عائدة(5)

في بيان معنى لفظ‏«الباس‏»في الاخبار

قد كثر ذكر لفظ‏«الباس‏»في الاخبار، كقولهم: لا باس بكذا، و كقولهم: ان كان كذا فلا باس فيه، و هو يدل بالمفهوم على انه ان لم يكن كذا، ففيه باس، فهل تثبت‏به الحرمة، او الاعم منها و من الكراهة؟

و كذا الثابت من المنطوق: هل هو الاباحة، او الجواز الشامل للكراهة ايضا؟

و الظاهر في الاول: الاول، و في الثاني: الثاني، لان الباس: هو العذاب، و الشدة، و الخوف، و شي‏ء منها لا يكون الا في الحرام. قال الله سبحانه: «فلما احسوا باسنا اذا هم منها يركضون‏» (1) .

قال ابو علي في مجمع البيان: اي: فلما ادركوا بحواسهم باسنا اي: عذابنا (2) .

و قال البيضاوي: فلما ادركوا شدة عذابنا (3) . و كذا في الصافي (4) .

و قال (5) في شرح قوله سبحانه: «و لا ياتون الباس الا قليلا» (6) : الباس: الحرب، و اصله: الشدة.

و في الصافي في تفسير قوله سبحانه: «و حين الباس‏» (7) : عند شدة القتال (8) .

و قال الجوهري: الباس: العذاب، و الباس: الشدة في الحرب (9) .

و قال في النهاية الاثيرية: بؤس يبؤس-بالضم فيهما-باسا: اذا اشتد حزنه قال: و منه حديث علي: «كنا اذا اشتد الباس اتقينا برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‏»يريد الخوف، و لا يكون الا مع الشدة (10) .

و قال في القاموس: الباس: العذاب و الشدة في الحرب. الى ان قال:

و الباساء و الابؤس: الداهية، و منه عسى الغوير ابؤسا، اي: داهية. و البئيس، كفعيل: الشديد (11) .

و قال الطريحي في مجمع البحرين: الباس: الشدة في الحرب، و الباس:

العذاب. و منه قوله تعالى: «لما راوا باسنا» (12) اي: عذابنا. و قال ايضا:

الباس: الخضوع و الخوف. و قال: و قد تكرر في الحديث: لا باس بذلك، و معناه: الاباحة و الجواز (13) . انتهى.

و عطفه الجواز على الاباحة لا يخلو عن شي‏ء، و يمكن ان يكون مراده: انه يستعمل نفي الباس في الموضعين، حيث ان العذاب منفي في‏المباح و الجائز معا. فقولهم: لا باس بذلك، يستعمل في المباح، و يستعمل في الجائز.

و المراد من استعماله في المباح، ليس ان المراد من نفي الباس: الاباحة، بل المراد: انه استعمل في المورد المباح، فالمراد في الموضعين نفي العذاب، و اما تساوي الطرفين فيعلم من الخارج.

و مما يؤيد ان المراد من نفيه نفي الحرمة، و من اثباته اثباتها: نفي (14) الباس في الاخبار عما يكره قطعا، كما في الاستحطاط بعد الصيغة، فانه مكروه نصا و اجماعا، و مع ذلك، نفى عنه الباس في الاخبار، كما في رواية معلى بن خنيس: الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع، قال: «لا باس‏» (15) .

و رواية يونس بن يعقوب: الرجل يشتري من الرجل المبيع (16) فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره، قال: «لا باس به‏» (17) .

و في الذبح في الليل، فانه مكروه بصريح الروايات (18) ، و نفى عنه الباس في صحيحة البزنطي، قال: سالت الرضا عليه السلام عن طروق الطير بالليل في وكرها، فقال: «لا باس بذلك‏» (19) . و مثلها صحيحة صفوان (20) .

و في الصلاة في بيت الحمام اذا كان طاهرا، مع تحقق الكراهة فيه، كما في مرسلة الفقيه، عن علي بن جعفر، انه سال اخاه عن الصلاة في بيت الحمام، قال: «اذا كان الموضع نظيفا، فلا باس‏» (21) الى غير ذلك. و هذا هو المستفاد من كلام (22) الفقهاء ايضا.

قال ابن ادريس في السرائر: و لا باس ببيع الخشب ممن يتخذه ملاهي، و كذلك بيع العنب ممن يجعله خمرا، فانه مكروه، و ليس بحرام (23) ، و غير ذلك.

ثم ان هذا مقتضى معناه الحقيقي، و قد يستعمل في غيره بضرب من المجاز، كما في المكروه، فانه قد ورد في بعض الاحاديث: اثبات الباس للمكروه، فيكون مجازا، و لا يصار اليه الا مع قرينة دالة عليه.

تعليقات:

1) الانبياء 21: 12.

2) مجمع البيان 7: 41.

3) انوار التنزيل و اسرار التاويل 4: 36.

4) تفسير الصافي 3: 332.

5) يعني: ابا علي، انظر مجمع البيان 8: 346.

6) الاحزاب 33: 18.

7) البقرة 2: 177.

8) تفسير الصافي 1: 196.

9) الصحاح 3: 906.

10) النهاية 1: 89.

11) القاموس 2: 206. و لكن فيه و في‏«ه»: البياس كفيعل، الشديد.

12) المؤمن(غافر)40: 85.

13) مجمع البحرين 4: 50، 51.

14) في‏«ج‏»: انه قد ينفى.

15) التهذيب 7: 233-1018، الاستبصار 3: 73-244، الوسائل 12: 333 ابواب آداب التجارة ب 44 ح 3.

16) في‏«ج‏»: المتاع، و في‏«ب‏»و المصادر: البيع.

17) الفقيه 3: 146-645، الوسائل 12: 334 ابواب آداب التجارة ب 44 ح 7.

18) الكافي 6: 236-2 و 3، التهذيب 9: 60-254، الوسائل 16: 335 ابواب الذبائح ب 21ح 1 و 2.

19) التهذيب 9: 14-53، 54، الاستبصار 4: 65-232، الكافي 6: 215-1، الوسائل 16: 290 ابواب الصيد ب 29 ح 1، و نذكر: ان هاتين الروايتين تنفيان الباس عن الصيد في الليل، و المكروه في مفروض المسالة هو الذبح في الليل.

20) التهذيب 9: 14-53، 54، الاستبصار 4: 65-232، الكافي 6: 215-1، الوسائل 16: 290 ابواب الصيد ب 29 ح 1، و نذكر: ان هاتين الروايتين تنفيان الباس عن الصيد في الليل، و المكروه في مفروض المسالة هو الذبح في الليل.

21) الفقيه 1: 156-727، الوسائل 3: 466 ابواب مكان المصلي ب 34 ح 1.

22) في‏«ج‏»: كلمات.

23) السرائر 2: 327.