قاسم المالكي
عاش العلامة احمد النراقي الفترة الانتقالية من الافشارية و الزندية الى الدولة القاجارية و تأثر بما صاحبها من أحداث على مختلف الاصعدة من صراعات سياسية و تقلبات عقائدية و حروب خارجية و كانت أكثر حياته المباركة أيام الدولة القاجارية.
و في هذه الفترة تراجعت الاخبارية امام المدرسة الاصولية و حاول بعض رجالها ان يعيدها الى مجدها و قوتها بالاستعانة بالسلطان الا أنه لم يفلح لقوة الحجة و الدليل عند الاصوليين و قد احبط محاولة محمد الاخباري هذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء بعد ان كتب كتابا يرد فيه ادعاءات الاخبارية.
و يعتبر الشيخ كاشف الغطاء من اساتذة الشيخ العلامة احمد النراقي و كان محترما و معظما لدى الدولتين القاجارية و العثمانية رغم اعتراضاته على المظالم الصادرة منهما . فقد قبلت وساطته الدولة القاجارية لاطلاق صراح القائد التركي كهيا يوسف باشا والي ارزنة الروم الذي اسرته القوات القاجارية في احدى المعارك بين الدولتين عملا بمبدأ وحدة الامة الاسلامية الذي يؤمن به علماء الامامية و بعد احساسهم بالمخاطر التي تحيط العالم الاسلامي في ذلك الوقت روسيا و بريطانيا.
و يمكن ان يقال أن هذه الفترة امتازت بنشاط سياسي خاص لما ذكرنا بالأضافة الى شياع فكرة النيابة العامة للفقيه في الاوساط العلمية و الشعبية و في اروقة السلاطين و لعل اكثر من تمكن من نشر هذه الفكرة هو المحقق الكركي بعد ان سنحت له الفرصة التي لم تسنح لمن سبقه من الفقهاء لانهم عاشوا ظروف التقية و الملاحقة الا ما كان من بعض الانفراج للشيخ المفيد و السيد المرتضى و ايام من حياة الشيخ الطوسي.
بينما تمكن المحقق الكركي أن يضغط من خلال شخصيته القوية و علميته الفائقة على السلاطين ليقروا بولاية الفقية عليهم فضلا عن عامة الناس، و أصبح الفقيه هو الذي يفوض السلطان الصلاحية و اصبحت مسألة ان السلطان ممثل المجتهد مفهوما شائعا في ذلك العصر و انسحب الامر الى عصر الدولة القاجارية التي عاصرها المحقق احمد النراقي، فكان الشاه فتحلعي يفتخر و يقول (إن سلطتنا هي نيابة المجتهدين لزماننا حيث وفقنا بسعادة خدمة الائمة الهادين المهتدين) (1) .
و لا يخفى أن ذلك يعبر عن أمرين هامين الاول المكانة الاجتماعية القوية و الواسعة و المؤثرة للعلماء، و الثاني مدى حاجة الملوك و السلاطين اليهم في تلك الفترة و عدم القدرة عن الاستغناء عنهم لأن الشعب بجميع قطاعاته بما فيهم الجيش و البلاط تحركه القوة الشرعية و تغذي الامة و الجيش بالروح المعنوية التي تمكنهم من الدفاع عن الاخطار الخارجية و القضاء على الفتن الداخلية. و تضفي على أوامرهم نوعا من الشرعية كما يلحظ من الاجازة التي فوضها المرحوم كاشف الغطاء الى فتحعلي أيام الحرب التي وقعت بين ايران و روسيا، و التي جاء فيها «... لما كان الاستيذان من المجتهدين أوفق بالاحتياط و اقرب الى رضا رب العالمين و اقرب الى الرقية و التذلل و الخضوع لرب البرية فقد أذنت ان كنت من أهل الاجتهاد و من القابلين للنيابة عن سادات الزمان السلطان ابن السلطان و الخاقان ابن الخاقان فتحعلي شاه في اخذ ما يتوقف عليه تدبير العساكر و الجنود و رد اهل الكفر و الطغيان و الجحود من خراج ارض مفتوحة بغلبة الاسلام و ما يجري مجراها و يجب على من اتصف بالاسلام أن يمتثل امر السلطان» (2) و لذا يظهر مكانة العلماء العالية و تدخلاتهم الواضحة، فكان حجة الاسلام الشفتي في مدينة اصفهان يتدخل في نصب و عزل الحاكم و كان لا يتوانى عن اصدار الفتاوى و القيام بواجب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر. و بدأ هو مباشرة في اجراء احكام الشريعة من حدود و قصاص.
و كذلك العلامة احمد النراقي فبعد ان كان يسكن كاشان فقد طرد حاكم المدينة بعد ان لاحظ ظلمه و تعسفه (3) .
و لم يتمكن السلطان الاعتراض على ذلك. و هكذا مواقف الكثير من العلماء الآخرين و من معالم هذه الفترة تصدي بعض العلماء و الفقهاء لمسؤوليات بعناوين رسمية مثل الصدر و شيخ الاسلام و امام الجمعة و الجماعة و لم تكن هذه المناصب جديدة و من ابتكارات الدولة القاجارية فقد سبقتها الى ذلك الدولة الصفوية و منذ تأسيسها و اعلانها المذهب الامامي الاثنا عشري مذهب الدولة الرسمي، و في ذلك الوقت احتاج الشاه الصفوي الى من يدعم سلطته و يعزز مكانته الاجتماعية و يثبت أحقية المذهب الامامي و يعمل على نشره في اوساط الامة الايرانية لذلك عمد على ان يأتي بالعلماء لهذا الغرض من لبنان و العراق امثال المحقق الكركي و والد الشيخ البهائي و غيرهم. و منحهم الالقاب و الوظائف التي كانت سائدة لدى الدولة العثمانية المجاورة و المنافسة لهم و بذا فقد فتح الشاهات الصفويون الباب امام العلماء لان يؤدوا دورهم بحرية في نشر الفقه و المذهب الامامي، و قد نجحوا ايما نجاح و بنجاحهم هذا انتفع كذلك الملوك بان قويت مركزيتهم و وحدت شعبهم تحت ظل المذهب الامامي الواحد. و بلاشك رافق ذلك كثير من الصراعات و الحوارات الكثيرة التي خرج علماء المذهب الامامي منها منتصرين و قويت شوكتهم و هابهم الملوك و احترمتهم الامة فصار الملك لا يخرج عن استشارتهم و لا يتعدى اوامرهم و فتاواهم في كثير من الامور كما سيتضح ذلك من خلال تسليط بعض الاضواء على هذه المناصب التي كانوا يتقلدونها و الادوار التي يؤدوها في زمن الدولتين الصفوية و القاجارية و يمكن اعتبار الاخيرة امتداد للاولى و هناك وجه شبه في العلاقة مع العلماء في الدولتين.
الهوامش:
1) آراء في المرجعية الشيعية، لمجموعة من الباحثين: ص 392 نقلا عن الدين و الدولة في ايران، حامد الكار ص .103
2) المصدر السابق ص 392 عن الدين و الدولة ص .104
3) آراء في المرجعية الشيعية: ص 392، عوائد الايام ص 185ـ 206، نهضة رجال الدين المكافحين لعلي الدواني 1/ .59