قد كثر ذكر لفظ«الباس»في الاخبار، كقولهم: لا باس بكذا، و كقولهم: ان كان كذا فلا باس فيه، و هو يدل بالمفهوم على انه ان لم يكن كذا، ففيه باس، فهل تثبتبه الحرمة، او الاعم منها و من الكراهة؟
و كذا الثابت من المنطوق: هل هو الاباحة، او الجواز الشامل للكراهة ايضا؟
و الظاهر في الاول: الاول، و في الثاني: الثاني، لان الباس: هو العذاب، و الشدة، و الخوف، و شيء منها لا يكون الا في الحرام. قال الله سبحانه: «فلما احسوا باسنا اذا هم منها يركضون» (1) .
قال ابو علي في مجمع البيان: اي: فلما ادركوا بحواسهم باسنا اي: عذابنا (2) .
و قال البيضاوي: فلما ادركوا شدة عذابنا (3) . و كذا في الصافي (4) .
و قال (5) في شرح قوله سبحانه: «و لا ياتون الباس الا قليلا» (6) : الباس: الحرب، و اصله: الشدة.
و في الصافي في تفسير قوله سبحانه: «و حين الباس» (7) : عند شدة القتال (8) .
و قال الجوهري: الباس: العذاب، و الباس: الشدة في الحرب (9) .
و قال في النهاية الاثيرية: بؤس يبؤس-بالضم فيهما-باسا: اذا اشتد حزنه قال: و منه حديث علي: «كنا اذا اشتد الباس اتقينا برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم»يريد الخوف، و لا يكون الا مع الشدة (10) .
و قال في القاموس: الباس: العذاب و الشدة في الحرب. الى ان قال:
و الباساء و الابؤس: الداهية، و منه عسى الغوير ابؤسا، اي: داهية. و البئيس، كفعيل: الشديد (11) .
و قال الطريحي في مجمع البحرين: الباس: الشدة في الحرب، و الباس:
العذاب. و منه قوله تعالى: «لما راوا باسنا» (12) اي: عذابنا. و قال ايضا:
الباس: الخضوع و الخوف. و قال: و قد تكرر في الحديث: لا باس بذلك، و معناه: الاباحة و الجواز (13) . انتهى.
و عطفه الجواز على الاباحة لا يخلو عن شيء، و يمكن ان يكون مراده: انه يستعمل نفي الباس في الموضعين، حيث ان العذاب منفي فيالمباح و الجائز معا. فقولهم: لا باس بذلك، يستعمل في المباح، و يستعمل في الجائز.
و المراد من استعماله في المباح، ليس ان المراد من نفي الباس: الاباحة، بل المراد: انه استعمل في المورد المباح، فالمراد في الموضعين نفي العذاب، و اما تساوي الطرفين فيعلم من الخارج.
و مما يؤيد ان المراد من نفيه نفي الحرمة، و من اثباته اثباتها: نفي (14) الباس في الاخبار عما يكره قطعا، كما في الاستحطاط بعد الصيغة، فانه مكروه نصا و اجماعا، و مع ذلك، نفى عنه الباس في الاخبار، كما في رواية معلى بن خنيس: الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع، قال: «لا باس» (15) .
و رواية يونس بن يعقوب: الرجل يشتري من الرجل المبيع (16) فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره، قال: «لا باس به» (17) .
و في الذبح في الليل، فانه مكروه بصريح الروايات (18) ، و نفى عنه الباس في صحيحة البزنطي، قال: سالت الرضا عليه السلام عن طروق الطير بالليل في وكرها، فقال: «لا باس بذلك» (19) . و مثلها صحيحة صفوان (20) .
و في الصلاة في بيت الحمام اذا كان طاهرا، مع تحقق الكراهة فيه، كما في مرسلة الفقيه، عن علي بن جعفر، انه سال اخاه عن الصلاة في بيت الحمام، قال: «اذا كان الموضع نظيفا، فلا باس» (21) الى غير ذلك. و هذا هو المستفاد من كلام (22) الفقهاء ايضا.
قال ابن ادريس في السرائر: و لا باس ببيع الخشب ممن يتخذه ملاهي، و كذلك بيع العنب ممن يجعله خمرا، فانه مكروه، و ليس بحرام (23) ، و غير ذلك.
ثم ان هذا مقتضى معناه الحقيقي، و قد يستعمل في غيره بضرب من المجاز، كما في المكروه، فانه قد ورد في بعض الاحاديث: اثبات الباس للمكروه، فيكون مجازا، و لا يصار اليه الا مع قرينة دالة عليه.
تعليقات:
1) الانبياء 21: 12.
2) مجمع البيان 7: 41.
3) انوار التنزيل و اسرار التاويل 4: 36.
4) تفسير الصافي 3: 332.
5) يعني: ابا علي، انظر مجمع البيان 8: 346.
6) الاحزاب 33: 18.
7) البقرة 2: 177.
8) تفسير الصافي 1: 196.
9) الصحاح 3: 906.
10) النهاية 1: 89.
11) القاموس 2: 206. و لكن فيه و في«ه»: البياس كفيعل، الشديد.
12) المؤمن(غافر)40: 85.
13) مجمع البحرين 4: 50، 51.
14) في«ج»: انه قد ينفى.
15) التهذيب 7: 233-1018، الاستبصار 3: 73-244، الوسائل 12: 333 ابواب آداب التجارة ب 44 ح 3.
16) في«ج»: المتاع، و في«ب»و المصادر: البيع.
17) الفقيه 3: 146-645، الوسائل 12: 334 ابواب آداب التجارة ب 44 ح 7.
18) الكافي 6: 236-2 و 3، التهذيب 9: 60-254، الوسائل 16: 335 ابواب الذبائح ب 21ح 1 و 2.
19) التهذيب 9: 14-53، 54، الاستبصار 4: 65-232، الكافي 6: 215-1، الوسائل 16: 290 ابواب الصيد ب 29 ح 1، و نذكر: ان هاتين الروايتين تنفيان الباس عن الصيد في الليل، و المكروه في مفروض المسالة هو الذبح في الليل.
20) التهذيب 9: 14-53، 54، الاستبصار 4: 65-232، الكافي 6: 215-1، الوسائل 16: 290 ابواب الصيد ب 29 ح 1، و نذكر: ان هاتين الروايتين تنفيان الباس عن الصيد في الليل، و المكروه في مفروض المسالة هو الذبح في الليل.
21) الفقيه 1: 156-727، الوسائل 3: 466 ابواب مكان المصلي ب 34 ح 1.
22) في«ج»: كلمات.
23) السرائر 2: 327.