عائدة(2)

في وجوب تعظيم شعائر الله

تحقيق معنى الشعائر من كلام اللغويين و المفسرين

قد تكرر في كتب الفقهاء: الحكم بوجوب تعظيم شعائر الله، و به يتمسكون في احكام كثيرة من الوجوب و الحرمة;كحرمة بيع المصحف و كتب الحديث من الكفار، و دخول الضرائح المقدسة على غير طهر، و امثال ذلك.

و الاصل فيه: قوله تعالى و سبحانه في سورة الحج‏بعد ذكر طائفة من مناسك الحج: «و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع‏الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق‏» (1) .

و لا بد في تحقيق معناه من ذكر نبذة من كلام اللغويين و المفسرين في معنى الشعائر و تفسير الآية، فنقول:

قال في القاموس في مادة شعر: و كسحاب: الشجر الملتف، و ما كان من شجر في لين من الارض، يحله الناس، يستدفئون به شتاء، و يستظلون[به] (2)

صيفا، كالمشعر.

و ككتاب: جل الفرس، و العلامة في الحرب و السفر (3) ، و ما وقيت‏به الخمر، و الرعد (4) ، و الشجر، و يفتح. و الموت، و ما تحت الدثار من اللباس، و هو يلي شعر الجسد، و يفتح. الجمع: اشعرة، و شعر.

الى ان قال: و الشعيرة: البدنة المهداة، الجمع: شعائر.

الى ان قال: و شعار الحج: مناسكه و علاماته. و الشعيرة و الشعارة و المشعر:

معظمها (5) . او شعائره: معالمه التي ندب الله اليها، و امر بالقيام بها (6) . انتهى.

و قال في الصحاح: و الشعيرة: البدنة تهدى، و الشعائر: اعمال الحج، و كل ما جعل علما لطاعة الله. قال الاصمعي: الواحدة شعيرة. قال: و قال بعضهم: شعارة. و المشاعر: مواضع المناسك.

الى ان قال: و الشعار: ما ولي الجسد من الثياب. و شعار القوم في الحرب:

علامتهم ليعرف بعضهم بعضا. و الشعار بالفتح: الشجر. يقال: ارض كثيرة الشعار. و اشعر الهدي، اذا طعن في سنامه الايمن حتى يسيل منه دم، ليعلم انه هدي (7) . انتهى.

و قال ابن الاثير في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر الشعائر. و شعائر الحج: آثاره و علامته. جمع: شعيرة.

و قيل: هو ما كان من اعماله، كالوقوف، و الطواف، و السعي، و الرمي، و الذبح، و غير ذلك.

و قال الازهري: و الشعائر: المعالم التي ندب الله اليها و امر بالقيام عليها.

و منه سمي المشعر الحرام لانه معلم للعبادة و موضع.

و منه الحديث: ان جبرائيل قال له: «مر امتك حتى يرفعوا اصواتهم بالتلبية، فانها من شعائر الحج‏» (8) .

و منه الحديث: ان شعار اصحاب النبي كان في الغزو: يا منصور امت (9) .

اي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها (10) . و قد تكرر ذكره في الحديث.

و منه اشعار البدن، و هو ان يشق احد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، و يجعل ذلك علامة تعرف بها انها هدي (11) . انتهى.

و قال الطبرسي في مجمع البيان في بيان الشعائر: و الشعائر علامات مناسك الحج التي تشعر بما جعلت له.

و قال: «و من يعظم شعائر الله‏» اي: معالم دين الله، و الاعلام التي نصبها لطاعته.

ثم اختلف في ذلك فقيل: هي مناسك الحج كلها، عن ابن زيد.

و قيل: هي البدن، و تعظيمها استسنامها (12) ، عن مجاهد.

و عن ابن عباس في رواية مقسم (13) : و الشعائر جمع شعيرة، و هي البدن اذا اشعرت، اي اعلمت عليها، بان يشق سنامها من الجانب الايمن، ليعلم انها هدي، فالذي يهدي مندوب الى طلب الاسمن و الاعظم.

و قيل: شعائر الله دين الله كله، و تعظيمها التزامها، عن الحسن (14) .

«فانها» اي: فان تعظيمها، لدلالة «يعظم‏» عليه، ثم حذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه، فقال: «فانها من تقوى القلوب‏» اضاف التقوى الى القلوب، لان حقيقة التقوى: تقوى القلوب.

و قيل: اراد صدق النية.

«لكم فيها» اي: في الشعائر «منافع‏» ، فمن تاول ان الشعائر الهدي، قال: ان منافعها ركوب ظهورها و شرب البانها اذا احتيج اليها، و هو المروي عن ابي جعفر عليه السلام (15) ، و هو قول عطاء ابن ابي رباح، و مذهب الشافعي (16) .

و على هذا فقوله: «الى اجل مسمى‏» معناه: الى ان ينحر.

و قيل: ان المنافع من رسلها و نسلها و ركوب ظهورها و اصوافها و اوبارها. «الى اجل مسمى‏» اي: الى ان يسمى هديا، فبعد ذلك تنقطع المنافع، عن مجاهد و قتادة و الضحاك (17) .

و القول الاول اصح;لان قبل ان تسمى هديا لا تسمى شعائر.

و من قال: ان الشعائر مناسك الحج، قال: المراد بالمنافع التجارة الى اجل مسمى، الى ان يعود من مكة.

و من قال: ان الشعائر: دين الله، قال: «لكم فيها منافع‏» اي: الاجر و الثواب. و الاجل المسمى: القيامة «ثم محلها الى البيت العتيق‏» .

و من قال: ان شعائر الله: هي البدن، قال: معناه: ان محل الهدي و البدن: الكعبة.

و قيل (18) : محلها الحرم كله.

و قال اصحابنا: ان كان الهدي للحج، فمحله منى. و ان كان للعمرة المفردة، فمحله مكة قبالة الكعبة بالجزورة، و محلها حيث نحرها (19) .

و من قال: ان الشعائر: مناسك الحج، قال: معناه ثم محل الحج و العمرة الطواف بالبيت العتيق، و ان منتهاها الى البيت العتيق;لان التحلل يقع بالطواف، و الطواف يختص بالبيت.

و من قال: ان الشعائر: هي الدين كله، فيحتمل ان يكون معناه: ان محل ما اختص منها بالاحرام هو البيت العتيق، و ذلك الحج و العمرة في القصد له، و الصلاة في التوجه اليه.

و يحتمل ان يكون معناه: ان اجرها على رب البيت العتيق (20) . انتهى.

و قال البيضاوي: «ذلك و من يعظم شعائر الله‏» دين الله، او فرائض الحج و مواضع مناسكه، او الهدايا;لانها من معالم الحج، و هو اوفق بظاهر ما بعده.

و تعظيمها ان تختار حسانا سمانا غالية الاثمان.

و قال: «فانها من تقوى القلوب‏» فان تعظيمها من افعال ذوي تقوى القلوب.

و قال: «لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق‏» اي:

لكم فيها منافع، درها و نسلها و صوفها و ظهرها الى ان تنحر، ثم وقت نحرها منتهية الى البيت، اي: ما يليه من الحرم.

الى ان قال: و المراد على الاول: لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها الى اجل مسمى، هو الموت، ثم محلها منتهية الى البيت العتيق الذي ترفع اليه الاعمال، او يكون فيه ثوابها، و هو البيت المعمور او الجنة.

و على الثاني «لكم فيها منافع‏» التجارات في الاسواق الى وقت‏المراجعة، ثم وقت الخروج منها منتهية الى الكعبة بالاحلال بطواف الزيارة (21) .

انتهى.

و قال في الصافي: «و من يعظم شعائر الله‏» اعلام دينه «فانها من تقوى القلوب‏» القمي قال: تعظيم البدن و جودتها (22) .

و في الكافي: عن الصادق عليه السلام: «انما يكون الجزاء مضافا فيما دون البدنة، فاذا بلغ البدنة فلا تضاعف;لانه اعظم ما يكون، قال الله تعالى: «و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب‏» » (23) .

و عنه عليه السلام في قصة حجة الوداع: «و كان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اربعة و ستين او ستة و ستين، و جاء علي عليه السلام باربعة و ثلاثين او ستة و ثلاثين‏» (24) .

«لكم فيها منافع الى اجل مسمى‏» : في الكافي و الفقيه عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: «ان احتاج الى ظهرها ركبها من غير ان يعنف عليها، و ان كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها» (25) .

«ثم محلها الى البيت العتيق‏» القمي قال (26) : البدن يركبها المحرم من موضعه الذي يحرم فيه، غير مضر بها، و لا معنف عليها، و ان كان لها لبن يشرب من لبنها الى يوم النحر (27) . انتهى.

اقول: رواية الكافي ما رواه باسناده الى الكناني، عن ابي عبد الله عليه السلام: في‏قول الله عز و جل: «لكم فيها منافع الى اجل مسمى‏» قال: «ان احتاج‏»الى آخره، و رواية الفقيه مثلها ايضا، الا انه رواها عن ابي بصير. هذا.

و سائر ما ذكره سائر المفسرين ايضا يقرب مما نقل، و فيه كفاية للمطلوب.

ذكر الوجوه المستفادة من شعائر الله و مختار القوم منها

ثم اقول: ان المستفاد من جميعها ان المراد(شعائر الله)يحتمل وجوها اربعة: الاول: البدن خاصة.

الثاني: مناسك الحج و اعماله كلها.

الثالث: مواضع مناسكه و معالمه.

الرابع: علامات طاعة الله و اعلام دينه.

و المعنى الصالح للتمسك بالآية في وجوب تعظيم شعائر الله على ما يستدل‏به القوم هو الرابع، دون غيره من الثلاثة الاول، فالتمسك بها يتوقف على تعيين ذلك المعنى، و لا دليل (28) على تعيينه الا عموم اللفظ، من حيث كونه جمعا مضافا.

رد القول بان شعائر الله يدل على العموم

و مع ذلك يخدشه امران:

احدهما: انه انما يفيد لو كان(الشعائر)جمعا للشعار بمعنى مطلق العلامة، و هو غير ثابت، لاحتمال كونه جمعا للشعيرة التي هي البدنة.

و ثانيهما: ان عموم الجمع المضاف انما هو في الافراد المنسوبة الى المضاف اليه;و المضاف اليه هنا و ان كان هو الله، و لكنه لما لم يصح يحتاج الى تقدير لا يتعين ان يكون هو دين الله، او طاعته، او عبادته، او امثال ذلك، بل يمكن ان يكون هو طاعته المخصوصة (29) ، اي: الحج، فان ادنى ملابسة كافية في الاضافة.

هذا مع ان ظاهر المقام لا يلائم التعميم، بل يناسب احد الثلاثة-كما مر في‏كلام البيضاوي-لكون المقام مقام بيان اعمال الحج.

بل ما بعد هذه الآية و هو قوله: «لكم فيها منافع‏» الى آخره، يعين ارادة احد هذه الثلاثة، اذ لا يوافق قوله تعالى: «لكم فيها منافع‏» الى قوله سبحانه:

«الى البيت العتيق‏» ارادة التعميم من شعائر الله الا بارتكاب امور كثيرة مخالفة للاصل من تقدير و تخصيص، كما مر في كلام الطبرسي.

بل في الروايتين اللتين مر ذكرهما في كلام الصافي عن الكافي و الفقيه تصريح بتفسير قوله تعالى: «لكم فيها منافع‏» الى آخره، بما لا يوافق الا احد الثلاثة.

بل في بعض الاخبار: اشعار بارادة البدن خاصة من الشعائر، و هو ما رواه في الكافي باسناده عن ابن عمار، قال، قال ابو عبد الله عليه السلام: «اذا رميت الجمرة فاشتر هديك ان كان من البدن او من البقر، و الا فاجعله كبشا سمينا فحلا، فان لم تجد فموجوء من الضان، فان لم تجد فتيسا فحلا، فان لم تجد فما تيسر عليك، و عظم شعائر الله، فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ذبح عن امهات المؤمنين بقرة بقرة، و نحر بدنة‏» (30) .

هذا، و لكن الظاهر من قوله سبحانه بعد هذه الآيات: «و البدن جعلناها لكم من شعائر الله‏» (31) عدم اختصاص الشعائر بالبدن، حيث ان الظاهر من لفظة(من)هو التبعيض.

و ظهر بذلك ضعف ما يستفاد من كلام جمع من الفقهاء من حمل شعائر الله على العموم.

المختار في معنى التعظيم لشعائر الله

ثم لو سلمنا حمله على العموم و ارادة جميع اعلام دين الله، فلا دلالة في الآية على وجوب تعظيمها، بل غاية ما يستفاد منها هو الرجحان و كونه من تقوى القلوب، و اين هو من الوجوب؟ !

نعم ظاهر الامر في رواية ابن عمار المتقدمة: هو الوجوب، فلو ثبت التعميم لكان حسنا في اثبات الوجوب.

و لكن مع ذلك كله، و تسليم العموم، و افادة الوجوب، لا يثبت من الآية و لا الرواية الا وجوب التعظيم، و اما وجوب جميع انواع التعظيم-و هو المفيد في مواضع الاستدلالات-فلا;اذ الامر بالمطلق لا يدل على وجوب جميع افراده. فيحصل الاجمال، او وجوب نوع ما من التعظيم. و من ذلك ظهر ضعف ذلك الاستدلال راسا.

نعم: قد ثبت‏بالعقل و النقل حرمة الاستخفاف و الاهانة باعلام دين الله مطلقا، و انعقد عليها الاجماع، بل الضرورة، بل يوجب في الاكثر الكفر.

و ترك التعظيم قد يكون بما يكون اهانة و استخفافا، و قد لا يكون كذلك، كما ان ترك تعظيم شخص تارة يكون بضربه او الاعراض عنه الموجب للاستخفاف، و اخرى بعدم استقباله او القيام له، فما كان من الاول يكون حراما لايجابه الاهانة، دون ما كان من الثاني.

ثم الامور الموجبة للاهانة ايضا على قسمين: قسم يكون اهانة مطلقا، كسب‏شخص و نحوه. و قسم قد يكون اهانة و قد لا يكون، و يختلف بالقصد، و المناط هو حصول الاهانة. هذا.

ثم لا يخفى: ان مطلق التعظيم لشعائر الله، اي: جميع افراده بجميع افرادها و ان لم يثبت وجوبه، و لكن استحبابه و رجحانه-لاجل انه من شعائر الله، و منسوب اليه-مما لا شك فيه و لا شبهة تعتريه، و الظاهر انعقاد الاجماع عليه. و قوله عليه السلام: «لكل امرى‏ء ما نوى‏» (32) يدل عليه. بل يستفاد من تضاعيف اخبار كثيرة اخرى ايضا، و فحوى: رجحان تعظيم البدن او مطلق مناسك الحج‏يشعر به. و الله هو الموفق.

تعليقات:

1) الحج 22: 32، 33.

2) اثبتناه من المصدر.

3) في‏«ب‏»، «ح‏»: و الشعر.

4) في‏«ب‏»، «ج‏»، «ح‏»: و الرمل.

5) في ترتيب القاموس 2: 720، موضعها بدل معظمها.

6) القاموس المحيط 2: 61.

7) الصحاح 2: 698.

8) مسند احمد 2: 325، غريب الحديث للهروي 2: 65.

9) سنن ابي داود 3: 74، اورده في الهامش نقلا عن المنذري.

10) في المصدر زيادة: في الحرب.

11) النهاية 2: 479.

12) في المصدر: استسمانها، و سنم البعير و اسنم-بالبناء للمفعول-: عظم سنامه(المصباح المنير : 291).

13) الدر المنثور 4: 359.

14) انظر احكام القرآن للجصاص 3: 242.

15) الكافي 4: 493-1، الفقيه 2: 300-1491 و 1493، التهذيب 5: 220-742، الوسائل 10: 133 ابواب الذبح ب 34 ح 3 و 5.

16) الام 2: 216، و المهذب في فقه الشافعي 1: 236، و نقل قول عطاء الطبري في تفسيره 17: 115.

17) انظر التفسير الكبير 23: 33 و جامع البيان 17: 33.

18) انظر التفسير الكبير 23: 34.

19) في المصدر: حيث‏يحل نحرها.

20) مجمع البيان‏7-8: 83، و انظر التبيان 7: 314.

21) انوار التنزيل و اسرار التاويل 4: 54.

22) تفسير القمي 2: 84.

23) الكافي 4: 395-5، الوسائل 9: 243 ابواب كفارات الصيد ب 46 ح 1.

24) الكافي 4: 247-4، التهذيب 5: 454-1588، الوسائل 8: 153 ابواب اقسام الحج ب 2 ح 4.

25) الكافي 4: 492-1، الفقيه 2: 300-1493، التهذيب 5: 220-742، الوسائل 10: 133ابواب الذبح ب 34 ح 5.

26) تفسير القمي 2: 84.

27) تفسير الصافي 3: 378.

28) في‏«ح‏»: و لا يدل.

29) في‏«ب‏»: الطاعة المخصوصة.

30) الكافي 4: 491-14، الوسائل 10: 98 ابواب الذبح ب 8 ح 4.

31) الحج 22: 36.

32) التهذيب 4: 186-519، و ج 1: 83-218، الوسائل 1: 34 ابواب مقدمة العبادات ب 5 ح 7، سنن ابي داود 2: 651-2201 ب 11.