عائدة(8)

في البيع الغرري

قد تكرر في كلمات الفقهاء الاستدلال على فساد البيع: بكونه غررا او استلزامه للغرر، و تداول تمسكهم به في مظان عديدة. و لا بد في تحقيقه من بيان امرين:

الاول: ماخذ فساد البيع الغرري.

و الثاني: معنى الغرر، و معنى بيع الغرر.

ماخذ فساد البيع الغرري

اما الاول، فماخذه امران:

الاول: الاجماع، فان المتتبع لكلمات الفقهاء يراهم باسرهم مصرحين بذلك في غير موضع واحد، بحيث‏يحصل العلم للفقيه بانه حكم الامام المعصوم، بل هو المتفق عليه بين الفريقين، و سياتي شطر من كلماتهم، بل في استدلالهم به مطلقا اشعار بكونه قاعدة مقبولة مسلمة بين الجميع، و صرح بعضهم بالاجماع ايضا.

قال بعض مشايخنا في الاجازة في بطلان ما لو اشترى بحكم احد المتبايعين: للغرر و الجهالة المنهي عنها بالاجماع، و الرواية المتفق عليها بين العلماء كافة (1) .

و ربما يشعر كلام جمع، منهم الشهيد في موضعين من شرح الارشاد، كونه ضروريا.

قال في شرح قول المصنف: «و الاثمان تتعين بالتعيين‏»: قالوا: تعيينها غرر، فيكون منهيا عنه، اما الصغرى فلجواز عدمها او ظهورها مستحقة لفسخ البيع، و اما الكبرى فظاهرة. و نحوه في مسالة اشتراط بدو الصلاح (2) .

و الثاني: الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: انه نهى عن بيع الغرر. ذكره السيد في الانتصار، و ابن ادريس في السرائر، و العلامة في نهج الحق، و مواضع عديدة من التذكرة، و ولده في شرح القواعد، و الشيخ المقداد في التنقيح، و الشهيد في قواعده، و بعض المتاخرين في شرحه على المفاتيح، و الطريحي في مجمع البحرين، و الجوهري في صحاحه، و ابن الاثير في نهايته، و الحاجبي في مختصره (3) .

و نقل القاضي نور الله في احقاق الحق، عن ابن حزم انه قال: و البرهان على(بطلان) (4) بيع ما لم يعرف برؤية و لا صفة حجة: نهي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر، و هذا عين الغرر، لانه لا يدري ما اشترى او باع (5) .

و قد مر في كلام بعض مشايخنا: ان هذه الرواية متفق عليها بين العلماء كافة، و على هذا فتكون الرواية منجبرة بالشهرة العظيمة، بل الاجماع القطعي، اوالضرورة، فهي مما لا ريب في حجيتها، و كونها كالخبر الصحيح، بل اقوى منه.

معنى الغرر و معنى بيع الغرر

و اما الثاني: اي معنى الغرر، فنبينه بعد ذكر مقامين:

المقام الاول: في نقل طائفة من كلام اهل اللغة و غيرهم في معنى تلك المادة

قال الجوهري في الصحاح، ما عبارته بعد حذف الزوائد: الغرور: مكاسر الجلد. الواحد: غر بالفتح. و منه قولهم: طويت الثوب على غره اي: على كسره الاول.

و الغرة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم.

و رجل اغر: اي شريف.

و فلان غرة قومه: اي سيدهم. و غرة كل شي‏ء: اوله و اكرمه.

و الغرر: ثلاث ليال من اول الشهر. و الغرة: العبد و الامة.

و رجل غر بالكسر و غرير: اي غير مجرب. و قد غر يغر بالكسر غرارة.

و الاسم: الغرة.

و عيش غرير اذا كان لا يفزع اهله.

و الغرة: الغفلة. و الغار: الغافل. و اغتره: اي اتاه على غرة منه.

و اغتر بالشي‏ء: اي خدع به.

و الغرر: الخطر، و نهى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر، و هو مثل بيع السمك في الماء و الطير في الهواء.

ابن السكيت: الغرور: الشيطان. و منه قوله تعالى: «و لا يغرنكم بالله الغرور» (6) . و الغرور ايضا: ما يتغرغر به من الادوية. قال: و الغرور، بالضم:

ما اغتر به من متاع الدنيا.

و الغرار، بالكسر: النوم القليل. و لبث فلان غرار شهر: اي مكث مقدار شهر. و الغرار: نقصان لبن الناقة.

ثم ذكر معاني كثيرة للغرار بكسر المعجمة، فقال: و غره يغره غرورا:

خدعه. يقال: ما غرك بفلان؟ اي كيف اجترات عليه. و غر الطائر ايضا فرخه، يغره غرارا: اي زقه.

و التغرير: حمل النفس على الغرر. و قد غرر بنفسه تغريرا و تغرة، كما يقال: حلل تحليلا و تحلة. و يقال ايضا: غررت ثنيتا الغلام: اي طلعت اول ما تطلع.

الاصمعي يقال: غارت الناقة تغار غرارا: قل لبنها.

ابو زيد: غارت السوق تغار غرارا: كسدت. و الغرغرة: تردد الروح في الحلق (7) . انتهى.

و قال صاحب القاموس، ما ملخصه: غره غرا و غرورا و غرة بالكسر، فهو مغرور و غرير: خدعه و اطمعه بالباطل، فاغتر هو. و الغرور الدنيا، و ما يتغرغر به من الادوية، و ما غرك، او يخص بالشيطان. و بالضم: الاباطيل جمع غار.

و انا غريرك منه: اي احذركه.

و غرر بنفسه تغريرا و تغرة: عرضها للهلكة. و الاسم: الغرر محركة.

و الغرة و الغرغرة بضمها: بياض في الجبهة.

الى ان قال: غر وجهه يغر بالفتح غررا محركة، و غرة بالضم. و غرارة بالفتح: صار ذا غرة و ابيض.

و الغرة بالضم: العبد و الامة، و من الشهر ليلة استهلال القمر.

الى ان قال: و الغار: الغافل. و اغتر: غفل. و الاسم: الغرة بالكسر (8) . انتهى.

و قال ابن الاثير في النهاية: فيه‏«انه جعل في الجنين غرة عبدا او امة‏»ثم ذكراحاديث كثيرة ذكر فيها: الغرة، و الغر بالضم، و الغر بالكسر، و الاغر، و الغرار، و الغرير، و الاغترار. و فسر الغرة بالكسر: بالغفلة. و الاغترار: بطلب الغفلة. فقال: و فيه‏«انه نهى عن بيع الغرر»، و هو ما كان له ظاهر يغر المشتري، و باطن مجهول.

و قال الازهري: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة و لا ثقة، و تدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، من كل مجهول. و قد تكرر في الحديث.

و منه حديث مطرف: «ان لي نفسا واحدة، و اني اكره ان اغرر بها»اي احملها على غير ثقة. و به سمي الشيطان غرورا، لانه يحمل الانسان على حجابة محابه، و وراء ذلك ما يسوء.

و منه حديث الدعاء: «و تعاطى ما نهيت عنه تغريرا» (9) اي: مخاطرة و غفلة عن عاقبة امره.

و منه الحديث: «لان اغتر بهذه الآية و لا اقاتل، احب الي من ان اغتر بهذه الآية‏» (10) يريد قوله تعالى: «فقاتلوا التي تبغي‏» (11) و قوله: «و من يقتل مؤمنامتعمدا» (12) المعنى: ان اخاطر بتركي مقتضى الامر بالاولى احب الي من ان اخاطر بالدخول تحت الآية الاخرى.

و منه حديث عمر: ايما رجل بايع آخر، فانه لا يؤمر واحد منهما تغرة ان يقتلا (13) . التغرة: مصدر غررته، اذا القيته في الغرر، و هي من التغرير، كالتعلة من التعليل، و في الكلام مضاف محذوف، تقديره: خوف تغرة ان يقتلا: اي‏خوف وقوعهما في القتل (14) . انتهى.

و في مجمع البحرين: و غره غرا و غرورا و غرة بالكسر، فهو مغرور:

خدعه و اطمعه بالباطل، فاغتر هو.

الى ان قال: و في الخبر: نهى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر، و فسر بما يكون له ظاهر يغر المشتري، و باطن مجهول، مثل بيع السمك بالماء و الطير في الهواء.

الى ان قال: و التغرير: حمل النفس على الغرور، و هو ان يعرض الرجل نفسه للمهلكة. و منه الحديث: «لا يغرر الرجل بنفسه‏» (15) . انتهى.

و في مجمع البيان: «ما غرك‏» يجوز ان يكون من الغر و الغرارة، فيكون معناه ما اجهلك و اغفلك عما يراد بك. و يجوز ان يكون من الغرور على غير القياس. و فيه ايضا: و الغرور: ظهور امر يتوهم به جهلا الامان من المحذور.

يقال: غره غرورا، و اغره اغترارا (16) .

و فيه: «ان الكافرون الا في غرور» و قيل: معناه ما هم الا في امر لا حقيقة له (17) .

و في الصافي: «ان الكافرون الا في غرور» لا معتمد لهم (18) . انتهى.

اقول: و ان ظهر من كلماتهم ان الموضوع من تلك المادة الفاظ عديدة من المصادر المجردة كالغرة، و الغرارة، و الغرار، و الغرور و(الغرغرة) (19) و غير المجردة: كالتغرير، و المغارة، و التغرة، و الاغترار.

و من الاسماء، كالغرة بالكسر، و الغرة بالضم، و الغر، و الغرار و الغرور بالفتح، و الغرور بالضم، و الغرر محركة، و غير ذلك.

و لكن كلها متطابقة على ان الغرر: هو الاسم من التغرير الذي معناه التعريض للتهلكة، و ان معنى الغرر: هو الخطر.

و الخطر المصدري: الاشراف على الهلاك. و المخاطرة: ارتكاب ما فيه خطر و هلاك، اي فيه احتمال راجح او مساو في التلف و الهلاكة، فيكون هو معنى الغرر بتصريح اللغويين من غير معارض، و لا يكون مشتركا.

و وضع (20) الفاظ اخر متحدة مادة مع هذا اللفظ لمعان اخر لا يوجب اشتراك هذا اللفظ بعد اختلاف الهيئة و عدم الاشتقاق.

ثم معنى بيع الغرر: بيع يكون احد العوضين فيه في الخطر، اي في شرف الهلاك و معرض التلف.

المقام الثاني: في ذكر طائفة من كلام الفقهاء في موارد استعمالاتهم لفظ الغرر

قال الصدوق-رحمه الله-في معاني الاخبار بعد ذكر بيع المنابذة و الملامسة و بيع الحصاة: و تفسير الاول بان يقول الرجل لصاحبه: انبذ الي‏الثوب او غيره، او انبذه اليك، فقد وجب البيع. او يقول: اذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع، و انه معنى بيع الحصاة.

و الثاني بان يقول: اذا لمست ثوبي او لمست ثوبك، فقد وجب البيع، او ان تلمس المتاع من وراء الثوب و لا تنظر اليه، فيقع البيع على ذلك. و هذه بيوع كان اهل الجاهلية يتبايعونها، فنهى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عنها، لانها غرر كلها.

و قال ايضا: و نهى عليه السلام عن بيع حبل الحبلة (21) ، و معناه ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة. و قال غيره: و هو نتاج النتاج، و ذلك غرر (22) . انتهى.

و قال السيد في الانتصار: و مما انفردت به الامامية: القول بجواز شراء العبد الآبق مع غيره، و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و ذهبوا الى انه لا يجوز بيع الآبق على كل حال.

الى ان قال: و تعويل مخالفينا في منع بيعه على انه بيع غرر، و ان نبينا صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن بيع الغرر.

الى ان قال: و هذا ليس بصحيح، لان هذا البيع يخرجه من ان يكون غررا، لانضمام غيره اليه (23) .

و قال الشيخ في الخلاف: اذا قال: اشتريت منك احد هذين العبدين بكذا، او احد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا، لم يصح.

الى ان قال: دليلنا: ان هذا بيع مجهول فيجب ان لا يصح. و لانه بيع غرر لاختلاف قيمتي العبدين (24) .

و قال ابن ادريس في السرائر بعد ذكر حلب بعض اللبن و بيعه مع ما في الضروع، او يجعل عوض اللبن شيئا من العروض: و الاقوى عندي المنع من ذلك كله، لانه غرر، و بيع مجهول، و الرسول نهى عن بيع الغرر (25) .

و قال العلامة في التذكرة، في ذكر شرائط البيع: القدرة على التسليم، و هو اجماع في صحة البيع، ليخرج البيع عن ان يكون بيع غرر (26) .

و قال فيها ايضا: لا يصح بيع الطير في الهواء، سواء كان مملوكا او غيره اجماعا، لانه في المملوك و غيره غرر، و قد نهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن الغرر (27) .

و فيها ايضا: يجب العلم بالقدر، فالجهل به فيما في الذمة، ثمنا كان او مثمنا مبطل، الى ان قال: و به قال الشافعي و ابو حنيفة، للغرر (28) .

و يظهر من التحرير: جعل بيع ما ليس عنده ايضا من بيع الغرر (29) .

و به صرح ايضا في التذكرة، قال: و قد نهى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر، كبيع عسيب الفحل، و بيع ما ليس عنده، و بيع الحمل في بطن امه، لنهيه صلى الله عليه و آله و سلم، و لانه غرر، لعدم العلم بسلامته و صفته، و قد يخرج حيا او ميتا و لا يقدر على تسليمه عقيب العقد (30) .

و فيها ايضا: و من الغرر: بيع الملاقيح و المضامين (31) .

و فيها ايضا: و من الغرر جهالة الثمن (32) .

قال ولده في الايضاح: المبيع اذا كان المقصود منه المطعوم و المشروب اذا لم يكن اختباره مؤديا الى افساده، هل يصح بيعه من غير اختبار؟ الى ان قال:

اختلف الاصحاب، فقال ابو الصلاح و سلار: لا يصح. و قال المصنف: يصح.

الى ان قال: احتج الاولون: بانه بيع غرر، و قد نهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر (33) .

و قال الشهيد في قواعده: يشترط كون المبيع معلوم العين و القدر و الصفة، فلو قال: بعتك عبدا من عبدين، بطل، لانه غرر (34) .

و قال في شرح الارشاد، في مسالة تعين الاثمان بالتعيين: قالوا: تعيينها غرر فيكون منهيا عنه، اما الصغرى فلجواز عدمها او ظهورها مستحقة فينفسخ البيع، و اما الكبرى: فظاهرة.

الى ان قال: قلت: نمنع الصغرى، فان الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف، بحيث لو تركه وبخ عليه، و ما ذكره لا يخطر ببال، فضلا عن اللوم عليه (35) .

و قال في بحث‏سلم الدروس في سلم الرقيق: و لو قدره بالاشبار، كالخمسة او الستة، احتمل المنع، لافضائه الى الغرة (36) .

و قال في بيان شرط القدرة على التسليم عند الاجل: فان كان وجوده نادرا بطل، و ان امكن تحصيله لكن بعد مشقة، فالوجه الجواز، لالزامه به مع امكانه، و يحتمل المنع لانه غرر (37) .

و قال الشهيد الثاني في المسالك، بعد حكمه بعدم لحوق البعير الشارد و الفرس العائر بالآبق في البيع مع الضميمة: و على هذا يبطل البيع للغرر (38) .

و قال صاحب التنقيح بعد نقل عدم صحة بيع ما يراد طعمه و ريحه من غير اختبار عن ابي الصلاح و القاضي و سلار: «لانه مجهول، فهو بيع غرر. و قد نهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن بيع الغرر (39) .

و قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، في بيان صحة بيع الصاع من الصبرة المجهولة الصيعان: و ذلك لان المبيع امر كلي و الاجزاء متساوية، فلا غرر، بخلاف ما لو باع النصف، فانه مع الجهالة لا يعلم قدره، فيلزم الغرر (40) .

و قال ايضا في بيان تجويز بيع العسل و نحوه: اعتمادا على مقتضى طبعه، اذ ليس المراد بالغرر مطلق الجهالة، و الا لم يجز بيع الصبرة المرئي بعضها، و لا البيع بالوصف، بل على وجه مخصوص، و نمنع حصوله هنا. و اعلم انه ربما فهم من العبارة: انه لا يشترط مشاهدته ايضا، و الظاهر انه لا بد من المشاهدة، لئلا يلزم الغرر (41) .

الى غير ذلك من كلمات الفقهاء، من المتقدمين و المتاخرين، الواردة في موارد مختلفة، و قد ذكرنا شطرا منها ليعلم كون الاستدلال بالغرر من القواعد المسلمة(بل) (42) المجمع عليها، و ليظهر موارد الغرر عندهم.

و قد ظهر: ان موارده عندهم هو الموافق لمعناه الذي ذكره اللغويون، و هو ما اذا كان المبيع او الثمن في موضع الخطر، اي: موضع كان محتمل التلف احتمالا ملتفتا اليه عرفا و عادة، فيكون الخطر له (43) او لعوضه، حيث‏يعطى عوضا عما لا يوثق به، فيذهب من اليد من غير وصول معوضه.

ذكر موارد الغرر

و معظم تلك الموارد في مواضع ثلاثة:

احدها: ان يكون الخطر باعتبار عدم الوثوق بامكان التسليم، بان يكون احد العوضين غير مقدور التسليم، فيكون هو في الخطر، اي: معرض عدم الوصول. او يكون عوضه الآخر في الخطر، حيث‏يذهب بلا عوض، فيكون تالفا.

و منه: ما ذكروه من بطلان بيع الآبق، و الطير في الهواء، و السمك في الماء، و المغصوب، و امثال ذلك.

و ثانيها: الخطر باعتبار عدم الوثوق بتحقق وجوده، بان يكون احدهما غير موثوق بتحققه و خروجه الى فضاء الوجود على ما هو المقصود من المبايعة، فيكون هو في معرض التلف، او يكون عوضه كذلك.

و منه: ما ذكروه من بطلان بيع عسيب الفحل، و الحمل، و حبل الحبلة، و امثالها.

و ثالثها: ان يكون الخطر باعتبار الجهل بقدر احد العوضين، او جنسه، او وصفه، فانه اذا لم يعلم المشتري ذلك يجعل الثمن في موضع الخطر، لجواز ان لا يكون المثمن على نحو يقابل ذلك الثمن، فجعل ثمنه في موضوع الخطر، و ان لم يعلم البائع بجعل المثمن في محل الخطر، لجواز ان يكون على نحو لا يقابله الثمن الماخوذ.

و لكن يشترط في ذلك ان يكون الاختلاف المحتمل بحيث لا يتسامح فيه عرفا، و لذا لم يلتفتوا الى ما يتعارف من فضول (44) الكيل، و اختلاف الوصف بما لا تختلف به القيمة عرفا.

و لذا صرح الشيخ علي-رحمه الله-على ما مر: بانه ليس المراد بالغرر مطلق الجهالة، بل على وجه مخصوص. و مراده ما ذكرنا من كون الاحتمال احتمالا ملتفتا اليه عرفا، و الاختلاف اختلافا غير متسامح به كذلك.

و كذا (45) قال الشهيد: ان الغرر احتمال مجتنب عنه عرفا، بحيث لو تركه وبخ عليه (46) . و على هذا: فالجهل الذي ليس كذلك لا يسمى غررا، فبطلان بيع احد العبدين اذا فرض تساويهما قيمة ليس لاجل الغرر، و لذا ترى الشيخ-كما مر- استدل على بطلانه بالغرر، لاجل اختلاف قيمتي العبدين، فلو لا ذلك (47) يكون البطلان لنفس الجهل-كما ياتي-لا للغرر.

و كذا اذا كانا مختلفي القيمة، و لكن اشتراه بقيمة الادون، و كان البائع عالما، او بالقيمة الاعلى، و كان المشتري عالما بالواقع، لم يكن هناك غرر.

و بالجملة: المستفاد من كلام اهل اللغة و استعمالات الفقهاء: ان بيع الغرر ما يدخل لاجله احد العوضين في محل الخطر، بان لا يوثق بوصول العوض او بوجوده، او بكونه مما يقابل العوض الآخر.

و ضابطه: ما ذكره الشهيد-طاب ثراه-في شرح الارشاد: من تحقق احتمال مجتنب عنه عرفا، بحيث لو لم يلتفت اليه و تركه بحاله، صار محلا للتوبيخ و اللوم في العرف من جهة تضييع المال (48) .

كلام الشهيد حول الغرر و بيانه

و للشهيد في قواعده كلام يوهم بظاهره مخالفته (49) في بعض ما ذكر من معنى الغرر (50) ، قال: الغرر ما له ظاهر محبوب، و باطن مكروه، قاله بعضهم (51) ، و منه قوله تعالى: «متاع الغرور» (52) .

و شرعا هو جهل الحصول، و اما المجهول فمعلوم الحصول، مجهول الصفة، و بينهما عموم و خصوص من وجه، لوجود الغرر بدون الجهل في العبد الآبق اذا كان معلوم الصفة من قبل، او بالوصف الآن، و وجود الجهل بدون الغرر، كما في المكيل و الموزون و المعدود اذا لم يعتبر. و قد يتوغل في الجهالة، كحجر لا يدرى اذهب ام فضة ام نحاس ام صخر (53) . و يوجدان معا في العبد الآبق المجهولة صفته.

و يتعلق الغرر و الجهل: تارة بالوجود، كالعبد الآبق، و تارة‏بالحصول، كالعبد الآبق المعلوم وجوده، و الطير في الهواء، و بالجنس بحيث لا يدرى ما هو، كسلعة من سلع مختلفة، و بالنوع. كعبد من عبيد، و بالقدر، كالكيل الذي لا يعرف قدره، و البيع الى مبلغ السهم، و التعيين، كثوب من ثوبين مختلفين، و في البقاء، كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح عند بعض الاصحاب (54) .

و لو شرط في العقد ان يبدو الصلاح، لا محالة كان غررا عند الكل، كما لو شرط صيرورة الزرع سنبلا.

و الغرر قد يكون بما له مدخل ظاهر في العوضين، و هو ممتنع اجماعا. و قد يكون بما يتسامح به لقلته، كاس الجدار و قطن الحبة، و هو معفو عنه اجماعا، و كذا اشتراط الحمل.

و قد يكون بينهما، و هو محل الخلاف، كالجزاف في مال الاجارة و المضاربة، و الثمرة قبل بدو الصلاح، و الآبق بضميمة (55) . انتهى.

اقول: ما ذكره من العموم من وجه بين الغرر و الجهل، فهو كذلك، لتحقق الاول خاصة في الآبق المعلوم الصفة، و الثاني خاصة في بيع احد العبدين المتساويين قيمة و غرضا، (56) و اجتماعهما في الآبق المجهول الصفة.

و كذا ما ذكره من ان الغرر يتحقق مع الجهل بالحصول، و لكن ما ذكره من اختصاصه به، و من كونه معناه شرعا، فغير صحيح.

اما الثاني (57) : فلعدم ثبوت حقيقة شرعية فيه.

و اما الاول (58) : فلانه مخالف لكلمات جميع الاصحاب، فارجع الى ما قدمنا ذكره من موارد استعمالاتهم الغرر و استدلالاتهم به، حتى ما نقلناه عن الشهيد نفسه، حتى من قواعده في موضع آخر (59) .

و اذا كان كذلك، و لم يفهم الاختصاص من معناه اللغوي ايضا، بل كان مقتضاه التعميم على ما تقدم، فلا وجه للتخصيص، بل ذكره لا يوافق ما ذكره في هذا الكلام اخيرا ايضا، من جعله الجزاف في مال الاجارة و المضاربة من الغرر، و كذا اس الحائط و قطن الحبة.

و يمكن توجيه كلامه بان يقال: ان مراده من الجهل بالحصول: عدم الوثوق بحصول ما يقابل الثمن في يده، و على هذا، فما علم وجوده و لم يعلم وصفه الموجب لاختلاف القيمة، لم يوثق بحصول ما يقابل الثمن، و هو المتصف بالوصف الاحسن، فيكون غررا.

و ان كان ذلك جهلا من حيث عدم تعيين الوصف ايضا، فكل جهل بالصفة التي تختلف باختلافها القيمة، يكون جهلا من جهة عدم التعيين، و غررا من حيث لا يوثق بحصول ما يقابل الثمن.

فمجهول الصفة و ان كان فيه الغرر ايضا، الا انه من جهة عدم الوثوق بحصول ما على الوصف الاحسن.

و على هذا: فما كان مجهول الصفة عند المشتري خاصة، و لكن كانت القيمة التي اشتراه بها مما يقابل الوصف الادون، لا يكون فيه غرر، بل يكون جهلا خاصة، و هو كذلك، هذا.

و لا يخفى: انه لا يؤثر علم البائع، او المشتري بكونه في محل الخطر و رضاه به، لان نهي الشارع عام شامل لصورة العلم، و لا عجب ان ينهى الشارع عن الرضا بجعل المال في معرض الخطر، او شراء ما في معرض الخطر مع العلم به، كما في الاسراف، و اتلاف المال عبثا.

نعم: اذا لم يكن خطرا، بل علم الواقع و اشتراه بالقيمة الاعلى، او باعه كذلك، كان صحيحا، لعدم كونه غررا لغة و عرفا.

و منع عموم (60) الغرر في الرواية-كما يظهر من الشهيد في شرح الارشاد (61) -مبني على الخلاف في ان عموم لفظ الحكاية من الراوي (62) هل يكفي في اثبات العموم ام لا؟ و الحق كفايته في مثل ذلك الموضع، كما بيناه في الاصول (63) .

و كذا لا يؤثر عدم التلف في الواقع، فلو ظهر (64) بعد المبايعة تساوي الثمن و المثمن، او القدرة على التسليم لم يفد، لتحقق الغرر، و هو احتمال التلف احتمالا مجتنبا عنه في العرف حال البيع، فيشمله النهي.

قال الشهيد في قواعده: اما لو باع صبرة بصبرة، فظهر تماثلهما في القدر، متجانسين او متخالفين، او تخالفهما متخالفين، و لم يتمانعا، قال الشيخ-رحمه الله-بجوازه، و الاقرب منعه، للغرر الظاهر حال العقد (65) .

ثم اذا كان في المبايعة مصلحة اخرى توجب انتفاء اللوم عرفا، و ان كان احد العوضين في محل الخطر، فهل ينتفي الغرر ام لا؟

الظاهر: الثاني، لان بيع الغرر المنهي عنه ما دخل لاجله المال في معرض الخطر، و وجود مصلحة اخرى لا يخرجه عن كونه غررا او خطرا، فيشمله النهي، الا اذا كانت تلك المصلحة مما يوجب عدم تلف ذلك‏المال، كما في شراء العبد الآبق لمن كان عليه كفارة و اراد عتقه، فانه لا يعدغررا.

فلو لا النهي الصريح المطلق في الاخبار عن شراء العبد الآبق بلا ضميمة، لما حكمنا ببطلانه في مثل ذلك الموضع.

ثم ان خطر كل شي‏ء بحسبه، فلا تفاوت في شراء عصفور في الهواء بنصف درهم، او شراء عبد تركي آبق بالف دينار لان خطر كل شي‏ء بحسبه.

هذا، و هل ينتفي الغرر مع ظن عدم التلف، او يلزم في انتفائه العلم بعدمه و لو عاديا؟ .

الظاهر: ان الظن ان كان من امارة معتبرة عرفا، يكفي في انتفائه، اذ معه لا يسمى خطرا او اشرافا على الهلاك عرفا، و لا يلام على تركه في العرف.

و الحاصل: ان الغرر يتحقق مع احتمال التلف احتمالا يلتفت اليه عادة، فاذا كان الظن بحيث‏يعتبره اهل العرف، و لا يلتفتون الى احتمال خلافه، يكون كافيا.

و كذا ينتفي الغرر باشتراط الخيار لو لا الوصف الرافع للغرر فيه، لعدم صدق الغرر عرفا، فهو انما يكون في البيع اللازم، او ما شرط فيه الخيار من غير هذه الجهة.

و اعلم ان ما ذكر من بطلان بيع الغرر، قاعدة كلية ثابتة من الشارع، و هي كسائر القواعد تقبل التخصيص، فلو ثبت من الشارع تجويزه في موضع خاص، يحكم بالجواز، و على الفقيه الاخذ بالقاعدة، و التفحص عن جزئيات المسائل.

هذا، و قد يدخل كل بيع فيه احتمال عدم تحقق المبايعة، او تحقق النزاع بين المتبايعين في بيع الغرر. و كذا بيع كان فيه جهالة و ان ثبت من الشرع جوازه، او وقع الخلاف فيه. و لذا ذكر العلامة في التذكرة: بيع الفضولي، و الغاصب، و بيع الشاة المذبوحة، و امثالها في باب بيع الغرر (66) . و في التحرير ذكر في هذا الباب ايضا: بيع المكره (67) . و في دخول بعضها في بيع الغرر خفاء.

و انت‏بعد ما ذكرناه من معنى الغرر و موارده، تقدر على معرفة مواضعه، و ما يبطل بسببه و ما لا يبطل. و الله الموفق.

تعليقات:

1) القائل هو المحقق السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل 1: 517.

2) غاية المراد: 86، 92.

3) الانتصار: 209، السرائر 2: 322، نهج الحق: 479، التذكرة 1: 485، 488، ايضاح الفوائد 1: 426، التنقيح الرائع 2: 28، القواعد و الفوائد 2: 61، مجمع البحرين 3: 423، الصحاح 2: 768، النهاية لابن الاثير 3: 355، منتهى الوصول لابن حاجب: 122، و رواه ايضا في صحيح مسلم 3: 1153 ح 1513، و سنن ابي داود 3: 673 ح 3376، و سنن النسائي 7: 262 و سنن ابن ماجة . 739 ح 2194-2195، و سنن الدارقطني 3: 15 ح 46، و الموطا للمالك 2: 664 ح 75 ب 34 البيوع، و مسند احمد 1: 116.

4) في‏«ج‏»، «ب‏»: صحة.

5) المحلى لابن حزم 8: 343، و انظر احقاق الحق: 418.

6) لقمان 31: 33، فاطر 35: 5.

7) الصحاح 2: 767.

8) القاموس المحيط 2: 104.

9) الصحيفة السجادية: دعاء 31(دعاء التوبة)مقطع: 6.

10) صحيح البخاري 6: 78.

11) الحجرات 49: 9.

12) النساء 4: 93.

13) صحيح البخاري 8: 210.

14) النهاية لابن الاثير 3: 353.

15) مجمع البحرين 3: 422.

16) مجمع البيان 10: 448.

17) مجمع البيان 10: 328.

18) تفسير الصافي 5: 203.

19) في‏«ح‏»: الغر و غيره.

20) في‏«ج‏»، «ب‏»: فان وضع.

21) راجع صحيح البخاري 3: 114 كتاب السلم، و صحيح مسلم 3: 1153 ح 1514 كتاب البيوع، و سنن ابي داود 3: 675 ح 3380 كتاب البيوع، و سنن النسائي 7: 293 من البيوع، و سنن ابن ماجة . 740 ح 2197.

22) معاني الاخبار: 278 و رواه ايضا عنه في الوسائل 12: 266 ابواب عقد البيع و شروطه ب 12 ح 13.

23) الانتصار: 209.

24) الخلاف 2: 57 مسالة 38 كتاب السلم، و لكن فيه: لاختلاف قيم العبيد. و هو انسب.

25) السرائر 2: 322.

26 و 27: التذكرة 1: 466.

28) التذكرة 1: 468، و انظر كتاب الام للشافعي 1: 264، و بدائع الصنائع للكاساني الحنفي 5: 156.

29) التحرير 1: 178.

30) التذكرة 1: 485. و قال في ص 468: لا يجوز بيع الملاقيح و هي ما في بطون الامهات، و لا المضامين و هي ما في اصلاب الفحول من المني.

31) التذكرة 1: 485. و قال في ص 468: لا يجوز بيع الملاقيح و هي ما في بطون الامهات، و لا المضامين و هي ما في اصلاب الفحول من المني.

32) التذكرة 1: 486.

33) ايضاح الفوائد 1: 426، و قول ابي الصلاح في الكافي: 354، و سلار في المراسم: 180.

34) القواعد و الفوائد 2: 238.

35) غاية المراد: 92.

36) الدروس: 354.

37) الدروس: 357.

38) المسالك 1: 174. و عار الفرس: اذا ذهب على وجهه و تباعد عن صاحبه(لسان العرب 4: 622).

39) التنقيح 2: 28، و انظر الكافي لابي الصلاح: 354، و نقله عن القاضي في المختلف: 389، و المراسم لسلار: 180.

40) جامع المقاصد 4: 105.

41) جامع المقاصد 4: 94.

42) ليست في‏«ج‏».

43) في‏«ه»«ح‏»: الخطر فيه: و في‏«ج‏»: فيه الخطر.

44) في‏«ب‏»: نقول.

45) في‏«ب‏»، «ج‏»: و لذا.

46) غاية المراد: 92.

47) في‏«ه»، «ب‏»: كذلك.

48) غاية المراد: 92.

49) في‏«ه»، «ب‏»: مخالفة.

50) في‏«ج‏»زيادة: و مورده، و في‏«ب‏»: ورده.

51) هو القاضي عياض كما في الفروق للقرافي 3: 266.

52) آل عمران 3: 185، الحديد 57: 20.

53) في‏«ب‏»: صفر، بدل صخر و في‏«ه»و«ح‏»حجر.

54) كالصدوق في المقنع: 132، و الشيخ في النهاية: 415، و ابن البراج في المهذب 1: 380، و ابن حمزة في الوسيلة: 250، و المحقق في الشرايع 2: 52 و ابي الصلاح في الكافي: 356.

55) القواعد و الفوائد 2: 137. و فيه: و هو محل الخلاف في مواضع الخلاف. . . و الآبق بغير ضميمة.

56) في‏«ج‏»: عوضا.

57) اي: عدم كون ذلك معناه شرعا.

58) و هو: عدم اختصاصه بالجهل بالحصول.

59) القواعد و الفوائد 2: 61.

60) اثبتناه من‏«ب‏»، «ج‏».

61) غاية المراد: 92.

62) لان الرواية ليست نص كلام النبي صلى الله عليه و آله، و انما هي: نهى رسول الله صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر، و وقع الكلام في استفادة العموم من مثله.

63) مناهج الاحكام: 159، الفصل الثاني من المقصد الثالث في السنة، منهاج: في نقل الحديث‏بالمعنى.

64) في‏«ه»: فكونه، بدل فلو ظهر، و في‏«ح‏»: فلكونه.

65) القواعد و الفوائد 2: 238، و انظر المبسوط 2: 119.

66) التذكرة 1: 485-488.

67) التحرير 1: 178.