ولاية الفقيه: بين النراقي و الإمام الخميني (رص)

قاسم المالكي

يعتبر الإمام الخميني مبحث ولاية الفقيه من أهم المباحث المفروض بحثها من قبل الفقهاء كما أن ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصورها التصديق بها فهي لا تحتاج لأية برهنة و يرى أن السبب الذي جعلها بحاجة إلى استدلال هو الأوضاع الاجتماعية للمسلمين بشكل عام و الحوزات العلمية بشكل خاص و ذلك بسبب ما ابتلت به النهضة الإسلامية من الدعاية المضادة منذ انطلاقتها ابتداء باليهود الذين بدأوا الدعاية ضد الاسلام و وصل الدور بعدهم إلى طوائف أخرى و منها الاستعمار الذي دخل البلاد الاسلامية منذ ثلاثة قرون أو أكثر فقاموا بالدعاية و الدس ضد الاسلام بمختلف الوسائل و قد تعاضد في العمل على تحريف حقائق الاسلام رجال الدين الذين أوجدوهم في الحوزات العلمية و العملاء الذين كانوا يعملون لهم في الجامعات و المؤسسات الاعلامية و الحكومية أو مراكز النشر و المستشرقون الذين هم في خدمة الدول الاستعمارية. (1)

هذا مما جعل الاسلام يعرض بشكل ناقص في الحوزات العلمية بعد ان سلبت منه الخاصية الثورية و الحياتية أو منع المسلمين من السعي و التحرك و الثورة لتطبيق الأحكام الاسلامية و اكتفى المسلمون في حياتهم السياسية و الاجتماعية بقوانين مستوردة غريبة عن الإسلام، و يلفت الإمام (قدس) النظر إلى الفرق بين الاسلام و ما يعرض انه الإسلام بضرب مثل لذلك و هو التفاوت الموجود بين القرآن و كتب الحديث من جهة و بين الرسائل العميلة التي تكتب من قبل مجتهدي العصر و مراجع التقليد فاننا نلاحظ ان نسبة الاجتماعيات في القرآن الكريم من الآيات تقدر بمائة مقابل الواحد من العباديات و اما كتب الحديث فالدورة الواحدة التي تتألف من خمسين كتابا أو فصلا نجد ان ثلاثة أو أربعة كتب تخص العبادات و وظائف العبد تجاه ربه مع شي‏ء من أحكام الاخلاق و الباقي كله فيما يتعلق بالأمور الاجتماعية و الاقتصادية و الحقوق بينما تتكرس معظم الرسائل العملية في خصوص الأمور العبادية و شي‏ء يسير بخصوص الأمور الاجتماعية (2) ثم يضيف (قدس) فان الأجانب قد هيأوا الاساس منذ عدة قرون لمطامعهم السياسية و الاقتصادية و قد نجحوا نتيجة الإهمال الموجود في الحوزات من قبل علماء الدين و لقد كان بيننا أشخاص ساعدوهم في تحقيق أهدافهم دون ما علم بذلك حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن.

و إذا أردنا ان نقارن ما قاله (قدس) اليوم مع ما كتبه العلامة أحمد النراقي بالأمس نفهم قيمة البحث الذي تطرق إليه المحقق النراقي في يومه في خصوص ولاية الفقيه فقد بعث الوعي عندما حمل الفقيه في بحثه مسؤولية الولاية التي كانت للمعصوم (ع) و اعتبره نائبه ونظيره في الصلاحيات و أردف ذلك بالأدلة العقلية و النقلية التي تثبت نظريته في ولاية الفقيه فهذا يعتبر نقلة مهمة من الوعي و المسؤولية بالنبسة للحوزة العلمية كي تتحمل مسؤوليتها و تؤدي الدور المطلوب منها و بعث التفكير لدى الفقهاء عن كيفية إقامة دولة اسلامية على رأسها الفقيه الجامع للشرائط و تجاوز الحالة السائدة قبل النراقي و التي يكفتي فيها الفقيه للتعرض للفتوى و بعض الأمور الحسبية وإذا أراد أن يتقدم خطوة أكثر يسعى لإقناع سلطان الزمان أن يعمل على تطبيق بعض الأحكام الشرعية أو منع بعض المنكرات من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ان التنظير الذي قام به المحقق النراقي لولاية الفقيه و ما تبعه من بحوث و حوار حول هذه المسألة قد مهد للإمام الخميني (قدس) أن يتقدم بالحوزة في نقلة جديدة كبرى و هي السعي الجاد لإقامه حكومة إسلامية يتزعمها الفقيه العادل فضلا عن التنظير لها و الاستدلال عليها.

و إذا كان من أهداف المحقق النراقي ترجيح ميزان القوة لصالح الفقهاء على سلاطين الزمان لينزلوا عند إرادتهم لتنفيذ مشاريعم الاصلاحية و إذا كان الشيخ النراقي الأول إنطلق في بحثه عن ولاية الفقيه بدافع الدفاع عن الفقهاء و إظهار دورهم و مكانتهم في المجتمع في قبال مواقع الملوك الذين عاصرهم و بسبب وجود التنافس الضمني و محاولة الملوك التقليص من دور العلماء بعدما شعروا أن سلطتهم على قلوب الناس اتسعت و اخذت تشكل خطرا على سلطانهم فبادروا لإضفاء الشرعية على سيرتهم و عرشهم و أوامرهم و نواهيهم و أنهم ينفذون أوامر الشريعة و يسيرون وفق الضوابط الشرعية و أراد النراقي من إعطاء الولاية العامة للفقيه ان دورهم دور المعصوم (ع) الا ماخرج بالدليل ليوقف الملوك عند حدهم و ان لا يتجاوز العلماء و يثبت ان الملوك يحتاجون في شرعية أوامرهم و نواهيهم و غيرها إلى شرعية من العلماء و انهم القادة الحقيقيون.

و كذلت أراد التخلص من أولئك الذين تمظهروا بمظهر العلماء و اخذوا يفتون و يتصرفون بما لا يناسبهم و شكلوا خطرا على الدين و المذهب و لعله اراد كذلك وحدة مشايخ الاسلام تحت راية فقهية واحدة و ان لا يتصدى للمشيخة غير الفقيه و الواقع ان المحقق النراقي دفعه للتنظير لولاية الفقيه علاجا لحالة عاصرها و مع ذلك فقد كان بحثه انطلاقة جديدة لولاية الفقيه وحدها تحت نظرية متكاملة مهدت لمن جاء بعده من الفقهاء ان يأخذوا هذه النظرية مأخذ الجد فكثرت البحوث حولها و ان لم نجد من توسع بها أكثر مما جاء به الا ما جاء به الإمام الخميني و إذا كان المحقق النراقي يدعو بشكل ضمني الى دولة الفقيه.

نجد ان الامام الخميني (قدس) يصرح و بشكل علني و واضح انه يقصد في ذلك إقامة حكومة اسلامية يشرف عليها الفقيه الجامع للشرائط تقوم على عاتقها باصلاح كل فاسد من أمور المسلمن و اعادة الحيوية و الفاعلية للاسلام مستعرضا وظائف الفقيه و صلاحياته و منبع تلك الصلاحيات و رسم حدودها.

و نجد في بحثه لولاية الفقيه انه انطلق من قواعد عقلية تقضي بضرورة إقامة حكومة لكل مجتمع ثم بين أنواع الحكومات الممكنة و اثبت ان الحكومة الاسلامية التي على رأسها الفقيه هي الافضل و المناسبة لمجتمعنا الاسلامي.

و بذلك فهو في بحثه هذا اعتمد الطريقة الثانية (3) بعدما بينا ان هناك طريقين لبحث ولاية الفقيه الأول فرض الولاية ثم سرد الأدلة عليها و هذا هو الطريق الذي سلكه المحقق النراقي.

و البحث الآخر ينطلق من ضرورة إقامة حكومة في نطاق الاسلام ثم بيان شرائط الحاكم و العنوان المناسب له و كيفية تعيينه و ما هي وظائفه.

فجاء القسم الأول من بحثه في لزوم إقامة الحكومة ساردا الأدلة على ذلك بشكل تفصيلي العقلية و النقلية منها.

و بعد ذلك بحث نمط الحكومة الاسلامية و اختلافها عن باقي الحكومات معتبرا حكومة الاسلام هي حكومة القانون و تنحصر الحاكمية فيها لله و القانون منه تعالى، فالنبي و خلفاؤه جميعا تابعون للقانون النازل من قبل الله و الصلاحيات التي حددت للنبي و للولاة من بعده من الله و بعد أن استعرض شروط الحاكم وصل (قدس) إلى هذه النتيجة و هي قوله و الآن في عصر غيبة الإمام و حيث تقرر أن أحكام الإسلام ذات الارتباط بالحكم باقية و مستمرة و ان الفوضى امر غير جائز فيكون تشكيل الحكومة امرا واجبا (4) ، ثم راح يتابع (قدس) هذا التسلسل المنطقي قائلا و الآن حيث لم يعين شخص محدد من قبل الله عز و جل للقيام بامر الحكومة في زمن الغيبة فما هو التكليف هل يجب التخلي عن الإسلام . ثم يستمر بمجموعة من التساؤلات إلى ان يقول: و لئن كان الله تعالى لم يعين شخصا معينا للحكومة في زمن الغيبة لكن تلك الصفات التي كانت شرطا في الحاكم من صدر الإسلام الى زمن الإمام صاحب الزمان (عج) هي كذلك لزمان الغيبة أيضا و هذه الصفات التي هي عبارة عن العلم بالقانون و العدالة موجودة في عدد لا يحصى من فقهاء عصرنا لو اجتمعوا مع بعضهم لاستطاعوا إقامة حكومة العدل الشامل في العالم (5) ثم لو قام الشخص الحائز لهاتين الصفتين بتأسيس الحكومة تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم و يجب على جميع الناس اطاعته، و الكلام في الوظيفة و ليس في المقام و المرتبة. و بعد ان تعرض (قدس) إلى طبيعة ولاية الفقيه و اعتبرها من الأمورالاعتبارية العقلائية، استعرض الروايات التي يستفاد منها اثبات الولاية للفقيه في وجه من الوجوه و في الجملة هي نفس الروايات التي استعرضها النراقي (قدس) بغض النظر عن الاختلاف فيما يثبت به المطلوب عند طرف دون طرف آخر.

ولاية الفقيه من خلال الرويات:

لم يكتف الإمام الخميني (قدس) بالاستدلال العقلي و المنطقي على الولاية و انما استدل كذلك على الولاية من خلال الروايات على أصلها و حدودها و شروطها.

و لم يكتف بما فعله المحقق النرافي الثاني (قدس) من سرد الروايات جملة ثم اخذ النتيجة .

و انما تعرض لها رواية رواية معالجا لسندها و دلالتها و مبينا مقدار ما يثبت بها من الولاية و غالبا ما يتضمن بحثه تعبئة نحو إقامة حكومة اسلامية لتنفيذ الأحكام الشرعية ناقدا الحالة التي يعيشها العلماء من السكوت و الانعزال و الاقتصار على الأمور الجزئية للشريعة.

و على ما يظهر لم يسلك الطريق الذي اخذه النراقي الثاني من تقسيم وظائف الفقيه إلى أمرين الولائية و الحسبية و استدل على الأمر الأول بصورة مستقلة عن الاستدلال عن الأمر الثاني و لم يفعل ما فعله النراقي من الاستدلال على فروع الأمر الثاني من الإفتاء و القضاء واحدا واحدا كل بمفرده و جعل لكل واحد منها بحثا مستقلا.

و انما كما بيننا صب الإمام الخميني (قدس) جهده على ضرورة إقامة حكومة اسلامية بإشراف الفقيه و إيجاد القناعة في ذلك من اجل السعي الجدي لها و خاصة بعد أن لم يجد خلافا بين الفقهاء في الأمور الحسبية و إثبات ولاية الفقيه عليها مما أجمع عليه الفقهاء و انما صب جهده على الأمور التي اختلف فيها الفقهاء و خاصة حدود ولاية الفقيه و على ما يظهر أنه متفق مع المحقق احمد النراقي في حدودها.

ثم ذكر الإمام الخميني (قدس) مجموعة من الروايات المؤيدة، بينما المحقق احمد النراقي لم يفصل بين المؤيد و الدليل.

و ينقل الإمام الخميني (قدس) رواية عن احمد النراقي في العوائد التي ينقلها عن فقه الرضا الذي يقول عنه الإمام نحن لا نستطيع القول بأن الفقه الرضوي صادر عن الإمام الرضا (ع) لكن يمكننا التمسك به كمؤيد (6) و الرواية هي: (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني اسرائيل) (7) ثم ذكر الإمام الخميني المؤيدات الأخرى و كلها سردها النراقي في بداية بحثه للاستدلال بها جملة على المطلوب.

و ختم الإمام الخميني (قدس) كلامه عن بحث ولاية الفقيه بقوله: لقد انتهينا من البحث في موضوع ولاية الفقيه و لن نتكلم بعد في هذا المجال و لا حاجة ايضا للبحث في فروع المطلب كالبحث عن كيفية الزكاة و إجراء الحدود مثلا لقد بحثنا في أسس الموضوع أي ولاية الفقيه (الحكومة الاسلامية) و بينا ان الولاية التي كانت للنبي الأكرم (ص) و الأئمة (ع) هي ثابتة للفقيه و لا شك في هذا المطلب أيضا إلا ان يقوم دليل على خلاف في بعض الموارد و بذا فان الإمام في بحثه هذا وجه دعوة صريحة لإقامة حكومة اسلامية على رأسها الفقيه الجامع للشرائط و إذا عجز أو تردد غيره من الفقاء للسعي لإقامتها فقد شمر (قدس) ذراع الجد و تحققت على يده المباركة أول دولة اسلامية عرفها التأريخ و على رأسها فقيه عادل .

الهوامش:

.1 الحكومة الاسلامية، الإمام الخميني ص .19

.2 الحكومة الاسلامية، ص 20ـ .22

.3 الحكومة الاسلامية، ص .79

.4 هناك طريقتان لبحث ولاية الفقيه الأولى سلكها المحقق احمد النراقي و الثانية جاء بها الإمام الخميني.

.5 الحكومة الاسلامية، ص .80

.6 الحكومه الاسلامية، ص .156

.7 العوائد، ص 532، فقه الرضا، ص .338