عائدة(4)

في نفي الضرر و الضرار

قد شاع استدلال الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية بنفي الضرر و الضرار، و تحقيق المقام في ذلك يستدعي رسم ابحاث:

البحث الاول: في نقل الاخبار الواردة في ذلك المضمار

و هي كثيرة:

الاول: ما رواه العلامة في التذكرة، و ابن الاثير في نهايته، و هو قوله عليه السلام: «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام‏» (1) .

و الثاني: صحيحة البزنطي، عن حماد، عن المعلى بن خنيس، عنه عليه السلام، قال: «من اضر بطريق المسلمين شيئا فهو له ضامن‏» (2) .

و الثالث: صحيحة الكناني، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: «من اضر بشي‏ء من‏طريق المسلمين فهو له ضامن‏» (3) .

و معنى ذلك (4) الحديث و سابقه-و الله سبحانه اعلم-ان من اضر في الطريق على احد بشي‏ء فهو له ضامن، على ان تكون لفظتا(الباء)و(من)بمعنى (في)و يكون المجرور متعلقا بقوله: (اضر)و يكون(الطريق)ظرفا للاضرار.

و يحتمل ان يكون ظرفا للشي‏ء، و يكون المجرور متعلقا بمحذوف، و يكون المعنى: من اضر شيئا كائنا في طريق المسلمين، او بشي‏ء كائن فيه، فهو له ضامن، و مآل المعنيين واحد.

و يمكن ان يكون المجرور بيانا للشي‏ء، و تكون(الباء)في الحديث السابق ايضا بمعنى(من)و يكون المعنى: من اضر بشي‏ء من الطريق، بان ينصب فيه ميزابا، او حفر فيه بئرا، او وضع فيه حجرا، او رش فيه ماءا، او غير ذلك مما يوجب الضرر على المسلمين، فهو ضامن لما يتلف بسبب ذلك الضرر.

و الفرق بين ذلك (5) المعنى و سابقيه: ان هذا اخص منهما، لاختصاصه بما كان الضرر بسبب احداث امر في الطريق، و عمومهما.

و يؤيد ذلك المعنى: ما رواه المشايخ الثلاثة باسنادهم عن الحلبي، و فيه:

«كل شي‏ء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه‏» (6) .

و يمكن ان يكون المراد هو الاخير، و لكن يكون معنى قوله: «هو ضامن‏»انه ضامن لما اضر به من الطريق، لا لما تلف لاجل ذلك. و لكن ذلك بعيد، لعدم استعمال الضمان في مثل ذلك، بل عدم صحة اطلاقه، و مخالف لما فهمه جميع‏الاصحاب من الحديثين.

الرابع: رواية طلحة بن زيد، عن الصادق عليه السلام، قال: «ان الجار كالنفس غير مضار و لا آثم‏» (7) .

و لعل المراد منه: ان الرجل كما لا يضار نفسه، و لا يوقعها في الاثم، او لا يعد عليها الامر اثما، كذلك ينبغي ان لا يضار جاره، و لا يوقعه في الاثم، و لا يعد عليه الامر اثما.

الخامس: رواية عقبة بن خالد، عن الصادق عليه السلام، قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن، و قال صلى الله عليه و آله و سلم: لا ضرر و لا ضرار (8) » (9) .

السادس: رواية هارون بن حمزة الغنوي، عن ابي عبد الله عليه السلام: في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء و اشرك فيه رجلا بدرهمين، بالراس و الجلد، فقضي ان البعير برئ، فبلغ ثمنه دنانير، قال: فقال:

«لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: اريد الراس و الجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، و قد اعطي حقه اذا اعطي الخمس‏» (10) .

السابع: موثقة ابن بكير، عن زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام، قال: «ان‏سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار، و كان منزل الانصاري بباب البستان، و كان يمر به الى نخلته و لا يستاذن.

فكلمه الانصاري ان يستاذن اذا جاء، فابى سمرة، فلما ابى جاءالانصاري الى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فشكا اليه، فاخبره (11) الخبر، فارسل اليه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و خبره بقول الانصاري و ما شكاه، و قال: اذا اردت الدخول فاستاذن، فابى، فلما ابى، ساومه حتى بلغ به من الثمن له ما شاء الله، فابى ان يبيعه، فقال: لك بها عذق مذلل في الجنة، فابى ان يقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم للانصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها اليه، فانه لا ضرر و لا ضرار» (12) .

الثامن: رواية ابن مسكان، عن زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام، و هي ايضا واردة في واقعة سمرة مع الانصاري، و هي: ان سمرة بن جندب كان له عذق، و كان طريقه اليه في جوف منزل رجل من الانصار، و كان يجي‏ء و يدخل الى عذقه بغير اذن من الانصاري، فقال الانصاري: يا سمرة لا تزل تفجانا على حال لا نحب ان تفجانا عليها، فاذا دخلت فاستاذن، فقال: لا استاذن في طريقي، و هو طريقي الى عذقي. قال: فشكاه الانصاري الى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فارسل اليه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فاتاه، فقال له: ان فلانا قد شكاك، و زعم انك تمر عليه و على اهله بغير اذنه، فاستاذن عليه اذا اردت ان تدخل، فقال: يا رسول الله، استاذن في طريقي الى عذقي؟ ! فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: خل عنه، و لك مكانه عذق في مكان كذا و كذا، فقال: لا. قال: فلك اثنان، قال: لا اريد(فلم يزل يزيده) (13)

حتى بلغ عشرة اعذاق، فقال: لا. فقال: لك عشرة في مكان كذا و كذا، فابى، فقال: خل عنه و لك مكانه عذق في الجنة، فقال: لا اريد. فقال له:

رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: انك رجل مضار، و لا ضرر و لا ضرار (14) على المؤمن. قال: ثم امر بها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقلعت، ثم رمي بها اليه. و قال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: انطلق، فاغرسها حيث‏شئت‏» (15) .

التاسع: رواية الحذاء، عن ابي جعفر عليه السلام، و هي ايضا واردة في واقعة سمرة و قريبة من سابقتيها، الا انه ليس فيها لفظا الضرر و الضرار، بل فيها: «ان‏رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: ما اراك يا سمرة الا مضارا، اذهب يا فلان، فاقطعها، و اضرب بها وجهه‏» (16) .

العاشر: مكاتبة محمد بن الحسين، عن ابي محمد عليه السلام، و في آخرها:

«فوقع عليه السلام: يتقي الله عز و جل، و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضار باخيه المؤمن‏» (17) .

الحادي عشر: رواية اخرى لعقبة بن خالد، عن ابي عبد الله عليه السلام، قال:

«قضى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بين اهل المدينة في مشارب النخل: انه لا يمنع نقع البئر، و قضى بين اهل البادية: انه لا يمنع فضل ماء، ليمنع به فضل كلاء، فقال: لا ضرر و لا ضرار» (18) .

و اعلم: ان فخر المحققين قد ادعى تواتر الاخبار على نفي الضرر و الضرار في مبحث الرهن (19) .

البحث الثاني: في بيان معنى الضرر و الضرار

في القاموس: ضره، و به، و اضره، و ضاره مضارة و ضرارا (20) .

و في الصحاح: الضر خلاف النفع، و قد ضره و ضاره بمعنى، و الاسم:

الضرر. الى ان قال: و الضرار المضارة (21) .

و في النهاية الاثيرية: و فيه: لا ضرر و لا ضرار في الاسلام، الضر: ضدالنفع، ضره يضره ضرا و ضرارا، و اضر به يضر اضرارا، فمعنى قوله: لا ضرر:

اي لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه. و الضرار: فعال من الضر. اي:

لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه. و الضرر فعل الواحد، و الضرار فعل الاثنين. و الضرر: ابتداء الفعل، و الضرار: الجزاء عليه. و قيل: الضرر: ما تضر به صاحبك، و تنتفع انت‏به. و الضرار: ان تضره من غير ان تنتفع. و قيل: هما بمعنى، و التكرار للتاكيد (22) . انتهى.

و في المصباح: الضر: بفتح الضاد مصدر ضره يضره من باب قتل، اذا فعل به مكروها. و اضر به يتعدى بنفسه ثلاثيا، و بالباء رباعيا. و الاسم: الضرر. و قد يطلق على نقص في الاعيان. و ضاره مضارة و ضرارا: بمعنى ضره (23) . انتهى.

و قيل: الضرر: هو الاسم. و الضرار: هو المصدر، فيكون منهيا عن الفعل الذي هو المصدر، و عن ايصال الضرر الذي هو الاسم (24) .

اقول: ان الوارد في الاحاديث ثلاثة الفاظ: الضرر، و الضرار، و الاضرار.

و تلك الالفاظ الثلاثة و ان كانت مختلفة بحسب المعنى اللغوي، على ما يستفاد من اكثر كلماتهم، و لكنه ليس اختلافا يختلف به الحكم المعلق عليها، بل الاختلاف في بعض الاوصاف للمعنى غير متعلق كثيرا بما تعلق به الحكم. فان‏الضرر-سواء كان اسما او مصدرا-يكون مآل المنفي بقوله: «لا ضرر»متحدا، و يرجع اليه معنى الاضرار.

و اما الضرار: فهو ان كان بمعنى الضرر كما قيل، فواضح. نعم يختلف في الجملة لو لم يكن بمعناه، بل اخذت فيه المجازات، او الاثنينية، و لكن الظاهر من الرواية السادسة: عدم اعتبار شي‏ء منهما فيه.

و بالجملة: الامر في ذلك سهل جدا، لظهور المعنى.

ثم لا يخفى ان الضرر-كما مر-خلاف النفع، و هو بحكم العرف و اللغة في الاموال: تلف شي‏ء من مال شخص، او من مال نفسه، عينا كان او منفعة، بلا منفعة او عوض له، و ان كان فعل الغير، فهو اتلاف شخص شيئا من مال شخص او نفسه.

و بعبارة اخرى، الضرر: هو اخراج ما في يد شخص من الاعيان او المنافع بلا عوض له. فكل ما كان صرفه و اتلافه لجلب نفع او عوض حاصل لم يكن ضررا. و النفع و العوض اعم من ان يكون دينيا او دنيويا، في الآخرة او الدنيا.

و النفع في الاموال: هو حصول زيادة مالية عينية، او منفعة، او ايصال تلك الزيادة، اذا كان النفع من فعل الغير.

و الحاصل: ان كل عمل او حكم صدر من احد في ماله او في مال غيره: فاما لا يحصل بسببه تبديل او تغيير في ماله، او يحصل، و لكن ما حصل بعوضه-من عين او نفع اخروي او دنيوي-مما يساويه عرفا و عادة، فهو ليس مما فيه نفع و لا ضرر.

و ان كان ما حصل بازائه مما يزيد على ما بازائه بحسب المتعارف، فتلك الزيادة تسمى نفعا.

و ان نقص عنه، يسمى ذلك النقص ضررا، و كذا ان لم يحصل بازائه شي‏ء.

و كذا كل عمل او حكم يوجب نقص ما في يد شخص، من عين او منفعة، فهو ضرر، او اضرار و ان لم يكن تصرفا في ماله. و كل عمل او حكم يوجب حصول شي‏ء عيني او نفعي له فهو نفع له و ان لم يكن بسبب تصرف في ماله.

و على هذا، فلو كان لاحد متاع، قيمته عشرون دينارا، فباعه او باعه غيره بخمسة عشر دينارا فقد اضره. و لو باعه بخمسة و عشرين، فقد اوصل اليه النفع. و لو باعه بعشرين، لم يضره و لم ينفعه، الا اذا اراد المالك بيعه، فباعه الغير بهذا المبلغ بلا اجرة، فان نفس ذلك البيع منفعة حاصلة للمالك من الغير.

و لو منعه مانع عن بيع متاعه، فهو ليس اضرارا، بل منع عن نفع.

و كذا لو كان له ملك ليس له نفع كقناة بائرة، و اراد اصلاحها، و منعه مانع، فانه مانع عن تحصيل النفع، لا انه اضر به. بخلاف ما لو كان له قناة دائرة، فارسل اليها ماءا، و خربت لاجله، فانه ضرر. و كذا لو منعه عن تنقية بئر منها حتى خربت‏سائر الآبار.

و لو صرف بعض ماله في سبيل الله بنية القربة، فهو غير ضار بنفسه، لان ما بازائه من درجات الآخرة اضعاف ما صرف من المال. بخلاف ما لو اعطاه فقيرا، لاجل الرياء و امثاله، و لم ينفعه نفعا دنيويا ايضا، فانه قد اضر بنفسه. و هكذا.

البحث الثالث: في بيان معنى نفي الضرر و الضرار

قال البدخشي في بيان نفي الضرر و الضرار: الضرر و المضارة ممنوع منه شرعا.

و تحقيق ذلك: ان النفي ها هنا بمعنى النهي، بقرينة ان اصل الضرر واقع (25) . انتهى.

اقول: الحديث‏يحتمل معان ثلاثة:

احدها: ما ذكره من حمل النفي على النهي، و يكون المراد: تحريم الضرر و الضرار.

و ثانيها: ان يكون النفي باقيا على حقيقته، و يكون المعنى: لا ضرر و لا ضرار مجوزا و مشروعا في دين الاسلام. و الحاصل ان الله تعالى لم يجوز لعباده و لم يشرع لهم ضررا و لا ضرارا، و مآل ذلك ايضا الى الاول، اذ مفاده تحريم الضرر.

و ثالثها: ان يكون النفي باقيا على حقيقته، و يكون المراد نفي ماهية الضرر و الضرار في دين الاسلام، و يكون المعنى: لا ضرر و لا ضرار موجودا، و متحققا في دين الاسلام، اي: ليس من احكام دين الاسلام ما يوجب ضررا او ضرارا، فكل ما كان فيه ضرر، فليس منها.

و محصله: ان الله سبحانه لم يرض لعباده بضرر لا من جانبه و لا من جانب بعضهم بعضا، فكل ما كان متضمنا لضرر، فهو ليس مما يرضى الله به، و ليس من احكامه.

ثم انه لا شك في ان مقتضى اصالة الحقيقة: هو الحمل على المعنى الاخير، لان الاول يوجب حمل الاخبار على المعنى الانشائي، و الثاني حمل نفي الجنس الذي هو حقيقة في نفي الحقيقة على نفي الوصف، و كل منهما خلاف الاصل.

مع ان قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «في الاسلام‏»كما في الحديث الاول، لا يتلائم مع المعنى الاول اصلا، فيكون المعنى الثالث متعينا.

و اما الضرر الواقع: فهو لا يصلح قرينة للاول، لان المراد من الضرر الواقع ان كان مطلق الضرر فيكون كذلك، و لكن قرينة المقام، و هو كون النبي صلى الله عليه و آله و سلم في مقام بيان احكام الدين و الاسلام، بل خصوص الرواية الاولى تدل على نفي الضرر و الضرار في الاسلام من حيث هو اسلام، و ليس مثل هذا الضرر بواقع.

و ان كان ما قيل من مثل القصاص و الديات و التقاص و تضمين الغاصب و نحوها، فمع منع كون مثلها ضررا، بل هي جائزة، للضرر الواقع على الغير، فجوازها ينافي المعنيين الاولين ايضا. و التوجيه بالتخصص مشترك.

هذا، مع ان المعنيين الاولين يختصان بضرر العباد بعضهم بعضا، مع انا نرى الفقهاء يستدلون بنفي الضرر على الاعم من ذلك، مثلا يقولون بعدم وجوب الحج مع العلم بالضرر او ظنه في الطريق، تمسكا بنفي الضرر، و امثال ذلك.

فظهر مما ذكر: ان الموافق للاصل و الاوفق بكلمات القوم: هو المعنى الثالث، اي: الحمل على نفي ماهية الضرر و وجوده في الاسلام، و يلزمه ان‏كل حكم يتضمن ضررا او ضرارا، لم يكن من احكام الاسلام، و الا تحقق الضرر في الاسلام.

و الحكم: اعم من الوجوب، و الحرمة، و الاستحباب، و الكراهة، و الاباحة. فلا يتحقق تحريم، و لا كراهة، و لا وجوب، و لا استحباب و لا اباحة، يستلزم ضرر شخص من الاشخاص، فكل ما كان كذلك لا يكون حكما للشارع.

بل يستفاد من تلك الاحاديث: ان عدم الضرر، و عدم كون الحكم المتضمن للضرر حكما شرعيا، حكم شرعي يجب اتباعه و الاخذ به.

البحث الرابع: الضرر و الضرار نكرتان منفيتان، يفيدان العموم

لما كان الضرر و الضرار نكرتان منفيتان، فيفيدان العموم.

فعلى المعنى الاول: يكون النهي عن جميع افراد الضرر.

و على الثاني: نفي لتجويز كل فرد منه.

و على الثالث: يكون نفيا لوجوده (26) كذلك.

و يكون المعنى: انه لا ضرر ماليا بوجه من الوجوه، و لا بدنيا، و لا عرضيا، و لا غير ذلك من المضار، متحققا في احكام الشرع، فيدل نفي الضرر على ان كل حكم يتضمن او يستلزم ضررا او ضرارا، فهو ليس من احكام الشرع و الاسلام، فلا يجب اتباعه.

و من هذا تظهر كيفية الاستدلال في المسائل الفقهية بتلك الاخبار، فانه يستدل بها على نفي كون ما يوجب ضررا او ضرارا حكما شرعيا، و اما تعيين اصل الحكم فموقوف على دليل آخر.

مثلا: اذا كانت المبايعة مما يوجب ضررا على البائع بسبب الغبن، فيحكم بتلك الاخبار على عدم كون لزوم تلك المبايعة من احكام الشرع، و اما ان الحكم هو خيار البائع، او فساد المبايعة، او ضمان المشتري للتفاوت، فهو يحتاج الى عناية اخرى.

البحث الخامس: الضرر و الضرار دليل لا اصل

قد ظهر مما ذكر: ان نفي الضرر و الضرار في الاحكام الشرعية، من الاصول و القواعد الثابتة بالاخبار المستفيضة، المعتضدة بعمل الاصحاب، الموافقة للاعتبار، المناسبة للملة السمحة السهلة، المعاضدة بنفي الحرج و العسر و المشقة، كما و السنة (28) ، فهذا اصل من الاصول كسائر القواعد و الاصول الممهدة، و دليل شرعي يستدل به في موارده.

فان لم يكن له معارض، فالامر واضح. و ان كان، بان يدل دليل آخر على ثبوت حكم شرعي يلزم منه ضرر، فيعمل فيهما بمقتضى التعارض و الترجيح.

و قد يعارض نفي الضرر نفسه، بان يكون الامر مرددا بين حكمين يستلزم كل منهما ضررا على احد، فالحكم الترجيح ان كان، و الا فالتوقف، او التخيير.

و لا يخفى ان مرادنا من كون نفي الضرر و الضرار من الاصول: انه من الادلة الشرعية، لا انه اصل كاصل البراءة و الاستصحاب، و اصل الحقيقة، و امثالها، حتى لا يعارض دليلا اصلا.

و التوضيح: انهم قد يقولون: ان القاعدة الفلانية من قبيل الدليل، دون الاصل، حتى لا يعارض دليلا (29) .

و مرادهم من الاصل هنا: كل ما يثبت، لولا الدليل على خلافه. و بعبارة اخرى: ما يدل على ثبوت شي‏ء لو لا الدليل على خلافه، و من الدليل: ما يدل على ثبوت شي‏ء مطلقا.

و الفرق: ان الاول لا يعارض دليلا اصلا، سواء كان موضوع الدليل اعم من موضوعه مطلقا، او من وجه، او اخص. و الثاني: يعارض مع الادلة، و يعمل حين التعارض بما يقتضيه التعادل و التراجيح.

مثلا قوله عليه السلام: «كل ماء طاهر»دليل على طهارة الماء. فاذا ورد: «كل شي‏ء نجس‏»يتعارضان، و الاول اخص مطلقا، فيخصص الثاني به.

و اذا ورد: «كل شي‏ء ملاق للنجاسة نجس‏»يتعارضان بالعموم من وجه، و محل التعارض: الماء الملاقي للنجاسة، فيعمل فيه بمقتضى التراجيح.

و اذا ورد: «كل ماء ملاق للنجاسة نجس‏»يكون اخص مطلقا من الاول، فيخصصه.

و اما قوله عليه السلام: «كل ماء لم تعلم نجاسته فهو طاهر»او«كل ماء طاهر حتى يعلم انه نجس‏»فهو دليل على اصالة طهارة الماء، لا على طهارته، فهو دليل على الاصل (30) ، و لا يعارض شيئا من المذكورات، فان كلا منها دليل شرعي عام، شامل للماء مطلقا، او الماء الملاقي للنجاسة، فهو يكون معلوم النجاسة، فيكون خارجا عن مدلول كل ماء لم تعلم نجاسته، و يكون الماء معلوم النجاسة حينئذ.

و يعلم كون شي‏ء من باب الدليل او الاصل، بكونه مقيدا بعدم الدليل على خلافه و مطلقا، فان كان مقيدا، فهو من باب الاصل، كاصل البراءة و الحقيقة و امثالهما، فانه ليس هناك دليل دال على براءة ذمة كل احد من التكاليف، و لا على كون كل لفظ مستعملا في معناه الحقيقي، بل الثابت: هو براءة الذمة ما لم يعلم الشغل، و الاستعمال في الحقيقة ما لم يعلم التجوز، و لو كان هناك دليل على ان كل لفظ حقيقة مطلقا، لكان ذلك معارضا مع قرائن المجازية.

و ان كان مطلقا فهو الدليل، نحو قوله: «لا ضرر و لا ضرار».

فان قيل: هو ايضا مقيد لا محالة بقيد لو لا الدليل على خلافه.

قلنا: نعم، و لكن كل ما يعارضه ايضا مقيد بذلك، فلا يمنع هذا القيد من التعارض.

البحث السادس: نفي الضرر و الضرار دليل على نفي الحكم

قد اشرنا فيما سبق الى ان نفي الضرر و الضرار انما يصلح دليلا لنفي الحكم اذا كان موجبا للضرر، و اما اثبات حكم و تعيينه فلا، بل التعيين محتاج الى دليل آخر.

و من هذا يظهر فساد ما ارتكبه بعضهم (31) ، من الحكم بضمان الضار و المتلف بحديث نفي الضرار، فان عدم كون ما ارتكبه حكما شرعيا لا يدل على الضمان، بل و لا على الجبران مطلقا، كما قيل (32) .

نعم لو قيل: ان معنى الحديث: لا ضرر بلا جبران، لدل على تحقق الجبران، و هو ايضا لا يثبت ضمان الضار، لامكان الجبران من بيت المال، او في الآخرة، او في الدنيا من جانب الله سبحانه، بان يفعل ما ينتفع من استضر به بقدر ما استضر او ازيد.

نعم: اذا كان حكم بحيث‏يكون لولاه لحصل الضرر، اي كان عدمه موجبا للضرر مطلقا، و انحصر انتفاء الضرر بثبوت الحكم الفلاني، يحكم بثبوته بدليل نفي الضرر. و لكن الثبوت حينئذ ايضا ليس بنفي الضرر خاصة، بل به و بالانحصار بذلك. و هذا موجب للتعيين في غير هذا المورد ايضا، كما اذا كان‏هناك احتمالات ثلاثة مثلا، و كان اثنان منها موجبا للضرر، يحكم بتعيين الثالث لو لا دليل آخر غير الاصل على انتفائه. و كذا اذا كان احدها موجبا للضرر، و الآخر منافيا لدليل شرعي آخر غير الاصل، فيحكم بتعيين الثالث اذا لم يكن على نفيه دليل غير الاصل.

و اما الاصل: فهو غير صالح للنفي هناك، لان بطلان غيره دليل على ثبوته.

بقي ها هنا امر آخر: و هو ان الضرر-كما مر-هو ما لم يكن بازائه عوض، و العوض-كما اشرنا اليه-يعم الاخروي ايضا، و العوض الدنيوي مما يمكن درك وجوده او انتفائه، بخلاف الاخروي، و على هذا فكيف يمكن فهم ان الضرر الذي يتضمنه الحكم الفلاني لا عوض له، حتى يكون ضررا؟

و دفعه: ان الضرر هو الذي لم يكن بازائه عوض معلوم او مظنون، و احتمال العوض لا ينفي صدق الضرر، مع ان العوض الاخروي معلوم الانتفاء بالاصل.

فان قيل: هذا ينفع اذا لم يكن الحكم المتضمن للضرر داخلا في عموم دليل شرعي، و اما اذا كان داخلا فيه-سيما اذا كان من باب الاوامر و امثاله-يثبت العوض، و يلزمه عدم تعارض نفي الضرر مع عموم (33) ، مع انه مخالف لكلام القوم.

مثلا اذا ورد: اذا استطعتم حجوا، و اذا دخل الوقت صلوا، يدل بعمومه على الامر بالحج و الصلاة في كل وقت‏حصلت الاستطاعة او دخل الوقت و ان تضمن ضررا كليا، و الامر يدل على العوض فلا يكون ضررا.

قلنا: الامر تعلق بالحج و الصلاة، و لازمه تحقق الاجر المقابل لماهية الحج و الصلاة، المتحقق في حالة عدم الضرر ايضا، و اما حصول عوض في مقابل الضرر و اجر له، فلا دليل عليه.

نعم لو كان نفس الضرر مما امر به، يحكم بعدم التعارض، و عدم كونه ضررا، كما في قوله: «اذا ملكتم النصاب فزكوا»و امثاله.

البحث السابع: تحديد الضرر المنفي موكول الى العرف

اي: ما يسمى ضررا عرفا، فما لا يكون كذلك-و ان كان فيه نقص شي‏ء كمثقال حنطة-لا يعد ضررا، و ليس منفيا، و لا يعارض نفيه ادلة ثبوت الاحكام، بل الضرر قد يختلف باختلاف الاشخاص و (34) الاموال، و البلاد، و الازمنة، و في الاحكام المتعارضة، مثلا:

اذا كان احد في الصلاة عند زرع كثير له، و اراد احد اخذ سنبلة واحدة من زرعه، فلا يقال: انه ضرر منفي، فيعارض «لا تبطلوا اعمالكم‏» (35) بخلاف ما لو اخذ نصف ما زرعه، و امثاله.

و على الفقيه ملاحظة ذلك في الموارد. و لكن بعد صدق الضرر عرفا لا يتفاوت قليله و كثيره في كونه منفيا، و كون نفيه معارضا لادلة الاحكام.

و اما ما قيل (36) : من تعين اخف الضررين عند التعارض، فهو لا يستفاد من حديث نفي الضرر، فان كان تقديم اخفهما قاعدة ثابتة بدليل آخر، او دل عليه دليل في مورد خاص، فيتبع، و الا فلا وجه له.

البحث الثامن: موارد تعارض نفي الضرر مع دليل آخر

من موارد تعارض نفي الضرر مع دليل آخر: ما لو استلزم تصرف احد في ملكه تضرر الغير، فانه يعارض ما دل على جواز التصرف في المال، مثل قوله صلى الله عليه و آله و سلم:

«الناس مسلطون على اموالهم‏» (37) و التعارض بالعموم من وجه، فقد ترجح ادلة نفي الضرر بما مر من المعاضدات، و قد يرجح الثاني.

و قيل: لو استلزم التصرف في ملكه تضرر الغير، فهل هذا من الضرر المنفي ام لا؟ مقتضى العمومات ذلك، و ما ذكره الاصحاب مثل العلامة في التحرير، في كتاب احياء الموات، حيث قال: للرجل ان يتصرف في ملكه و ان استضرجاره (38) ، الى آخر ما قال، فالظاهر: انه لا ينافي ما ذكرنا، فان المراد من نفي الضرر: نفيه راسا، فلا يكفي في نفيه انتفاؤه من الخارج (39) اذا تضرر المالك ايضا بعدم التصرف، بل هو اولى بالمراعاة.

نعم لو امكن دفع الضرر عنهما جميعا، لزم العمل عليه، فترك اضرار الجار لم يعلم وجوبه مع تضرر نفسه، فلاحظ الروايات الواردة في حكاية نخلة سمرة، فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اراد الجمع بين الحقين، بان يستاذن سمرة في الدخول، او يبيع نخلته باعلى القيم، او نحو ذلك، و لم يرض، فحكم بقلعها و رميها. فان‏تصرف سمرة كان في ملكه، و لكن بحيث‏يتضرر الانصاري.

فظهر: ان التصرف في ملك نفسه اذا اوجب تضرر الجار مع امكان رفعه بحيث لا يحصل ضرر له، منفي حرام.

نعم لو كان التصرف بقصد الاضرار، فهو حرام، و ان لم يمكنه رفعه عن جاره بنحو آخر، فهو احد محتملات حكاية سمرة (40) . انتهى.

اقول: وجه التردد في كون التصرف في ملكه، المستلزم لضرر الغير من الضرر المنفي ام لا: ان النسبة بين دليل نفي الضرر، و عمومات جواز التصرف‏في المال عموم من وجه، فيكون احدهما مخصصا قطعا، و لكنه لما لم يكن معلوما، يحصل التردد في عموم كل منهما و شموله للمورد، و مقتضى عمومات نفي الضرر و ان كان نفي ذلك ايضا، و لكن مقتضى عمومات جواز التصرف في المال، خلافه.

و كلام العلامة في التحرير اعم من ان يكون تصرف الرجل في ملكه لدفع الضرر عن نفسه، او لجلب النفع، فحمله على الاول و الحكم بعدم المنافاة لكون هذا الضرر ايضا منفيا، لا وجه له، بل يمكن ان يكون كلامه مبنيا على ترجيح عمومات التصرف، او اسقاط المتعارضين و الرجوع الى اصالة جواز التصرف، او غير ذلك.

و قوله: نعم لو امكن دفع الضرر عنهما جميعا لزم العمل عليه، هذا صحيح اذا لم يكن ما يرفع به الضرر عنهما مما كان مخالفا لدليل آخر غير الاصل على ما مر، و مع ذلك اذا كان ما يرفع به الضرر متعددا، يلزم الحكم بالتخيير بين جميع ما ينتفي به الضرر.

و قوله: فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اراد الجمع بين الحقين، الظاهر انه تفريع على قوله: نعم لو امكن دفع الضرر. و على هذا فكان اللازم ان يامره رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالاستئذان او البيع، لانه مقتضى لزوم العمل بما يرفع الضرر عنهما دون القلع، لانه ضرر على سمرة.

و قوله: نعم لو كان التصرف بقصد الاضرار الى آخره، فهو كذلك، و الاجماع يدل عليه، و الاخبار و الآيات الواردة في موارد مختلفة تثبته (41) .

و منه يظهر: ان هذا التصرف-اي بقصد الاضرار-خارج عن عمومات جواز التصرف في الملك، بل مطلق ما كان متعلقا بهذا القصد، و كان المقصود منه الاضرار، يكون حراما.

و هذا هو السبب في امر النبي بقلع نخلة سمرة، حيث انه صلى الله عليه و آله و سلم لما امره بالاستئذان، او البيع و لم يقبل، علم صلى الله عليه و آله و سلم ان قصده من بقاء ملكه هنا ليس الاالاضرار، اذ لو كان القصد الانتفاع به، لتحقق بالاستئذان ايضا، و لذا قال صلى الله عليه و آله و سلم:

«ما اراك الا رجلا مضارا»او«انك رجل مضار»و هذا الابقاء ليس واجبا، فامر بقلعه.

و اما تضرر سمرة بالقلع، فيمكن ان يكون هذا بخصوصه خارجا عن الضرر المنفي بالعموم، لوجه خاص فيه، فان العمومات تخصص بتخصيص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، سيما مع ما ظهر من سمرة من عدم قبول نخيلات الجنة بعوض هذا النخل، المنبى‏ء عن نفاقه، او عدم اعتقاده، فتامل.

البحث التاسع: تحقيق في معنى نفي العسر و الحرج و الضرر

قيل في تحقيق(نفي العسر و الحرج)و(نفي الضرر)ما عبارته ذلك بعد التلخيص و حذف بعض الزوائد: ان معنى نفي العسر و الحرج و الضرر في كلام الله و رسوله و خلفائه، اما في الاولين: فهو انه تعالى لا يرضى للعباد بالعسر و الحرج، و لا يجعل عليهم ما يوجبهما. و اما في الضرر: فهو انه تعالى ايضا لا يفعل ما يضر العباد به، او لا يرضى باضرار بعض عباده بعضا، فيجوز لمن يتضرر دفع الضرر عن نفسه، و لا يجب تحمله عن الضار، و يحرم على الضار ايصال الضرر. و يمكن اجراء المعنيين في العسر و الحرج ايضا.

و قد تداول الاستدلال في جميع تلك الموارد: اما في عدم اضرار الله تعالى بعباده، كما في وضع المؤن في الزكاة، و اما في عدم جواز اضرار العباد بعضهم بعضا فكثير. و كذلك العسر و الحرج.

اما المنفي عن فعله تعالى: كما في القعود في الصلاة و الافطار في الصوم للمريض. و اما عن فعل الغير: فكما في تكليف الوالدين ما يوجب الحرج على الولد. ثم ان تلك المذكورات، اما ترد على التكاليف الثابت نوعها، او على نفس التكليف، فتنفيه راسا.

ثم الاشكال في هذا المقام من وجهين:

الاول: ان نفي المذكورات بعنوان العموم كيف يجامع ما نشاهد من التكليف بالجهاد، و الحج، و الصيام في الايام الحارة، و الجهاد الاكبر، و امثالها؟

و الثاني: انا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بادنى مشقة، كما نشاهد في ابواب التيمم. و نرى عدم السقوط في كثير منها باكثر من ذلك.

و كذلك الكلام في الضرر المنفي، فانا نرى التكليف بالخمس، و الزكاة، و صرف المال في الحج، و في انفاق الوالدين، و غيرهما، مع ما فيه من الضرر، و كذا نرى عدم الرضى بالضرر فيما هو اقل من ذلك.

و الذي يقتضيه النظر بعد القطع بان التكاليف الشاقة و المضار الكثيرة واردة في الشريعة: ان المراد بنفي العسر و الحرج و الضرر: نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثابتة بالنسبة الى طاقة اوساط الناس المبرئين عن المرض و العذر، الذي هو معيار مطلقات (42) التكاليف. بل هي منفية من الاصل الا فيما ثبت، و بقدر ما ثبت.

و الحاصل انا نقول: ان المراد ان الله تعالى لا يريد بعباده العسر، و الحرج، و الضرر، الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب احوال متعارف (43) الاوساط، و هم الاغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت اصله اصلا، او ثبت، و لكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة.

ثم ان ذلك النفي: اما من جهة تنصيص الشارع، كما في كثير من ابواب الفقه من العبادات، و غيرها، كالقصر في السفر و الخوف في الصلاة، و الافطار في الصوم، و نحو ذلك. و اما من جهة التعميم، كجواز العمل بالاجتهاد للغيرالمقصر في الجزئيات، كالوقت، و القبلة و نحوها، او الكليات، كالاحكام الشرعية للعلماء (44) . انتهى.

اقول: لا كلام لنا هنا فيما ذكره لتحقيق نفي العسر و الحرج، و انما هو ياتي في عائدة اخرى.

و انما الكلام هنا معه فيما ذكره لدفع الاشكال عن نفي الضرر، فان الكلام فيه: في اصل الاشكال، و في دفعه معا.

اما الاول: فلما ذكرنا سابقا، من ان صدق الضرر عرفا انما هو اذا كان النقصان مما لم يثبت‏بازائه عوض مقصود للعقلاء يساويه مطلقا. و اما مع ثبوت ذلك بازائه، فلا يصدق الضرر اصلا، سيما اذا كان ما بازائه اضعافا كثيرة له، و خيرا منه بكثير.

و لا شك ان كل ما امر به من التكاليف الموجبة لنقص في المال، من الخمس، و الزكاة، و الحج، و الصدقة، و الانفاق على العيال، و امثالها، مما يثبت‏بازائها اضعاف كثيرة في الآخرة، و «من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه‏» (45) و «و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة‏» (46) الآية و «مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت‏سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء» (47) . بل في كثير منها وعد العوض في الدنيا ايضا، و كيف يكون مثل ذلك ضررا الا عند من لا يؤمن بالله و لا باليوم الآخر.

و لو قال رجل يظن صدق وعده: ان من اعطى عبدي شيئا اعوضه ضعفه، فاعطى رجل عبده، لا يقال: انه اضر بنفسه، فكيف في حق من لا خلف لوعده، و لا كذب في قوله؟ !

نعم انما يصح الاستشكال: فيما لم يكن بازائه ثواب دنيوي او اخروي، و لم يكن لجبر نقص آخر، كالقصاص و دية الجنايات و امثالها لو وجد مثله في الشريعة، كضرب الدية على العاقلة على ما يتوهم.

فان وجد مثله، فلا اشكال ايضا، لانه يكون من باب التخصيص، فانه كما لا اشكال في تخصيص سائر العمومات، حتى قيل: ما من عام الا و قد خص، فكذا هنا.

و هذا و ان كان جاريا في جميع التكاليف، مثل الزكاة و الخمس و الانفاق و امثالها لو قلنا بكونها ضررا، و لكن هذا التخصيص الكثير مع هذا التاكيد في نفي الضرر و الضرار، بعيد غاية البعد.

و اما الثاني: فلانه على ما ذكره في دفع الاشكال: تكون قاعدة نفي الضرر من باب اصل البراءة، دون الدليل، فلا تعارض دليلا اصلا، اذ يكون نفي الضرر مقيدا بغير التكاليف الثابتة، و يكون موضوع الضرر المنفي: ما هو زائد عن اصل طبائع التكاليف، فكل تكليف ثبت‏بالخصوص، او العموم، او الاطلاق، او التقييد، يكون خارجا عنه، فكل ما كان عليه دليل عام، او خاص، لا تعارضه قاعدة نفي الضرر.

و هذا مناف لاستدلالات الفقهاء، بل لما صرح به هذا القائل.

الا ان يقال: ان مراده ليس ان نفي الضرر مقيد في نفسه بهذا القيد العام، حتى يكون من قبيل كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي، و لا تكليف الا بعد البيان، بل مراده: انه بعد ملاحظة عمومات التكاليف و خصوصاتها، و ملاحظة معارضاتها (48) مع قاعدة نفي الضرر، و اعمال القواعد الترجيحية، و اخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الضارة، يقيد حديث نفي الضرر و الضرار بغير هذه المخرجات، فافهم.

البحث العاشر: ما يكون جبرا لضرر هل هو ضرر ام لا؟

ما يكون جبرا لضرر واقع من شخص على غيره من الالزامات، فهل هو ضرر ام لا؟ و تظهر الفائدة عند التعارض، كما اذا اتلف شخص مال غيره، فلو لم نقل بكون الزام المثل او القيمة ضررا، يحكم بلزوم المثل او القيمة على المتلف بلا معارض. و لو قلنا بكونه ايضا ضررا، يحصل التعارض بين الضررين.

و التحقيق: ان الالزامات على قسمين:

احدهما: ما هو موجب لزوال الضرر المتحقق اولا، كاعطاء المثل، او القيمة، فان معه لا يكون ضرر على من تلف ماله.

و ثانيهما: ما ليس كذلك، كقصاص الجنايات و امثالها، فانه عقوبة على المضر، لا جبر لضرر من حصل عليه الضرر.

فما كان من الاول لا يعد ضررا، لان بالزامه يندفع الضرر عن صاحب المال، فيخرج المتلف ببذله عن كونه مضرا، و هو نفع عظيم، لان الاضرار فعل محرم موجب للعقاب، و قد وقع النهي عنه في الاخبار، و مثل ذلك ليس ضررا، بل دفع ضرر عظيم عن نفسه بامر يسير.

و ما كان من الثاني يكون ضررا، لانه لا يدفع الضرر الاول، فلا يحكم بثبوته بمحض الاضرار، بل لا بد من دليل آخر.

البحث الحادي عشر: عدم تاثير اذن المالك في الاضرار

لا فرق في نفي الضرر و الضرار، و نفي كونهما من الاحكام الشرعية: بين ما اذا اذن به من يحصل عليه الضرر ام لا، رضي بالضرر ام لم يرض، لعموم الاخبار.

فلا يفيد اذن صاحب المال مثلا في اتلافه في اباحة الاتلاف، و لا في نفي الالزام بالمثل او القيمة فيما اوجبه الضرر، لصدق الضرر الا فيما حصل بسببه نفع دنيوي او اخروي، كالضيافة و امثالها، فانه ليس ضررا حقيقة.

نعم لو دل دليل من اجماع او نص، على عدم الالزام بالمثل او القيمة، او تجويز الضرر مع الاذن في موضع خاص او مطلقا، يكون ذلك خارجا بالدليل.

تعليقات:

1) التذكرة 1: 522، النهاية 3: 81، و الرواية موجودة في الفقيه 4: 243-777، و عنه في الوسائل 17: 376 ابواب موانع الارث ب 1 ح 10، مرسلة بعنوان: قال(اي النبي صلى الله عليه و آله)، و في التهذيب 7: 146-651، و في مجمع البحرين 3: 373، و حكى رواية الخدري لها في عوالي اللآلي 1: 383.

2) التهذيب 9: 158-651، الوسائل 13: 339 احكام الهبات ب 6 ح 4.

3) الكافي 7: 350-3، الفقيه 4: 115-395، التهذيب 10: 231-911، و ص 230-905، الوسائل 19: 179 ابواب موجبات الضمان ب 8 ح 2.

4 و 5. كذا في الموضعين، و الانسب فيهما: هذا

6) الكافي 7: 349-2، الفقيه 4: 115-396، التهذيب 10: 223-878، الوسائل 19: 181 ابواب موجبات الضمان ب 9 ح 1.

7) الكافي 5: 31-5، و ص 292-2، التهذيب 7: 146-650، الوسائل 17: 341 ابواب احياء الموات ب 12 ح 2، و فيه: و لا اثم.

8) في‏«ح‏»و الفقيه: و لا اضرار.

9) الكافي 5: 280-4، الفقيه 3: 45-154، التهذيب 7: 164-727، الوسائل 17: 319 ابواب الشفعة ب 5 ح 1.

10) الكافي 5: 293-4، التهذيب 7: 79-341، و ص 82-351، الوسائل 13: 49 ابواب بيع الحيوان ب 22 ح 1.

11) في المصادر: و خبره، و هو انسب.

12) الكافي 5: 292-2، الفقيه 3: 147-644، التهذيب 7: 146-651، الوسائل 17: 341 ابواب احياء الموات ب 12 ح 3.

13) في‏«ب‏»، «ج‏»: فجعل صلى الله عليه و آله يزيده.

14) في‏«ح‏»: لا اضرار.

15) الكافي 5: 294-8، الوسائل 17: 341 ابواب احياء الموات ب 12 ح 4.

16) الفقيه 3: 59-208، الوسائل 17: 340 ابواب احياء الموات ب 12 ح 1.

17) الفقيه 3: 150-659، الكافي 5: 293-5، التهذيب 7: 146-647، الوسائل 17: 343 ابواب احياء الموات ب 15 ح 1، و فيها: و لا يضر.

18) الكافي 5: 293-6، و فيه: نفع الشي‏ء، الوسائل 17: 333 ابواب احياء الموات ب 7 ح 2.

19) ايضاح الفوائد 2: 48.

20) القاموس المحيط 2: 77.

21) الصحاح 2: 719.

22) النهاية لابن الاثير 3: 81.

23) المصباح المنير 2: 360.

24) نضد القواعد الفقهية: 17، قوانين الاصول 2: 52-53، و انظر لسان العرب 4: 482.

25) شرح البدخشي‏«مناهج العقول في شرح منهاج الوصول‏»3: 172.

26) في‏«ج‏»: نفيا للجنس.

27) و هو قوله تعالى: «ما جعل عليكم في الدين من حرج‏» الحج 22: 78، و قوله تعالى: «ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له‏» الاحزاب 33: 38.

28) الكافي 3: 4-2، و ص 33-4، التهذيب 1: 363-1097، الاستبصار 1: 77-240، الوسائل 1: 327 ابواب الوضوء ب 39 ح 5.

29) في‏«ح‏»زيادة: اصلا.

30) في‏«ج‏»: فهو الاصل.

31) انظر الوافية للفاضل التوني: 193-194.

32) القائل هو المحقق القمي في قوانين الاصول 2: 48.

33) في‏«ه»، «ح‏»: عمومه.

34) في‏«ه، ح‏»: في بدل و.

35) محمد 47: 33.

36) القائل هو المحقق القمي في قوانين الاصول 2: 50.

37) السنن الكبرى 6: 100، سنن الدارقطني 3: 26 حديث 91، تذكرة الفقهاء 1: 489، عوالي اللآلي 3: 208.

38) التحرير 2: 136.

39) كذا.

40) هذا الكلام بطوله للمحقق القمي في قوانين الاصول 2: 50.

41) في النسخ: مثبته.

42) في‏«ج‏»: مطلق.

43) في‏«ه»: المتعارف.

44) قوانين الاصول 2: 47.

45) البقرة 2: 245، الحديد 57: 11.

46) التوبة 9: 121، و تمامها: «و لا يقطعون وادياً الا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون‏» .

47) البقرة 2: 261.

48) في‏«ب‏»: معارضتها.