في البيع: اللزوم، و عدم ثبوت اشتراط غير قصد انشاء الاثر المطلوب من اللفظ و قد حصل.

و توهم انه قد يتضرر بائع الدار كثيرا، مدفوع: بانه ضرر اقدم بنفسه عليه، و وقع فيه بتقصيره في فقه الاحكام، حيث لم يفهم انه لا يلزم على المشتري بيع بستانه، و قد يبيع و يفسخ بخيار، او يظهر مستحقا للغير، فكان يجب عليه علاج ذلك اولا.

و قد اغمض الفقهاء عن مثل الضرر الواقع بتقصير المتضرر في فقه المسالة في كثير من المواضع.

و من هذا القبيل: ما اذا لم يعرف احد المتعاقدين بعض الاحكام المترتبة على العقد، و الا لما رضي به، كما اذا رضيت المراة بعقد التمتع، مع ظن ان لها قسمة و نفقة، و لكنها لم تذكر ذلك، سيما اذا كان التمتع بشي‏ء قليل في مدة طويلة.

فيستشكل: بان العقود تابعة للقصود، و ما قصدته هو تزوجها له حال كونها مستحقة للنفقة و غيرها، و لم تقصد غير ذلك، فلا يصح العقد، لانه غير مقصود.

و دفعه: ما ذكرنا: من انه لم يقصد ذلك من العقد، و لم ترد من قولها:

(زوجتك)ان اوجبت عليك النفقة، و ان ارادت ذلك، فالعقد باطل. و انما قارن قصد ايجاد التمتع اعتقادا غير مطابق للواقع.

و هذا مراد من دفع هذا الاشكال: بان الذي يفيده الدليل هو ان العقد اذا امكن حصوله على شؤون مختلفة-من الاطلاق و التقييدات المختلفة الحاصلة بالشروط و الخيارات و غيرها-فالعقد تابع للقصد، اعني: ان الماهية المطلقة يحكم بحصولها في ضمن ما قصد من افرادها و اقسامها، لا ان كل ما يترتب على العقود من الآثار و الثمرات الخارجية، و الاحكام اللاحقة لا بد ان يعلمها و يعتقدها و يقصدها في العقد، و مع اعتقاد خلافها و عدم القصد اليها لا يصح العقد، و الا فيلزم بطلان اكثر العقود.

فنقول بمثل ذلك في العقد الدائم، فان الغالب-سيما اهل الرساتيق (4) -انهم يعتقدون ان الزوجة يجب عليها خدمة الزوج بل التكسب، و لو علم انه لا يستحق ذلك لم يرض بتزويجها ابدا، و كذلك الزوجات.

بل و كذلك الامر في المعايب التي لا توجب الفسخ شرعا، الى غير ذلك مما يظهر لهما بعد العقد، بحيث لو كان ظهر له قبله لم يرض.

و لم يتامل في شي‏ء من ذلك احد من العلماء، و لم يقل: ان العقد تابع للقصد.

و الحاصل: ان اعتقاد ترتب بعض الاحكام و الآثار على شي‏ء من الاسباب الشرعية مما لم يرد من الشريعة، او قصد بعض الاحكام لا من خصوص العقد، او اعتقاد ان احد المتعاقدين او غيره يفعل امرا آخر و لم يفعله، لا يوجب خروج اصل ذلك السبب من السببية، فان اصل السبب ثابت من الشرع، و ذلك الاعتقاد لا يوجب تغييرا في ماهية السبب و جعله شيئا آخر.

ثم لا يخفى: ان ما ذكروه من ان العقود تابعة للقصود انما هو على سبيل الاصل و القاعدة على ما عرفت، و يمكن ان يتخلف في بعض المواضع لدليل خارجي، كان يحكم الشارع: بصحة عقد مع فساد شرطه، فيقال: ان ذلك خارج عن القاعدة بالدليل.

و يحكم بان سبب الاثر هو هذا العقد مع قصد الانشاء، و هو علامة لتحقق هذا الاثر، و لا يشترط فيه قصد الاثر الخاص، فلا تغفل.

تعليقات:

1) بدل ما بين القوسين في‏«ه»: و الاحكام الانشائية.

2) في النسخ: للزوم.

3) في‏«ب‏»، «ج‏»، «ح‏»: المطلقين.

4) الرساتيق: جمع رستاق، و هو السواد، و الناحية التي هي طرف الاقليم و انظر الصحاح 4: 1481 و المصباح المنير: 226 و المراد باهل الرساتيق: هم اهل القرى.