معنى الملكية و المالية و ما يرادفهما من الالفاظ: معنى اضافي، لا يتحقق الامع وجود مالك و متمول.
و هذا المعنى الاضافي بحكم العرف و التبادر: عبارة عن اختصاص خاص و ربط مخصوص، معهود بين المالك و المملوك، و المتمول و المال، موجب للاستبداد به، و الاقتدار على التصرف فيه منفردا، و ما له ذلك الاختصاص المعهود بالنسبة الى شخص هو: الملك و المال.
فمعنى الملكية و المالية، و الملك و المال: معنى عرفي او لغوي لا تتوقف معرفته على توقيف (1) من الشرع، و لا على دليل شرعي، بل يجب فيها الرجوع الى العرف و اللغة، كما هو الشان في سائر الالفاظ التي لم تثبت لها حقائق شرعية.
و لكن ثبوت ذلك (2) الاختصاص و الربط لشيء بالنسبة الى شخص، حتى يصدق عليه عرفا انه ملكه و ماله لكونه امرا حادثا متجددا، يتوقف على دليل.
و ذلك: كما ان امراة زيد-مثلا-هي في العرف من ثبت احقية بضعها لزيد و له وطؤها. و لكن لا يكفي العرف في ثبوت هذه الاحقية و الجواز، بل لا بد من دليل عليه، فمعنى امراة زيد، معنى عرفي او لغوي، و لكن تحقق ذلك المعنى العرفي او اللغوي يحتاج الى دليل.
و كذلك وجوب شيء له معنى لغوي و عرفي غير محتاج في معرفة هذا المعنى الى توقيف من الشرع، و لكن تحقق الوجوب بالنسبة الى شخص محتاج الى التوقيف، و كذلك غيره من الاحكام الشرعية و الوضعية.
و الحاصل: ان الملكية من الاحكام الوضعية التي لا يحكم بها الا بعد ثبوت الوضع بدليل معتبر.
و من هذا ظهر: ان الاصل في الاشياء عدم الملكية، و ان كون شيء ملكا و مالا مطلقا او لاحد امر مخالف للاصل، محتاج الى الدليل المثبت له، لا بمعنى ان حدوث ملكية هذا لذلك الشخص بعد كونه ملكا لغيره امر مخالف للاصل، فانه و ان كان كذلك، بل كان مقطوعا به، بل ضروريا، و لكنه غير مقصود لنا هنا، بل هو ليس حدوث الملكية، بل هو حدوث انتقال الملك (3) ، بل بمعنى انحدوث ملكية هذا المال بعد عدم كونه ملكا، و ثبوت اختصاصه بشخص بعد خلوه عن قيد الاختصاص مطلقا مخالف للاصل، مسبوق بالعدم، فالمراد:
اصالة عدم كونه ملكا. و هذا ايضا امر ظاهر جدا لا خفاء فيه.
مع انه لو قطع النظر عن ذلك، فنقول: المفيد في الفقهيات هو ان اثبات ملكية آحاد المكلفين، و اثبات الملكية لكل احد امر حادث مخالف للاصل.
و بالجملة: اصالة عدم الملكية بهذا المعنى امر ظاهر، و عليه بناء الفقهاء، كما يظهر من مباحث: احياء الموات و الحيازة و الاسترقاق و امثالها، حيث لا يحكمون بتملك شيء من المباحات الا بعد وجود دليل عليه.
قال بعض المتاخرين: الاصل عدم تملك شيء من المباحات الا بعد وجود سبب التملك، فاذا وجد السبب يتحقق الملك، و الا فلا، لاصالة بقاء اباحته الى ان يوجد سببه (4) . انتهى.
و هذا الاصل: تارة يكون مع عدم العلم بحكم الشارع بتملك هذا الشيء اصلا، فيقال: الاصل عدم تملكه، و عدم حكم الشارع بكونه ملكا لاحد.
و اخرى: يكون مع العلم بحكم الشارع بانه يصير ملكا في الجملة، و شك في سببه: اما بان يعلم لتملكه سبب، و شك في شيء آخر انه ايضا هل هو سبب لتملكه ام لا؟ او لم يعلم سبب بعينه، و على التقديرين: يحكم باصالة عدم السببية بلا خلاف (5) .
فليكن هذا الاصل نصب عينيك في كل مقام يحتاج فيه ثبوت حكم على ملكية شيء لاحد، او عدمها.
و الحاصل: ان الاصل في جميع الاشياء عدم كونه ملكا، و في كل امر عدم كونه سببا للتملك، الا اذا دل دليل على تملك شيء معين بسبب خاص، او حصول التملك في نوع من الاشياء بنوع من الاسباب.
كما انه ثبت من الشارع: تملك كل شيء فيه انتفاع من الاشياء المباحة التي يجوز لكل احد التصرف فيها، و ليس عليها يد، بالاخذ و التصرف، دل عليه الاجماع و الاخبار، كصحيحة ابن سنان، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «من اصاب مالا او بعيرا في فلاة من الارض قد كلت و قامت و سيبها صاحبها مما لم يتبعه، فاخذها غيره، فاقام عليها و انفق نفقة حتى احياها من الكلال و من الممات، فهي له، و لا سبيل له عليها، و انما هي مثل الشيء المباح» (6) .
و رواية ابي بصير، عن ابي جعفر عليه السلام، قال: «من وجد شيئا فهو له، فليتمتع به حتى ياتيه طالبه، فاذا جاء طالبه رده اليه» (7) .
و يؤيده رواية السكوني، عن جعفر عليه السلام (8) ، عن ابيه عليه السلام، عن آبائه: «ان امير المؤمنين عليه السلام قال في رجل ابصر طائرا، فتبعه حتى سقط على شجرة، فجاء رجل آخر فاخذه، فقال امير المؤمنين عليه السلام: للعين ما رات و لليد ما اخذت» (9) .
و انما جعلناها مؤيدة، لعدم ثبوت عمومها، حيث ان لفظة «ما»تحتمل المصدرية و الموصولية المحضة، و هما لا يفيدان العموم.
و تملك الطيور المباحة خاصة بالاخذ، بالمستفيضة من الاخبار، كصحيحة البزنطي، عن ابي الحسن الرضا عليه السلام، و فيها، فقلت له: فان هو صاد ما هو مالك لجناحيه، لا يعرف له طالبا؟ قال: «هو له» (10) .
و مرسلة ابن بكير، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «اذا ملك الطائر جناحيه، فهو لمن اخذه» (11) .
و رواية اسماعيل بن جابر، عن ابي عبد الله عليه السلام، و فيها بعد السؤال عن الطائر يقع على الدار فيؤخذ: «المستوي جناحاه، المالك جناحيه يذهب حيثيشاء»قال: «هو لمن اخذه حلال» (12) .
و رواية السكوني، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «قال امير المؤمنين عليه السلام: انالطير اذا ملك جناحيه فهو صيد و هو حلال لمن اخذه» (13) .
و رواية اسحاق بن عمار، عن جعفر، عن ابيه[عليهما السلام]«ان عليا عليه السلام كان يقول: لا باس بصيد الطير اذا ملك جناحيه» (14) الى غير ذلك.
و كما (15) في تحقق السببية بالاحياء في الاراضي الميتة، و بالاحراز في المياه المباحة، و بالاسترقاق في الرقاب بشرائطه، و بالحيازة في المعادن، و بالغوص و الاخراج في بعض ما يخرج من البحر، و بالزراعة للنماء، الى غير ذلك من الموارد المتكثرة المتفرقة في كتب الاحاديث و الفقه.
و مما يمكن ان يتايد به ورود الملكية و عروضها لجميع الاشياء الا ما خرج بالادلة المستفيضة المصرحة بان الدنيا و ما فيها و ما عليها لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الائمة، بضميمة المصرحة بان ما للائمة فهو لشيعتهم او حلال لهم، اما مطلقا، او بعد وضع اليد عليه.
اما الاولى اي: المصرحة بانها للرسول و الائمة عليهم السلام: فكرواية عمر بن يزيد، و فيها: «او ما لنا من الارض و ما اخرج الله منها الا الخمس يا ابا سيار! ان الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شيء فهو لنا» (16) الحديث.
و رواية جابر، عن ابي جعفر عليه السلام، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: خلق الله آدم و اقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و ما كان لرسول الله فهو للائمة من آل محمد» (17) .
و رواية محمد بن الريان، عن العسكري عليه السلام: جعلت فداك روي لنا: ان ليس لرسول الله من الدنيا الا الخمس، فجاء الجواب: «ان الدنيا و ما عليها لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم» (18) .
و مرسلة محمد بن عبد الله، قال: «الدنيا و ما فيها لله و لرسوله و لنا، فمن غلب على شيء منها فليتق الله، و ليؤد حق الله، و ليبر اخوانه» (19) الحديث.
و رواية ابي بصير، عن ابي عبد الله عليه السلام، و فيها: «اما علمت ان الدنيا و الآخرة للامام؟ يضعها حيثيشاء، و يدفعها الى من يشاء، جائز له ذلك من الله» (20) الحديث، الى غير ذلك.
و اما الثانية: فكرواية يونس او المعلى، عن ابي عبد الله عليه السلام، و فيها: «و ما كان لنا فهو لشيعتنا، و ليس لعدونا منه شيء الا ما غصب عليه» (21) الحديث.
و رواية داود الرقي، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: «الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا، الا انا احللنا شيعتنا من ذلك» (22) .
و رواية حارث بن المغيرة، عن ابي عبد الله عليه السلام، و فيها: «و كل من والى آبائي، فهم في حل مما في ايديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب» (23) .
و رواية معاذ بن كثير، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «موسع على شيعتنا ان ينفقوا مما في ايديهم بالمعروف» (24) الحديث.
و انما جعلناها مؤيدة، لعدم تعين ارادة التملك المعهود من اللام في تلك الاخبار، و عدم دلالة التحليل عليه ايضا.
و مما يؤيده ايضا بل يثبته بعد ضميمة الانجبار بالشهرة: ما نقله الشيخ الحر في الفصول المهمة، عن الصادق عليه السلام: «و كل شيء يكون لهم-اي للعباد-فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و امساكه و استعمالهو هبته و عاريته» (25) .
و لا شك ان تلك الامور لا تتحقق الا بعد التملك، فثبت منه ملكية كل ما فيه جهة من جهات الصلاح.
ثم ان ما ثبت فيه التملك بالتصرف في المباحات الاصلية، بل في جميع الموارد الاخر ايضا انما هو ما كان له جهة انتفاع مقصود عند العقلاء، و اما غيره فلا، لظاهر الاجماع المنعقد على ان ما لا نفع فيه ليس ملكا لاحد. بل لاختصاص ما هو الحجة من ادلة التملك بما ينتفع به.
اما الاجماع فظاهر.
و اما صحيحة ابن سنان (26) ، فلان معنى المباح: الحلال، و لا بد في الحلية من جهة انتفاع، فيكون حلالا، اذ المراد حلية نوع انتفاع منه.
و سميت المباحات الاصلية مباحة (27) ، لاجل اباحتها لكل احد(حيث انه لا يد لشخص مخصوص عليها، حتى يحرم لاجله التصرف و الانتفاع على غيره، فتكون مباحة لكل احد) (28) و لو لا ثبوت ذلك، فلا اقل من عدم ثبوت اطلاق المباح على غيره و هو كاف.
و اما رواية ابي بصير (29) ، فلمكان قوله: فليتمتع به.
و اما سائر المؤيدات، فهي و ان لم ينفع عمومها او اطلاقها، و لكنها ايضا اما مخصوصة باعتبار ذكر الحلية و نحوها، او ظاهرة فيما ينتفع به.
و اما المنقول عن الفصول المهمة (30) ، فواضح.
تعليقات:
1) يريد بالتوقيف: البيان و ورود الدليل، و استعماله بهذا المعنى لا يخلو من مسامحة.
2) في«ه»: هذا، بدل ذلك.
3) في«ح»: الملكية.
4) انظر مسالك الافهام 2: 278، و جامع المقاصد 8: 50 كتاب الشركة.
5) في«ب»، «ج»: بلا خفاء.
6) الكافي 5: 140-13، التهذيب 6: 392-1177، الوسائل 17: 364 ابواب اللقطة ب 15 ح 2.
7) الكافي 5: 139-10، التهذيب 6: 392-1175، الوسائل 17: 354 ابواب اللقطة ب 4 ح 2.
8) في(ب، ح، ه): عن ابي جعفر عليه السلام، و في المصادر عن ابي عبد الله عليه السلام، و اثبتناه من«ج»و هو الصحيح، لانه لم تثبت رواية السكوني عن ابي جعفر(انظر معجم رجال الحديث 23: 1030).
9) الكافي 6: 223-6، الفقيه 3: 65-217، التهذيب 9: 61-257، الوسائل 17: 366 ابواب اللقطة ب 15 ح 2.
10) الكافي 6: 222-1، التهذيب 9: 61-258، الوسائل 16: 295 ابواب الصيد ب 36 ح 1.
11) الكافي 6: 222-2، الفقيه 3: 205-934، التهذيب 9: 61-259، الوسائل 16: 296 ابواب الصيد ب 37 ح 1.
12) الكافي 6: 223-4، التهذيب 9: 61-261، الوسائل 16: 296 ابواب الصيد ب 37 ح 2.
13) الكافي 6: 223-5، التهذيب 9: 61-256، الوسائل 16: 296 ابواب الصيد ب 37 ح 3.
14) التهذيب 9: 15-56، الوسائل 16: 297 ابواب الصيد ب 37 ح 4.
15) عطف على قوله: كما ثبت من الشارع، في ص 115.
16) الكافي 1: 408-3، التهذيب 4: 144-403، الوسائل 6: 382 ابواب الانفال ب 4 ح 12.
17) الكافي 1: 409-7.
18) الكافي 1: 409-6.
19) الكافي 1: 408-2.
20) الكافي 1: 408-4، الفقيه 2: 20-71.
21) الكافي 1: 409-5.
22) الفقيه 2: 24-90، التهذيب 4: 138-388، الاستبصار 2: 59-193، علل الشرائع 327 ب 106 ح 3، الوسائل 6: 380 ابواب الانفال ب 4 ح 7.
23) التهذيب 4: 143-399، الوسائل 6: 381 ابواب الانفال ب 4 ح 9.
24) الكافي 4: 61-4، التهذيب 4: 143-402، الوسائل 6: 381 ابواب الانفال ب 4 ح 11.
25) الفصول المهمة: 333، تحف العقول: 333، الوسائل 12: 55 ابواب ما يكتسب به ب 2 ح 2.
26) المتقدمة في ص 115.
27) في«ج»و سميت المباحات مباحات اصلية.
28) ما بين القوسين ليس في«ه».
29) المتقدمة ص 15.
30) مر في هامش 1.