الجذور التاريخية لولاية الفقيه

قاسم المالكي

نحتاج للتعرف على ولاية الفقيه و أهميتها و أهمية الدور الذي قام به العلامة النراقي الثاني (قدس) التعرف على جذورها التأريخية الممتدة إلى عصر النبي محمد صلى الله عليه و آله، الذي يعتبر أول من تسنم منصب الولاية بتعيين من السماء كما نصت الآيات القرآنية على ذلك «يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم» (1)

«النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» (2)

«انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون» (3)

«فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما» (4) .

و الدور الولائي الذي قام به الرسول (ص) فانه يشمل الولاية السياسية التي تمثل في هذا العصر القوى الثلاث (التشريعية و القضائية و التنفيذية) و الولاية الفكرية التي هي أعم من التشريع لتشمل تغذية الأمة بالمفاهيم الاسلامية التي تصوغ الفرد و المجتمع صياغة اسلامية و تهذب المفاهيم الجاهلية و الدخيلة التي يمكن ان تدخل عليه او الفها من قبل .

و كذلك رسمت الشريعة خط الولاية لما بعد الرسول (ص) بأن جعلت أوصياء للقيام بهذا الدور بعد النبي (ص) .

و قد حفوا هؤلاء الأوصياء بالرعاية السماوية والنبوية الخاصة حتى يؤهلوا لهذا الدور الكبير.

فقد روي ان النبي (ص) كان يختلي بالإمام علي الوصي الاول لساعات طويلة يزقه من العلم و المعارف الخاصة حتى قال (ع) علمني رسول الله من العلم الف باب يفتح من كل باب الف باب.

و بذا نعرف معنى قول رسول (ص) أنا مدينة العلم و علي بابها.

و هذا العلم توارثه الأوصياء من بعده الحسن و الحسين (ع) و أبناء الحسين (ع) التسعة الأوصياء بالولاية.

و تدخلت السماء و امرت النبي (ص) ان يعلن هذاالأمر للملأ فقال تعالى «يا ايها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس» فاستجاب الرسول لأمر ربه و قال كلمته المشهورة في غدير خم «من كنت مولاه فعلي مولاه» و تمت البيعة على ذلك لكن الذي حدث بتأثير الحسابات العشائرية و بقايا المفاهيم الجاهلية باعتبار ان الأمة لم يمر عليها الزمن الكافي لصياغتها صياغة اسلامية وفق المفاهيم القرانية حتى تكون جزءا من حياتها و ثقافتها بحيث تتغلب على أعرافها السابقة و تتحول هذه المفاهيم إلى اعراف جديدة فالذي حدث بعد وفاة رسول الله (ص) ان تصدى لهذه المسؤولية من لم يكن أهلا لها بتشجيع و مساعدة تلك الاعراف العشائرية و بقايا المفاهيم الجاهلية.

و بتصديهم هذا واجهوا عدة مشاكل أدت إلى انحراف المسيرة عن طريقها الذي رسمته السماء .

و من هذه المشاكل الفهم الخاطى‏ء لبعض النصوص القرآنية والنبوية و عدم حضور و استيعاب جميع النصوص التي يرجع إليها لأداء هذه المهمة بشكل صحيح و عدم القدرة على تطبيق مفاهيم هذه النصوص على مواضيعها و عدم معرفة كيفية ملئ الفراغ الذي تركته الشريعة لملئه من قبل الأولياء اعتمادا على القواعد الكلية التي يمكن اكتشافها في النصوص و خاصة الأحكام الشرعية للمواضيع المستجدة.

و رغم أنهم اضطروا في كثير من الاحيان للاستعانة بكثير من الصحابة في كثير من المسائل و خاصة الإمام علي (ع) حتى قال الخليفة الثاني لولا علي لهلك عمر، الا ان هذا المقدار لم يف بالغرض و ان خفف الخطب في وقته إلا ان الابتعاد عن الصراط المستقيم اصبح واضحا و عندما تهيأت الفرصة للوصي الأول (الإمام علي) ان يتسنم زمام الأمور و لو لمساحة معينة من أرض الاسلام، حاول ان يعود بالمسيرة إلى مجراها الطبيعي فواجه مشاكل أهمها أن الأمة ائتلفت الانحراف و رضيت به حتى صار في عرفها الاصلاح انحرافا و أساس ذلك ان الذين سبقوه اصدروا احكاما و افتوا وفقا لرأيهم الاجتهادي الذوقي نتيجة لجهلهم بالحكم الشرعي الواقعي او وفقا لمصالحهم الضيقة فابتلت الأمة بهذه الاذواق و تصورت انها أحكام و سارت عليها و عملت بها و صار من عمل على خلافها انحرافا كما حدث للإمام علي عندما أراد ان يغير طريقة تقسيم بيت المال و تعيين الولاة و تصحيح بعض الأحكام.

فواجه معارضة شديدة ادت إلى استشهاده و لم يتمكن من إعادة الامة إلى وسط الطريق.

و عندما جاء الأولياء من بعده (الذين نص عليهم) ابعدوا تماما عن الحكم و صاروا يؤدون دورهم بطرق تناسب ظروفهم الموضوعية التي عاشوها و كان دورهم الرئيسي الذي عملوا من اجله حفظ روح الاسلام و صيانة فكره من الافكار الدخيلة عليه.

و يمكن ان يقال انهم تصدوا للقيادة الفكرية و التزموا جانب التقية في خصوص القيادة السياسية بعد الإمام الحسين (ع) إلا ما يظهر من تأييد لبعض الحركات الثورية كثورة زيد بن علي (ع) .

و قد ربوا الكثير من طلابهم على هذا الدور.

و وردت روايات بهذا الشأن:

منها ما جاء عن الباقر (ع) يقول لأبان بن تغلب «اجلس في المدينة و افت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك» (5) و غيرها كثير.

ائتلف أصحاب الأئمة (ع) هذا الدور (العمل بالتقية) حتى في زمن الإمام الرضا (ع) رغم انه عهد إليه بولاية العهد من قبل المأمون فإنه لم يمارس دورا سياسيا في الحكم يذكر، بعد أن شرط ذلك على المأمون قبل تقبله لولاية العهد لعلمه انما ولي ذلك لأغراض سياسية مؤقتة أراد بها المأمون تقوية جانبه و اسكات الثورات التي ترفع شعار الرضا لآل محمد . و سار الأمر على هذا الحال إلى عصر الغيبة الصغرى و عندها اخذت الشيعة بصورة عامة و العلماء بصورة خاصة تراجع السفراء الأربعة لحل مشاكلهم و تصدر من الناحية المقدسة التواقيع في ذلك.

بدأت المشكلة بصورتها الواسعة في عصر الغيبة الكبرى.

و اصبح السؤال المطروح من يؤدي دور الإمام (ع) بعد غيبته؟ و على من تقع مسؤولية الولاية و من يتبنى حل مشاكل الأمة؟ فالاستئناس السائد في عصر الأئمة (ع) هو أداء الدور الفكري لظروف التقية المشددة التي منعتهم ان يظهروا دورهم السياسي من هنا لا بد ان يؤثر هذا الاستئناس على مواقف الفقهاء في عصر الغيبة فبعد أن وجد نوعان من العلماء منذ عصر الأئمة قسم جمدوا على الرواية و اخرون عملوا بالاجتهاد مع الرواية كذلك حصل هذا التقسيم في عصر الغيبة و في المرحلتين هناك محدث يهمه سماع الحديث و نقله و كتابته دون ان يولي اهتماما إلى استخراج ما طوي فيه من أحكام و فروع و هم يشكلون الغالبية من أصحاب الأئمة (6) .

و محدث واع يتدبر في الكتاب والسنة وكلمات اهل البيت (ع) ويستخرج منها ما تحتاج الية الامة وفي طليعة الذين تبنوا هذا المنهج محمد بن مسلم وزرارة بن اعين وابن ابي عمير و يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان (7) .

واستمرت هاتان المدرستان في عصر الغيبة الكبرى، و ذكر الشيخ السبحاني: يظهر من التدبر في الكتب الفقهية المؤلفة في القرن الرابع انها كانت في ذلك العصر تستعرض على نحوين :

احدهما ما كان عليه الصدوق و والده و غيرهما من الافتاء بنصوص الروايات تقريبا، الثاني استنباط الاحكام من الكتاب والسنة والقواعد العقلية التي دل عليها العقل الصريح و طبيعة ذلك الاجتهاد هو الخروج عن دائرة النصوص و على ذلك جرى ابن ابي عقيل و ابن الجنيد و الشيخ الطوسي في مبسوطه (8) .

فيكون هناك تياران تيارالجمود يدفعه الى ذلك الحرص على الشريعة و ان لا تلعب بها الاهواء .

و تيار الانفتاح الذي يريد للشريعة ان تستوعب الحياة و مستجداتها و المشكلة ان القسم الاول سوف لا ينتفع بالفرص التي قد تتاح له لدفع التشيع الى الامام لانهم لم يستأنسوا بها و يصعب عليهم التفكير بالجانب السياسي والتصدي و تحمل المسؤلية ليفكروا في ولاية الفقيه ويناقشوا صلاحياتها لانهم حرفيين لا يمكن ان يأتوا بما لم يكن حصالا زمن الائمة و لم يدر في خلده ان الفقيه سوف يتصدى يوما ما للحاكمية حتى ينظر لها.

بينما الخط الثاني سوف يكون هو الاكثر تأهيلا لاغتنام الفرص و تطوير الفقه بجميع جوانبه امثال الشيخ المفيد الذي اغتنم فرصة سيطرة البويهيين الشيعة على الدولة العباسية التي فتحت له الباب لان يدفع بالمذهب الامامي الى الامام ويجري عليه تطويرا مهما رغم المعانات الشديدة التي عاناها في ذلك و رغم انه انتهج منهجا وسطا بين الجمود على النصوص و التوسع في التفريعات المستمدة من القياس و الاستحسان الذي ادعي ان ابن الجنيد قد سلكه و الواقع انه حاكمها وفق النهج الامامي.

و جاء بعده السيد المرتضى و الشيخ الطوسي ليوسعا مدرسته وقد اوضح ذلك السيد القائد الخامنئي حفظه الله بقوله ان اهمية عمل الشيخ المفيد تتجلى باعتباره العالم الجليل الذي نظم و نسق الاطار العام في مدرسة اهل البيت و اعلن ذلك بوضوح، نعم ان هذا النابغة العظيم في احساسه بمتطلبات زمانه و في مقدرته العلمية والعملية دخل هذا الحقل الملي‏ء بالمصاعب والذي لم يدخله احد قبله (جريدة جمهورى اسلامى 29/1/72) .

و لعل تولي الشريف الرضي و السيد المرتضى نقابة الطالبيين تعتبر نقلة سياسية مهمة لدى علماء الشيعة بالاضافة الى إدارته لشؤون الحج و ديوان المظالم في عهده فهذه نقلة من المحافظة على الاطار العام للفكر الشيعي الى الممارسة العملية و تقدم التفكير السياسي على يد الشيخ الطوسي بعدما كان له كرسي الكلام مدة طويلة حتى ضعفت الدولة البويهية و آل الامر الى السلاجقة اضطر معها الشيخ ان يهاجر الى النجف بعد ان احرقت داره و مكتبته العامرة التي كانت تحوي ما يقرب من عشرة آلاف كتاب.

ثم اصيبت الحوزة بحالة ركود بعده حتى جاء ابن ادريس ليعيد لها حيوتها الفقهية.

و اعاد نشاطها السياسي بصورة أجلى الشهيد الاول و كان دوره السياسي واضحا من خلال تأثيره على السلطات الحاكمة في الشام رغم انها مخالفة له في المذهب و ما كتبه لامراء خراسان ـ الذين انتحلوا المذهب الامامي ـ كتاب اللمعة الشهير و من استدعائهم اياه للتصدي لامور المذهب لكن شهادته حالت دون وصوله اليهم.

و عاشت الحوزة حالة من الصحوة و الوعي في عصر الشهيد الاول فوزع الوكلاء في جبل عامل و اصبح المجتهد مرجعا سياسيا تأخذ منه الامة الموقف في كثير من الامور و استمر الوعي في تطور و اظهر مرحلة له هي المرحلة التي عاشها المحقق الكركي حيث تهيأت له الفرصة المناسبة لان يعلن عن آرائه الفقهية ويدعو الى مذهب الامامية و نشر الفكر الشيعي بحرية بعد ان استدعته الدولة الصفوية التي اعلنت حديثا المذهب الامامي مذهبا رسميا و احتاجت لمن يروج لهذا المذهب ويبين آراءه وافكاره.

وكانت الفرصة له أكثر مناسبة عندما تولى منصب شيخ الاسلام بدعوة من الشاه الصفوي حيث مارس دورا عمليا لولاية الفقيه من خلال تصديه لهذا المنصب و الصلاحيات التي منحها إياه نص التعيين الذي اعتبر الفقيه هو الاول في المسؤولية ولو على المستوى النظري.

و من يلاحظ نص التنصيب يرى هذا المعنى.

وقد تمكن المحقق الكركي ان يطرح مسألة ولاية الفقيه على المستوى الشعبي و البلاط و اصبحت هذه الثقافة مورد نقاش في جميع الاوساط حتى ان الشاه طهماسب اورد مقبولة عمر بن حنظلة في النص الذي منح فيه المحقق الكركي منصب شيخ الاسلام و هذه الرواية هي العمدة في الاستدلال على ولاية الفقيه.

و لا شك ان شياع هذه المسألة في الاوساط المختلفة العلمية والسطانية والشعبية دفعت العلماء الى ان يفكروا اكثر في هذه المسألة و ان المبرر لبحثها اصبح جديا و ارتفعت حالة اليأس التي عاشها القدماء من الفقهاء رضوان الله عليهم وكانوا يظنون ان لا جدوى و لا فائدة من بحثها اما في عصرالكركي و ما بعده فاصبحت هذه المسألة حية و هذا مما مهد لشيخنا المحقق احمد النراقي فيما بعد ان ينظر لولاية الفقيه و يجمع مسائلها في موضوع واحد فاستحق بذلك ان نعتبره اول من اظهر مسألة ولاية الفقيه بشكل نظرية واضحة للحكم و صرح بالولاية العامة للفقيه فضلا عن الولاية في الامورالحسبية و اكثر ما تعرض له الفقهاء من الولاية للفقيه في خصوص الامور الحسبية الا ما يظهر من بعض كلمات المحقق الكركي في جامع المقاصد حيث قال اتفق اصحابنا على ان الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد في الاحكام الشرعية نائب من قبل ائمة الهدى (ع) في حال الغيبة (9) .

حتى جاء المحقق النراقي الثاني فجعل لها عائدة مستقلة توضحها في كتابه عوائد الايام .

و من الجدير بالذكر لم يكن تصدي الكثير من العلماء لمنصب شيخ الاسلام و غيره ايمانا منهم بشرعية الحكومة الصفوية والقاجارية و لا من اجل مصالح ضيقة تخصهم و انما اعتبروها فرصة مناسبة لترويج الاسلام و تحقيق القدر الممكن من الاصلاح والعدالة التي توفرها لهم هذه الظروف.

و قد عبر عن ذلك الامام الخميني بقوله: لا نستطيع ان نظن بسبب هذا الارتباط بين العلماء والبلاط الملكي آنذاك ان العلماء اصبحوا من علماء السوء لانه كانت للعلماء اهداف مهمة وراء دخولهم البلاط (10) .

الهوامش:

.1 النساء .59

.2 الاحزاب .6

.3 النساء .65

.4 المائدة .55

.5 النجاشي 1/ .72

.6 تاريخ الفقه الاسلامي و ادواره للشيخ جعفر السبحاني ص .208

.7 المصدر السابق ص .208

.8 المصدر السابق ص .246

.9 جامع المقاصد للمحقق الكركي.

.10 آراء في المرجعية لمجموعة من الكتاب ص 389 نقلا عن الكتاب السادس في مجموعة آثار الامام الخميني قسم علماء الدين ص 207ـ 208 نشر طهران ـ امير كبير.