قال الله سبحانه في سورة المائدة: «و لا تعاونوا على الاثم و العدوان» (1) ، و هذه الآية الكريمة تدل على حرمة المعاونة على كل ما كان اثما و عدوانا.
و استفاضت على تحريمها الروايات، و انعقد عليها اجماع العلماء كافة، و استدل بها (2) الفقهاء في موارد كثيرة على احكام عديدة، و لا كلام في ثبوت تحريمها و النهي عنها.
و انما الكلام في تعيين ما يكون مساعدة و معاونة على الاثم و العدوان.
و تحقيقه: انه لا شك و لا خفاء في انه يشترط في تحقق الاعانة و المساعدة على الشيء، صدور عمل و فعل من المعاون، له مدخلية في تحقق المعاون عليه و حصوله، او في كماله و تماميته، و نحو ذلك.
و انما الخفاء في اشتراط القصد الى تحقق المعاون عليه من ذلك العمل، و كونه مقصودا و مطلوبا منه انفرادا، او مع اشتراك شيء آخر، (3)
و في اشتراط تحقق المعاون عليه و عدمه، اي ترتبه على فعله، و في اشتراطالعلم بتحقق المعاون عليه او الظن ام لا، و في اشتراط العلم بمدخلية فعله في تحققه.
اما الاول: فالظاهر اشتراطه، و معناه: ان يكون مقصود المعاون من فعله ترتب المعاون عليه و حصوله في الخارج، و يكون ذلك منظوره (4) من فعله (سواء كان على سبيل الانفراد، ام على الاشتراك، اي كان هو المقصود و المنظور مع غيره ايضا) (5) سواء كانا مستقلين في المقصودية (6) و العلية او لا، لان المتبادر من المعاونة و المساعدة ذلك عرفا، فانه لو قيل: اعان زيد عمرا في الامر الفلاني بجميع ادواته و آلاته، يفهم منه ان مقصود زيد من جميع الاسباب و الآلات كان حصول ذلك الامر.
و لصحة السلب عرفا، فانا نعلم انه لو لم يعط زيد ثوبه الى الخياط ليخيطه، لا يخيطه الخياط، و لا تتحقق منه خياطة، مع انه اذا اعطاه اياه و خاطه، لا يقال: انه اعانه على صدور الخياطة، لان غرضه كان صيرورة الثوب مخيطا، لا صدور الخياطة منه، الا اذا كان مقصوده صدور هذه الخياطة منه، كما اذا كان ثوبا لشخص، و اراد ثلاثة من الخياطين خياطته (7) ، فسعى شخص في اعطائه الى واحد معين منهم، لتصدر الخياطة منه، فيقال: انه اعانه على ذلك.
و لذا ترى انه لا يقال للدافعين اثوابهم الى الخياط: انهم اعانوه على صنعة الخياطة و تعلمها، مع انه لو لا دفع احد ثوبه اليه لم يتعلم صنعة الخياطة.
و اذا دفع احد ثيابا متعددة الى شخص ليخيطها، و كان غرضه ترغيبه فيتعلمها و تحسينها (8) و شوقه اليها، حتى صار ذلك سببا لتعلمها، يقال عرفا: انه اعانه عليها.
و كذا التاجر لا يتجر اذا علم ان احدا لا يشتري منه شيئا او لا يبيعه، فللبيع و الشراء منه مدخلية في تحقق التجارة منه، و لا يقال للبائعين و المشترين منه: انهم معاونوه على التجارة، بخلاف ما لو باع احد منه، و اشترى منه، لترغيبه في التجارة، و تعلمه لها، فيقال: انه اعانه عليها. و كذا سائر الحرف و الصناعات.
و كذا نرى انه اذا صارت جماعة اضيافا على زيد، و اشترى زيد لهم طعاما من شخص، لولاهم لما اشتراه، لا يقال: انهم اعانوه على بيعه، بخلاف ما اذا كان مقصودهم من صيرورتهم اضيافا: رواج طعامه، و اشتراء زيد منه، فيقال: انهم اعانوه، و هكذا.
و قد صرح بذلك الفاضل الاردبيلي في آيات الاحكام، قال في كتاب الحج منه عند بيان هذه الآية: و الظاهر ان المراد الاعانة على المعاصي مع القصد، او على الوجه الذي يقال عرفا: انه كذلك.
مثل ان يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم، فيعطيه اياها. او يطلب منه القلم لكتابة ظلم، فيعطيه اياه، و نحو ذلك مما يعد معاونة عرفا.
فلا يصدق على التاجر الذي يتجر ليحصل غرضه، انه معاون للظالم العاشر في اخذ العشور (9) ، و لا على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلما، و غير ذلك مما لا يحصى.
فلا يعلم صدقها على شراء من لم يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرمعليه البيع، و لا على بيع العنب ممن يعمل خمرا، او الخشب ممن يعمل صنما، و لهذا ورد في الروايات الكثيرة الصحيحة جوازه (10) ، و عليه الاكثر (11) ، و نحو ذلك مما لا يحصى (12) . انتهى كلامه رفع مقامه. و هو جيد في غاية الجودة.
و يظهر ذلك ايضا من المحقق الثاني في حاشيته على الارشاد (13) ، و كذا من صاحب الكفاية (14) .
و اما الثاني: فالظاهر ايضا اشتراطه، فاذا فعل احد عملا قد يترتب عليه امر، و يكون له مدخلية في تحقق ذلك الامر، و لم يترتب عليه ذلك الامر، فلا يقال: انه اعانه على ذلك الامر، و ان كان مقصوده منه اعانة شخص آخر في تحقق ذلك الامر و حصوله.
نعم اذا قصد به الاعانة، يصدق انه اعانه على مقدماته، او في السعي فيه، و لكن (15) حينئذ اذا كان ذلك الامر الذي يريد المعاونة عليه اثما و محرما، يكون ذلك الفعل الذي صدر من المعاون ايضا اثما و حراما، لما علم في العائدة السابقة، كما اذا قلنا بكونه معاونة على الاثم، غاية الامر: اختلاف جهة الحرمة.
و اذا قلنا: بكون ذلك ايضا معاونة على المحرم، يحرم بالاعتبارين.
و على هذا فاذا غرس احد كرما بقصد عصر الخمر منه للخمارين، فهو عاص في هذا الغرس آثم مطلقا، لما مر في العائدة المتقدمة، فلو اثمر، و حصل منه الخمر، و شرب، يكون معاونة على الاثم ايضا، و يكون حراما من هذه الجهه ايضا، و لو لم يتفق ذلك فيه حتى قلع، لا يكون معاونة على اثم، و لكن يكون حراما لاجل قصده.
و اما الثالث: و هو العلم بتحقق المعاون عليه و بترتبه على عمله، فهو لا يشترط، فانه لو غرس كرما بقصد انه لو اراد احد شرب الخمر كان حاضرا، فاثمر، و اخذ منه الخمر، و شرب، يكون عمله معاونة على الاثم. و ان لم يؤخذ منه الخمر، لا يكون معاونة و ان اثم في غرسه بهذا القصد.
فالمناط في الاثم و الحرمة مطلقا: هو العمل مع القصد، سواء ترتب عليه ما قصد ترتبه عليه ام لا، و سواء علم انه تتحقق النية، او فعله بقصد انه لعله يتحقق.
و المناط في المعاونة على الاثم: هو القصد و تحقق المعاون عليه معا، فاذا تحقق، ياثم بالاعتبارين، فلو لم يعلم انه يتحقق، فان فعل بقصد تحققه و تحقق، يكون معاونة على الاثم. و ان فعل بقصده و لم يتحقق، يكون فاعلا لقصد المعاونة على الاثم، و لذلك يكون آثما. و ان فعل لا بقصده، لا يكون آثما، سواء تحقق ام لا.
و من هذا يظهر حال الرابع ايضا، اي اشتراط العلم بمدخلية عمله في تحقق المعاون عليه ام لا.
و ذلك كما اذا علم ان زيدا الظالم يقتل اليوم عمرا ظلما، فارسل اليه سيفا لذلك، مع عدم علمه بانه هل يحتاج الى هذا السيف في قتله، و له مدخلية في تحقق القتل ام لا؟ فانه يكون آثما في الارسال قطعا، فان اتفق احتياجه اليه، و ترتب القتل عليه، يكون معاونا على الاثم ايضا، و الا فلا.
و فرق ذلك مع سابقه: ان في السابق يعلم التوقف، و لكن لا يعلم تحقق التوقف، كما اذا علم انه لو قتل زيدا لاحتاج الى هذا السيف، و لكن لم يعلم تحقق القتل، و في ذلك قد يعلم التحقق، و لكن لا يعلم التوقف.
ثم اذا احطتبما ذكرنا تعلم وجه ما ذهب اليه الاكثر: من جواز بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا ما لم يتفق عليه، و حرمته مع الاتفاق عليه.
اما الاول: فلان المقصود من البيع، و غرض البائع منه، ليس جعل ذلك خمرا، فلا يكون اعانة على الاثم و ان علم انه يجعله كذلك.
و ذلك مثل حمل التاجر المتاع الى بلد للتجارة، مع علمه بان العاشر ياخذ منه العشور، او بناء شخص دارا لزيد، مع علمه بانه يشرب فيه الخمر.
و اما الثاني: فلانه مع الاتفاق عليه او شرطه، يكون البائع بائعا بقصد الحرام، فيكون آثما و ان لم يكن لاجل المعاونة على الاثم ان لم يتحقق جعله خمرا.
و من هذا ايضا يظهر: عدم الحاجة الى التاويلات البعيدة في الروايات المصرحة بجواز بيع العنب لمن يعلم انه يجعله خمرا (16) ، او الخشب لمن يجعله بربطا (17) ، و اجارة السفينة لمن يحمل الخمر و الخنزير (18) ، بل تبقى على ظاهرها، و لا ضير فيه، لعدم كون ذلك اعانة على الاثم، و لا محرما ما لم يقصد البائع ببيعه ذلك.
غاية الامر: ان المشتري يفعل حراما و هو عاقل، عالم، مكلف، فعليه ترك ذلك الفعل، و لا اثم على البائع ما لم يقصد اثما بفعله.
و من ذلك ايضا يظهر: سر ما ورد في روايات كثيرة من جواز بيع المتنجسمن الذمي (19) ، و الميتة لمستحل الميتة (20) ، مع كون الكفار مكلفين بالفروع، فانه لا ضير في ذلك، لان البائع لم يفعل حراما.
و يظهر من ذلك ايضا: عدم حرمة بيع الحرير للرجال، و ان علم انهم يلبسونه، الا اذا كان مقصوده من بيعه منهم لبسهم، فان المشتري مامور بعدم اللبس، فان لبسه يكون عاصيا، و لا اثم على البائع.
و كذلك من يصنع اواني الذهب و الفضة، او يبيعها لمن يعلم انه يستعملها.
و كذلك من يعطي الاجرة على صنعها، الا اذا قصد به الاستعمال، فيكون آثما لاجل هذا القصد.
نعم اذا كان صنعها حراما، فاعطاء الاجرة لصنعها يكون معاونة على الاثم، و يكون حراما، لان المقصود من اعطاء الاجرة هو الصنع المحرم. و لكن لم تثبتحرمة صنع اواني الذهب و الفضة.
و اما مثل عمل الصور المجسمة الذي ثبتتحرمته، فيكون اعطاء الاجرة لعملها حراما، لكونه معاونة على الاثم.
و كذا كل عمل يكون اصل العمل حراما، يكون الاستئجار له معاونة على الاثم و محرما. و الله العالم.
تعليقات:
1) المائدة 5: 2.
2) في النسخ: عليه.
3) يعني: انه يقصد تحقق المعاون عليه منفردا، او يقصد تحقق امرين احدهما المعاون عليه.
4) اي: مقصوده.
5) ما بين القوسين ليس في«ب»، «ح».
6) في«ب»، «ح»: المقصود به.
7) اي: تزاحموا على خياطته.
8) التحسين في اللغة: التزيين، و يحتمل انه يريد: ترغيبه في ان يتعلمها، و يحسنها بمعنى يعلمها علما حسنا، و لكن التحسين ليس مصدره، و ليس هنالك مصدر يستعمل بذلك المعنى، انظر الصحاح 5: 2099، و لسان العرب 13: 117، و المنجد: 134.
9) عشرت المال عشرا و عشورا اخذت عشره، و اسم الفاعل عاشر و عشار، (المصباح المنير 2: 411) و يريد به هنا الخراج و آخذ الخراج.
10) راجع الكافي 5: 226-2 و 230-1 و 231-3، 6، 8. و التهذيب 6: 373-1082 و 7: 134-590 و 136-603-604 و 137 و 605 و 138-610، و الاستبصار 3: 105-370-71 و 106-373- 375، الوسائل 12: 127 ابواب ما يكتسب به ب 41 ح 1 و 169 ابواب ما يكتسب به ب 59.
11) منهم: الشهيد في الروضة 3: 211، و الكركي في جامع المقاصد 4: 18 و 7: 122، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 2: 9، و السبزواري في كفاية الاحكام 85، و السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل 1: 500، و البحراني في الحدائق 18: 202، و العاملي في مفتاح الكرامة 4: 37-38، و نقله ايضا عن الفاضل الميسي.
12) زبدة البيان في احكام القرآن: 297.
13) قاله عند قول المصنف: (و اجازة المساكن)من كتاب البيع، و هو مخطوط.
14) كفاية الاحكام للسبزواري: 85.
15) ليست في«ب».
16) الكافي 5: 230 باب بيع العصير و الخمر، و التهذيب 7: 134-590 و 136-603-605 و 138-610-611، و الاستبصار 3: 105 ب 70 بيع العصير العنبي، الوسائل 12: 169 ابواب ما يكتسب به ب 59.
17) الكافي 5: 226-2، و التهذيب 6: 373-1082 و 7: 134-590، الوسائل 12: 127 ابواب ما يكتسب به ب 41 ح 1.
18) الكافي 5: 227-1، و التهذيب 6: 372-1078 و الاستبصار 3: 55-180، الوسائل 12: 125 ابواب ما يكتسب به ب 39 ح 1-2.
19) التهذيب 1: 279-820 الوسائل 2: 1056 ابواب النجاسات ب 38 ح 8.
20) الكافي 6: 26-1-2، التهذيب 1: 414-1305 و 9: 47-48-198-199، الاستبصار 1: 29-76 و 77، مسائل علي بن جعفر: 109 ح 20، قرب الاسناد: 261-1033، الوسائل 12: 67 ابواب ما يكتسب به ب 7.