قد تكرر في كتب الفقهاء: الحكم بوجوب تعظيم شعائر الله، و به يتمسكون في احكام كثيرة من الوجوب و الحرمة;كحرمة بيع المصحف و كتب الحديث من الكفار، و دخول الضرائح المقدسة على غير طهر، و امثال ذلك.
و الاصل فيه: قوله تعالى و سبحانه في سورة الحجبعد ذكر طائفة من مناسك الحج: «و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافعالى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق» (1) .
و لا بد في تحقيق معناه من ذكر نبذة من كلام اللغويين و المفسرين في معنى الشعائر و تفسير الآية، فنقول:
قال في القاموس في مادة شعر: و كسحاب: الشجر الملتف، و ما كان من شجر في لين من الارض، يحله الناس، يستدفئون به شتاء، و يستظلون[به] (2)
صيفا، كالمشعر.
و ككتاب: جل الفرس، و العلامة في الحرب و السفر (3) ، و ما وقيتبه الخمر، و الرعد (4) ، و الشجر، و يفتح. و الموت، و ما تحت الدثار من اللباس، و هو يلي شعر الجسد، و يفتح. الجمع: اشعرة، و شعر.
الى ان قال: و الشعيرة: البدنة المهداة، الجمع: شعائر.
الى ان قال: و شعار الحج: مناسكه و علاماته. و الشعيرة و الشعارة و المشعر:
معظمها (5) . او شعائره: معالمه التي ندب الله اليها، و امر بالقيام بها (6) . انتهى.
و قال في الصحاح: و الشعيرة: البدنة تهدى، و الشعائر: اعمال الحج، و كل ما جعل علما لطاعة الله. قال الاصمعي: الواحدة شعيرة. قال: و قال بعضهم: شعارة. و المشاعر: مواضع المناسك.
الى ان قال: و الشعار: ما ولي الجسد من الثياب. و شعار القوم في الحرب:
علامتهم ليعرف بعضهم بعضا. و الشعار بالفتح: الشجر. يقال: ارض كثيرة الشعار. و اشعر الهدي، اذا طعن في سنامه الايمن حتى يسيل منه دم، ليعلم انه هدي (7) . انتهى.
و قال ابن الاثير في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر الشعائر. و شعائر الحج: آثاره و علامته. جمع: شعيرة.
و قيل: هو ما كان من اعماله، كالوقوف، و الطواف، و السعي، و الرمي، و الذبح، و غير ذلك.
و قال الازهري: و الشعائر: المعالم التي ندب الله اليها و امر بالقيام عليها.
و منه سمي المشعر الحرام لانه معلم للعبادة و موضع.
و منه الحديث: ان جبرائيل قال له: «مر امتك حتى يرفعوا اصواتهم بالتلبية، فانها من شعائر الحج» (8) .
و منه الحديث: ان شعار اصحاب النبي كان في الغزو: يا منصور امت (9) .
اي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها (10) . و قد تكرر ذكره في الحديث.
و منه اشعار البدن، و هو ان يشق احد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، و يجعل ذلك علامة تعرف بها انها هدي (11) . انتهى.
و قال الطبرسي في مجمع البيان في بيان الشعائر: و الشعائر علامات مناسك الحج التي تشعر بما جعلت له.
و قال: «و من يعظم شعائر الله» اي: معالم دين الله، و الاعلام التي نصبها لطاعته.
ثم اختلف في ذلك فقيل: هي مناسك الحج كلها، عن ابن زيد.
و قيل: هي البدن، و تعظيمها استسنامها (12) ، عن مجاهد.
و عن ابن عباس في رواية مقسم (13) : و الشعائر جمع شعيرة، و هي البدن اذا اشعرت، اي اعلمت عليها، بان يشق سنامها من الجانب الايمن، ليعلم انها هدي، فالذي يهدي مندوب الى طلب الاسمن و الاعظم.
و قيل: شعائر الله دين الله كله، و تعظيمها التزامها، عن الحسن (14) .
«فانها» اي: فان تعظيمها، لدلالة «يعظم» عليه، ثم حذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه، فقال: «فانها من تقوى القلوب» اضاف التقوى الى القلوب، لان حقيقة التقوى: تقوى القلوب.
و قيل: اراد صدق النية.
«لكم فيها» اي: في الشعائر «منافع» ، فمن تاول ان الشعائر الهدي، قال: ان منافعها ركوب ظهورها و شرب البانها اذا احتيج اليها، و هو المروي عن ابي جعفر عليه السلام (15) ، و هو قول عطاء ابن ابي رباح، و مذهب الشافعي (16) .
و على هذا فقوله: «الى اجل مسمى» معناه: الى ان ينحر.
و قيل: ان المنافع من رسلها و نسلها و ركوب ظهورها و اصوافها و اوبارها. «الى اجل مسمى» اي: الى ان يسمى هديا، فبعد ذلك تنقطع المنافع، عن مجاهد و قتادة و الضحاك (17) .
و القول الاول اصح;لان قبل ان تسمى هديا لا تسمى شعائر.
و من قال: ان الشعائر مناسك الحج، قال: المراد بالمنافع التجارة الى اجل مسمى، الى ان يعود من مكة.
و من قال: ان الشعائر: دين الله، قال: «لكم فيها منافع» اي: الاجر و الثواب. و الاجل المسمى: القيامة «ثم محلها الى البيت العتيق» .
و من قال: ان شعائر الله: هي البدن، قال: معناه: ان محل الهدي و البدن: الكعبة.
و قيل (18) : محلها الحرم كله.
و قال اصحابنا: ان كان الهدي للحج، فمحله منى. و ان كان للعمرة المفردة، فمحله مكة قبالة الكعبة بالجزورة، و محلها حيث نحرها (19) .
و من قال: ان الشعائر: مناسك الحج، قال: معناه ثم محل الحج و العمرة الطواف بالبيت العتيق، و ان منتهاها الى البيت العتيق;لان التحلل يقع بالطواف، و الطواف يختص بالبيت.
و من قال: ان الشعائر: هي الدين كله، فيحتمل ان يكون معناه: ان محل ما اختص منها بالاحرام هو البيت العتيق، و ذلك الحج و العمرة في القصد له، و الصلاة في التوجه اليه.
و يحتمل ان يكون معناه: ان اجرها على رب البيت العتيق (20) . انتهى.
و قال البيضاوي: «ذلك و من يعظم شعائر الله» دين الله، او فرائض الحج و مواضع مناسكه، او الهدايا;لانها من معالم الحج، و هو اوفق بظاهر ما بعده.
و تعظيمها ان تختار حسانا سمانا غالية الاثمان.
و قال: «فانها من تقوى القلوب» فان تعظيمها من افعال ذوي تقوى القلوب.
و قال: «لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق» اي:
لكم فيها منافع، درها و نسلها و صوفها و ظهرها الى ان تنحر، ثم وقت نحرها منتهية الى البيت، اي: ما يليه من الحرم.
الى ان قال: و المراد على الاول: لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها الى اجل مسمى، هو الموت، ثم محلها منتهية الى البيت العتيق الذي ترفع اليه الاعمال، او يكون فيه ثوابها، و هو البيت المعمور او الجنة.
و على الثاني «لكم فيها منافع» التجارات في الاسواق الى وقتالمراجعة، ثم وقت الخروج منها منتهية الى الكعبة بالاحلال بطواف الزيارة (21) .
انتهى.
و قال في الصافي: «و من يعظم شعائر الله» اعلام دينه «فانها من تقوى القلوب» القمي قال: تعظيم البدن و جودتها (22) .
و في الكافي: عن الصادق عليه السلام: «انما يكون الجزاء مضافا فيما دون البدنة، فاذا بلغ البدنة فلا تضاعف;لانه اعظم ما يكون، قال الله تعالى: «و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب» » (23) .
و عنه عليه السلام في قصة حجة الوداع: «و كان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اربعة و ستين او ستة و ستين، و جاء علي عليه السلام باربعة و ثلاثين او ستة و ثلاثين» (24) .
«لكم فيها منافع الى اجل مسمى» : في الكافي و الفقيه عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: «ان احتاج الى ظهرها ركبها من غير ان يعنف عليها، و ان كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها» (25) .
«ثم محلها الى البيت العتيق» القمي قال (26) : البدن يركبها المحرم من موضعه الذي يحرم فيه، غير مضر بها، و لا معنف عليها، و ان كان لها لبن يشرب من لبنها الى يوم النحر (27) . انتهى.
اقول: رواية الكافي ما رواه باسناده الى الكناني، عن ابي عبد الله عليه السلام: فيقول الله عز و جل: «لكم فيها منافع الى اجل مسمى» قال: «ان احتاج»الى آخره، و رواية الفقيه مثلها ايضا، الا انه رواها عن ابي بصير. هذا.
و سائر ما ذكره سائر المفسرين ايضا يقرب مما نقل، و فيه كفاية للمطلوب.
ثم اقول: ان المستفاد من جميعها ان المراد(شعائر الله)يحتمل وجوها اربعة: الاول: البدن خاصة.
الثاني: مناسك الحج و اعماله كلها.
الثالث: مواضع مناسكه و معالمه.
الرابع: علامات طاعة الله و اعلام دينه.
و المعنى الصالح للتمسك بالآية في وجوب تعظيم شعائر الله على ما يستدلبه القوم هو الرابع، دون غيره من الثلاثة الاول، فالتمسك بها يتوقف على تعيين ذلك المعنى، و لا دليل (28) على تعيينه الا عموم اللفظ، من حيث كونه جمعا مضافا.
و مع ذلك يخدشه امران:
احدهما: انه انما يفيد لو كان(الشعائر)جمعا للشعار بمعنى مطلق العلامة، و هو غير ثابت، لاحتمال كونه جمعا للشعيرة التي هي البدنة.
و ثانيهما: ان عموم الجمع المضاف انما هو في الافراد المنسوبة الى المضاف اليه;و المضاف اليه هنا و ان كان هو الله، و لكنه لما لم يصح يحتاج الى تقدير لا يتعين ان يكون هو دين الله، او طاعته، او عبادته، او امثال ذلك، بل يمكن ان يكون هو طاعته المخصوصة (29) ، اي: الحج، فان ادنى ملابسة كافية في الاضافة.
هذا مع ان ظاهر المقام لا يلائم التعميم، بل يناسب احد الثلاثة-كما مر فيكلام البيضاوي-لكون المقام مقام بيان اعمال الحج.
بل ما بعد هذه الآية و هو قوله: «لكم فيها منافع» الى آخره، يعين ارادة احد هذه الثلاثة، اذ لا يوافق قوله تعالى: «لكم فيها منافع» الى قوله سبحانه:
«الى البيت العتيق» ارادة التعميم من شعائر الله الا بارتكاب امور كثيرة مخالفة للاصل من تقدير و تخصيص، كما مر في كلام الطبرسي.
بل في الروايتين اللتين مر ذكرهما في كلام الصافي عن الكافي و الفقيه تصريح بتفسير قوله تعالى: «لكم فيها منافع» الى آخره، بما لا يوافق الا احد الثلاثة.
بل في بعض الاخبار: اشعار بارادة البدن خاصة من الشعائر، و هو ما رواه في الكافي باسناده عن ابن عمار، قال، قال ابو عبد الله عليه السلام: «اذا رميت الجمرة فاشتر هديك ان كان من البدن او من البقر، و الا فاجعله كبشا سمينا فحلا، فان لم تجد فموجوء من الضان، فان لم تجد فتيسا فحلا، فان لم تجد فما تيسر عليك، و عظم شعائر الله، فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ذبح عن امهات المؤمنين بقرة بقرة، و نحر بدنة» (30) .
هذا، و لكن الظاهر من قوله سبحانه بعد هذه الآيات: «و البدن جعلناها لكم من شعائر الله» (31) عدم اختصاص الشعائر بالبدن، حيث ان الظاهر من لفظة(من)هو التبعيض.
و ظهر بذلك ضعف ما يستفاد من كلام جمع من الفقهاء من حمل شعائر الله على العموم.
ثم لو سلمنا حمله على العموم و ارادة جميع اعلام دين الله، فلا دلالة في الآية على وجوب تعظيمها، بل غاية ما يستفاد منها هو الرجحان و كونه من تقوى القلوب، و اين هو من الوجوب؟ !
نعم ظاهر الامر في رواية ابن عمار المتقدمة: هو الوجوب، فلو ثبت التعميم لكان حسنا في اثبات الوجوب.
و لكن مع ذلك كله، و تسليم العموم، و افادة الوجوب، لا يثبت من الآية و لا الرواية الا وجوب التعظيم، و اما وجوب جميع انواع التعظيم-و هو المفيد في مواضع الاستدلالات-فلا;اذ الامر بالمطلق لا يدل على وجوب جميع افراده. فيحصل الاجمال، او وجوب نوع ما من التعظيم. و من ذلك ظهر ضعف ذلك الاستدلال راسا.
نعم: قد ثبتبالعقل و النقل حرمة الاستخفاف و الاهانة باعلام دين الله مطلقا، و انعقد عليها الاجماع، بل الضرورة، بل يوجب في الاكثر الكفر.
و ترك التعظيم قد يكون بما يكون اهانة و استخفافا، و قد لا يكون كذلك، كما ان ترك تعظيم شخص تارة يكون بضربه او الاعراض عنه الموجب للاستخفاف، و اخرى بعدم استقباله او القيام له، فما كان من الاول يكون حراما لايجابه الاهانة، دون ما كان من الثاني.
ثم الامور الموجبة للاهانة ايضا على قسمين: قسم يكون اهانة مطلقا، كسبشخص و نحوه. و قسم قد يكون اهانة و قد لا يكون، و يختلف بالقصد، و المناط هو حصول الاهانة. هذا.
ثم لا يخفى: ان مطلق التعظيم لشعائر الله، اي: جميع افراده بجميع افرادها و ان لم يثبت وجوبه، و لكن استحبابه و رجحانه-لاجل انه من شعائر الله، و منسوب اليه-مما لا شك فيه و لا شبهة تعتريه، و الظاهر انعقاد الاجماع عليه. و قوله عليه السلام: «لكل امرىء ما نوى» (32) يدل عليه. بل يستفاد من تضاعيف اخبار كثيرة اخرى ايضا، و فحوى: رجحان تعظيم البدن او مطلق مناسك الحجيشعر به. و الله هو الموفق.
تعليقات:
1) الحج 22: 32، 33.
2) اثبتناه من المصدر.
3) في«ب»، «ح»: و الشعر.
4) في«ب»، «ج»، «ح»: و الرمل.
5) في ترتيب القاموس 2: 720، موضعها بدل معظمها.
6) القاموس المحيط 2: 61.
7) الصحاح 2: 698.
8) مسند احمد 2: 325، غريب الحديث للهروي 2: 65.
9) سنن ابي داود 3: 74، اورده في الهامش نقلا عن المنذري.
10) في المصدر زيادة: في الحرب.
11) النهاية 2: 479.
12) في المصدر: استسمانها، و سنم البعير و اسنم-بالبناء للمفعول-: عظم سنامه(المصباح المنير : 291).
13) الدر المنثور 4: 359.
14) انظر احكام القرآن للجصاص 3: 242.
15) الكافي 4: 493-1، الفقيه 2: 300-1491 و 1493، التهذيب 5: 220-742، الوسائل 10: 133 ابواب الذبح ب 34 ح 3 و 5.
16) الام 2: 216، و المهذب في فقه الشافعي 1: 236، و نقل قول عطاء الطبري في تفسيره 17: 115.
17) انظر التفسير الكبير 23: 33 و جامع البيان 17: 33.
18) انظر التفسير الكبير 23: 34.
19) في المصدر: حيثيحل نحرها.
20) مجمع البيان7-8: 83، و انظر التبيان 7: 314.
21) انوار التنزيل و اسرار التاويل 4: 54.
22) تفسير القمي 2: 84.
23) الكافي 4: 395-5، الوسائل 9: 243 ابواب كفارات الصيد ب 46 ح 1.
24) الكافي 4: 247-4، التهذيب 5: 454-1588، الوسائل 8: 153 ابواب اقسام الحج ب 2 ح 4.
25) الكافي 4: 492-1، الفقيه 2: 300-1493، التهذيب 5: 220-742، الوسائل 10: 133ابواب الذبح ب 34 ح 5.
26) تفسير القمي 2: 84.
27) تفسير الصافي 3: 378.
28) في«ح»: و لا يدل.
29) في«ب»: الطاعة المخصوصة.
30) الكافي 4: 491-14، الوسائل 10: 98 ابواب الذبح ب 8 ح 4.
31) الحج 22: 36.
32) التهذيب 4: 186-519، و ج 1: 83-218، الوسائل 1: 34 ابواب مقدمة العبادات ب 5 ح 7، سنن ابي داود 2: 651-2201 ب 11.