ينقسم الاذن الى: صريح، و فحوى، و شاهد حال.
و المراد بالاول: ما دل عليه اللفظ بمعناه المطابقي، كقول القائل: صل في داري، و اشرب من مائي، و كل من مائدتي.
و بالثاني: ما دل عليه اللفظ بمدلوله الالتزامي، من باب مفهوم الموافقة، نحو: كن عندنا ضيفا في دارنا الى الغد. فان ذلك يدل بالالتزام على الرخصة في صلاته في داره، و التوضؤ من مائه و اوانيه.
و بالثالث: ما كانت هناك حالة تشهد بالاذن في امر، كالمصادقة التامة بين شخصين، الدالة على اذن كل منهما في اكل الآخر من بيته.
و الضابط فيه: انه اذا لوحظت تلك الحالة يقطع بالاذن، و بانه لو استاذن المالك في ذلك، لاذن له فيه. كما ان الاتحاد في الدين، و عدم تصور الضرر، و عدم المعاداة و اللجاج، يشهد بالاذن لكل احد في الشرب من ماء قناته و التوضؤ منه.
فالاولان اذن بلسان القال، اما مطابقة او التزاما. و الثالث اذن بلسان الحال. و الحال حالة للآذن، او مرابطة (1) بينه و بين الماذون له، ناطقة بلسان الحال من جانب صاحب المال بقولها: ادخل الدار، و اشرب من الماء، و استند الى الحائط، و امثال ذلك.
و هذه الحالة: قد تكون امرا عدميا، كعدم الضرر، و العداوة و اللجاج، الدال على الاذن في الاستناد الى الحائط. و قد تكون وجوديا، كالسخاء التام المعلوم من شخص.
و قد تكون مرابطة خاصة، كالمرابطة الحاصلة بين صديقين متعارفين، يعرف كل منهما صاحبه و صداقته، و اما عامة، كموادة اهل الايمان بعضهم لبعض و ان لم يتعارفوا.
و الاذن في كل من المتعارفين و المتناكرين فعلية، فان الصديق الذي لا يعلم الصديق صداقته، ماذون فعلا في دخول داره;من حيث دخوله في الاصدقاء، و فعلية الاذن لهم.
و الحاصل: ان هذا الصديق الذي لا يعلم الصديق صداقته، ماذون بالفعل في نفس الامر، و ان كان يعلم-الآذن او غيره انه مندرج تحت الماذونين-بالقوة، فلا يعتبر-في كون شخص ماذونا بشاهد الحال في تصرف في ملك غيره-علم المالك و لا غيره بكونه من اهل الرابطة الموجبة للاذن، بل يكفي كونه منهم واقعا، و علم الماذون له به، ليصح التصرف شرعا.
فلو كان شخص صديقا لآخر، و لم يعلم ذلك الآخر بصداقته له، و لكن علم انه راض بدخول كل صديق له في داره، فنقول: ذلك الشخص ماذون بشاهد الحال في دخول داره;لان شاهد الحال ناطق (2) بالاذن لكل صديق، و هذا ايضا صديق.
و لا يشترط فيه علم المالك بصداقته، بل نقول: انا نعلم حينئذ قطعا ان ذلك الشخص يقول بلسان الحال: لو كنت صديقا لي فادخل في داري;و المفروض انه صديقه.
نعم: لو فرض كون شهادة حاله مختصا بصورة علم المالك، لاختصت الاذن فيها ايضا.
و قد يحصل التعارض بين شهادة الحالين، كما اذا زعم زيد ان عمرا عدوه، و كان هو في نفس الامر من اصدق اصدقائه، فالحالة المعلومة تشهد بعدم الاذن له في دخول داره، و الحالة النفس الامرية تشهد بالاذن له فيه، و لكن المعلوم بالشهادة الاولى ليس الا المنع من الدخول لو كان كذا واقعا، و لما لم يكن كذا واقعا، تبقى الشهادة الثانية بلا معارض، فيعمل بها;بل يحصل هنا حالة مركبة شاهدة بالاذن كما ياتي.
و تحقيق المقام: ان الاذن الحاصلة في كل من الاقسام الثلاثة-الصريح، و الفحوى، و شاهد الحال-مؤثرة شرعا في ما تشترط فيه الاذن، و مقبولة، و تترتب عليها الآثار.
اما الاول: فظاهر.
و اما الثاني: فلكون المعاني المفهومة التزاما كالمفهومة مطابقة في التاثير; لان مناط الاحكام: على الفهم و العلم، دون الدلالات المطابقية.
و اما الثالث: فلان المفروض حصول العلم بالاذن بسبب شهادة تلك الحال، و لم يثبت انه يشترط في تاثير الاذن كونها معلومة بلفظ دال، فانه ورد انه:
«لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه» (3) و لم يقيد بانه تجب ان تكون معلومية طيب نفسه بلفظ، فالثلاثة معتبرة شرعا، مترتب عليها ما يترتب على الاذن.
و لكن قد يحصل المعارض (4) لكل من الثلاثة، و معارضه ايضا اما يكون صريحا، او فحوى، او شاهد الحال. و صور التعارض المقصود ذكرها ستة:
، و ذلك كما اذا قال عمرو: كل من كان صديقي، فهو ماذون في دخول داري، و قال لزيد الصديق: لا تدخل داري.
و هذا على اقسام: لان عمرا: اما يعلم بصداقة زيد، او لا يعلم.
فعلى الاول: يخصص زيد من بين الاصدقاء، و لا يجوز له الدخول.
و على الثاني: اما ان نعلم ان نهي زيد لاجل زعم عدم صداقته، او لا نعلم السبب.
فعلى الاول: يقدم الاذن العام;لانا نعلم ان علة النهي عدم الصداقة بزعمه، و هو منتف واقعا، فكذا النهي، لانتفاء المعلول بانتفاء علته، بل نقول:
لم يتعلق النهي بزيد اصلا;لعدم تحقق علته فيه. و ايضا شاهد الحال هنا يعاضد الاذن العام، و يوجب القطع بالاذن، و لا يعارض الظن القطع ابدا.
و ايضا نقول: بعد العلم بعلية عدم الصداقة نعلم تقييد نهيه قطعا، فيكون معناه: لا تدخل ان كنت كما زعمت (5) .
و على الثاني (6) : ايضا يقدم الاذن العام;لان نهيه لكونه امرا حادثا، يكون معلولا لعلة قطعا، فهو اما عدم الصداقة بزعمه، او امر آخر.
فان كان الاول: يكون النهي منتفيا في المورد-كما عرفت-قطعا.
و ان كان الثاني: يكون متحققا.
و ليس استناده الى احدهما معلوما بدليل، و لا موافقا لاصل، فلا يعلم تحققه، فلا مخصص للاذن العام.
فان قلت: تحقق النهي معلوم، فرفعه يحتاج الى دليل.
قلنا: المعلوم التلفظ بالنهي. و اما تعلقه بزيد، فغير معلوم;لانه ان كانمعلولا لعدم الصداقة، لم يتعلق في آن بزيد اصلا، حتى يحتاج رفعه الى دليل.
مع ان اطلاق النهي ايضا غير معلوم، بل عدمه معلوم;لان بعد زعم عدم الصداقة لا يمكن الحكم بان معناه لا تدخل داري سواء كنت صديقا او لا.
و ايضا زعم عدم الصداقة حالة مقترنة مع اللفظ، صالحة لكونها قرينة على التقييد، و قد اثبتنا في الاصول: انه لا يحمل اللفظ على الحقيقة اذا كان كذلك.
و هاهنا قسم آخر: و هو ان لا يعلم زيد ان عمرا يعلم صداقته او لا يعلم، و حكمه حكم ما لا يعلم (7) ;لاصالة عدم العلم، و لا اقل من احتمال عدمه، فتحتمل علية (8) زعم عدم الصداقة للنهي، لاستواء الاصل بالنسبة الى العلل، فلا يعلم تعلق النهي بزيد، و يبقى الاذن العام بلا معارض.
و بعد الاحاطة بما ذكرنا يعلم حكم التعارض لو فرضنا المثال على عكس ما ذكر، اي: جعلنا المنع (9) عاما و الاذن خاصا.
مثل ان يقول: لا يصل غير صديقي في داري، و قال لزيد: كن ضيفي في داري الى الغد;و كان هو غير صديق له واقعا. و هذا ايضا ينقسم الى الاقسام السابقة، و التقديم للنهي الصريح العام في الجميع، الا في صورة علم عمرو بعدم صداقة زيد، فتقدم الفحوى، لكونها خاصة.
مثل ان يعلم من حال زيد، انه راض بدخول كل صديق له في داره، و قال لزيد: لا تدخل. و منه ما اذا قال لزيد: ادخل داري;و علمنا انه لا يرضى بدخول غير الصديق في داره، و كان زيد في المثال الاول صديقا، و في الثاني عدوا. و هذا ايضا كسابقيه ينقسم الى الاقسام المتقدمة، و حكم كل قسم ما ذكر.
و قد يكون حينئذ المنع الصريح عاما، و مدلول شاهد الحال خاصا، كما اذا قال احد: لا يدخل غير صديقي في داري;و يكون بينه و بين زيد حالات تشهد بانه يرضى بدخوله فيها، و كان في الواقع غير صديق.
و حينئذ ان كانتشهادة الحال: انه يرضى بالدخول لزعم الصداقة-اي:
تشهد الحال بانه زعمه صديقا له، و بتوسطه تشهد بالاذن بالدخول-فيقدم المنع;
اذ لم تثبت من الحال الاذن، مع كونه غير صديق في الواقع، اي ليست (10) الحال بحيث تدل على ان زيدا لو استاذنه مع بيان حاله من عدم الصداقة ياذن له، فلا تكون الاذن معلومة.
و ان كانت الحال تشهد بانه يرضى بالدخول، و لو لم يكن صديقا-كما قد يتفق بين اهل النفاق-فتقدم شهادة الحال;لكونها خاصة.
و ان كانت تشهد: بانه يرضى بالدخول، و لكن لم يعلم انه هل لزعم الصداقة حتى لا يجوز له الدخول حيث انه غير صديق، او لا حتى يجوز، و حينئذ ايضا يقدم المنع;اذ القدر المعلوم من شاهد الحال مع ملاحظة النهي المذكور ليس الا الاذن في الدخول لو كان صديقا.
و ايضا حصل التعارض بين شاهد الحال و المنع الصريح، و لاجل تطرق الاحتمال في شاهد الحال، لا تكون دلالته في خصوص المورد قطعية;
فلو لا ترجيح المنع يتساقطان، و تبقى اصالة عدم الاذن بحالها.
و حكمه حكم تعارض المفهومين، و مع عدم الترجيح تبقى اصالة عدم الاذن معمولا بها.
و لهذه الصورة قسم آخر: و هو ان يكون هناك اذن او منع صريح، و كانت هناك حالة صالحة للمنع عن مقتضى الصريح، اذنا كان او منعا، و لكن لم تعلم شهادتها بالمنع عن مقتضاه و اثباتها لخلافه.
و ذلك كما اذا قال لزيد: ادخل داري، و كان هو فاسقا او اجنبيا له، فان علم الاذن بالحال، فلا شك في العمل بمقتضى الصريح.
و ان علم خلافه، كان علمنا انه يزعم ان زيدا عادل، او من اقربائه، و لم يكن كذلك واقعا;فلا يحكم حينئذ بمقتضى الصريح، فنمنع زيدا عن الدخول;
لما مر من ان الاذن او المنع الصريح امر حادث، و له علة في الواقع لا محالة، و يمكن ان تكون العلة زعم العدالة، او القرابة، و ان تكون غيرهما، فان كان الاول فهو منتف في المورد، فلا يعلم تعلق الحكم الصريح بالمورد.
و ايضا كونه مورد الحكم الصريح فرع كونه مطلقا، اي: ادخل سواء كنت فاسقا او عادلا، و هذا غير متصور في المورد، لزعم العدالة.
و ايضا الاطلاق انما يحكم به لاصالة الحقيقة، و هي غير جارية فيما نحن فيه كما مر.
و كذا اذا كان المنع صريحا ايضا، و لكن حينئذ و ان لم يحكم بالمنع لاجل التصريح، و لكن المنع الاصلي يكون باقيا.
و من هذا القسم: ضمان المشترى المقبوض بالبيع الفاسد باذن البائع (11) ، اذا كان البائع جاهلا بالفساد و زعم الصحة، حيث ان الفساد حالة صالحة لعدم الاذن، و البائع زعم انتفاءه.
و يظهر حاله مما مر في تعارض الصريح مع شاهد الحال، اذ لا فرق بين الصريح و الفحوى الا في كون دلالة احدهما بالمنطوق، و الآخر بالمفهوم، و هو غير موجب للاختلاف فيما نحن فيه.
كان يكون شخص صديقا لزيد، و كان سارقا، فان الاول يشهد بالاذن في الدخول، و الثاني بالمنع.
و التحقيق: ان المعتبر هو الحالة المركبة، اي: ملاحظة الصديق السارق، فيتبع ما تشهد به تلك الحالة، دون كل حالة بانفرادها.
و من هذه الصورة ما لو كان زيد صديقا لعمرو و زعم عداوته، او كان عدوا و زعم صداقته، فان مقتضى الواقع في الاول الاذن، و في الثاني المنع، و مقتضى الزعم بالعكس.
و التحقيق: ما مر من جعل الحالة مركبة، و فرض الاستئذان معها من عمرو، او من العرف (12) ، فيقال: هل تاذن لمن تزعم عداوته، و كان صديقا واقعا؟ او لمن كان عدوا واقعا و تزعم صداقته (13) ؟ فما يحكم به هذه الحالة (14) فهو المشهود به.
و الحكم في الصورتين للواقع، دون الزعم بشهادة العرف و العادة، و حكم الحدس و الوجدان، و القطع بان مناط الرضى و عدمه: الامور الواقعية، دون الزعمية.
قد عرفت ان كلا من الاقسام الثلاثة للاذن-اي: الصريح، و الفحوى، و شاهد الحال-معتبر شرعا، مؤثر فيما يؤثر فيه مطلق الاذن. و اما ما لم يثبت تاثير مطلقه فيه، بل كان امرا مخالفا للاصل، لم يثبت تحققه الا مع الاذن الصريح مثلا، او مع الفحوى، او توقف مضافا الى الاذن على امر آخر ايضا، فلا يكفي في ثبوته مجرد ثبوت الاذن باحد الثلاثة ايها كان، بل يقتصر فيه على القدر الثابت.
مثلا: يثبتبالاجماع و الاخبار جواز التصرف في مال الغير و اكله بمجرد رضاه و اذنه، فكل ما علم ذلك يحكم باباحة التصرف، سواء علم بالاذن الصريح او الفحوى او شاهد الحال، بخلاف ما اذا علم رضى البائع ببيع ماله بثمن معين، كما اذا كان له مال قيمته عشرون دينارا، و كان اراد بيعه في الامس بهذهالقيمة، و لم يكن راغب شراء، فباعه غيره بغير توكيل منه و لا اذن صريح بمائة دينار، فلا يحكم بلزوم البيع ما لم يصرح بالاجازة على القول بصحة الفضولي، و لا يترتب سائر آثار البيع عليه (15) .
و كذا: اذا شهد الحال بان فلانا راض بطلاق زوجته، و لكن لا يطلقها لاجل صداقها، فطلقها غيره في غيبته، و ادى الصداق من نفسه، فانه لا يجوز للزوجة لتزويجبالغير بعد العدة.
و السر: انه لم يعلم ترتب هذه الآثار على الوقوع بمجرد الرضى.
و على هذا فما يوجد في كلام بعضهم (16) في بحث الوقف، من تجويز بعض التغييرات في الوقف، او بيعه مع تعطله، استنادا الى دلالة شاهد الحال على رضى الواقف بذلك حين الوقف، لا وجه له، لاقتضاء الوقف عدم الجواز، و لانالوقف-بعد تحقق الوقف-ليس ملكا للواقف حتى يؤثر رضاه في جواز التصرف، و لان الرضى بالبيع من غير تصريح لا يؤثر في اللزوم. و لذا لو وقف على اكبر اولاده، او ذكور اولاده الذكور، و حصلت للاصغر او ذكور اولاده الاناث حالة نقطع بان الواقف راض باكله منه، لا نجوزه.
و اغرب من ذلك، ما قيل: من جواز صرف منافع الوقف في غير الموقوف عليه، اذا كان بحيث لو علم الواقف حاله لكان راضيا بصرفها فيه (17) .
و لو جاز امثال ذلك، و اثرت دلالة شاهد الحال على الرضى فيها، لاثرت دلالته على عدم الرضى ايضا، فلو كان الزوج سيء الخلق، مغلول اليد، مؤذيا للزوجة غاية الايذاء، لزم ان يحكم بفساد النكاح، لدلالة شاهد الحال على عدم رضاها حال العقد بالنكاح لو علمتبالحال.
و الله الهادي الى الرشاد في جميع الاحوال.
تعليقات:
1) مرابطة بمعنى: رابطة.
2) في«ب»: لان الحال ناطقة.
3) مسند احمد 5: 72، سنن الدارقطني 3: 26-91، عوالي اللآلي 3: 473-3.
4) في«ج»: و قد تحصل المعارضة.
5) هذا اشارة الى قوله: اذا زعم زيد ان عمرا عدوه، المتقدم في ص 35، و المعنى: لا تدخل اذا كنت عدوي.
6) اي: اذا لا نعلم سبب النهي عن الدخول.
7) كذا، و الانسب: ما لم يعلم.
8) في«ح»: فيحمل عليه.
9) في«ج»: جعلنا النهي.
10) في«ه»، «ج»، «ح»: بسبب، بدل ليست.
11) يعني: ضمان المشترى بالبيع الفاسد المقبوض باذن البائع.
12) في«ح»: المعرف، و في«ب»: و من العرف.
13) في«ب»: هل ياذن لمن يزعم. . . و يزعم.
14) اي: في هذه الحالة.
15) اي: لا يترتب شيء من آثار البيع عليه.
16) انظر مختلف الشيعة: 489، الرياض 2: 31 و المسالك 1: 351.
17) انظر التنقيح الرائع 2: 321.