قاسم المالكي
قلنا ان المحقق احمد النراقي قسم وظائف الفقيه الى قسمين و كان القسم الاول وظيفة الفقيه في خصوص الولاية العامة و قد مر الكلام عنه في مكان آخر من هذا الموقع.
و اما القسم الثاني الذي نحاول ان نتعرض له و هو وظائف الفقيه في الامور الحسبية (1) و الذي عبر عنه بكل فعل متعلق بامور العباد في دينهم و دنياهم و لابد من الاتيان به و لا مفر منه اما عقلا او عادة من جهة توقف امور المعاد و المعاش لواحد او جماعة عليه و اناطة انتظام امور الدين و الدنيا به او شرعا من جهة ورود امر به او اجماع او نفي ضرر او اضرار او حرج او وظيفة لمعين واحد او جماعة و لا لغير معين اي واحد لا بعينه بل علم لابد من الاتيان به او الاذن فيه و لم يعلم المأمور به و لا المأذون فيه فهو وظيفة الفقيه و له التصرف فيه و الاتيان به (2) .
و بعد استعراضه هذا لوظائف الفقيه في الجملة استدل عليها جملة اولا بالاجماع والعقل ثم استدل على كل وظيفة بصورة منفردة باستدلال خاص.
استدل استدلالا منطقيا عقليا من خلال تثبيته لمقدمات رتب عليها نتيجة كون هذه الامور التي تذكر عادة في الفقه مثل الافتاء و القضاء و الولاية على القاصرين و غيرها من وظائف الفقيه و قد ثبت قاعدتين استفاد منهما في هذا الاستدلال العام فتارة يستفيد بواحدة منهما و تارة بكليهما.
انه مما لاشك فيه ان كل امر كان كذلك (الامورالحسبية السابقة) لابد و ان ينصب الشارع الرؤوف الحكيم عليه واليا و قيما و متوليا و المفروض عدم دليل على نصب معين او واحد لا بعينه او جماعة غير الفقيه.
فاما الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الاوصاف الجميلة و المزايا الجليلة و هي كافية في دلالتها على كونه منصوبا منه.
بعد ثبوت جواز التولي و عدم امكان القول بانه يمكن ان لا يكون لهذا الامر من يقوم له و لا متول له، نقول ان كل ما يمكن ان يكون وليا و متوليا لذلك الامر و يحتمل ثبوت الولاية له يدخل فيه الفقيه قطعا من المسلمين او العدول او الثقات و لا عكس و ايضا كل من يجوز ان يقال بولايته يتضمن الفقيه وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمنا لثبوت ولاية الغير سيما بعد كونه خير خلق الله بعد النبيين و افضلهم و الامين و الخليفة والمرجع و بيده الامور فيكون جواز ثبوت ولايته يقينا و الباقون مشكوك فيهم فتنفى ولايتهم و جواز تصرفهم النافذ بالاصل المقطوع به و كذا الوجوب الكفائي (3) .
الاولى: بما ان كل امر من الامور الحسبية لابد من قيم او ولي عليه لانه مما تتوقف عليه امور المعاد و المعاش و عدم دليل لنصب معين فلابد ان تكون الولاية للفقيه لانه المعين بالتعيين العام، لما ورد في الروايات من مدح في خصوصه ما لم يرد في غيره.
الثانية: لان كل ما يثبت فيه الولاية للآخرين فهي ثابتة له (الفقيه)، و ليس كل ما يثبت له من الولاية ثابتة للآخرين فتكون ولايته معلومة و الآخرين مشكوكة فتنفى ولايتهم و تثبت ولايته.
ثم قال: لتكن هاتين الكليتين نصب عينيك و بين يديك تجريها في جميع المقامات الفرعية و الموارد الجزئية و يندرج تحتهما جميع ما ذكره الفقهاء في المسائل الشخصية (4) .
و قد نسب (قدس سره) الى الشهيد القول ببعض هذه الوظائف فقال و قد ذكر بعض تلك الامور الشهيد في قواعده قال الشهيد ما خلاصته قاعدة في ضبط مايحتاج الى الحاكم، كل قضية وقع النزاع فيها في اثبات شيء او نفيه او كيفية و كل امر فيه اختلاف بين العلماء كثبوت الشفعة مع الكثرة او احتيج فيه الى التقويم كالارش و تقدير النفقات او الى ضرب المدة كالايلاء و الظهار او الى الالقاء كاللعان و ما يحتاح اليه القصاص نفسا او طرفا و الحدود و التعزيرات و حفظ مال الغياب كالودائع و اللقطات، انتهى (5) .
و في نظره (قدس سره) لا تقتصر الامور الحسبية على ما ذكر و لا على ما سوف يذكره لانه يصرح فيقول نذكر هنا بعضها.
و كل ما يذكره من الفروع في هذه العائدة يستدل عليه استدلالا مستقلا بالاضافة الى الاستدلال العام المار الذكر.
فيقول فلهم ولايته و على الرعية وجوب اتباعهم في فتاويهم و تقليدهم في احكامهم و هي ثابتة بكل من الامرين الكليين المذكورين و يدل عليه ايضا من الاخبار المتقدمة بخصوصه المروي عن تفسير الامام (ع) و مقبولة عمر بن حنظلة (6) .
ثم يبين كيفية الاستدلال بهاتين الروايتين و يشكل ويجيب إن قيل قلنا الا انه لا يتعرض الى سند هاتين الروايتين هل هو معتبر او غير معتبر و طرق اعتبارهما و عدم اعتبارهما و لعله او كل ذلك الى موضع آخر كما يظهر ذلك من مناقشته لمقبولة عمر بن حنظلة و بعض الروايات في كتابه الفقهي الموسوعي المستند.
و بعد اكمال الاستدلال بهاتين الروايتين يستعرض جملة من الروايات التي يرى انها تدل على المطلوب اما سردا او يتوقف عند بعضها و يشير الى كيفية الاستدلال بها.
و بعد اكماله الاستدلال على وظيفة الافتاء يذكر امور تترتب على هذه الوظيفة:
الاول: ثبوت ولاية الافتاء للفقيه و وجوب الافتاء عليه كفاية.
الثاني: وجوب تقليدالعامي.
الثالث: موارد وجوب الافتاء و التقليد.
الرابع: تعريف المجتهد و المقلد.
الخامس: على الفقيه ان يعلم ما يجب فيه الافتاء عليه و ما لا يجب.
و بما يخص المورد الثالث ـ الذي يفتي به الفقيه ـ قال: (الذي يفهمه الفقيه من قول الشارع و ينسبه اليه و يستنبط ارادته من الامور المتعلقة بالدين الفرعي سواء كان حكما شرعيا او وضعيا او موضوعيا او محمولا او متعلقا له استنباطيا او غير استنباطي من حيث هو موضوع او محمول او متعلق للحكم الديني لا مطلقا و بالجملة كل ما نخبره من الامورالفرعية الدينية (7) .
ثم يعالج (قدس سره) مسألة تحديد موضوع الحكم متى يكون تحديده مناط بالفقيه و متى يكون تحديده مناط بالمقلد او العامي فيرى ان الفقيه اذا فهم موضوع الحكم فلا يجوز له احالة المقلد الى العرف لفهم الموضوع الا اذا استنبط ان مراد الشارع المعنى العرفي و يضرب مثلا لذلك اذا استنبط الفقيه ان الخمر نجسة و ان هذه الخمر هي العصير العنبي و ان نجاستها عبارة عن كونها واجب الاجتناب في الصلاة فيجب افتاؤه بذلك و يجب على مقلده تقليده في ذلك فيقلده في تعيين الموضوع و هو العصير العنبي و في معنى المحمول و هو كونه واجب الاجتناب في الصلاة و في الحكم و هو ثبوت المحمول للموضوع (8) ولو فهم المقلد معنا عرفيا لا يفيده في المقام لان الفقيه حدد الموضوع شرعا و لعل للفقيه دليل على التجوز (و عدم ارادة المعنى اللغوي او نقل الى معنى آخر) او اختلاف العرفين العرف العام و عرف الشارع او غير ذلك.
نعم لو علم المقلد انه ليس للفقيه قرينة و لا دليل على هذا التعيين و مع عدم التعيين يجب الرجوع الى العرف فعندها يكون المقلد بنفسه مجتهدا في المسألة و يحدد الموضوع بما يفهمه من العرف و اذا اختلف في فهم المعنى العرفي لا يجب التقليد لانه ليس اخبارا عن قول الامام (ع) و بالجملة عند النراقي (قدس سره) ان الثابت من الادلة الافتاء و التقليد في جميع ما يحكيه عن الشارع و ينسبه اليه من الامور الشرعية الفرعية من حيث هو هو (9) و يجب قبول حكمه دون فتواه فلو ثبت عند الفقيه الهلال مثلا و افتى بوجوب قبول قوله فيه يجب القبول و لكن لا يدل الدليل الرجوع اليهم اذا قالوا ثبت عندنا الهلال فيجب الصوم او الفطر فيجب هنا الرجوع اليهم بان يسأل عنه اذا ثبت ذلك عندك فما حكمنا.
و بما يخص المورد الرابع فقد فهم ان المجتهد من كانت له ملكة الترجيح و قوة الاستنباط من مظان الاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية فاذا اجتهد في مسألة فعلا فلا يجوز له التقليد اجماعا و كذا اذا كان متمكنا من الاجتهاد في المسألة و اذا لم يتمكن من الاجتهاد لمانع من ضيق وقت او فقد شرط و نحوه فالظاهر جواز التقليد بل وجوبه له لكثير من الاخبار المذكورة بل الاجماع و الدليل العقلي.
و بما يخص المورد الخامس فيرى انه لابد للفقيه المفتي ان يعلم ما يجب فيه الافتاء عليه و ما لا يجب و هنا فرع تفريعات عديدة منها كون المجتهد واحد او متعدد في البلد و كون السؤال وقت الحاجة او في غير وقت الحاجة و هل السؤال عن الواجبات او المحرمات او المستحبات .
ولخص ذلك بقوله: و خلاصة المقال انه كل ما يجب فيه على المستفتي السؤال يجب على المفتي الجواب فان وجب على الاول السؤال من ذلك عينا يجب عليه الجواب كذلك، و ما يجب فيه عليه من احد الفقيهين يجب عليه الجواب كفاية و كذا ما يتضرر المستفتي بجهله يجب عليه الجواب اما عينا او كفاية.
ثبت المحقق النراقي الثاني (قدس سره) ولاية القضاء للفقيه و وجوب الترافع اليه و قبول مايصدره من احكام.
مستدلا على ذلك بالاجماع و الروايات المارة الذكر من التوقيع و المقبولة و روايتي ابي خديجة و رواية داود بن حصين والنميري و هنا لم يدخل في تفصيلات الاستدلال و لعله اكتفى بما ذكره من تفصيل في كتابه مستند الشيعة الذي يعتبر موسوعة استدلالية موسعة و معتبرة لدى الفقهاء ثم الظاهر عنده وجوب القضاء على الفقيه للاجماع فان اتحد في البلد فعينا و إلا فكفاية (10) .
يذهب الى وجود اختلاف بين الفقهاء في ثبوتها للفقيه كلا او جزء.
و لذلك ينقل جملة من اقوال الفقهاء في المسألة.
و اما محققنا النراقي الثاني (قدس سره) فانه يذهب الى ثبوتها للفقيه الجامع الشرائط في زمن الغيبة (11) .
مستدلا عليها بالقاعدتين المتقدمتين لانها من الامور التي لا يرضى الشارع بضياعها و لابد من يقوم بها.
و ان الفقيه افضل من يتصدى لها لما ورد فيه من مدح به استحق التصدي لها.
بالاضافة الى استدلاله بالروايات و أبرز رواية يتصدرها للاستدلال رواية حفص بن غياث و يعتبر ضعفها منجبر بالشهرة و هي اقامة الحدود الى من اليه الحكم (12) .
ثم يضيف اليها جملة من الروايات المؤيدة للدليل و يستدل باطلاقات مثل قوله سبحانه «فاقطعوا» و «اجلدوا» .
يعتبر المحقق النراقي ان ثبوت ولاية الفقيه على اموال اليتامى اجماعي بل ضروري.
و مع ذلك فانه يستدل عليها بالاية الكريمة «و لا تقربوا مال اليتيم» (13) و القاعدة الثانية من قاعدتيه المتقدمتين مفصلا كيفية الاستدلال بالقاعدة.
و نحن نذكر هذا التفصيل بقوله: و بيانها انه لا شك و لا ريب في ان الصغير ممنوع من التصرف في ماله شرعا اجماعا و نصا كتابا و سنة.
فأما لم ينصب من جانب الله سبحانه احد لحفظ امواله و اصلاحه و التصرف فيه فيما يصلحه او نصب.
و الاول غير جائز على الحكيم المتقن عقلا كما صرح به في رواية العلل المتقدمة ايضا و يدل عليه استفاضة الاخبار بان الشارع لم يدع شيئا مما تحتاج اليه الأمة إلا بينه لهم و لا شك ان هذا أشد ما يحتاجون اليه بل يبطله في الاكثر نفي الضرر و الضرار فتعين الثاني و هذا المنصوب لا يخلو اما ان يكون معينا او لا على التعيين ـ اي كل من كان ـ و على التعيين اما يكون هو الفقيه او الثقة العدل لعدم القول بتعيين آخر.
و على التقادير الثلاثة يكون الفقيه منصوبا فهو المتيقن و الباقي مشكوك فيه مع ان المرجحات المتقدمة لتعيين الفقيه موجودة ايضا (14) ثم استدل على كون هذه الوظيفة بالاخبار الكثيرة، فصل في بعضها و اوجز في البعض الاخر .
ثم ختم كلامه (قدس سره) بقوله: و قد ثبت من هذه الادلة برمتها ثبوت الولاية للفقيه على الايتام في اموالهم بمعنى جواز تصرفه فيها و نفوذ بيعه وشرائه و معاملاته و بها يخرج عن اصل عدم جواز التصرف في مال الغير و عدم نفوذ تصرفاته (15) .
الاولى: هل الولاية ثابتة مطلقا او بعد انتفاء الاب و الجد و الوصي، فينتهي بالقول الظاهر عدم الخلاف في الترتيب، ثم يذكر الادلة على ذلك.
الثانية: تقدم الفقيه في الولاية على اموال الايتام على عدول المؤمنين.
الثالثة: عدم جواز تصرف غير الفقيه في مال اليتيم الا بإذنه للاصل و الروايات.
الرابعة: يجب على الحاكم التصرف بمال اليتيم بنفسه ان كان المال في معرض التلف و خوف الضرر على اليتيم بدون التصرف.
الخامسة: جواز تصرف الفقيه في مال اليتيم بمجرد الحفظ او بنحو الاقراض والتجارة و البيع و الشراء و الصلح و نحوها مع انتفاء المفسدة و استدل بالآية والاخبار.
قال (قدس سره) : فان ولاية اموالهم مع الحاكم اذا لم يكن لهم ولي آخر، و يدل عليه مع الاجماع الكتاب و السنة والقاعدة الثانية من القاعدتين المارة الذكر، و ظاهر الاصحاب و الذي عليه ظاهر الاجماع البسيط و المركب.
ان ولاية الفقيه على اموال المجانين و السفهاء ولاية الحفظ و الاصلاح و البيع و الشراء والتجارة و التبديل و سائر انواع التصرفات على الوجه الاصلح (16) .
قسم المحقق النراقي الغيب الى ثلاثة اقسام:
الاول: الغائب عن بلده المعلوم خبره و ناحيته المتوقع رجوعه عادة و عرفا و المظنون ايابه ولو باستصحاب البقاء و المتمكن من رجوعه او توكيله ولو بالكتابة و نحوها كالمسافرين للتجارة و الزيارة و الحج ونحوها.
الثاني: الاول إلا أنه غير متمكن من استخبار احواله و التصرف بامواله ولو لبعد مسافة و امتداد مدة او حبس و نحوه.
الثالث: الغائب المفقود خبره.
و هنا وضع للفقيه و ظيفتين وظيفة القضاء في خصوص الغيب و الولاية على اموالهم.
اما القضاء فماض على كل من الانواع الثلاثة.
و اما الولاية في اموالهم على الاطلاق فإن كان الغائب من القسمين الاولين فلا ولاية للحاكم من حيث هو حاكم على ماله من حيث هو غائب للاصل و الاجماع فليس له استيفاء حقوقه و مطالبته بما حل اجله من مطالباته واجارة ضياعه ونحو ذلك، و ان كان من القسم الثالث فظاهر سيرة العلماء و طريقتهم و المصرح به في كلام جماعة ثبوت ولاية الحاكم في امواله بل الظاهر انه اجماعي فهو الدليل عليه مضافا الى القاعدة الثانية من القاعدتين (17) .
و ولايته هنا منحصرة بالحفظ دون انواع التصرفات الاخرى.
ولاية الفقيه على الانكحة: (18) بعد ان قال (قدس سره) فان للحاكم ولاية فيها في الجملة اجماعا قال: انه لا خلاف في عدم ثبوت ولاية له في النكاح على غير الصغيرين و المجنوين و السفيهين و فصل في هذه الثلاثة فقال:
الاولى في الصغيرين الخاليين من الاب و الجد و المشهور عدم ثبوت ولاية النكاح عليهما للحاكم.
و عنده (قدس سره) الحق مع المشهور و الدليل هو الاصل و بعض الروايات.
الثانية في المجنونين البالغين، فبعد ان ذكر الاقوال في المسألة و ما يستدل عليها، قال : و الحق ثبوت ولايته في النكاح عليهما فيما لم يثبت ولاية غيره بشرط مسيس الحاجة و دعاء الضرورة و عدمه ما لم يكن ذلك، و للقاعدة الثانية من القاعدتين الكليتين المذكورتين المؤيدتين بمظنة الاجماع.
الثالثة: في السفيهين بمعنى خفيفي العقل الشامل لمن ليس له اهلية إصلاح المال ايضا.
بعد ذكر الخلاف في المسألة و ذكر اقوال العلماء فيها، قال: و الحق هو الثاني اي ثبوت الولاية بمعنى توقف صحة العقد على اذن الحاكم و لا يستقل الحاكم في الولاية على النكاح اي ليس وليا اجباريا، ثم انه قسم الاستدلال على عدم الاستقلال و على الحاجة الى اذن الحاكم اما الاول فللاصل السالم من المعارض و ظاهر الاجماع والآية و الروايات.
و الثاني للروايات و قد اسهب في ذكر الروايات المؤيدة و النافية نقضا و ابراما.
و من وظائف الفقيه ولاية الايتام و السفهاء في اجارتهم و استيفاء منافع ابدانهم مع ملاحظة المصالح:
و استدل لذلك بقوله للاجماع و لان في انتفائها ضررا عليهم و هو منفي في الشريعة و في عموم بعض الاخبار المتقدمة في امور الايتام شمول لذلك ايضا كالرضوي و صحيحة ابن رئاب (19) .
و من وظائف الفقيه استيفاء حقوقهم المالية و غيرها كحق الشفعة و الفسخ بالخيار و دعوى الغبن و الاحلاف و رد الحلف و حق القصاص في الدم و الجنايات و اقامة البينة وجرح الشهود و امثالها، و في كل ذلك الولاية للحاكم مع المصلحة لصحيحة ابن رئاب و الرضوي المنجبرين (20) .
و هي نصف الخمس و المال المجهول مالكه و مال من لا وارث له و نحو ذلك.
و قد يستدل لثبوت ولايته فيها بانها اموال الغائب و التصرف فيها للحاكم وضعفه ظاهر.
و قد يستدل ايضا بعموم الولاية و عنده ايضا ضعيف.
و الصواب عند المحقق النراقي الثاني الاستدال بالقاعدة الثانية و قد فصل الاستدلال في كتابه مستند الشيعة (21) .
و من وظائف الفقيه جميع ما ثبت مباشرة الامام له من امور الرعية كبيع مال المفلس و طلاق المفقود زوجها بعد الفحص و نحو ذلك للقاعدة الاولى من القاعدتين المتقدمتين و للاجماع .
ثم قال: و على الفقيه في كل مورد مورد ان يفتش عن عمل السلطان و الامام فإن ثبت فيحكم به للفقيه ايضا (22) .
و قد نبه (قدس سره) الى جملة من الموارد قد يشتبه انها من وظائف الفقيه في حين يرى انها ليس كذلك فمنها قوله: من الموارد التي لا ارى عليه دليلا ما تداول في هذه الاعصار (عصر النراقي) في المبايعات الشرطية التي فيها خيار الفسخ للبائع بشرط رد الثمن الى المشتري في زمان معين فاذا لم يحضر المشتري في الزمان المعين يجيئون بالثمن الى الفقيه و يفسخون المبايعة، و من تلك الموارد ما ذكروه في باب النسيئة أنه اذا لم يقبل البائع الثمن في الاجل يؤديه الى الحاكم ويبرأ بذلك و يكون التلف من البائع حينئذ فان قيل لابد في امثال تلك الموارد من الرجوع الى الحاكم، قلت: نعم لا شك في ذلك و هو المرجع في جميع الحوادث و له منصب المرجعية في جميع ما يتعلق بالشريعة و لكن الكلام في وظيفة الحاكم بعد الرجوع اليه انها ما هي (23) .
و هنا ميز (قدس سره) بين حالتين من موارد مراجعة ـ الفقيه مراجعته لمعرفة الموقف الشرعي من تلك المسألة و آخر مراجعته باعتبار انها وظيفته و المسؤول الاجرائي عنها.
كالتصرف في الاوقاف العامة و الاتيان بالوصايا التي لا وصي لها إبتداء او بعد ممات الوصي و عزل الاوصياء و نصب العوام و غير ذلك للقاعدة الثانية من القاعدتين المذكورتين و الواقع ان هذه الفروع و ان بحثت اكثرها اذا لم نقل جميعها من قبل الفقهاء الذين سبقوه إلا انه لم تبحث تحت عنوان وظائف الفقيه فهذا التقسيم لوظائف الفقيه الى قسمين و تقسيم الثاني منهما الى هذه الفروع على ما يظهر لم يسبقه اليه احد و حتى لم نجد من بحثها بعده بهذا الشكل و تحت هذا العنوان و بهذا العدد من الفروع (24)
نعم بحث الامام الخميني (قدس سره) مبحث ولاية الفقيه و فصل في الاستدلال عليه الا انه (قدس سره) صب جهده في اثبات الولاية العامة للفقيه و استعرض الادلة في ذلك في نقطة واحدة و هي ولاية الفقيه و حدودها و كأنه يرى بعد اثبات الولاية للفقيه تأتي هذه الفروع بشكل طبيعي خاصة بعد ان لاحظ عدم وجود خلاف مهم في هذه الفروع و انما العمدة في ذلك اثبات الحاكمية للفقيه و انه منصب من قبل الله بتنصيب المعصوم له بالمواصفات لا بالشخص و هذا كاف لاثبات مسؤولية الحفاظ على الشريعة و تبليغها و العمل على ضوءها في مجالات الحياة المختلفة فهذه الامور مقتضية للفروع التي ذكرها النراقي من الافتاء والقضاء و ولاية الايتام و السفهاء و غيرها.
الهوامش:
.1 للأمور الحسبية معنيان: الاول فقد يقصد بها شؤون الرقابة الاجتماعية و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و هذا هو المقصود من ولاية الحسبة في التاريخ الاسلامي. و الثاني و قد يقصد بالامور الحسبية كل ما يطلبه الشارع على نحو الكفاية مما تقوم به حياة المجتمع و يختل من دونه المجتمع و يدخل في قوله تعالى «و تعاونوا على البر و التقوى» [انظر: الاجتهاد و التقليد، للشيخ الآصفي ص 198] و نقصد هنا بالامور الحسبية المعنى الثاني .
.2 عوائد الايام، لاحمد النراقي العائدة (54) صفحة .236
.3 العوائد ص .538
.4 عوائد الايام احمد النراقي ص .539
.5 عوائد الايام احمد النراقي ص .539
.6 عوائد الايام العائدة 54 ص .539
.7 عوائد الايام ص .545
.8 عوائد الايام ص .545
.9 عوائد الايام ص .546
.10 عوائد الايام ص .552
.11 عوائد الايام ص .553
.12 من لا يحضره الفقيه 4/51 /179، التهذيب 10: 155 /621، الوسائل 18: 238 ابواب مقدمات الحدود ب 18 ح .1
.13 الانعام: .152
.14 العوائد ص .558
.15 العوائد ص .558
.16 العوائد ص .564
.17 عوائد الايام ص 564ـ .565
.18 عوائد الايام ص 566ـ .580
.19 العوائد ص .580
.20 العوائد ص .580
.21 العوائد ص 581، مستند الشيعة 2/ 87، كتاب الخمس، كتاب الميراث.
.22 العوائد ص .581
.23 العوائد ص .582
.24 من الذين قسموا وظائف الفقيه الى اربعة اقسام، آية الله الجوادي الآملي حيث ذكر في كتابه ولاية الفقيه باللغة الفارسية ص 242: ان للفقيه الجامع للشرائط اربعة وظائف اثنان يخصان الجانب العلمي و اثنان في المسائل العملية و هي: 1ـ حفظ الشريعة، 2ـ الافتاء، 3ـ القضاء، 4ـ الولاية العامة (الحكومة) .
اما الشيخ السبحاني في كتابه مفاهيم القرآن 2/221، فقد قال: ان للمجتهد الفقيه العارف بأحكام الاسلام القادر على استنباط قوانينه ثلاثة مناصب التي يعبر عنها جميعا بولاية الفقيه و هي منصب الافتاء و القضاء و الحكومة.